بيونغ يانغ تسخر من ترمب وتعرض خطتها لمهاجمة غوام

اليابان ترفض «التسامح» مع استفزازات كوريا الشمالية

صورة نشرتها وكالة الأنباء الكورية الشمالية أمس للعرض الذي نظم في ساحة بيونغ يانغ الرئيسية أول من أمس (أ.ف.ب)
صورة نشرتها وكالة الأنباء الكورية الشمالية أمس للعرض الذي نظم في ساحة بيونغ يانغ الرئيسية أول من أمس (أ.ف.ب)
TT

بيونغ يانغ تسخر من ترمب وتعرض خطتها لمهاجمة غوام

صورة نشرتها وكالة الأنباء الكورية الشمالية أمس للعرض الذي نظم في ساحة بيونغ يانغ الرئيسية أول من أمس (أ.ف.ب)
صورة نشرتها وكالة الأنباء الكورية الشمالية أمس للعرض الذي نظم في ساحة بيونغ يانغ الرئيسية أول من أمس (أ.ف.ب)

سخرت بيونغ يانغ، أمس، من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، معتبرة أنه «فاقد للإدراك»، وعمدت إلى التصعيد تجاه واشنطن، عارضة خطة مفصلة لإطلاق دفعة من الصواريخ على جزيرة غوام في المحيط الهادي.
وحذّر الشمال من أن هذه الخطة التي عرضها بدقة كبيرة وتستهدف موقعاً استراتيجياً متقدماً للقوات الأميركية على طريق آسيا، ستشكل «تحذيراً أساسياً للولايات المتحدة»، معتبراً أن «وحدها القوة المطلقة» سيكون لها تأثير على الرئيس الأميركي.
وجاء هذا التحذير ردّاً على تغريدة لترمب أكد فيها أن الترسانة النووية الأميركية «أشد وأقوى من أي وقت مضى». وقبل ذلك بساعات، فاجأ الرئيس الأميركي الأسرة الدولية حين توعد الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون بـ«النار والغضب»، في تحذير بدا وكأنّه يستعير خطاب بيونغ يانغ نفسه.
وتثير هذه الحرب الكلامية بشأن برنامجي بيونغ يانغ الباليستي والنووي، مخاوف من خطأ في الحسابات قد تترتب عنه عواقب كارثية لا تقتصر على شبه الجزيرة الكورية.
وأجرى الشمال في يوليو (تموز) تجربتين ناجحتين لصواريخ باليستية عابرة للقارات، ما قد يضع الأراضي الأميركية بمرمى نيرانه. وقال قائد القوات الباليستية الكورية الشمالية، الجنرال راك جيوم، إن تصريحات الرئيس الأميركي «كلام هباء»، معتبراً أن «الحوار الصحيح غير ممكن مع شخص كهذا فاقد للإدراك ولا يجدي معه فقط سوى القوة المطلقة».
وأكد أن الجيش الكوري الشمالي سيضع اللمسات الأخيرة لخطته ضد غوام بحلول منتصف أغسطس (آب)، وسيطرحها على الزعيم الكوري الشمالي للموافقة عليها.
وأوضح الجيش أنه سيتم إطلاق أربعة صواريخ بصورة متزامنة، وأنها ستعبر فوق مناطق شيمان وهيروشيما وكويشي اليابانية. وتابع أن الصواريخ «ستحلق 17 دقيقة و45 ثانية على مسافة 3356.7 كيلومتر، وتسقط في البحر على مسافة 30 أو 40 كلم من غوام»، خارج المياه الإقليمية الأميركية.
وتشمل خطة كوريا الشمالية أربعة صواريخ من طراز «هواسونغ - 12»، ينتهي مداها على بعد 30 إلى 40 كلم من غوام. وخلال التجربة الأخيرة في مايو (أيار)، قطع هذا الصاروخ المتوسط المدى نحو 787 كيلومتراً. وأطلق من زاوية مرتفعة ويصل مداه الأقصى إلى نحو 5 آلاف كيلومتر بحسب خبراء. وتقع جزيرة غوام في غرب المحيط الهادي على مسافة نحو 3300 كلم من كوريا الشمالية، وهي تؤوي منشآت أميركية استراتيجية من قاذفات ثقيلة بعيدة المدى ومقاتلات وغواصات تشارك بانتظام في تدريبات ومناورات في شبه الجزيرة الكورية والمناطق المجاورة لها، ما يثير غضب بيونغ يانغ. كما تحظى غوام التي يقيم فيها 163 ألف نسمة، بحماية درع مضادة للصواريخ من طراز «ثاد».
وقد لا يكون «هواسونغ 12» أكثر الصواريخ دقة، وتعدّ تكنولوجيته مشابهة لتلك التي كان الاتحاد السوفياتي يستخدمها إبان السبعينات، بحسب يانغ أوك الباحث في المنتدى الكوري للدفاع والأمن. غير أن «هذه الصواريخ قد تخفق في بلوغ هدفها ضمن محيط خمسة كيلومترات حدّاً أقصى». ونظرا لمسافات التحليق التي كشفت عنها بيونغ يانغ «يبدو خطر ضرب الجزيرة عرضاً ضئيلاً حتى الساعة».
ولفت الأستاذ في جامعة الدراسات الكورية الشمالية في سيول، يانغ مو جين، إلى الطابع الاستثنائي للتفاصيل التي عرضتها بيونغ يانغ. وقال لوكالة الصحافة الفرنسية إنه «لا يمكن أن نستبعد أن ينفذ الشمال هذه الخطة».
وتذكر الأزمة الحالية بأزمة وقعت في الثمانينات إبان الحرب الباردة، حين أطلق الاتحاد السوفياتي صواريخ غير مجهزة برؤوس سقطت في المحيط الهادي على مسافة ألف كلم من هاواي.
وردّاً على هذه الخطة المفصلة، قال سيباستيان غوركا أحد مستشاري الرئيس الأميركي لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) إن «دونالد ترمب كان واضحاً تماماً في أنه سيتخذ أي إجراءات ملائمة لحماية الولايات المتحدة ومواطنيها». وأضاف: «نحن لا نعلن خططنا المستقبلية، وكيف سنتصرف». وتابع: «إذا كشفت للاعبين على طاولة البوكر أوراقك فستخسر. إنها ليست فكرة جيدة في لعبة الورق، وهي فكرة سيئة للغاية في الجغرافيا السياسية».
ويوضح المحللون أنه في حال إطلاق صواريخ على غوام، ستجد واشنطن نفسها في موقع دقيق. فإن لم تحاول اعتراضها، ستتضرر مصداقيتها وسيدفع ذلك بيونغ يانغ إلى المضي قدماً، واختبار صاروخ باليستي حقيقي عابر للقارات. لكن إذا حاولت اعتراض قصف من كوريا الشمالية ونجح صاروخ في اختراق دفاعاتها، عندها ستكون فاعلية الأنظمة الدفاعية الأميركية موضع تشكيك.
ونشرت واشنطن منظومتها القوية المضادة للصواريخ «ثاد» (ترمينال هاي ألتيتيود ايريا ديفنس)، في منطقة آسيا المحيط الهادي، وضمنها غوام. وعلى غرار «إس إم - 3»، تستخدم هذه المنظومة الطاقة الحركية للصاروخ الاعتراضي للقضاء على الهدف من خلال قوة الصدمة. وتكللت تجربتها الأولى في صد صاروخ متوسط المدى بالنجاح الشهر الماضي في ألاسكا. لكن الاعتراض يحدث في المرحلة «النهائية» من مسار الصاروخ، الأمر الذي يرجح أن تكون البطاريات التي تم نشرها في كوريا الجنوبية واليابان غير فعالة.
وبحسب خبراء، قد يكون من الصعب على الدرع الصاروخي الذي تم نشره في غوام اعتراض أربعة صواريخ بشكل متزامن. وفي تغريدة على «تويتر»، استغرب جيفري لويس من معهد ميدلبري للدراسات الدولية في كاليفورنيا احتمال صد أربعة صواريخ في الوقت ذاته.
من جانبه، رأى الباحث في مركز التقدم الأميركي، آدام ماونت، في تغريدة «إنه تهديد قسري من أجل وضع حد لطلعات بي 1»، قاذفة القنابل الأميركية الاستراتيجية. وتابع: «خلافاً لتهديدات ترمب الغامضة والشديدة اللهجة، فإن تهديدات كوريا الشمالية قسرية وواضحة ومحددة وتنطوي على مخاطر تصعيد قابلة للتصديق»، مضيفاً أن «الرد عليها صعب».
ونزل آلاف الكوريين الشماليين الأربعاء رافعين قبضاتهم في شوارع بيونغ يانغ في مظاهرات دعم للنظام نظمتها السلطات. وكتب على لافتة خلال إحدى المظاهرات: «عشرة ملايين قلب تخفق بوعد الدفاع عن الأرض الأم حتى الموت».
من جهتها، أعلنت الحكومة اليابانية أمس أنه لم يعد بإمكانها «التسامح» مع استفزازات كوريا الشمالية بعد أن أعلن الجيش الكوري الشمالي عن خطة إطلاق صواريخ باتجاه جزيرة غوام تطير فوق اليابان.
وقال يوشيهايد سوغا، الناطق باسم الحكومة اليابانية، للصحافيين إن «تصرفات كوريا الشمالية الاستفزازية، بما فيه هذه المرة، هي بشكل ظاهر استفزاز للمنطقة ومن ضمنها اليابان، وأيضاً لأمن المجتمع الدولي»، مضيفاً: «لم يعد بإمكاننا التسامح مع هذا». وأضاف: «نحث كوريا الشمالية بقوة على أخذ التحذيرات القوية والتوبيخات التي تكررت بجدية، والالتزام بسلسلة قرارات الأمم المتحدة والامتناع عن القيام بأي أعمال استفزازية أخرى».
وتعهدت اليابان في الماضي بإسقاط الصواريخ الكورية الشمالية التي تهدد أراضيها، على الرغم من امتناع سوغا هذه المرة الكشف عن تفاصيل استراتيجية بلاده بهذا الخصوص.
لكن سوغا قال إن قوات بلاده العسكرية «سوف تأخذ التدابير الضرورية». وأضاف أنه «من المهم جدّاً المحافظة على قوة ردع أميركية، في الوقت الذي أصبح فيه الوضع الأمني في المنطقة حرجاً للغاية». وتابع أن «الرئيس ترمب قال إن كل الخيارات موجودة على الطاولة، والحكومة اليابانية ترحب بهذه السياسة». وأشار إلى أن اليابان والولايات المتحدة «تتشاوران عن قرب مع بعضهما»، وسوف يعقد وزيرا دفاع وخارجية البلدين اجتماعاً في 17 أغسطس المقبل.
وتمتلك طوكيو، كما واشنطن، منظومة صواريخ اعتراضية تُعرف بـ«ستاندرد ميسايل - 3» (إس إم - 3). وتستخدم هذه المنظومة تقنية «هجوم القوة العمياء»، أي ما يوازي شاحنة زنتها 10 أطنان تنطلق بسرعة ألف كلم في الساعة تقريباً لتدمير هدف من خلال الاصطدام به. وقد يخرج الصاروخ من الغلاف الجوي للأرض ويعترض صواريخ باليستية على علوٍّ مرتفع.
وأكدت شركة «رايثيون» المصنعة لهذه المنظومة أن الأمر يشبه «كرة تعترض كرة أخرى».
وفي كوريا الجنوبية، حذّر الجيش بأن الشمال سيتعرض لـ«رد شديد وحازم» في حال تنفيذه هجوماً. وغالباً ما يشهد التوتر في شبه الجزيرة الكورية تصعيداً بالتزامن مع المناورات العسكرية المشتركة بين سيول وواشنطن. وتبدأ التدريبات المقبلة قرابة 21 أغسطس.
وأوضح المحلل في معهد «سيجونغ»، هونغ هيون إيك، أن «التفسير الكوري الشمالي لخطاب واشنطن يختلف عن التفسير الغربي لتهديدات بيونغ يانغ الاعتيادية. بالنسبة للشمال، فإن تصريحات ترمب شديدة اللهجة هي مسألة حياة وموت». وحذر وزير الدفاع الأميركي جيم ماتيس كوريا الشمالية من أي أعمال قد تؤدي إلى «نهاية نظامها»، فيما أشارت متحدثة باسم البيت الأبيض إلى أن ترمب هو الذي اختار صيغة تصريحاته، غير أن «نبرة الرسالة وقوتها»، هما نتيجة مشاورات مع فريقه.



صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
TT

صراعات متشابكة ونظام دولي متآكل... العالم ينزلق نحو المواجهة الكبرى

كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)
كوكب يشهد صراعات وحروباً لا تنتهي... (رويترز)

لطالما ساد اعتقاد بأن الحرب العالمية الثالثة، إن وقعت، ستندلع نتيجة شرارة واحدة تقسم العالم بين معسكرين متقابلين خلال أيام. غير أن هذا التصور لا يتطابق مع طبيعة الصراع الدولي الراهن. فبدلاً من «الانفجار الكبير» المفاجئ، يتشكل اليوم نمط جديد من النزاعات، أكثر تعقيداً وتداخلاً، بحيث يبدو العالم كأنه ينزلق تدريجاً نحو حرب نشهد، بل يعيش بعضنا فصولها الأولى، وإن لم يُعترف بها رسمياً بعد.

وفي هذا السياق، يمكن القول إن الأزمات الدولية لم تعد أحداثاً منفصلة، بل تحولت إلى حلقات مترابطة ضمن شبكة صراعات أوسع. من الشرق الأوسط إلى أوكرانيا، وصولاً إلى تايوان وأميركا اللاتينية، تتقاطع مصالح القوى الكبرى وتتشابك أدواتها العسكرية والاستخباراتية والاقتصادية، الأمر الذي يجعل أي تصعيد في منطقة معينة قابلاً للتمدّد إلى مناطق أخرى. ويترافق هذا الترابط مع تراجع واضح في فاعلية النظام الدولي القائم على قواعد «مثالية»، الأمر الذي يدفع بعض المراقبين إلى التأكيد أن العالم دخل فعلياً المرحلة التمهيدية لحرب عالمية ثالثة.

3 مقاتلات «إف 18 سوبر هورنيت» انطلقت من حاملة الطائرات الأميركية «أبراهام لنكولن» الموجودة في الشرق الأوسط (رويترز)

* مؤشرات ميدانية وسياسية

من يظنّ أن هذا الاستنتاج متسرّع عليه أن ينظر إلى مؤشرات ميدانية وسياسية لا يمكن تجاهلها؛ ففي الشرق الأوسط، تشكّل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، إحدى أخطر بؤر التوتر. ويتخوف خبراء عسكريون من أن ترى الصين، مثلاً، في ذلك فرصة سانحة للتحرك عسكرياً تجاه تايوان، وهو سيناريو قد يفتح الباب أمام مواجهة دولية شاملة.

وفي هذا السياق، أجرت الصين تدريبات عسكرية واسعة النطاق، شملت محاكاة فرض حصار بحري على الجزيرة التي تدخل استعادتها في صلب العقيدة السياسية لبكين، إلى جانب تطوير قدرات تكنولوجية متقدمة؛ مثل أدوات تعطيل البنية التحتية الرقمية للدول المستهدَفة.

ولا يقل الوضع تعقيداً في شبه الجزيرة الكورية، حيث تواصل كوريا الشمالية تطوير قدراتها العسكرية، بما في ذلك الأسلحة النووية والصواريخ الباليستية. وقد كثف زعيم البلاد كيم جونغ أون زياراته للمصانع العسكرية و«استعراضات» إشرافه على تجارب صاروخية، فيما تتراجع فرص استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة وكوريا الجنوبية لإزالة أسباب التوتر.

إطفائيان يكافحان حريقاً في مدينة أوديسا الأوكرانية اندلع بعد هجوم بمسيّرة روسية (رويترز)

الأخطر من ذلك هو التقارب المتزايد بين بيونغ يانغ وموسكو، فقد أرسلت كوريا الشمالية قوات وأسلحة لدعم روسيا في حرب أوكرانيا، مقابل كلام عن حصولها على تكنولوجيا عسكرية متقدمة. ويعزز هذا التعاون ترابط ساحات الصراع المختلفة، ويزيد احتمال اتساع نطاق المواجهة.

وفيما يخص حرب أوكرانيا، لم يعد أحد يستخدم تسمية «عملية عسكرية خاصة» التي أطلقها فلاديمير بوتين في فبراير (شباط) 2022، فالحرب تجاوزت عامها الرابع ولا يُعلم متى وكيف تنتهي... ويرى بعض دول أوروبا في الحملة العسكرية الروسية مجرد محطة ضمن استراتيجية أوسع لإعادة رسم التوازنات في القارة. لذا؛ تتزايد التحذيرات الغربية من احتمال توسع النزاع، خصوصاً في مناطق حساسة مثل بحر البلطيق (شمال) أو منطقة البلقان (جنوب). كما أن الاختبارات الروسية المتكررة لقدرات حلف شمال الأطلسي، عبر اختراقات المجال الجوي أو تحركات عسكرية قرب الحدود، تعكس رغبة في تلمّس حدود الردع الغربي.

وقد دفع هذا التوتر المتصاعد عدة دول أوروبية إلى إعادة النظر في سياساتها الدفاعية، بما في ذلك رفع الموازنات العسكرية وتعزيز التحصينات الحدودية والانسحاب من اتفاقات تحدّ من استخدام بعض الأسلحة. ويعكس ذلك إدراكاً متزايداً لكون احتمالات المواجهة المباشرة، وإن لم تكن وشيكة، لم تعد مستبعدة كما كانت في السابق.

وفي المحصلة، يبدو أن العالم لا يتجه نحو حرب عالمية تقليدية؛ بل ينخرط في صراع متعدد الأبعاد، تتداخل فيه الجبهات وتتعدد أدواته بين العسكرية والاقتصادية والتكنولوجية. وتقف الولايات المتحدة، بوصفها القوة العظمى الأبرز، في قلب هذا المشهد، سواء على أنها قائدة لتحالفات دولية أو طرف مباشر في النزاعات.

لكن ما يميز المرحلة الراهنة هو غياب الخطوط الفاصلة الواضحة بين الحرب والسلم، حيث تتآكل القواعد الدولية تدريجياً، وتُختبر حدود الردع باستمرار. والمؤكد أن العالم يعيش مرحلة انتقالية خطيرة، قد تعيد تشكيل النظام الدولي لعقود مقبلة.

تجربة إطلاق صاروخ فرط صوتيّ في كوريا الشمالية (أرشيفية - رويترز)

ومع ذلك، يرى بعض المحللين أن الحديث عن حرب عالمية ثالثة بصيغتها التقليدية غير دقيق. فالصراع الدائر اليوم لا يتخذ شكل مواجهة مباشرة واحدة، بل يتمثل في تنافس متشعّب الأضلع وطويل الأمد بين الولايات المتحدة من جهة، ومحور فضفاض يضم الصين وروسيا وإيران من جهة أخرى. وتُخاض هذه المواجهة عبر حرب مباشرة راهناً بين أميركا وإيران، وحروب بالوكالة، وضغوط اقتصادية، وصراع على المواقع الجيوسياسية الحساسة، بدلاً من معارك تقليدية واسعة النطاق.

* رؤى استشرافية

عالم اليوم مليء بالتناقضات، فمقابل التقدم التكنولوجي الهائل الذي استبشر به كثر آملين في القضاء على الفقر والجوع والمرض، ثمة هشاشة بنيوية صادمة: فيروس مجهري شلّ العالم، وعولمة اقتصادية لا تتمتع بالمرونة للتكيّف مع الأزمات، ومؤسسات دولية تعجز عن التعامل مع الطوارئ، وهوّة بين مجتمعات وأفراد يزدادون ثراءً وفقراء يزدادون بؤساً، وإرهاب وتطرف وحروب متنقلة، وتلوّث مستفحل وتدهور مناخي مستمرّ... ووسط كل هذا سباق محموم لامتلاك الأسلحة بما فيها النووية!

ويَصلح هنا أن نعود إلى أدبيات استشرافية حاولت قبل عقود قراءة مستقبل النظام الدولي، ومن أبرزها كتاب صدر عام 1997 بعنوان «سيناريوهات إعادة تشكيل المجتمع الأميركي والعالمي بواسطة العلم والتكنولوجيا» Scenarios of U.S. and Global Society Reshaped by Science and Technology، لجوزيف كوتس، وجون ماهافي، وآندي هاينز. وقد حددوا فيه التحولات الأربعة (تكنولوجيا المعلومات، وعلم الوراثة، وتكنولوجيا المواد، وتكنولوجيا الطاقة) التي ستؤدي دوراً حاسماً في إعادة صياغة التوازنات العالمية. واليوم، مع تصاعد الحروب السيبرانية والتنافس على الذكاء الاصطناعي والطاقة، يتّضح أن بعض تلك السيناريوهات صار جزءاً من الواقع.

وأصاب هذا الكِتاب في تحديد عوامل التحوّل، لكنه أخطأ في افتراض أنها ستقود إلى الاستقرار والسلام.

حاملة الطائرات الفرنسية شارل ديغول تغادر مرفأ خليج سودرا في جزيرة كريت اليونانية (رويترز)

وفي المقابل، برعَ رجل الأعمال والمفكّر الأميركي راي داليو - مؤسس صندوق التحوّط «بريدجووتر» - في تبيان أسباب اندلاع حرب عالمية ثالثة في إطار تحليلي واسع يربط بين التاريخ والدورات الاقتصادية والسياسية، خصوصاً في كتابه «النظام العالمي المتغيّر» (The Changing World Order) الصادر عام 2021.

ويرى داليو أن الحروب الكبرى لا تندلع فجأة، بل تكون نتيجة تراكمات ضمن «دورة كبرى» تتكرر عبر التاريخ، وتشمل مجموعة عوامل رئيسية:

- صعود قوة جديدة وتراجع قوة مهيمنة، وهذا ما يُعرف بـ«فخ ثوقيديدس»، حين يؤدي صعود دولة (مثل الصين) إلى تحدّي الدولة المهيمنة (الولايات المتحدة)، مما يولّد توتراً بنيوياً قد ينتهي بصراع عسكري.

- تفضي الديون والانهيار الاقتصادي في الدول الكبرى إلى أزمات اقتصادية حادة، تُضعف الاستقرار الداخلي وتزيد احتمالات الصراع الخارجي.

- الانقسامات الداخلية والاستقطاب السياسي والاجتماعي داخل الدول (خصوصاً الكبرى) يمكن أن يتحول كل ذلك إلى صراع داخلي يضعف الدولة، ويجعلها أكثر ميلاً للصدام الخارجي لكي تتجنب التفكك والانهيار.

- تراجع النظام العالمي القائم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى حد الاضمحلال، مع ضعف المؤسسات الدولية وتراجع الثقة بالقواعد التي تنظّم العلاقات بين الدول.

- الصراعات على الموارد الاستراتيجية والتكنولوجيا المتقدمة (كالذكاء الاصطناعي) تزيد حدة المواجهة بين القوى الكبرى.

ويخلص داليو إلى القول إن حرباً عالمية ثالثة لن تكون نتيجة «شرارة واحدة»، بل نتيجة تلاقي هذه العوامل ضمن دورة تاريخية متكررة، شبيهة بما حدث قبل الحربين العالميتين الأولى والثانية.

ومن الواضح أن هذه العوامل تتلاقى منذ سنوات، وتسلك مساراً تصادمياً إلى درجة تدفع بعض المراقبين إلى القول إن السؤال لم يعد «هل ستندلع حرب عالمية ثالثة؟»؛ بل «كيف ومتى وبأي تكلفة؟».


هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
TT

هبوط طاقم «أرتميس 2» بعد أول تحليق حول سطح القمر منذ أكثر من 50 عاماً

مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل  طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)
مركبة «أوريون» الفضائية التي تحمل طاقم «أرتميس 2» تهبط قبالة سواحل كاليفورنيا (ا.ب)

قالت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا)، إن رواد الفضاء الأربعة، أعضاء مهمة «أرتميس 2»، وهم أول بشر يسافرون حول القمر منذ أكثر من 50 عاما، هبطوا بأمان قبالة سواحل ولاية كاليفورنيا بعد مهمة استمرت 10 أيام.

وسيتم استقبال الرواد كريستينا كوتش، وفيكتور غلوفر، وجيريمي هانسن، وريد وايزمان من قبل فرق الإنقاذ قبل نقلهم جوا إلى سفينة عسكرية أميركية لإجراء فحوصات طبية.واجتازت المركبة «أوريون» التي تحمل أربعة رواد فضاء عائدة إلى الغلاف الجوي للأرض، بنجاح اختبار درعها الحراري الذي يحمي الكبسولة التي تضم الطاقم من درجات الحرارة الحارقة.


«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

«ناتو»: ترمب ينتظر من الحلفاء تعهدات «ملموسة» بشأن «هرمز»

الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الأمين العام لحلف شمال الأطلسي (ناتو) مارك روته يلقي كلمة في مركز ريغان في العاصمة الأميركية واشنطن يوم 9 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت متحدثة باسم حلف شمال الأطلسي (ناتو) إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتوقع من حلفائه في «الناتو» التزامات «ملموسة» للمساهمة في تأمين مضيق هرمز، وذلك بعد محادثاته مع الأمين العام للحلف، مارك روته.

وأوضحت المتحدثة أليسون هارت أن روته أطلع الشركاء على ما دار في لقاءاته بواشنطن، وفق «وكالة الأنباء الألمانية».

وأضافت: «من الواضح أن واشنطن تنتظر تعهدات وإجراءات ملموسة لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز».

ومن جانبها، نقلت وكالة «بلومبرغ» للأنباء عن مسؤول كبير في «الناتو»، الخميس، أن الولايات المتحدة طلبت من الحلفاء الأوروبيين تقديم خطط عملية خلال أيام، فيما ذكرت مجلة «دير شبيغل» الألمانية تفاصيل مماثلة.

وطالب ترمب أعضاء «الناتو» مراراً بدعم الجهود الأميركية لتأمين هذا الممر الملاحي الحيوي، لكنه يواجه حتى الآن مقاومة من جانبهم.

وقبل أقل من 24 ساعة من الإعلان عن هدنة هشة في الحرب مع إيران، التقى روته بترمب في واشنطن الأربعاء.

وبعد اللقاء، واصل ترمب التعبير عن إحباطه عبر منصته «تروث سوشيال»، حيث كتب يقول: «لم يكن (الناتو) موجوداً عندما كنا بحاجة إليه، ولن يكون موجوداً إذا احتجنا إليه مجدداً».

وفي منشور منفصل الخميس، اتهم ترمب الحلفاء بالفشل في التحرك دون ضغوط، وذلك دون أن يقدم تفاصيل إضافية.