أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»

أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»
TT

أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»

أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»

إذا كان هناك اقتناع بأن وسائل الإعلام الرسمية في سائر أنحاء الوطن العربي لا تحقق طموحات مجتمعاتها، وأن هناك عزوفا عن الإعلام الحكومي من قبل شرائح مختلفة من العامة والنخب على حدٍ سواء، وأن وسائل الإعلام الخارجية صارت تنافس الوسائل الوطنية، وأن الصحافة المحلية بقيت تراوح مكانها منذ عقود، وأن المجتمعات صارت تتجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي من أجل استقاء الخبر بفورية؛ إذا صح ذلك كله أو معظمه على مستوى العالم العربي، جله أو بعضه، فإن الإعلام الرسمي فيه يعيش أزمة لا ينبغي لها أن تدوم، وإنه يمر بإشكالية يجب البحث لها عن حلول، وتنطلق هذه الخواطر - التي تتتبع ملامح الظاهرة وتجتهد في طرح بعض الحلول بعيدا عن الأشخاص والعهود - من أن معظم الأجهزة الرسمية تمارس عملها اليوم بعقلية الماضي مرتدية ثوب الحاضر وتقنيته، وبالتالي فإن التطور الحقيقي لن يتحقق إلا بتجديد الفكر وتغيير الأساليب وتحريك المياه الراكدة، وعندما يستشعر العنوان وجود أزمة فإنه يعني التسليم بوجود خلل وقصور، كما لا ينكر في الوقت نفسه ما يحتويه هذا الإعلام الرسمي من إيجابيات.

لقد أثبتت نماذج معيشة أن التأثير لا يتأتى بالضرورة مع المقرات الزاهية أو بتحديث المعدات، وأن تضخيم الكوادر لم يعد المعادلة الأهم في التفوق، بل لعله يصبح أحيانا عبئا على عمليات التطوير.
والأمر الثاني، أن كثرة التلويح بخصوصية المجتمع وثوابته، وأن المبالغة في تقدير العناصر الإيجابية في إعلام أي دولة، تشكلان أحيانا أعذارا للإبقاء على الحالة الراهنة، وأسبابا للإحجام عن التغيير ولتخدير العزائم عن التفكير في الإصلاح.

* السعودية مثالا: خلفية تاريخية
* كانت الإذاعة والتلفزيون في المملكة العربية السعودية في الستينات والسبعينات، وفي حدود إمكانات متواضعة، أكثر استجابة لتوفير الترفيه عبر الشاشة الصغيرة والترانزستور، وكان الإعلام الخارجي – عبر الكتب والأفلام الإعلامية عالية الإنتاج - يقوم بدور نشط للوصول إلى الخارج، ولدعوة الصحافيين الأجانب بالعشرات سنويا، ثم جدت بالتدريج ظروف إدارية وسياسية واجتماعية عدة، جعلت وسائل الإعلام المحلية تتراجع إلى مستويات أقل، وتبدى هذا الواقع بخاصة على صعيد الإعلام الخارجي، الذي أصبح، ولا يزال، الحلقة الأضعف، وبدا أداؤه متواضعا عند الملمات السياسية الطارئة، وهو ما دعا الحكومة بدءا من أواخر السبعينات إلى مباركة اتجاه رأس المال الخاص إلى الاستثمار في وسائل إعلام مقروءة ومسموعة ومرئية تسجل في الخارج، وتتحلّل من بعض قيود الرقابة التي كانت تفرضها الخصوصية المحلية، ويكون لديها المرونة في التصرف المالي والإداري، فظهرت على مدى العقود القليلة الماضية في لندن والقاهرة ودبي وقبرص جملة من الصحف والقنوات الإذاعية والتلفزيونية التي استهدفت الداخل والخارج على حد سواء، ساعد في تلك الفترة دخول الأقمار الصناعية بما كانت توفره من إشارات استقبال إذاعية وتلفزيونية وصحافية ذات ترددات عالية الجودة في كل أنحاء البلدان دون وساطات أرضية، وكانت تلك الوسائل المسجلة باسم مؤسسات خارجية، تلبي رغبات بعض شرائح المجتمع السعودي من الترفيه والمعلومات والأخبار بالقدر نفسه الذي توفره للمجتمعات العربية الأخرى، ومنذ ذلك الوقت انصرف معظم الجمهور المحلي والعربي إليها، بما صار يكفيه عن متابعة وسائل الإعلام المحلية التي صارت تنعت بنعوت لا تزال عالقة في الذهن إلى الآن.
ونتيجة لذلك، لم يبق من متابعي وسائل الإعلام المحلية، خاصة الإذاعة والتلفزيون، سوى فئة لا تميل أصلا إلى الصيغ البرامجية التي تقدمها الوسائل الأخرى، وفئة أخرى تحرص على متابعة الأخبار المحلية ساعة تقديمها، وصارت المادة الوحيدة التي لا تستطيع وسيلة إعلام خارجية الدخول في منافسة فيها مع وسائل الإعلام المحلية هي احتكار البث من الحرمين الشريفين في المناسبات الدينية وعلى مدار العام، وقد بلغ من عدم قبول فئة محافظة في المجتمع لما توفره قنوات التلفزيون المحلي أن انكفأت على قنوات مشفرة تسيدت المشهد الإعلامي الداخلي عبر عقود ثلاثة ماضية.
ومع ظهور وسائل إعلامية خارج الحدود متحررة من القيود الرقابية المتشددة، ولديها من المرونة النسبية ما يمكّنها من تقديم نشرات إخبارية لا تلتزم بالمعايير التي سارت عليها تقليديا وكالات الأنباء الرسمية، ساد شعور بخيبة الأمل وسائل الإعلام الرسمية في كل أنحاء العالم العربي، وصار الانطباع العام أن مخرجات الإعلام الحكومي ضعيفة متشابهة السمات ولا تقدر على المنافسة، لكن هذا الحكم سرعان ما تبدد، بعد أن ظهر نموذجا «أبوظبي» و«الجزيرة» المختلفان ليثبتا أن الحكومات إذا ما أرادت لأمر ما أن يتم فإنها تستطيع أن توفر له شروط الانطلاق.
فقبل أكثر من 10 سنوات أرادت أبوظبي لإعلامها المرئي أن يكون مختلفا، فتحقق لها ذلك، وأرادت قطر أن تصنع محطة تلفزيونية إخبارية متميزة تنافس أيقونة المحطات الإخبارية العالمية «CNN»، وكان لها ذلك، فأثبتت تلكما التجربتان أن الإشكالية لا تكمن في الانتماء للحكومة من عدمه، وإنما في توفير المرونة مهما كان مصدرها، وهنا، في المملكة العربية السعودية، كان لنا تجارب عدة في تحريك الركود الإداري في قطاعات الحكومة، بدءا من «أرامكو»، التي تعد نموذجا متحررا من البيروقراطية الحكومية، مع أنها مملوكة بالكامل للدولة، وكانت لنا تجارب أخرى مع المؤسسات والهيئات العامة، لكن الأجهزة الإعلامية بقيت في شكل مديريات خاضعة لوزارة الإعلام منذ تأسيسها.
أتت النجاحات التي حققها الإعلام السعودي الرسمي في فتراته الذهبية المبكرة، نتيجة وجود كفاءات وطنية جمعت بين الحماسة والتدريب الجيد، واستطاعت الإذاعة السعودية في الستينات الدخول في منافسة مع الإذاعات العربية الأخرى بجدارة معقولة، وخضعت الصحافة لتجربة جديدة لتوسيع قاعدة الملكية الفردية بتحويلها إلى ملكية مؤسسات جماعية أهلية، في محاولة للرفع من مستواها، وتمكينها من النهوض بقدراتها الفنية والتحريرية، وكان التلفزيون السعودي في الستينات سيد الموقف محليا على صعيد الترفيه ومصدرا للأخبار على الرغم من أنها كانت تأتي متأخرة وباهتة، وحقق التلفزيون بفضل التدريب ورفع طاقة الإنتاج المحلي في تلك الفترة نقلة كمية ونوعية عالية توازي ما كانت عليه حال المحطات العربية العاملة آنذاك، وبغض النظر عن مدى الاتفاق من عدمه على النهج الذي كان يسير عليه الإعلام الرسمي المسموع والمرئي آنذاك، فإنه كانت تربطه مع المجتمع حالة من التعايش الرضي، ببث لم يكن يزيد على ساعات محدودة، وبإمكانات تقنية صعبة.

* الحالة الراهنة
* بدأ هذا المشهد يتغير عبر العقود القليلة الماضية، فلقد خسر الإعلام الرسمي عددا من قياداته الناجحة، وانحسرت مشاركات المثقفين في وسائل الإعلام، وانكمشت برامج التدريب، وتقلص الإنتاج المحلي من الدراما والمنوعات بدخول شركات إنتاج لا تخدم إلا مصالحها، وأخذ الإعلام المسموع والمرئي يقتصر في إنتاجه المحلي على أبسط صيغ الإنتاج وأضعفها وأقلها احترافا ومهنية، وكان من نتائج هذه الأوضاع المتراكمة، سطحية في الأداء المهني، وضعف في العرض، وضحالة في المضمون، وغياب ملحوظ في التدريب، وفي عدم تعويض الكفاءات المتسربة بمثلها أو بأفضل، أدت جميعها بالتالي إلى انحسار المستمع والمشاهد عن وسائل الإعلام المحلية المرئية والمسموعة، مع عجز الوسائل المقروءة عن اجتياز الحدود الجغرافية، وعندما تفقد الوسيلة الإعلامية جاذبيتها وتأثيرها تخسر أهم أسباب البقاء، ألا وهو تعلق المتابع وارتباطه بها، وهي لا يمكن أن تستعيد مكانتها إلا عبر جهد أصيل، يسبقه تشخيص واقعي، ورغبة صادقة في إثبات الوجود.
من اليسير على أي ناقد إعلامي أن يرصد ضعف الاحتراف المهني بمختلف صوره، في مقابل انبهار واضح بما تمتاز به وسائل إعلام منافسة عربية وعالمية من مهنية عالية، جعلت المواطن يتعلق بها على الرغم مما له من ملاحظات عليها، ولأن الأخبار قد ظلت أهم ما تبقى عند الأوفياء من المواطنين للارتباط بوسائل الإعلام المحلي، فقد وجدوا في تأخرها عن مواكبة الأحداث الداخلية، وفي تطويل بعضها، وفي تركيزها على الأشخاص قبل المضمون، بعض أسباب العزوف عن متابعتها، ناهيك عن التندر عليها، ولقد لحقت بهذه المجموعة من وسائل الإعلام الأهلية قنوات إذاعية رخصت من الداخل، صارت غير ذات هوية، وغير ذات مضمون، وغير ذات مستوى، ولا تضيف إلى الإعلام الوطني أي قيمة.
وأمام هذا المشهد الذي وظفت فيه التقنية لتختلط فيها المهنية العالية مع الإسفاف، صار المتابع لوسائل الإعلام بوجه عام، والرسمي منها بوجه خاص، لا يجد فيها ما يشبع غليله من المضمون الإعلامي الجيد المتوازن، في حال يمكن أن يقال عنها إنها انحدار في الذوق العام وسيادة الزمن الرديء للإعلام العربي، وصارت النخب تفضل قنوات ووسائل لا تنتمي إلى المنظومة الإعلامية العربية والمحلية، ولم تعد المنظمات الإعلامية العربية، كاتحاد الإذاعات العربية وأمثاله من الاتحادات بالفاعلية التي بدأت بها، وصارت اجتماعاتها رتيبة مكرورة.
ثم جاء الإعلام المصاحب لموجة ما أطلق عليها «الربيع العربي»، وكان المظنون أن الزمن العربي لن يأتي بأردأ من تلك الصور التي اكتسبت السمعة السيئة فيما مضى من عقود الانقلابات العربية، فإذا بنا نكتشف أن الإعلام أصبح أسوأ من السياسة، وأنه بدلا من أن يقرب ويداوي ويعمل على توحيد القلوب وعلى وحدة الصف العربي وتقويته، صار يصب الزيت على بؤر التوترات، ويهيج الأحقاد، ويشعل الفتن داخل الوطن الواحد، ويصبح منبرا لمن لا منبر له، وكان المظنون أيضا أن زمن الضجيج والصراخ والردح قد ولى، وأن الوقت هو وقت المعلومة والطرح المتزن، وأن القائمين على الإعلام قد تعلموا أن عدم الرد هو أحيانا الرد الأبلغ والأوقع، كي يبقى الباب مفتوحا أمام القنوات الدبلوماسية لمعالجة أسباب الاختلافات وتباين وجهات النظر.
لقد تعلمنا أن رسالة الإعلام عامة (والرسمي منه خاصة) هي الارتقاء بالذوق العام وصون العفة والحياء والتزام الوقار، وأنه المتمم لرسالة التربية والتعليم، وتفاءل الجمهور العربي بتعدد القنوات، واستبشر أكثر عندما استطاع الإعلام العربي امتلاك التقنية الحديثة في الصحافة والإذاعة والتلفزة، فإذا ببعض من تلك التقنية المتطورة تنتهي بأكملها إلى الإسفاف وتأصيل الخواء الفكري.
كانت المشكلة الأساسية (في نظر المحاضر) مشكلة إدارة، أفقدت الإعلام الرسمي الدينامية والحركة والعمل المؤسسي، وتولد عنها جملة من المشكلات الأخرى، لعل من أبرز ملامحها تردي الاحتراف والإبداع وغياب الإنتاج الفني، وزيادة الكم على حساب الكيف بتدشين قنوات تلفزيونية وإذاعية غير ذات طعم، وكانت تلك الملحوظات محور كثير من كتابات المحاضر، يبديها بصراحة ناعمة، يحدوها تحرج شديد من أن ينتقد جهة كانت تربطه معها علاقة وظيفية سابقة، وعلاقة أخرى مستمرة من خلال عضوية المجلس الأعلى للإعلام.

* في سبيل البحث عن الحلول
* كان المظنون أن الحل سيكون في تحويل الأجهزة الإعلامية الثلاثة إلى مؤسسات عامة، يوم أن كانت المؤسسات العامة هي الحل الأمثل المتاح للبيروقراطية الإدارية الحكومية، ثم لما تحولت الحكومة في العقدين الماضيين نحو الهيئات العامة، نادى المحاضر بالتوجه نحوها بعدد من المقالات، وقد تحقق في العامين الماضيين وبعد نحو أربعة عقود، تحويل الإذاعة والتلفزيون معا ووكالة الأنباء إلى هيئتين عامتين من المبكر الحكم عليهما، إلا أن بوادر الأمور لا تبشر بالتغيير.
لقد دخل الإعلام الجديد بقوة في السنوات القليلة الماضية منافسا قويا لوسائل الإعلام التقليدية، ولم يعد بمقدور الحكومات التحكم بما يصدر عنه من فكر، أو السيطرة على مدخلاته ومخرجاته، وأضحت مؤسسات المجتمع المدني في العالم تنتظر من الحكومات أن تمنح الحرية لمستخدميه، معتبرة هذه المسألة من حريات التعبير، ولهذا فإن أمر التعامل معه يتطلب فكرا مرنا مستنيرا لا ضرر فيه ولا ضرار، لكن الأمر لا يمكن التغاضي عنه في زمن صارت استخدامات الإعلام الجديد تزيد من الشتائم وإثارة النعرات وكشف العورات، وتشارك مع برامج البث المباشر في بث الأحقاد، وفي فوضى الفتاوى الشرعية من كل من هب ودب.
لسنا في هذا المقام بصدد مناقشة ما يدور في مجتمعات أخرى حول جدوى بقاء وزارات الإعلام، بعد عقود من الوصاية والاحتكار، لكن أجهزة الإعلام من إذاعة وتلفزيون ووكالات أنباء التي ظلت تحافظ على تنظيمها التقليدي نفسه منذ تأسيسها قبل عقود، ثم حازت مؤخرا على سمة الهيئات العامة، هي اليوم أشد ما تكون - على وجه الخصوص - إلى أن جهة إشرافية تنظيمية تشريعية تعمل على تنظيم قطاع الإعلام ورسم تشريعاته وسياساته، وتحل محل المجلس الأعلى للإعلام وربما محل وزارة الإعلام نفسها، وهو إجراء اتجهت إليه بعض دول عربية في الخليج والمشرق والمغرب العربي، وعملت به دول متقدمة من قبل لقد كان مجال الخدمات الإعلامية كالصيانة والإعلان والإنتاج من المجالات التي فتحت مبكرا للقطاع الخاص، لكن إعادة الهيكلة يمكن أن تفتح مزيدا من عمليات الخصخصة والتعددية الإعلامية، التي تخفف العبء عن الجهاز الإداري، وتمنحه المزيد من الوقت للإشراف والتنظيم، وإن فتح المجال - بضوابط - للمؤسسات الثقافية والاقتصادية الوطنية الموثوقة للدخول في استثمارات الصحافة والمحطات الإذاعية والتلفزيونية الأهلية، في ميادين الثقافة أو الترفيه أو الرياضة أو نحوها، يمكن أن يخفف الضغط على متطلبات المجتمع من وسائل الإعلام الرسمية المركزية، ويوجد التنافس معها، وهو أمر لا ينازعها - في الوقت نفسه - في اعتبارات السيادة السياسية، فضلا عن كونه يعيد الاستثمارات السعودية في الخارج إلى موطنها، ويخلق فرص التوظيف والتدريب فيها للمواطنين.
لقد نجح القطاع الأهلي الخاص أفرادا وشركات، وبمباركة من الدولة ودعمها، في اقتحام عالم الإعلام، الإخباري والترفيهي والرياضي والثقافي في الخارج، وأسس إمبراطوريات عملاقة، أسهمت بنصيب وافر في دعم جهود إعلامنا الخارجي، لكن نجاحه هذا هو شهادة إثبات على عدم فاعلية إعلامنا الرسمي، ودليل على قصوره وضعفه، وكان الأحرى بنا أن نبحث في أسباب ذلك، وأن نستفيد من تجربة إعلامنا المهاجر، لتعزيز قدرات وسائل الإعلام الوطنية، بل الأحرى أن نسعى لتوطينه وإنهاء هجرته، في وقت يعرف الجميع انتماءه إلى هذه البلاد.
إن الإعلام الرسمي السعودي خاصة، والإعلام العربي عامة، يواجه اليوم - أمام بضع وسائل غير تقليدية في عالم الإعلام منذ انطلاقة «CNN» الأميركية عام 1980م - مأزقا حادا، لا يكفي لمواجهته الاستمرار في إغماض العيون، بل ينبغي أن يواجه بالمنافسة والإبداع، فتلك الوسائل الجديدة لا تمتلك عصا سحرية، لكنها عثرت على مكمن السر في التفوق، ثم تنبهت بعض دول خليجية إلى قوانين هذه اللعبة الإعلامية، فانخرطت فيها بذكاء وإيجابية، واستعادت قسطها من الإقبال والقدرة على المنافسة، ووضعت لنفسها مكانا في خارطة الإعلام المتقن الصنع.
إن التحديات التي تواجه وسائل الإعلام في محيطنا العربي، والدور المرتقب لإعلامنا في مثل هذه الظروف، التي أحصرنا بها منذ غزو العراق للكويت، لا يمكن أن يباشَر بأداة الأمس، فإذاعات الأمس وصحافته ومحطاته التلفزيونية لم تعد تتناسب وظروف اليوم، والجغرافيا لم تعد هي الجغرافيا، وأسقط الإنترنت والأقمار الصناعية الحدود والحواجز الرقابية والمكانية، حتى بدأت الإذاعات المتوسطة والقصيرة التقليدية في الانهيار والاضمحلال، وتداخل الليل والنهار، ولم يعد هناك فارق بين مفهوم المحلي والإقليمي والعالمي في الإعلام، وحلت الرقابة الذاتية محل الرقابة الحكومية المركزية، وصار البقاء والاستمرار يحكمان بعوامل الجودة والنوعية، لأن الخيارات تعددت، وأذواق المجتمعات تغيرت وتطلعاتها كبرت وأحوالها تبدلت، والأوضاع السياسية تعرضت للتحولات، وصارت المعلومة والتقنية متاحة بذات المقدار والصفاء لراعي الغنم في البادية ولأستاذ الجامعة، على حد سواء.
لقد بلغ الإعلام الرسمي العربي بكل وسائله ووزاراته، ومنذ نشأة معظمها، مرحلة متقدمة من النضج العمري بما يجعله يرتفع عن التجارب والتنازلات، وأن لا يرتضي من الاحتراف بأقل من الكمال. إن كلاما أطول يمكن أن يصرف في الحديث عن واقع الإعلام السعودي، الذي مضى على صحافته 90 عاما وعلى إذاعاته ومحطاته التلفزيونية ووزارته أكثر من نصف قرن، ونريد له أن يرتقي بارتقاء البلاد، ويلحق بالزمن المعيش اليوم، ويواكب التطور الإبداعي الذي نراه من حولنا، لأن قَدَرَه أن يطلب منه المزيد من التجديد والتغيير، فهو مرآة أمة تمتلك من عناصر المجد والقوة والفخر ما يجعل إعلامها متواضعا مهما عمل.
إن مساعي مشكورة قد بدت في الأفق للانفتاح، لكن إيقاعها لا يسير بالوتيرة المتسارعة التي تعمّ حياتنا الثقافية والاقتصادية، وهي مساعٍ ينقصها التخطيط واستشراف الآفاق الإعلامية الأحدث، وجهود تسير بقوة دفع تحركها آلة الضرورة التي لا تعرف التوقف، والنتيجة أن ما كل ما يدور يسير في اتجاه الأفضل. إنها دعوة مخلصة لوضع نظام إعلامي سعودي جديد، يأخذ في الحسبان أصالة الماضي وقيمه، ولغة إعلام الحاضر والمستقبل وإبداع الآلة وابتكار العقل، أما ما لم يدركه الوقت في هذا المقام فإن له مكانا آخر، بإذن الله، والحقيقة التي لا تغيب عن الذهن أن دولة بمثل المملكة العربية السعودية وشعبها جديران بإعلام راقٍ رفيع المستوى يليق بمكانتهما الإقليمية والدولية، الدينية والحضارية والسياسية والاقتصادية، ويتناسب مع ما ينفق عليه من أموال.
* إعلامي سعودي..
والموضوع محاضرة ألقيت
في منتدى عبد الرحمن السديري للدراسات السعودية.. 9 نوفمبر 2013



كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم


المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)
TT

المواقع الإخبارية تخشى «ميوز ميتا»

شعار «ميتا» (رويترز)
شعار «ميتا» (رويترز)

أثار إطلاق «ميتا» وكيلها الذكي «ميوز» مخاوف لدى المواقع الإخبارية بعدما بات وسيطاً جديداً يقف بين الناشرين والمستخدمين. وعدّ خبراء هذا التطور «تحدياً قد يعيد رسم خريطة التوزيع الرقمي، ويدفع المواقع إلى إعادة النظر في شروط إتاحة محتواها».

«ميتا» أطلقت في سبتمبر (أيلول) الماضي «ميوز»، بوصفه «وكيل ذكاء اصطناعي شخصياً لا يكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يستطيع فتح المتصفح وملء الاستمارات والتفاوض نيابة عن المستخدم، كما يواصل العمل حتى بعد إغلاق التطبيق».

ووفق ما أوردت وكالة «رويترز» أخيراً «بلغ عدد مرات تنزيل التطبيق نحو 3 ملايين خلال أول أسبوعين من إتاحته». وأفاد موقع «تك كرانش» بأن «ميوز» تجاوز في مراحله الأولى ما حققه «تشات جي بي تي» من تنزيلات ومستخدمين نشطين يومياً في المرحلة نفسها. ودفع هذا الإقبال الشركة إلى دعوة المستخدمين للتقدم بطلبات وصول مبكر إلى مزايا متقدمة مرتقبة.

غير أن الأسابيع الأولى لـ«ميوز» كشفت أن السؤال الأهم ليس ما يستطيع الوكيل فعله، بل من يقرر السماح له بالوقوف وسيطاً بين الشركات وعملائها. إذ بينما فتحت «شوبيفاي» متاجرها أمامه، حجبته «أمازون» عن التصفح والشراء على موقعها.

وتشير «وثائق السلامة الخاصة» بـ«ميتا» إلى أن نشاط «ميوز» حين يتصفح الإنترنت «سيظهر بوصفه نشاطاً للمستخدم نفسه». في المقابل تشترط «أمازون» أن «يُعرف الوكلاء عن أنفسهم في كل طلب يُرسل عبر الويب».

ولا تقتصر تداعيات هذا الانقسام على التجارة الإلكترونية، إذ يرى تحليل نشرته مجلة «فوربس» نهاية الشهر الماضي أن «الناشرين الذين يعتمدون على منصات التكنولوجيا في التوزيع، يواجهون الآن وسيطاً إضافياً». فـ«الوكيل الذكي بإمكانه قراءة تقارير الناشر من دون أن يُسجل زيارة واحدة للصفحة».

رئيس قسم الاتصال في جامعة خورفكان بالإمارات محمد مالك أبلغ «الشرق الأوسط» في لقاء معه أن «وضع المسألة باعتبارها خياراً ثنائياً: نسمح للوكيل أو نحجبه، ليس النموذج الذي ستستقر عليه الصناعة، لأن لكل خيار تكلفة واضحة».

وأوضح أنه «إذا فتحت المؤسسة محتواها بالكامل، فقد تستفيد من الظهور داخل إجابات الوكيل، لكنها تخاطر بأن يحصل المستخدم على القيمة التي يريدها من دون الوصول إلى الموقع الأصلي. وإذا حجبت الوكلاء بالكامل، فهي تحافظ نظرياً على السيطرة على محتواها، لكنها تخاطر بأن تصبح أقل حضوراً أمام شريحة من الجمهور تعتمد بصورة متزايدة على هذه الأدوات».

مالك عدّ ما قامت به «أمازون» مثالاً على أن «المؤسسات الكبرى بدأت بالفعل تتعامل مع الوكلاء باعتبارهم وسطاء يمكن قبولهم أو رفضهم وفق مصالحها». ولفت إلى أن «الطريق الثالث الأكثر واقعية، هو الانتقال من الوصول المجاني وغير المشروط إلى الوصول المنظم والقابل للترخيص والقياس». ثم أشار إلى «بوادر عملية لهذا النموذج، إذ عقدت مؤسسات إعلامية صفقات ترخيص مع شركات ذكاء اصطناعي، بينما لجأت أخرى إلى القضاء أو تقييد الوصول. كما طورت كلاودفلير (شركة أميركية متخصّصة في خدمات البنية التحتية للإنترنت) نماذج مثل الدفع مقابل الزحف ثم الدفع مقابل الاستخدام بحيث يتحكم الناشر في وصول أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المحتوى ويطلب مقابلاً مالياً».

من جهة ثانية، أعرب مالك عن اعتقاده أن العلاقة يمكن أن تتطور إلى نموذج أكثر توازناً «يقوم على ثلاثة أمور، الترخيص، والإسناد، وتقاسم القيمة... ما يعني أن يسمح الناشر للوكيل بالوصول إلى قدر معين من المحتوى، مقابل تعويض مالي، وإظهار اسم المؤسسة بوضوح، وتوفير رابط للمادة الأصلية، مع الاحتفاظ بالمحتوى الحصري خلف الاشتراك».

وأوضح أن «المعركة الحقيقية خلال السنوات المقبلة لن تكون بين المؤسسات الإعلامية والذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستكون حول شروط الوساطة الجديدة، من يسمح بالوصول إلى المحتوى؟ وبأي سعر؟ وكيف يُنسب إلى مصدره؟ ومن يحتفظ ببيانات المستخدم؟».

من جانبه، رأى أحمد عبد الله، مستشار التسويق الرقمي والاستراتيجي، في حواره مع «الشرق الأوسط» أن «التحدي أمام الناشرين لم يعُد في سرعة الوصول إلى المعلومات، إنما المشكلة الحقيقية ستكون في القيمة التي تقدمها المؤسسة نفسها، وما الذي يميز ما تقدمه عن غيرها».

وتوقع من ثم أن «يتحول اهتمام الجمهور من الخبر نفسه إلى تحليله... فالجمهور سيبحث عن التحليل، وعن العمق في التعامل مع الخبر، وعن الزوايا المختلفة في معالجته، هذه هي القيمة التي يمكن أن تقدمها أي مؤسسة إعلامية للقارئ، بعيداً عن المحتوى المنسوخ الذي لا يختلف عما ينتجه الذكاء الاصطناعي». وأضاف عبد الله: «هناك أيضاً التحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الحصرية، والمحتوى الذي لا يمكن إنتاجه بالطرق المعتادة أو باستخدام الذكاء الاصطناعي». وعن علاقة المؤسسة بجمهورها، شدد عبد الله على أنه «يمكن بناء هذه العلاقة عبر النشرات البريدية والتطبيقات والمجتمعات الرقمية، بدلاً من أن يتمحور كل شيء حول محركات البحث وعدد النقرات ومنصات التواصل الاجتماعي».


جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
TT

جدل في فرنسا حول حظر شبكات التواصل على القاصرين

كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)
كيف بمكن ضبط ظاهرة إقبال الجيل الفتي على وسائل التواصل؟ (رويترز)

لم تعد قضية استخدام المراهقين شبكات التواصل الاجتماعي شأناً تربوياً أو عائلياً فحسب، بل تحولت ملفاً سياسياً وقانونياً وتقنياً مفتوحاً على احتمالات واسعة. إذ أقرّ البرلمان الفرنسي، يوم 21 يوليو (تموز) الماضي، قانوناً يمنع القاصرين مِمَن هم دون سن الخامسة عشرة من الوصول إلى شبكات التواصل الاجتماعي، قبل أن يلغي المجلس الدستوري المادة الأساسية منه في 14 أغسطس (آب)، عادَّاً أن الصيغة المعتمدة تفرض قيوداً واسعة وغير متناسبة مع حرية التعبير.

إجماع على المخاطر واختلاف حول العلاج

استندت المبادرة الفرنسية إلى قلق متزايد بشأن التأثيرات النفسية والاجتماعية لاستخدام الشبكات في سن مبكرة. فلقد أشار تقرير لمجلس الشيوخ الفرنسي إلى مخاطر عدة، من بينها اضطراب النوم، والقلق، والتنمر الإلكتروني، والتعرّض للمحتويات العنيفة أو الإباحية، واضطرابات صورة الجسد، والتواصل مع أشخاص مجهولي الهوية قد يشكّلون خطراً على القاصرين.

كذلك، لفت التقرير إلى دور خوارزميات التوصية والإشعارات المتكرّرة في دفع المستخدمين إلى البقاء أطول وقت ممكن داخل المنصات. وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، نشرت الوكالة الوطنية الفرنسية للأمن الصحي والغذائي والبيئي والمهني (أناس) دراسة خلصت إلى وجود ارتباط بين الاستخدام المكثف أو الإشكالي لشبكات التواصل وبين عدد من الاضطرابات النفسية لدى المراهقين، ولا سيما القلق والاكتئاب واضطرابات النوم وصورة الجسد. غير أن التقرير لم يُعدّ الشبكات سبباً وحيداً لهذه المشكلات؛ إذ يمكن للمراهق الذي يعاني أصلاً اضطراباً نفسياً أن يلجأ إلى الشبكات بكثافة، قبل أن تزيد هذه الاستخدامات وضعه سوءاً.

إحدى أهم نقاط الجدل

الدراسات العلمية لا تثبت أن كل استخدام لشبكات التواصل مضرّ بجميع المراهقين. إذ تظهر مراجعات حديثة أن التأثير يختلف باختلاف طبيعة الاستخدام، ودرجة التعلق بالمنصة، ونوعية المحتويات، ومدى استخدام الهاتف ليلاً. وتبدو الصلة أكثر وضوحاً في حالات الاستخدام القهري، والمقارنة الاجتماعية المستمرة، والتعرض لمحتويات تروّج للنحافة المرضية أو إيذاء النفس، فضلاً عن التنمر الإلكتروني.

معضلة التحقق من العمر

إذا كان المبدأ السياسي يبدو بسيطاً، فإن تطبيقه يطرح مشكلة تقنية وقانونية معقدة: فكيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الخامسة عشرة من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة الجماعية؟

والواقع أن السلطات الفرنسية كانت قد درست استخدام آليات للتحقق من السن، من بينها نظام «إثبات العمر» ووسائل تقوم على ما يسمى «إخفاء الهوية المزدوج». وبموجب هذه الآليات، يمكن لجهة مستقلة أن تتحقق من سن المستخدم من دون أن تعرف المنصة هويته الكاملة. غير أن هذه الحلول لا تزال تثير أسئلة بشأن حماية البيانات، واحتمال تسريبها، والجهة التي ستحتفظ بها، والمدة التي ستبقى خلالها محفوظة.

ولقد رأى المجلس الدستوري أن القانون لم يقدّم ضمانات دقيقة بما يكفي فيما يتعلق بجمع بيانات المستخدمين وتخزينها واستعمالها. وأشار إلى أن التحقق من العمر قد يطول جميع المستخدمين، وليس القاصرين فقط؛ الأمر الذي يجعل المسألة مرتبطة بحقوق الخصوصية والحريات العامة.

شعار "غوغل" (رويترز)

التجربة الأسترالية

لعل أستراليا تُعدّ التجربة الدولية الأبرز في هذا المجال. فمنذ ديسمبر (كانون الأول) 2025، مُنع من هم دون السادسة عشرة من امتلاك حسابات على عدد من شبكات التواصل الكبرى. وأعلنت السلطات الأسترالية حذف ملايين الحسابات، وقدّمت الخطوة بوصفها محاولة لإجبار المنصات على تحمل مسؤوليات أكبر تجاه القاصرين.

لكن النتائج الأولى تبدو أقل حسماً مما توحي به الأرقام الرسمية. فقد أشارت دراسة أسترالية، نقلتها صحيفة «لوموند» الفرنسية، إلى أن نسبة كبيرة من المراهقين واصلت استخدام الشبكات رغم الحظر، وأن تطبيق القانون ظل جزئياً بسبب التحايل على أنظمة التحقق من العمر.

السبب أن القاصر يستطيع، في بعض الحالات، تقديم تاريخ ميلاد زائف أو استخدام حساب أحد أفراد الأسرة أو إنشاء حساب جديد بعد إغلاق الحساب السابق، أو حتى اللجوء إلى أدوات تقنية لتجاوز القيود. كذلك بيَّنت دراسة أخرى أن الحظر لم يؤد، خلال الفترة الأولى، إلى تراجع كبير ومستدام في استخدام المراهقين لهذه المنصات. طبعاً، لا تعني هذه النتائج أن التنظيم الحكومي غير مفيد، لكنها تشير إلى أن الحظر الشامل، من دون وسائل تقنية موثوقة وبرامج توعية ومساندة أسرية، قد ينتج امتثالاً شكلياً أكثر منه تغييراً حقيقياً في السلوك.

الآباء بين الارتياح والقلق

رحَّب كثيرون من الآباء بالمبادرة الفرنسية؛ لأنهم يرون فيها وسيلة لإعادة التوازن إلى علاقة الأسرة بالمنصات الرقمية.

فالأهل يجدون أنفسهم غالباً في مواجهة شركات تملك أدوات تقنية ونفسية هائلة لجذب المستخدمين، في حين لا تتوافر لهم دائماً المعرفة أو الوقت لمراقبة كل ما يتعرّض له أبناؤهم. لكن هناك من يخشى أن تمنح الدولة الأهل شعوراً زائفاً بالأمان. ثم إن الحظر قد يدفع بعض المراهقين إلى استخدام حسابات سرّية أو منصّات أقل رقابة، وقد يحرمهم أيضاً من بعض أشكال التواصل الاجتماعي والمعلومات والدعم النفسي التي توفرها الشبكات لبعض الفئات، خصوصاً المراهقين الذين يعيشون العزلة أو يواجهون التمييز.

أما الخبراء، فينقسمون بين من يرى في سن الخامسة عشرة خطاً وقائياً ضرورياً، ومن يعتقد أن التركيز ينبغي أن ينصبّ على خصائص المنصات لا على عمر المستخدم وحده. فالمشكلة، وفق هذا الاتجاه، لا تكمن في وجود حساب لمراهق يبلغ الرابعة عشرة بقدر ما تكمن في خوارزمية تدفعه إلى محتوى مؤذٍ، أو في إشعارات تمنعه من النوم، أو في منصة لا تتدخل سريعاً أمام التنمر.

من الحظر العام إلى التنظيم الدقيق

بعد إلغاء المادة الأساسية، تعتزم الحكومة الفرنسية إعداد صيغة جديدة. ومن المرجح أن يتجه النقاش نحو حظر أكثر تحديداً، يستهدف الخصائص الأكثر خطراً: أنظمة التوصية، والإعلانات الموجهة، والإشعارات الليلية، والتواصل مع البالغين المجهولين، والمحتويات المتعلقة بإيذاء النفس واضطرابات الأكل. وتشير توصيات «أناس» إلى أن حماية المراهقين لا يمكن أن تقوم على الحظر وحده، بل تحتاج أيضاً إلى التربية الرقمية، ودعم الوالدين، وتعزيز دور المدرسة، وتحسين آليات التبليغ والمراقبة.

لذلك؛ فإن المعركة الفرنسية لم تنتهِ بقرار المجلس الدستوري. بل هي انتقلت من سؤال بسيط، هو: «هل نمنع مَن هم دون الخامسة عشرة؟»، إلى سؤال أكثر تعقيداً: «كيف نحمي القاصرين من أخطار المنصات من دون أن نحوّل كل عملية دخول إلى الإنترنت عمليةَ تفتيشٍ ومراقبة؟

كيف تستطيع المنصات التأكد من أن المستخدم تجاوز الـ 15 من دون تحويل الإنترنت فضاءً للمراقبة؟