الصدر لـ «الشرق الأوسط»: السعودية أثبتت قوتها وزيارتي لإنهاء النفس الطائفي

تحدث عن تطابق في الرؤى خلال لقائه مع الأمير محمد بن سلمان... واعتبر تطلعات المملكة «جيدة لنا»

الصدر لـ «الشرق الأوسط»: السعودية أثبتت قوتها وزيارتي لإنهاء النفس الطائفي
TT

الصدر لـ «الشرق الأوسط»: السعودية أثبتت قوتها وزيارتي لإنهاء النفس الطائفي

الصدر لـ «الشرق الأوسط»: السعودية أثبتت قوتها وزيارتي لإنهاء النفس الطائفي

تحدث مقتدى الصدر، زعيم التيار الصدري في العراق، عن تطابق في الرؤى خلال لقائه في جدة، مع نائب خادم الحرمين الشريفين، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، وقال إنهما ناقشا ملفات عدة من ملفات المنطقة بينها اليمن، والبحرين، وسوريا، والقدس، والعلاقات الإيرانية - السعودية، وكذلك علاقات بغداد بالرياض، مشيراً إلى أن الاجتماع اتسم بالصراحة بين الطرفين. وأكد أن الرياض تعد بمثابة «الأب» للجميع وقد أثبتت قوتها وهي تعمل على إحلال السلام في المنطقة. وأوضح الصدر، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن كافة الخلافات التي تسود المنطقة يمكن حلها تدريجياً حتى ولو استغرق ذلك وقتاً، مشيراً إلى أن ذلك يشمل الوضع القائم بين الدول الأربع وهي السعودية ومصر والبحرين والإمارات، من جهة، وقطر، من جهة، معتبراً أن الأخيرة لديها حساسية من التنازل، لكنها ستتنازل، وسترجع إلى حضنها العربي شيئا فشيئاً.
وأشار إلى أنه طالب بتنحي رئيس النظام في سوريا بشار الأسد من منصبه منذ أكثر من شهر، مشيراً إلى أن تنحي الأسد يمكن أن يساهم في إحلال السلام. وحول وجود خلافات بين عمار الحكيم وإيران، ذكر زعيم التيار الصدري في العراق أن الوضع لا يصل إلى مرحلة خلاف، لكن هناك بعض المشاكل التي لم يتم حلها حتى الآن، مضيفاً أن هناك خلافات أيضاً داخل المجلس الأعلى الإسلامي في العراق نتيجة وجود شخصيات كبيرة ترى نفسها في مستوى الحكيم.
وفي الشأن الداخلي العراقي، أكد الصدر أنه لا بد من مركزية الدولة العراقية، دون أن يكون هناك جيشان في البلد، قائلاً إن العراق سيواجه مشكلات كبيرة إذا لم يصل إلى مرحلة الدمج بين قوات الحكومة والحشد الشعبي، تحت قيادة رئيس الوزراء، وكذلك قائد القوات المسلحة.
وفيما يلي نص الحوار:
* التقيتم بنائب خادم الحرمين الشريفين، الأمير محمد بن سلمان بن عبد العزيز، فما هي أبرز الملفات التي نوقشت؟
- ناقشت مع نائب خادم الحرمين الشريفين جميع الملفات ومنها ما يخص العراق، وكذلك ملفات في المنطقة شملت كلاً من اليمن، والبحرين، وسوريا، والقدس، والعلاقات الإيرانية - السعودية، وكذلك علاقات بغداد بالرياض، ووصلنا في المناقشات إلى رؤى متشابهة.
حقيقة كان الأمير محمد بن سلمان صريحاً جداً معنا خلال اللقاء، كما كنا نحن معه، وتحدثنا في الكثير من المواضيع، وأبدى تفاؤله جداً، وهناك مشاريع لإحلال السلام ونبذ الطائفية في المنطقة، وحضوري كشيعي إلى منطقة سنية، يخيف كثيراً من الأعداء، لذلك سوف تُستهدف السعودية على إثر هذه الزيارة، وهذا الحديث لا يعني شيئا بالنسبة لنا بقدر إنهاء النفس الطائفي الذي يحاك من خلف الحدود، وهذا جدا مهم، خصوصا أن تطلعات السعودية جميلة وجيدة. إنني متفائل كثيراً بعد زيارتي للسعودية بأنه ستكون هناك مشاريع جديدة وتعاون مع العراق وفي عموم المنطقة.
* كيف ترى مستقبل العلاقات السعودية - العراقية بعد زيارة رئيس الوزراء حيدر العبادي للمملكة؟
- تأتي زيارة حيدر العبادي، رئيس الوزراء العراقي، إلى السعودية، في إطار العلاقة بين الحكومتين، كما أن حضوري إلى السعودية يأتي لتكون هناك علاقة ما بين الشعبين. نحن نحترم الشعب السعودي برمته، لا نفرق بين أحد، ونريد تطييب العلاقة ما بين الأخوة خلال هذه الفترة. في السنوات العشر الماضية كان هناك شيء من الحساسية يجب إزالتها، والتخفيف من حدة التوتر شيئا فشيئاً، ومن الضروري إعادة العراق إلى الحاضنة العربية.
* كيف ترون انسحاب عمار الحكيم من المجلس الأعلى الإسلامي، وهل هو على خلاف مع طهران؟
- لا يصل الوضع إلى خلاف. هناك بعض المشاكل التي لم تحل، وبعض المشاكل الداخلية في المجلس الأعلى، لوجود شخصيات كبيرة ترى نفسها في نفس مستوى السيد عمار الحكيم. رأى الأخ الحكيم عدم إخراجهم من المجلس الأعلى، وبادر هو إلى الخروج منه، وهذا من أخلاقياته، وسمّى بعد ذلك التيار الجديد بتيار «الحكمة»، وإن شاء الله سيكون منطلقاً لخدمة العراق والعراقيين. وهذا من الأمور المطلوبة في هذه الفترة، فإن خدمة الوطن مفيدة كما أن الشخص الإسلامي مفيد لبلاده، والوطني لا يجب أن يتخلى عن إسلاميته، ولكن لا بد أن يجمع بينهما.
* هل نترقب تحالفاً بينكم وبين الرئيس العبادي وعمار الحكيم في استحقاقات الانتخابات المقبلة؟
- ليس لدي أي مانع من التحالف، ليس كشخص وإنما كتيار صدري، خصوصاً أننا في صدد تشكيل كتلة عابرة للمحاصصة، من أشخاص تكنوقراط مستقلين لا ينتمون إلى أحد، من وجوه جديدة، كي نأخذ العراق إلى بر الأمان مع توفير الخدمات للمواطنين. فالعراق حالياً في فقر وحرب ومشاكل أمنية وكذلك خدمية، ولا بد على الحكومة الجديدة أن تأخذ بيدها لما فيه الصلاح.
* كيف ترون واقع الحشد الشعبي وتواجده؟
- ما زلت أقول إن العناصر المنضبطة في فصائل الحشد الشعبي والمقاتلين الآخرين الذين حرروا المناطق المختطفة -إذ يوجد هناك عناصر منضبطة بالفعل- يجب أن تكون هذه العناصر منضوية تحت ظل القوات الأمنية والشرطة، والجهات الأمنية الأخرى. فلا بد من مركزية الدولة العراقية. من الصعب أن يكون هناك جيشان في العراق. لذلك المطلوب الوصول إلى مستوى الدمج، ولا بد أن يكون ذلك تحت قيادة رئيس الوزراء، وكذلك قائد القوات المسلحة. وفي حال أن يكون (الحشد) خارجاً عن نطاق الدولة فهذا سيتسبب في مشاكل كثيرة.
* هل ما زلتم تدعون مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان العراقي، إلى تأجيل الاستفتاء حول انفصال كردستان، وما هي رؤيتكم في هذا الشأن؟
- لا نريد الضغط عليهم، وقد اتصلت بهم، وتمنيت كأقل تقدير أن يؤجل الاستفتاء، وإن كان إلغاء الاستفتاء على الانفصال فهو أفضل. نعتبر الكرد من تشكيلات العراق، ونريدهم أن يكونوا «منا وفينا»، ولكن بعض المشاكل المتراكمة من الحكومة السابقة أدت إلى ابتعادهم والوصول إلى هذه الدرجة بحيث يريدون الانفصال. وإذا انفصل إقليم كردستان سيتأثر العراق. وجود الأكراد يضفي على العراق الديمقراطية والحرية، وابتعادهم عنه سيجلب مشاكل من الداخل والخارج.
* أين وصل ملف ملاحقة رموز الفساد؟
- هناك صعوبات وكثير منها لم يتم تذليله، ولكن أملي في الانتخابات الجديدة والحكومة الجديدة، إذا تغيّرت المفوضية وقانون الانتخاب بما يتلاءم والوضع الشعبي. سيكون هناك وصول لأشخاص وكفاءات جديدة من التكنوقراط والمستقلين الذين يخدمون شعبهم.
بقاء الوضع الحكومي المتردي والفساد والسرقات، والرجوع إلى ما خلف الحدود، هذا سيضر بالشعب العراقي، ولا نؤيده. لذلك يجب أن تكون هناك انتخابات شفافة لإبعاد الفاسدين في العراق، ومحاكمتهم لإرجاع ما سرق من أموال العراق والمقدرة بالمليارات.
* كيف تجدون سياسات إيران وتدخلاتها في المنطقة؟
- نحن نريد أن تهدأ الأوضاع في المنطقة، وأن تتحمل كافة الأطراف بعضها البعض، وذلك بهدف الوصول إلى ثوابت نزيل من خلالها التوتر الطائفي، والتوتر السياسي. كل له مصالحه، وخصوصاً في العراق الذي ما زال دولة مفتوحة. هذا يتدخل، من جهة، وذاك يتدخل من جهة أخرى، وينتج عن ذلك صراعات. واليوم وقد حملنا مشروع إصلاح وتآخ ووحدة يجب أن لا نؤجج السيئ الموجود من كل الأطياف بما فيهم أنا، ولكن لا بد أن نزيل السيئ لنفتح صفحة جديدة لعل وعسى ننجح في ذلك.
* كيف ترون واقع المنطقة في ظل الأحداث المتتالية؟
- أسوأ ما في الموضوع أننا تركنا عدونا المشترك، وأصبحنا نتقاتل فيما بيننا. وقد تكون هناك حلول ولكنها ليست في أيام معدودة، فمثل هذه الزيارات بين الأديان والعقائد يخفف من حدة التوتر، ويساعد على نبذ الطائفية، وكلها يحتاج إلى تثقيف وتوضيح.
* اكتوت السعودية بالإرهاب، وأعلنت قوائم أسماء من السنة والشيعة، فكيف ترى ذلك؟
- السعودية اكتوت بنار الإرهاب، والتشدد، مثل كافة دول العالم، فلا بد من وجود تضافر دولي لإنهاء الفكر المتشدد والإرهابي. ونحن نأمل من الحكومة السعودية أن تتعامل بأبوة وصدق في هذا الجانب، كما أن على الشعب السعودي أن يتعامل بنفس الطريقة. لا يجب أن يتأجج النفس الطائفي في السعودية، الشيعي يبقى بهيبته، والسني يبقى مثل ذلك، والدولة تتعامل مع أبنائها وتخدمهم دون أن تفرّق بينهم.
وتحدثت مع الأمير محمد بن سلمان حول ذلك، وكان تعامله أبوياً معهم، ولا نأمل أن يكون مصيرهم كمصير ما يحدث في مناطق العراق، وتصبح هناك مفخخات ويسيطر الإرهاب على ذلك.
* الزج بشباب العراق في الحرب السورية. كيف يمكن إخراجهم، وما قراءتك للوضع الحالي؟
- قراري وما أعتقد به أن الشعب هو الذي يقرر مصيره. نحن لا نتدخل بشؤون الآخرين، كما نطلب من الآخرين عدم التدخل بشؤوننا. فأنا كتيار صدري منعت تدخل أي فرد من التيار في سوريا لا سلباً ولا إيجاباً. فهي أحداث تقع في سوريا وتحل بين السوريين. وما يوجد من تدخلات عراقية أتصور أن الحكومة تسعى شيئا فشيئاً إلى منعها. فبعد انتهاء الموصل قد تكون هناك توجهات أن تحرر سوريا من الإرهاب بواسطة العراقيين أو الحشد الشعبي وأنا أرفض ذلك، والحكومة أيضاً ترفضه، والمرجعية ترفض مثل هذا القرار. نحن نحرر بلدنا وهم يحررون بلدهم. وكما أننا لا نقبل أن يحارب السوريون في العراق، فبالمقابل نرفض أن يحارب العراقيون في سوريا.
* هل ترون ضرورة خروج الجماعات المسلحة من سوريا؟
- يفترض أن تخرج الجماعات المسلحة (من سوريا)، ولو كان القرار بيدي لا يكون هناك تدخل في الشأن السوري. وهذا القرار الذي أطلقته أدى إلى إزعاج كثيرين، ولكني أريد الحفاظ على دماء الشعب السوري. ليبنوا (أي العراقيون الذين يحاربون في سوريا) وطنهم قبل أن يبنوا أوطان الآخرين، فالوطن أحق بالخدمة من أن تخدم أوطان غيرك، وإذا كان هناك مجال أن يرجعوا ويتركوا سوريا وشعبها.
* هل أنت مع بقاء بشار الأسد أو رحيله؟
- الحقيقة أنا طالبت قبل أكثر من شهر أن يتنحى الأسد عن منصبه، ففيه إنقاذ لسوريا التي تعاني الويلات، والدماء في الشوارع، وليس هناك أي بنية تحتية، حروب وإرهاب، مع دمار، وقد يدخل الاحتلال في المستقبل لسوريا، وهذا فيه ضرر لكل المنطقة، وللعروبة والإسلام. فلو تنحى (الأسد) سيكون هناك باب انفراج وكذلك سلام أكبر بالتأكيد.
* ما هو رأيكم في تعنت الحوثيين ورفضهم مبادرات السلام المطروحة؟
- الحقيقة ما يهمني في اليمن الوضع الإنساني، خاصة مع تفشي الفقر والأمراض، وهذا كله بسبب التشدد. فلو تنازلنا وتعاملنا بحكمة قليلاً لما وصل الأمر إلى هذا الحد في اليمن وغيره، وقد وجدت أملاً كبيراً أثناء لقائي مع الأمير محمد بن سلمان، وهو قد قرر أن يعم السلام في اليمن، والبحرين، والعراق، وهناك تطلعات جديدة للسعودية، وبشر بها بانتهاء الحرب في اليمن، وفي سوريا وكافة المنطقة.
السعودية أثبتت قوتها، والآن تريد أن تثبت قدرتها على جلب السلام، وأنا متفائل جداً، ومع هذا التوجه لا يحق لأي طرف في اليمن أن يبقى متزمتاً ومتشدداً إذا أراد أن ينقذ وطنه.
* الدول الأربع المقاطعة لقطر لدعمها للإرهاب أعلنت قائمة شخصيات وكيانات. كيف تنظرون إلى ذلك؟
- أتمنى أن يكون هناك تجاوب من قطر، ونحن لا نريد أن نُشمت العدو فينا كعرب. الرياض والدوحة عرب يجب أن يكونوا متآخين، والسعودية بمثابة الأب للجميع.
لعل النفس القطري لديه حساسية ولا يريد أن يتنازل، لكنه في الأخير سيتنازل، وسيرجع إلى حضنه العربي شيئا فشيئاً، لكن النفس الأبوي، والأخوي مهم، وعدم التصعيد الإعلامي مهم، وسنجد بعد ذلك أننا وصلنا إلى مرحلة كبيرة.



هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
TT

هذه قصتنا يا محمد

الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)
الراحل الأستاذ محمد الشافعي في مكتبه (الشرق الأوسط)

هذه قصتنا يا محمد. وقعنا باكراً في الفخ. استدرجنا الحبر وهو جميل، وماكر. اخترنا مهنة شائكة. اخترنا نفقاً طويلاً. لا استراحات ولا هدنات. مطاردة محمومة للأخبار تنسينا تراكم السنوات الهاربة من شجرة العمر. مطاردة مضنية. لا القارئ يرتوي، ولا المؤسسات تفعل. يغالب الصحافي الأخبار طويلاً ثم تغلبه. تحوّله خبراً في صحيفته. خبر وفاة. خبر وداع.

كنا نستعد لوداع العام لا لوداعك. شاركتنا اجتماع أول من أمس. حملت دائماً إلى موعدنا اليومي. خبرتك الطويلة. ونبل مشاعرك. ورقي لغة التخاطب. وكأنك تعمدت أن تُبلغنا الرسالة. إن المحارب القديم لا يتقاعد. يفضّل السقوط على الحلبة. بعد ساعات فقط من الاجتماع جاءنا الخبر المؤلم. خانك القلب. ومن عادته أن يخون.

شاءت المهنة أن ينشغل هذا الرجل الهادئ بملفات عاصفة ورجال قساة. سرقت أفغانستان جزءاً كبيراً من اهتماماته. وكان يذهب إليها يوم كانت تغلي بـ«المجاهدين». وكان يرجع من تلك الأسفار المتعبة محملاً بالأخبار، والتحقيقات، والمقابلات. وحتى حين أوفد العمر رسائله لم يتنازل محمد الشافعي عن شغفه. تستوقفه كلمة. إشارة. عبارة تشبه عبوة ناسفة. وتثيره الأخبار، ويغريه التعب المتوّج بهدية طازجة إلى القراء.

قبل نحو أربعة عقود انتسب إلى عائلة «الشرق الأوسط». أحبها، وأحبته. وكما في كل قصص الحب لم يتردد ولم يتراجع ولم يبخل. أقول عائلة «الشرق الأوسط» وهي حديقة. حديقة أخبار وعناوين، وتحقيقات، ومقالات. وحديقة جنسيات وخبرات، وتجارب. تحت سقف المهنة وسقف الشغف. كان فخوراً بانتمائه إلى صحيفة متوثبة تُجدد وسائلها، وتحفظ روحها.

ما أصعب أن يطرق الموت الباب. ويخطف من العائلة ابناً عزيزاً، وأستاذاً قديراً. وما أصعب الغياب. اعتدنا أن نشاكسك. وأن نسألك. ونتعلم منك. ونعاتبك على أصدقائك القساة. ما أصعب مكتبك مسكوناً بغيابك. وما أصعب الاجتماع مفتقداً مساهمتك ورهافة تمنياتك.

هذه قصتنا يا محمد. نعيش بين سطرين ونموت بين سطرين. ننام أخيراً في أرشيف الصحيفة. وفي مودة زملائنا. و«الشرق الأوسط» بتنوعها، وأجيالها تحتضن ذكرى كل من بنى مدماكاً، وفتح نافذة، وأثرى أيام قرائها. خانك القلب ومن عادته أن يفعل، لكن المودات لا تعترف بالخيانات.


استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

استعجال نزع سلاح «حماس» يعرقل جهود استكمال «اتفاق غزة»

مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)
مسلحون من «حماس» يحرسون منطقة يبحثون فيها عن جثث الرهائن بمساعدة اللجنة الدولية للصليب الأحمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

خرجت تسريبات إسرائيلية، الأربعاء، عن اتفاق تل أبيب مع واشنطن على استعجال نزع سلاح حركة «حماس»، مع حديث عن مهلة محتملة لنحو شهرين لإنهاء المهمة، وسط ترقب لبدء المرحلة الثانية المتعثرة.

وجاء ذلك في ختام تفاهمات أميركية - إسرائيلية توعدت «حماس» بالسحق حال لم يتم نزع السلاح، وهذا يشي بأن ثمة عراقيل تطرح مسبقاً، خاصة أن إسرائيل بالمقابل، لم تعلن التزاماً بالانسحاب من قطاع غزة، وفق تقديرات خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، مشيرين إلى أن الأمر يحتاج إلى مزيد من التفاهمات بين الوسطاء و«حماس» للوصول لأفضل الصيغ بشأن سلاحها، والتي قد تكون في «ضبطه وليس نزعه».

وقال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الأربعاء، في مقابلة مع قناة «فوكس نيوز»، إن «حماس» لا تزال تمتلك نحو 20 ألف مسلح يحتفظون بنحو 60 ألف بندقية «كلاشينكوف»، مشدداً على أن أهداف الحرب لم تتحقق بالكامل، وعلى رأسها «القضاء التام على (حماس)»، وفق تعبيره.

تلك الإحصائية الإسرائيلية تأتي غداة نقل صحيفة «يسرائيل هيوم» عن مصادر، أن الولايات المتحدة وإسرائيل حددتا مهلة نهائية مدتها شهران لتفكيك سلاح الحركة عقب لقاء، الاثنين، بين نتنياهو، والرئيس الأميركي دونالد ترمب في فلوريدا.

وقال ترمب، في مؤتمر صحافي مشترك مع نتنياهو: «تحدثنا عن (حماس) وعن نزع السلاح، وسيمنحون فترة زمنية قصيرة جداً لنزع سلاحهم، وسنرى كيف ستسير الأمور».

وأضاف: «إذا لم ينزعوا سلاحهم كما وافقوا على ذلك، لقد وافقوا على ذلك، فسيكون هناك جحيم بانتظارهم، ونحن لا نريد ذلك، نحن لا نسعى لذلك، ولكن عليهم نزع السلاح في غضون فترة زمنية قصيرة إلى حد ما»، محذراً، من أن عدم الامتثال سيكون «مروعاً» بالنسبة للحركة، ومضيفاً أن دولاً أخرى «ستتدخل وتسحقها» إذا فشلت في إلقاء سلاحها.

غير أنه قال رداً على سؤال بشأن ما إذا كانت إسرائيل ستسحب جنودها من غزة قبل نزع سلاح «حماس» بشكل كامل: «هذا موضوع آخر سنتحدث عنه لاحقاً».

ولم تعلق «حماس» على هذه التهديدات رسمياً، غير أنها عادة ما ترفض تسليم سلاحها ما دام الاحتلال الإسرائيلي مستمراً، وقالت أكثر من مرة إنها منفتحة على أي حلول وسط بشأن ذلك.

أطفال فلسطينيون نازحون في خيمة أقيمت على أرض غمرتها المياه وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى المدير التنفيذي لـ«المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير عزت سعد، أن استعجال إسرائيل لنزع سلاح «حماس» يعرقل جهود الوسطاء لاستكمال اتفاق وقف إطلاق النار، مشيراً إلى أنه مطلب غير واقعي لا يقابله أي التزام من إسرائيل بشأن الانسحاب وإعادة الإعمار.

وبرأي المحلل السياسي الفلسطيني المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، فإن ملف سلاح المقاومة لن يكون عقبة حقيقية أمام استكمال الاتفاق، خلافاً لما تحاول إسرائيل الترويج له، موضحاً أن هناك مرونة كافية لدى حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية، مقرونة برؤية سياسية ناضجة جرى بلورتها في القاهرة خلال اجتماع جامع ضمّ مختلف الفصائل، باستثناء حركة «فتح»، وبمشاركة الجهات المصرية.

هذه الرؤية تبلورت في موقف موحّد تبنّته الدول الوسيطة، وعلى رأسها مصر وتركيا وقطر، وتم نقله إلى الجانب الأميركي خلال اجتماع ميامي هذا الشهر، وينصّ بوضوح «على ضبط السلاح والالتزام الكامل بوقف إطلاق النار، دون الانزلاق إلى منطق نزع السلاح كشرط مسبق أو أداة ابتزاز سياسي».

ويرى المدهون أن «حماس» معنية بشكل واضح بالوصول إلى المرحلة الثانية وتنفيذ الاتفاق كاملاً، وقدّمَت خلال المرحلة الأولى نموذجاً من الانضباط والالتزام وضبط الميدان، ما شجّع الوسطاء على تبنّي موقف داعم لاستمرار الاتفاق والانتقال إلى مرحلته التالية باستبدال ضبط السلاح بدلاً عن نزعه.

وثمة تهديدان بانتظار «اتفاق غزة»؛ الأول ذكره نتنياهو لموقع «نيوز ماكس» الأميركي، قائلاً: «سنستعيد رفات آخر رهينة في غزة بأي طريقة كانت»، والذي لم يتم الوصول له بعد، والثاني، بدء إعمار جزئي في رفح الفلسطينية قبل نزع سلاح «حماس»، بحسب ما نقلت «القناة الـ12» الإسرائيلية، وهو ما يتعارض مع جهود الإعمار الشامل الذي تسعى له الدول العربية.

ويرى السفير عزت سعد ضرورة الانتظار لمتابعة نتائج لقاء ترمب ونتنياهو على أرض الواقع، وهل ستبدأ المرحلة الثانية قريباً أم لا، محذراً من سعي إسرائيل لإعمار جزئي يهدد المرحلة الثانية.

ويعتقد المدهون أن العقدة الحقيقية ليست عند «حماس»، بل عند الاحتلال الإسرائيلي، الذي لم يلتزم حتى اللحظة بكامل استحقاقات المرحلة الأولى، ويواصل محاولاته لتخريب الاتفاق أو التهرّب من الانتقال إلى المرحلة الثانية.

ويرى أن هناك خطورة إذا بدأ الاحتلال الإسرائيلي، أو الجانب الأميركي، بالإعمار في المناطق المحتلة من قطاع غزة، والتي تشمل شرقي «الخط الأصفر»، وهذا يعني انقلاباً على الاتفاق، مشيراً إلى «أن المرحلة الثانية، والإعمار، يجب أن يتمّا في كامل قطاع غزة، ويجب أن يكون هناك انسحاب إسرائيلي الآن من الخط الأصفر، ومن ثم تبدأ عملية الإعمار بعد تشكيل حكومة فلسطينية أو إدارة فلسطينية مقبولة داخلياً وإقليمياً ودولياً».

ونبه إلى أن أحاديث إسرائيل هي «محاولة للتهرب من مقتضيات المرحلة الثانية، والأساس فيها هو الانسحاب من القطاع».


الحوثيون يقرّون بمقتل ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» الإيراني

الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)
الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)
TT

الحوثيون يقرّون بمقتل ممثلهم في غرفة عمليات «المحور» الإيراني

الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)
الغارات استهدفت مواقع اختباء ومراكز سرية للقيادة الحوثية (إعلام محلي)

توالت اعترافات الحوثيين بالخسائر التي لحقت بهم جراء الضربات الأميركية والإسرائيلية التي استهدفت مخابئ عدة لهم في 2025 بصنعاء وصعدة، من بينهم عبد الملك المرتضى، ممثلهم في غرفة العمليات المشتركة للمحور المدعوم من إيران في لبنان والعراق وسوريا.

فبعد أيام من الإقرار بمصرع زكريا حجر، قائد وحدة الطيران المسيّر ومساعديه، ومسؤول هندسة الصواريخ، أعلنت الجماعة الحوثية أن المرتضى، المنحدر من محافظة صعدة، سيشيَّع من «جامع الصالح» في صنعاء، الخميس، حيث تُرجّح المصادر مقتله في الضربات الأميركية التي استهدفت مخابئ عدة للحوثيين في مارس (آذار) من عام 2025.

ومع استمرار اختفاء وزيرَي دفاع وداخلية الحوثيين، وقائد المنطقة العسكرية السابعة عبد الخالق الحوثي، شقيق زعيم الجماعة، تُظهر هذه الاعترافات حصيلة من الخسائر النوعية هي الأثقل منذ بدء عملية التمرد على السلطة المركزية في صنعاء منتصف عام 2004. كما أنها تكشف، وفق مصادر عسكرية، عن الأسباب الفعلية التي دفعت بالحوثيين إلى عرض الهدنة على الولايات المتحدة خلال استهداف السفن في جنوب البحر الأحمر وخليج عدن.

المرتضى واحد من كبار قادة الجناح العسكري للحوثيين المرتبط بإيران (إعلام محلي)

ووفق ما ذكرته المصادر، فإن المرتضى ظل طيلة السنوات الماضية متنقلاً بين سوريا والعراق ولبنان ممثلاً للحوثيين في غرفة العمليات المشتركة لما يُسمى «محور المقاومة» الذي تدعمه إيران. ولعب دوراً محورياً في تنسيق العمل بين هذه المجموعات في البلدان الثلاثة، وسهّل نقل المقاتلين والأسلحة من إيران إلى اليمن، الذي عاد إليه بعد أحداث 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023.

مهام متعددة

طبقاً لبيانات ناشطي الجماعة الحوثية، فقد ظل المرتضى بعيداً عن الإعلام والتجمعات واللقاءات الشعبية، كحال بقية المسؤولين في الجناح العسكري، لكنه قاد معارك الجماعة في مديرية نهم بمحافظة صنعاء، والمواجهات التي شهدتها محافظة الحديدة، ووصلت خلالها القوات الحكومية إلى وسط عاصمة المحافظة، كما كان أحد قادة التمرد على السلطة المركزية، وتولى منذ عام 2009 قيادة مجموعة مسلحة أطلق عليها «لواء الإسلام».

بعد اندلاع الحرب في قطاع غزة، انتقل المرتضى إلى جنوب لبنان، حيث عمل ضمن جماعات تابعة لـ«حزب الله» في إطار عمل المحور المدعوم من إيران، إلا إن مقتل قادة «الحزب»، بمن فيهم الأمين العام حسن نصر الله، وأهم قادة التشكيلات العسكرية، أرغمه على الانتقال إلى العراق ضمن مجموعة أخرى من العناصر الحوثية التي كانت تعمل مع التشكيلات هناك.

الحوثيون تكبدوا خسائر غير مسبوقة خلال عام 2025 (إ.ب.أ)

ووفق المصادر، فإن المرتضى أُعيد في مطلع عام 2025 إلى مناطق سيطرة الحوثيين، قبل أن تصطاده غارة أميركية في مارس، وفق تقديرات المصادر، في حين أعلنت الجماعة أنه سيدفن برفقة اثنين من القادة الآخرين قُتلوا في غارات مماثلة.

خسائر أخرى

وسط سلسلة الاعترافات، كشف ناشطون حوثيون عن مصرع مجموعة أخرى من الجناح العسكري، بعضهم كان يعمل في هندسة الصواريخ، من بينهم راجح الحُنمي، الخبير في القوة الصاروخية، والعميد إسماعيل الوجيه، والعميد أحمد إسحاق، والعميد محمد الجنيد، والعميد ماهر الجنيد، والعقيد علي المؤيد، والعقيد محمد الشرفي.

وفي السياق، كشفت المصادر عن أن العقيد أحمد حجر، الذي أقر الحوثيون بمقتله مع أخيه قائد وحدة الطيران المسيّر، كان يعمل في قسم المهام اللوجيستية المرتبطة بقوة الصواريخ وسلاح الطيران المسيّر، من خلال عمله في مكتب القيادي عبد الملك الدُرّة، المعيّن برتبة لواء نائباً لرئيس هيئة الإسناد اللوجيستي بوزارة الدفاع الحوثية.

ووفق ما أوردته منصة «ديفانس» المعنية بالشؤون الأمنية والعسكرية، فإن الدُرّة منخرط في أنشطة الدعم اللوجيستي لمنظومة الصواريخ الحوثية وسلاح الدُّرُون، ويُشرف على توفير الاحتياجات وتهريب وتوريد معدات من الخارج، وتأمين البنى التحتية ومخابئ الورشات ومراكز التجميع والصيانة.

الجماعة الحوثية تعتمد سياسة الاعتراف بخسائرها العسكرية بالتدريج (إ.ب.أ)

كما أنه يعمل نائباً للقيادي مسفر الشاعر، المتورط في أنشطة التهريب والمدرج على لوائح العقوبات، والمكلف الاستحواذ على الممتلكات العامة والخاصة عبر ما يُسمى «الحارس القضائي».

وذكرت المنصة أن الدُرّة عمل مع الحوثيين منذ بداية تأسيسهم في جبال صعدة، وهو ضابط سابق في الجيش اليمني، وعمل مع الجماعة مسؤولاً عن دائرة الإمداد والتموين، وقبلها عمل مسؤولاً للاستخبارات في القوات الجوية والدفاع الجوي، كما عمل مسؤولاً للدفاع الجوي بمحافظة الحديدة، وهو أحد القادة الذين يُحاكمون غيابياً أمام القضاء العسكري اليمني.