«الدهس» و«السكين»... سلاحا الإرهاب الرخيص

هدفهما قتل مدنيين أو عسكريين عشوائياً لإشاعة الخوف

عناصر من شرطة اسكتلنديارد أمام مجلس العموم عقب حادث الدهس مارس الماضي («الشرق الأوسط»)
عناصر من شرطة اسكتلنديارد أمام مجلس العموم عقب حادث الدهس مارس الماضي («الشرق الأوسط»)
TT

«الدهس» و«السكين»... سلاحا الإرهاب الرخيص

عناصر من شرطة اسكتلنديارد أمام مجلس العموم عقب حادث الدهس مارس الماضي («الشرق الأوسط»)
عناصر من شرطة اسكتلنديارد أمام مجلس العموم عقب حادث الدهس مارس الماضي («الشرق الأوسط»)

ما زالت رسالة أبو محمد العدناني المتحدث باسم «داعش» التي بثها في تسجيل صوتي عام 2014 وقال للمتعاطفين مع التنظيم: «إذا لم تنجح في إلقاء قنبلة، أو فشلت في فتح النار على مشرك - على حد قوله - فيمكنك طعنه بسكين أو ضربه بالحجر أو سحقه بسيارة» تلقى بظلالها الآن مع تزايد حصد الأرواح عن طريق «الدهس بالسيارة» أو «الطعن بالسكين» وآخرها حادث إصابة 6 جنود فرنسيين في حادثة «دهس» بسيارة.
خبراء أمنيون وآخرون معنيون بشؤون الحركات الإسلامية قالوا إن «الدهس» و«السكين» هما سلاح «داعش» الرخيص لتأكيد بقاء التنظيم، ويستخدمهما عبر عناصره من «الذئاب المنفردة» أو «الخلايا النائمة» في الدول. وقتل نهاية الشهر الماضي شخص وأصيب عدد آخر في هجوم بسكين داخل متجر في مدينة هامبورج الألمانية. وقام طالب مصري بالتعدي بسكين على 6 سائحات ما أدى لمقتل ألمانيتين وتشيكية بمدينة الغردقة السياحية، وفي يناير (كانون الثاني) عام 2016 أصيب 3 سياح أوروبيين بجروح عقب هجوم بسكين في الغردقة أيضا.
كما نفذ طالب أميركي هجوما عشوائيا داخل حرم جامعي ما أسفر عن إصابة أحد عشر شخصا بعد أن قام بدهسهم بسيارته وتوجيه طعنات إليهم بالسكين؛ كما شهدت مدينة لندن حادثا مشابها على جسرها، إذ تعدى شخص على مجموعة من المارة بالسكين.
وفي يوليو (تموز) 2016 قاد إرهابي شاحنة في مدينة نيس جنوبي فرنسا، وكانت حصيلة الهجوم 84 قتيلا و434 جريحا. وفي 19 ديسمبر (كانون الأول) الماضي، شهدت العاصمة الألمانية برلين عملية دهس، بعدما استولى طالب على شاحنة ودهس عددا من المارة مما أدى إلى مقتل 12 شخصا وإصابة 56 آخرين. وفي السويد قتل 4 أشخاص في عملية دهس بشاحنة وأصيب 15 آخرون. وفي فبراير (شباط) الماضي تكرر سيناريو الدهس في ألمانيا بعملية استهدفت المارة في هايدلبرغ مما أسفر عن مقتل شخص وإصابة اثنين آخرين.
واهتز أمن العاصمة البريطانية لندن في مارس (آذار) المنصرم، على وقع حادثة دهس استهدف خلاله منفذه البريطاني بسيارته المارة فوق جسر ويستمنستر ليقتل 3 أشخاص ويصيب العشرات قبل أن ترديه الشرطة قتيلا... وتكرر الحادث ذاته في المدينة ذاته في 3 يونيو (حزيران) الماضي، عندما دهست حافلة صغيرة عددا من المشاة على جسر لندن، في ليلة رعب شهدت فيها المدينة سلسلة من الهجمات الإرهابية المنسقة... وأغلب هذه الحوادث تبنها «داعش».
ويقول مراقبون إن «داعش» لم يعد مجرد تنظيما راديكاليا متطرفا يحترف القتل تحت غطاء مشوه للإسلام؛ بل أمعن تماما في قتل الأبرياء واستغل وسائل الإعلام التي يمتلكها في نشر فظائعه التي يرتكبها ضد الإنسانية.
وقال اللواء كمال المغربي الخبير الأمني والاستراتيجي بمصر، إن «التنظيم أوصى أتباعه بالغرب وأوروبا في العدد الثاني من مجلة (رومية) باستخدام السلاح الأبيض و(الدهس) في عملياتهم الانتقامية القادمة؛ ولعل السر في ذلك يكمن إلى سهولة الوسيلتين مما يسهل على أتباع التنظيم الوصول إلى الغاية المنشودة من العملية بسهولة وإلحاق الضرر بأكبر عدد ممكن»، موضحا أن السكين والدهس هما سلاح «داعش» الرخيص للمحافظة على «وهم الخلافة» وتأكيد بقاء التنظيم، عبر عناصره من «الذئاب المنفردة» أو «الخلايا النائمة» في الدول.
ويشار إلى أن عمليات الدهس لا تتطلب؛ إلا مركبات فقط، تقاد بسرعة كبيرة للانقضاض على الهدف، حتى بات هذا الأسلوب الأكثر مرونة وسهولة في تنفيذ الأهداف والأقل تكلفة. وبحسب المراقبين ليس للهجوم بالسكين أو الدهس أي هدف نوعي سوى قتل أكبر عدد من الناس عشوائيا سواء كانوا مدنيين أو عسكريين، بهدف إشاعة الخوف في المناطق المستهدفة، حيث يمكن أن يكون الهجوم في الشارع أو جامعة أو ملعب أو مركز تسوق أو حتى مسجد.
وفي ديسمبر (كانون الأول) عام 2016 بث «داعش» إصدارا مرئيا، شرح خلاله طريقة استخدام السكاكين في القتل... والإصدار تناول طريقة استخدام السكاكين، والمواضع التي يجب تركيز الطعن فيها، وأفضل أنواع السكاكين ومواصفاتها.
بينما رجح عمرو عبد الرحمن الباحث في شؤون الحركات الإسلامية بمصر، أن يكون من يستخدم السكين أو يقوم بالدهس عناصر منفردة لـ«داعش» أو ما يطلق عليهم «الذئاب المنفردة»، لافتا إلى أن «الذئاب المنفردة» هم أشخاص يقومون بهجمات بشكل منفرد من دون أن تربطهم علاقة واضحة بقيادة التنظيم؛ لكنهم ينفذون هجمات مسلحة بدوافع عقائدية اقتناعا بأفكار «داعش».
ويذكر أن الذبح بالسكين أول من استخدمه المقاتلون في الشيشان ضد الجنود الروس، وقاموا بتصوير الذبح وبثه عبر أشرطة فيديو قبل انتشار الإنترنت واكتشاف شبكات التواصل الاجتماعي.
ومصطلح «الذئاب المنفردة» يشير إلى تكتيك تستخدمه الجماعات المسلحة حين تشتد الرقابة عليها، نظرا لقوة الدول ويقظة أجهزتها الأمنية، فيصعب عليها العمل بطريقة جماعية منظمة. يتزامن ذلك مع تزايد مخاوف الأوروبيين والأميركيين من تشجيع المتطرفين الإسلاميين على القيام بمثل هذه الأعمال المنفردة بدلا من العمل بشكل جماعي لتنفيذ هجوم ما.
وبحسب اللواء المغربي «تعد الخلايا النائمة أبرز ما يثير القلق هذه الأيام لدى سلطات الدول، لأن عناصرها يعملون بالخفاء في مساعدة المسلحين، بينما هم في العلن يمارسون أعمالا عادية وبخاصة في الدول الأوروبية، ويقومون بعمليات دهس وطعن دون أن يكونوا معروفين للسلطات».
ولفت المغربي إلى أن «الخلايا النائمة» المتعارف عليها داخل «داعش» في الأراضي التي تقع تحت سيطرته في سوريا والعراق تختلف عن «الخلايا الناشطة»... فالعناصر الناشطة «لها بيعة وأمير مباشر ووظيفة داخل الهيكل التنظيمي وغير مرتبطة بعمل حكومي وتأخذ كفالات شهرية (رواتب) وملزمة بولاية من ولايات التنظيم».
ويقول مراقبون إن الذئب المنفرد يتحول من حالة «الخلية النائمة» إلى الحالة الهجومية في أي لحظة، خاصة عند الشعور بالخطر أو أن أمره قد كُشف بشكل يجعل من المستحيل تعقبه قبل أن يقرر القيام بعمل إرهابي، كما حدث في هجومي باريس وبلجيكا... ويمكن تشبيه تلك الأحداث بأنها أشبه ما تكون بحرب «العصابات» من خلال نشر فكرة ينفذها شخص أو مجموعة أشخاص، ليس بالضرورة أن يكونوا مرتبطين عضويا بالتنظيم فقد يكونون متعاطفين.
ووفق اللواء المغربي فإن هناك عددا غير قليل من المقاتلين الأجانب ضمن صفوف تنظيم داعش في سوريا والعراق وليبيا ودول أفريقيا، وهو ما يشير إلى أنه حال عودتهم لدولهم مرة أخرى متشبعين بأفكار متطرفة، وأفكار راديكالية، فإنهم يمثلون نواة لضم «الذئاب المنفردة» الجديدة في خلايا موالية للتنظيم المتطرف، للقيام بعمليات إرهابية فردية. وباتت ظاهرة «الذئاب المنفردة» التحدي الأكبر للأجهزة الأمنية، بعد أن نجحت في شن عدة هجمات إرهابية كبرى في فرنسا وألمانيا وبلجيكا وتركيا وتونس وغيرها من الهجمات.
وقال المغربي إن حوادث «الدهس» تعتمد على استخدام السيارة سلاحا للإرهاب، فالإرهابي في هذه الحالة لا يحمل سلاحا آليا أو قنبلة يمكن أن تكتشفها أجهزة الأمن، وكل ما يحتاجه هنا هو إجادة قيادة الشاحنات، ثم يندفع بها وسط حشد من الناس فيوقع عددا كبيرا من الضحايا دون أن يتمكن أحد من كشفه مسبقا، مضيفا: أن «حوادث الدهس لا تحدد فئة معينة، فالكل يسير في الشارع، أو موجود على الأرصفة لذا ضحاياه يكونون كبارا وصغارا».



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended