أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»

أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»
TT

أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»

أزمة الإعلام العربي الرسمي.. «السعودية مثالا»

إذا كان هناك اقتناع بأن وسائل الإعلام الرسمية في سائر أنحاء الوطن العربي لا تحقق طموحات مجتمعاتها، وأن هناك عزوفا عن الإعلام الحكومي من قبل شرائح مختلفة من العامة والنخب على حدٍ سواء، وأن وسائل الإعلام الخارجية صارت تنافس الوسائل الوطنية، وأن الصحافة المحلية بقيت تراوح مكانها منذ عقود، وأن المجتمعات صارت تتجه إلى وسائل التواصل الاجتماعي من أجل استقاء الخبر بفورية؛ إذا صح ذلك كله أو معظمه على مستوى العالم العربي، جله أو بعضه، فإن الإعلام الرسمي فيه يعيش أزمة لا ينبغي لها أن تدوم، وإنه يمر بإشكالية يجب البحث لها عن حلول، وتنطلق هذه الخواطر - التي تتتبع ملامح الظاهرة وتجتهد في طرح بعض الحلول بعيدا عن الأشخاص والعهود - من أن معظم الأجهزة الرسمية تمارس عملها اليوم بعقلية الماضي مرتدية ثوب الحاضر وتقنيته، وبالتالي فإن التطور الحقيقي لن يتحقق إلا بتجديد الفكر وتغيير الأساليب وتحريك المياه الراكدة، وعندما يستشعر العنوان وجود أزمة فإنه يعني التسليم بوجود خلل وقصور، كما لا ينكر في الوقت نفسه ما يحتويه هذا الإعلام الرسمي من إيجابيات.

لقد أثبتت نماذج معيشة أن التأثير لا يتأتى بالضرورة مع المقرات الزاهية أو بتحديث المعدات، وأن تضخيم الكوادر لم يعد المعادلة الأهم في التفوق، بل لعله يصبح أحيانا عبئا على عمليات التطوير.
والأمر الثاني، أن كثرة التلويح بخصوصية المجتمع وثوابته، وأن المبالغة في تقدير العناصر الإيجابية في إعلام أي دولة، تشكلان أحيانا أعذارا للإبقاء على الحالة الراهنة، وأسبابا للإحجام عن التغيير ولتخدير العزائم عن التفكير في الإصلاح.

* السعودية مثالا: خلفية تاريخية
* كانت الإذاعة والتلفزيون في المملكة العربية السعودية في الستينات والسبعينات، وفي حدود إمكانات متواضعة، أكثر استجابة لتوفير الترفيه عبر الشاشة الصغيرة والترانزستور، وكان الإعلام الخارجي – عبر الكتب والأفلام الإعلامية عالية الإنتاج - يقوم بدور نشط للوصول إلى الخارج، ولدعوة الصحافيين الأجانب بالعشرات سنويا، ثم جدت بالتدريج ظروف إدارية وسياسية واجتماعية عدة، جعلت وسائل الإعلام المحلية تتراجع إلى مستويات أقل، وتبدى هذا الواقع بخاصة على صعيد الإعلام الخارجي، الذي أصبح، ولا يزال، الحلقة الأضعف، وبدا أداؤه متواضعا عند الملمات السياسية الطارئة، وهو ما دعا الحكومة بدءا من أواخر السبعينات إلى مباركة اتجاه رأس المال الخاص إلى الاستثمار في وسائل إعلام مقروءة ومسموعة ومرئية تسجل في الخارج، وتتحلّل من بعض قيود الرقابة التي كانت تفرضها الخصوصية المحلية، ويكون لديها المرونة في التصرف المالي والإداري، فظهرت على مدى العقود القليلة الماضية في لندن والقاهرة ودبي وقبرص جملة من الصحف والقنوات الإذاعية والتلفزيونية التي استهدفت الداخل والخارج على حد سواء، ساعد في تلك الفترة دخول الأقمار الصناعية بما كانت توفره من إشارات استقبال إذاعية وتلفزيونية وصحافية ذات ترددات عالية الجودة في كل أنحاء البلدان دون وساطات أرضية، وكانت تلك الوسائل المسجلة باسم مؤسسات خارجية، تلبي رغبات بعض شرائح المجتمع السعودي من الترفيه والمعلومات والأخبار بالقدر نفسه الذي توفره للمجتمعات العربية الأخرى، ومنذ ذلك الوقت انصرف معظم الجمهور المحلي والعربي إليها، بما صار يكفيه عن متابعة وسائل الإعلام المحلية التي صارت تنعت بنعوت لا تزال عالقة في الذهن إلى الآن.
ونتيجة لذلك، لم يبق من متابعي وسائل الإعلام المحلية، خاصة الإذاعة والتلفزيون، سوى فئة لا تميل أصلا إلى الصيغ البرامجية التي تقدمها الوسائل الأخرى، وفئة أخرى تحرص على متابعة الأخبار المحلية ساعة تقديمها، وصارت المادة الوحيدة التي لا تستطيع وسيلة إعلام خارجية الدخول في منافسة فيها مع وسائل الإعلام المحلية هي احتكار البث من الحرمين الشريفين في المناسبات الدينية وعلى مدار العام، وقد بلغ من عدم قبول فئة محافظة في المجتمع لما توفره قنوات التلفزيون المحلي أن انكفأت على قنوات مشفرة تسيدت المشهد الإعلامي الداخلي عبر عقود ثلاثة ماضية.
ومع ظهور وسائل إعلامية خارج الحدود متحررة من القيود الرقابية المتشددة، ولديها من المرونة النسبية ما يمكّنها من تقديم نشرات إخبارية لا تلتزم بالمعايير التي سارت عليها تقليديا وكالات الأنباء الرسمية، ساد شعور بخيبة الأمل وسائل الإعلام الرسمية في كل أنحاء العالم العربي، وصار الانطباع العام أن مخرجات الإعلام الحكومي ضعيفة متشابهة السمات ولا تقدر على المنافسة، لكن هذا الحكم سرعان ما تبدد، بعد أن ظهر نموذجا «أبوظبي» و«الجزيرة» المختلفان ليثبتا أن الحكومات إذا ما أرادت لأمر ما أن يتم فإنها تستطيع أن توفر له شروط الانطلاق.
فقبل أكثر من 10 سنوات أرادت أبوظبي لإعلامها المرئي أن يكون مختلفا، فتحقق لها ذلك، وأرادت قطر أن تصنع محطة تلفزيونية إخبارية متميزة تنافس أيقونة المحطات الإخبارية العالمية «CNN»، وكان لها ذلك، فأثبتت تلكما التجربتان أن الإشكالية لا تكمن في الانتماء للحكومة من عدمه، وإنما في توفير المرونة مهما كان مصدرها، وهنا، في المملكة العربية السعودية، كان لنا تجارب عدة في تحريك الركود الإداري في قطاعات الحكومة، بدءا من «أرامكو»، التي تعد نموذجا متحررا من البيروقراطية الحكومية، مع أنها مملوكة بالكامل للدولة، وكانت لنا تجارب أخرى مع المؤسسات والهيئات العامة، لكن الأجهزة الإعلامية بقيت في شكل مديريات خاضعة لوزارة الإعلام منذ تأسيسها.
أتت النجاحات التي حققها الإعلام السعودي الرسمي في فتراته الذهبية المبكرة، نتيجة وجود كفاءات وطنية جمعت بين الحماسة والتدريب الجيد، واستطاعت الإذاعة السعودية في الستينات الدخول في منافسة مع الإذاعات العربية الأخرى بجدارة معقولة، وخضعت الصحافة لتجربة جديدة لتوسيع قاعدة الملكية الفردية بتحويلها إلى ملكية مؤسسات جماعية أهلية، في محاولة للرفع من مستواها، وتمكينها من النهوض بقدراتها الفنية والتحريرية، وكان التلفزيون السعودي في الستينات سيد الموقف محليا على صعيد الترفيه ومصدرا للأخبار على الرغم من أنها كانت تأتي متأخرة وباهتة، وحقق التلفزيون بفضل التدريب ورفع طاقة الإنتاج المحلي في تلك الفترة نقلة كمية ونوعية عالية توازي ما كانت عليه حال المحطات العربية العاملة آنذاك، وبغض النظر عن مدى الاتفاق من عدمه على النهج الذي كان يسير عليه الإعلام الرسمي المسموع والمرئي آنذاك، فإنه كانت تربطه مع المجتمع حالة من التعايش الرضي، ببث لم يكن يزيد على ساعات محدودة، وبإمكانات تقنية صعبة.

* الحالة الراهنة
* بدأ هذا المشهد يتغير عبر العقود القليلة الماضية، فلقد خسر الإعلام الرسمي عددا من قياداته الناجحة، وانحسرت مشاركات المثقفين في وسائل الإعلام، وانكمشت برامج التدريب، وتقلص الإنتاج المحلي من الدراما والمنوعات بدخول شركات إنتاج لا تخدم إلا مصالحها، وأخذ الإعلام المسموع والمرئي يقتصر في إنتاجه المحلي على أبسط صيغ الإنتاج وأضعفها وأقلها احترافا ومهنية، وكان من نتائج هذه الأوضاع المتراكمة، سطحية في الأداء المهني، وضعف في العرض، وضحالة في المضمون، وغياب ملحوظ في التدريب، وفي عدم تعويض الكفاءات المتسربة بمثلها أو بأفضل، أدت جميعها بالتالي إلى انحسار المستمع والمشاهد عن وسائل الإعلام المحلية المرئية والمسموعة، مع عجز الوسائل المقروءة عن اجتياز الحدود الجغرافية، وعندما تفقد الوسيلة الإعلامية جاذبيتها وتأثيرها تخسر أهم أسباب البقاء، ألا وهو تعلق المتابع وارتباطه بها، وهي لا يمكن أن تستعيد مكانتها إلا عبر جهد أصيل، يسبقه تشخيص واقعي، ورغبة صادقة في إثبات الوجود.
من اليسير على أي ناقد إعلامي أن يرصد ضعف الاحتراف المهني بمختلف صوره، في مقابل انبهار واضح بما تمتاز به وسائل إعلام منافسة عربية وعالمية من مهنية عالية، جعلت المواطن يتعلق بها على الرغم مما له من ملاحظات عليها، ولأن الأخبار قد ظلت أهم ما تبقى عند الأوفياء من المواطنين للارتباط بوسائل الإعلام المحلي، فقد وجدوا في تأخرها عن مواكبة الأحداث الداخلية، وفي تطويل بعضها، وفي تركيزها على الأشخاص قبل المضمون، بعض أسباب العزوف عن متابعتها، ناهيك عن التندر عليها، ولقد لحقت بهذه المجموعة من وسائل الإعلام الأهلية قنوات إذاعية رخصت من الداخل، صارت غير ذات هوية، وغير ذات مضمون، وغير ذات مستوى، ولا تضيف إلى الإعلام الوطني أي قيمة.
وأمام هذا المشهد الذي وظفت فيه التقنية لتختلط فيها المهنية العالية مع الإسفاف، صار المتابع لوسائل الإعلام بوجه عام، والرسمي منها بوجه خاص، لا يجد فيها ما يشبع غليله من المضمون الإعلامي الجيد المتوازن، في حال يمكن أن يقال عنها إنها انحدار في الذوق العام وسيادة الزمن الرديء للإعلام العربي، وصارت النخب تفضل قنوات ووسائل لا تنتمي إلى المنظومة الإعلامية العربية والمحلية، ولم تعد المنظمات الإعلامية العربية، كاتحاد الإذاعات العربية وأمثاله من الاتحادات بالفاعلية التي بدأت بها، وصارت اجتماعاتها رتيبة مكرورة.
ثم جاء الإعلام المصاحب لموجة ما أطلق عليها «الربيع العربي»، وكان المظنون أن الزمن العربي لن يأتي بأردأ من تلك الصور التي اكتسبت السمعة السيئة فيما مضى من عقود الانقلابات العربية، فإذا بنا نكتشف أن الإعلام أصبح أسوأ من السياسة، وأنه بدلا من أن يقرب ويداوي ويعمل على توحيد القلوب وعلى وحدة الصف العربي وتقويته، صار يصب الزيت على بؤر التوترات، ويهيج الأحقاد، ويشعل الفتن داخل الوطن الواحد، ويصبح منبرا لمن لا منبر له، وكان المظنون أيضا أن زمن الضجيج والصراخ والردح قد ولى، وأن الوقت هو وقت المعلومة والطرح المتزن، وأن القائمين على الإعلام قد تعلموا أن عدم الرد هو أحيانا الرد الأبلغ والأوقع، كي يبقى الباب مفتوحا أمام القنوات الدبلوماسية لمعالجة أسباب الاختلافات وتباين وجهات النظر.
لقد تعلمنا أن رسالة الإعلام عامة (والرسمي منه خاصة) هي الارتقاء بالذوق العام وصون العفة والحياء والتزام الوقار، وأنه المتمم لرسالة التربية والتعليم، وتفاءل الجمهور العربي بتعدد القنوات، واستبشر أكثر عندما استطاع الإعلام العربي امتلاك التقنية الحديثة في الصحافة والإذاعة والتلفزة، فإذا ببعض من تلك التقنية المتطورة تنتهي بأكملها إلى الإسفاف وتأصيل الخواء الفكري.
كانت المشكلة الأساسية (في نظر المحاضر) مشكلة إدارة، أفقدت الإعلام الرسمي الدينامية والحركة والعمل المؤسسي، وتولد عنها جملة من المشكلات الأخرى، لعل من أبرز ملامحها تردي الاحتراف والإبداع وغياب الإنتاج الفني، وزيادة الكم على حساب الكيف بتدشين قنوات تلفزيونية وإذاعية غير ذات طعم، وكانت تلك الملحوظات محور كثير من كتابات المحاضر، يبديها بصراحة ناعمة، يحدوها تحرج شديد من أن ينتقد جهة كانت تربطه معها علاقة وظيفية سابقة، وعلاقة أخرى مستمرة من خلال عضوية المجلس الأعلى للإعلام.

* في سبيل البحث عن الحلول
* كان المظنون أن الحل سيكون في تحويل الأجهزة الإعلامية الثلاثة إلى مؤسسات عامة، يوم أن كانت المؤسسات العامة هي الحل الأمثل المتاح للبيروقراطية الإدارية الحكومية، ثم لما تحولت الحكومة في العقدين الماضيين نحو الهيئات العامة، نادى المحاضر بالتوجه نحوها بعدد من المقالات، وقد تحقق في العامين الماضيين وبعد نحو أربعة عقود، تحويل الإذاعة والتلفزيون معا ووكالة الأنباء إلى هيئتين عامتين من المبكر الحكم عليهما، إلا أن بوادر الأمور لا تبشر بالتغيير.
لقد دخل الإعلام الجديد بقوة في السنوات القليلة الماضية منافسا قويا لوسائل الإعلام التقليدية، ولم يعد بمقدور الحكومات التحكم بما يصدر عنه من فكر، أو السيطرة على مدخلاته ومخرجاته، وأضحت مؤسسات المجتمع المدني في العالم تنتظر من الحكومات أن تمنح الحرية لمستخدميه، معتبرة هذه المسألة من حريات التعبير، ولهذا فإن أمر التعامل معه يتطلب فكرا مرنا مستنيرا لا ضرر فيه ولا ضرار، لكن الأمر لا يمكن التغاضي عنه في زمن صارت استخدامات الإعلام الجديد تزيد من الشتائم وإثارة النعرات وكشف العورات، وتشارك مع برامج البث المباشر في بث الأحقاد، وفي فوضى الفتاوى الشرعية من كل من هب ودب.
لسنا في هذا المقام بصدد مناقشة ما يدور في مجتمعات أخرى حول جدوى بقاء وزارات الإعلام، بعد عقود من الوصاية والاحتكار، لكن أجهزة الإعلام من إذاعة وتلفزيون ووكالات أنباء التي ظلت تحافظ على تنظيمها التقليدي نفسه منذ تأسيسها قبل عقود، ثم حازت مؤخرا على سمة الهيئات العامة، هي اليوم أشد ما تكون - على وجه الخصوص - إلى أن جهة إشرافية تنظيمية تشريعية تعمل على تنظيم قطاع الإعلام ورسم تشريعاته وسياساته، وتحل محل المجلس الأعلى للإعلام وربما محل وزارة الإعلام نفسها، وهو إجراء اتجهت إليه بعض دول عربية في الخليج والمشرق والمغرب العربي، وعملت به دول متقدمة من قبل لقد كان مجال الخدمات الإعلامية كالصيانة والإعلان والإنتاج من المجالات التي فتحت مبكرا للقطاع الخاص، لكن إعادة الهيكلة يمكن أن تفتح مزيدا من عمليات الخصخصة والتعددية الإعلامية، التي تخفف العبء عن الجهاز الإداري، وتمنحه المزيد من الوقت للإشراف والتنظيم، وإن فتح المجال - بضوابط - للمؤسسات الثقافية والاقتصادية الوطنية الموثوقة للدخول في استثمارات الصحافة والمحطات الإذاعية والتلفزيونية الأهلية، في ميادين الثقافة أو الترفيه أو الرياضة أو نحوها، يمكن أن يخفف الضغط على متطلبات المجتمع من وسائل الإعلام الرسمية المركزية، ويوجد التنافس معها، وهو أمر لا ينازعها - في الوقت نفسه - في اعتبارات السيادة السياسية، فضلا عن كونه يعيد الاستثمارات السعودية في الخارج إلى موطنها، ويخلق فرص التوظيف والتدريب فيها للمواطنين.
لقد نجح القطاع الأهلي الخاص أفرادا وشركات، وبمباركة من الدولة ودعمها، في اقتحام عالم الإعلام، الإخباري والترفيهي والرياضي والثقافي في الخارج، وأسس إمبراطوريات عملاقة، أسهمت بنصيب وافر في دعم جهود إعلامنا الخارجي، لكن نجاحه هذا هو شهادة إثبات على عدم فاعلية إعلامنا الرسمي، ودليل على قصوره وضعفه، وكان الأحرى بنا أن نبحث في أسباب ذلك، وأن نستفيد من تجربة إعلامنا المهاجر، لتعزيز قدرات وسائل الإعلام الوطنية، بل الأحرى أن نسعى لتوطينه وإنهاء هجرته، في وقت يعرف الجميع انتماءه إلى هذه البلاد.
إن الإعلام الرسمي السعودي خاصة، والإعلام العربي عامة، يواجه اليوم - أمام بضع وسائل غير تقليدية في عالم الإعلام منذ انطلاقة «CNN» الأميركية عام 1980م - مأزقا حادا، لا يكفي لمواجهته الاستمرار في إغماض العيون، بل ينبغي أن يواجه بالمنافسة والإبداع، فتلك الوسائل الجديدة لا تمتلك عصا سحرية، لكنها عثرت على مكمن السر في التفوق، ثم تنبهت بعض دول خليجية إلى قوانين هذه اللعبة الإعلامية، فانخرطت فيها بذكاء وإيجابية، واستعادت قسطها من الإقبال والقدرة على المنافسة، ووضعت لنفسها مكانا في خارطة الإعلام المتقن الصنع.
إن التحديات التي تواجه وسائل الإعلام في محيطنا العربي، والدور المرتقب لإعلامنا في مثل هذه الظروف، التي أحصرنا بها منذ غزو العراق للكويت، لا يمكن أن يباشَر بأداة الأمس، فإذاعات الأمس وصحافته ومحطاته التلفزيونية لم تعد تتناسب وظروف اليوم، والجغرافيا لم تعد هي الجغرافيا، وأسقط الإنترنت والأقمار الصناعية الحدود والحواجز الرقابية والمكانية، حتى بدأت الإذاعات المتوسطة والقصيرة التقليدية في الانهيار والاضمحلال، وتداخل الليل والنهار، ولم يعد هناك فارق بين مفهوم المحلي والإقليمي والعالمي في الإعلام، وحلت الرقابة الذاتية محل الرقابة الحكومية المركزية، وصار البقاء والاستمرار يحكمان بعوامل الجودة والنوعية، لأن الخيارات تعددت، وأذواق المجتمعات تغيرت وتطلعاتها كبرت وأحوالها تبدلت، والأوضاع السياسية تعرضت للتحولات، وصارت المعلومة والتقنية متاحة بذات المقدار والصفاء لراعي الغنم في البادية ولأستاذ الجامعة، على حد سواء.
لقد بلغ الإعلام الرسمي العربي بكل وسائله ووزاراته، ومنذ نشأة معظمها، مرحلة متقدمة من النضج العمري بما يجعله يرتفع عن التجارب والتنازلات، وأن لا يرتضي من الاحتراف بأقل من الكمال. إن كلاما أطول يمكن أن يصرف في الحديث عن واقع الإعلام السعودي، الذي مضى على صحافته 90 عاما وعلى إذاعاته ومحطاته التلفزيونية ووزارته أكثر من نصف قرن، ونريد له أن يرتقي بارتقاء البلاد، ويلحق بالزمن المعيش اليوم، ويواكب التطور الإبداعي الذي نراه من حولنا، لأن قَدَرَه أن يطلب منه المزيد من التجديد والتغيير، فهو مرآة أمة تمتلك من عناصر المجد والقوة والفخر ما يجعل إعلامها متواضعا مهما عمل.
إن مساعي مشكورة قد بدت في الأفق للانفتاح، لكن إيقاعها لا يسير بالوتيرة المتسارعة التي تعمّ حياتنا الثقافية والاقتصادية، وهي مساعٍ ينقصها التخطيط واستشراف الآفاق الإعلامية الأحدث، وجهود تسير بقوة دفع تحركها آلة الضرورة التي لا تعرف التوقف، والنتيجة أن ما كل ما يدور يسير في اتجاه الأفضل. إنها دعوة مخلصة لوضع نظام إعلامي سعودي جديد، يأخذ في الحسبان أصالة الماضي وقيمه، ولغة إعلام الحاضر والمستقبل وإبداع الآلة وابتكار العقل، أما ما لم يدركه الوقت في هذا المقام فإن له مكانا آخر، بإذن الله، والحقيقة التي لا تغيب عن الذهن أن دولة بمثل المملكة العربية السعودية وشعبها جديران بإعلام راقٍ رفيع المستوى يليق بمكانتهما الإقليمية والدولية، الدينية والحضارية والسياسية والاقتصادية، ويتناسب مع ما ينفق عليه من أموال.
* إعلامي سعودي..
والموضوع محاضرة ألقيت
في منتدى عبد الرحمن السديري للدراسات السعودية.. 9 نوفمبر 2013



الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
TT

الذكاء الاصطناعي... الوجه الجديد للإعلام الآسيوي

مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)
مذيعو أخبار ومراسلون في محطة «إن إتش كيه» اليابانية (إن إتش كي)

في صباح يوم عادي بالعاصمة الهندية نيودلهي، لم يعد يجتمع المحررون حول قوائم المواضيع المطبوعة فقط. فالآن أصبحت الشاشات مضاءة بلوحات قياس تتبع سلوكيات القراء وقت حدوثها، بينما تقترح أدوات الذكاء الاصطناعي عناوين رئيسة بعدة لغات، وتحدد التحليلات أي مواضيع ستخرج من نطاق صالة التحرير.

وحقاً بدأت صالات التحرير التقليدية تختفي تدريجياً في معظم أنحاء آسيا، حيث ما عاد الموضوع الإعلامي الآسيوي يُكتب فقط بالحبر، أو يُبث عبر الأثير، بل يُكتب بلغة البايثون (لغة برمجة)، ويُخزّن على السحابة الإلكترونية، ويُوزّع عبر الخوارزميات.

من دلهي وبكين حتى سيول وطوكيو، تسير المؤسسات الإعلامية بهدوء عبر واحدة من أكبر عمليات التحوّل التقني في تاريخها، وفي قلب هذا التحوّل تكنولوجيا المعلومات، والذكاء الاصطناعي الذي لا يعيد تعريف كيفية إنتاج الأخبار فحسب، بل أيضاً كيفية استهلاك المجتمعات في أنحاء آسيا للمعلومات، وتفسيرها. لقد انتقل الذكاء الاصطناعي، الذي كان ذات يوم مقتصراً على التحليلات غير المرئية ورسائل التنبيه الآلية، إلى قلب صالة التحرير حيث يعيد تشكيل طريقة نقل الأخبار، وترجمتها، والتحقق منها، واستهلاكها.

مذيعة تلفزيونية روبوتية في الصين (تشينخوا)

الذكاء الاصطناعي أداة اتصال لا بديل

في الهند، مثلاً، احتوى الفضاء الإعلامي -وهو أحد أكبر الفضاءات الإعلامية وأكثرها تنوعاً في العالم- الذكاء الاصطناعي باعتباره أداة. وفي ظل وجود عشرات اللغات، وجمهور يمنح الأولوية للهواتف الجوّالة، تعتمد المؤسّسات الإعلامية الهندية راهناً بشكل متزايد على الذكاء الاصطناعي في الترجمة، وتحويل المقاطع الصوتية إلى نصوص، وتلخيص المحتوى.

ووفق كونال كابور، وهو محرّر رقمي بارز في منصة إخبارية هندية رائدة، «أصبح الذكاء الاصطناعي واقعاً أساسياً لدولة مثل الهند. إنه يتيح لنا اختيار موضوع خبري، وجعله متاحاً بعدة لغات في غضون دقائق... وطبعاً، هذا لا يحلّ محل الصحافة، بل يعزّز وضعها».

هنا لا تشبه صالة التحرير المكتبة بقدر ما تشبه المختبر، حيث يجلس مهندسون في البرمجيات إلى جوار صحافيين، ومراسلين، لضمان ألا يكون «التوصيل بلغات متعددة» مجرد هدف، بل عملية آلية سلسة. وتستخدم العديد من صالات التحرير الهندية الآن الذكاء الاصطناعي لتحويل التقارير الاستقصائية الطويلة إلى تفاسير، ومقاطع «ريلز»، ونشرات صوتية قصيرة. وأيضاً تستخدم مكاتب صحافة البيانات التحليلات القائمة على تكنولوجيا المعلومات لرصد نتائج السياسات الحكومية، والأنباء الرائجة الخاصة بالانتخابات، والبيانات المرتبطة بالمناخ.

من جهة ثانية، تحوّل مؤسسات إعلامية، عبر استخدام منصات مثل «بهاشيني» و«بهاراتجين»، تقريراً واحداً باللغة الإنجليزية إلى نشرة صوتية باللغة التاميلية، ومقطعاً مصوّراً باللغة الماراثية، وموجزاً مكتوباً باللغة البنغالية في أقل من 60 ثانية. وهنا يوضح محرر مقيم في دلهي: «نحن نعمل على جَسر الهوة الرقمية. كان مألوفاً أن الصحافة الإقليمية قليلة الموارد، أما الآن فيستطيع صحافي مبتدئ في منطقة ريفية استخدام الذكاء الاصطناعي للتأكد من دقة بيانات حكومية، أو ترجمة أخبار دولية إلى اللهجة المحلية فوراً».

جلسة نقاشية في إحدى محطات التلفزيون الهندية (رويترز)

اللغة الإنجليزية

وقد يكون الأثر الأبرز والأهم للذكاء الاصطناعي في الهند ملموساً خارج صالات التحرير التي تعتمد على اللغة الإنجليزية. إذ تستخدم المؤسسات الإعلامية الإقليمية -والتي كثيراً ما تقيدها الميزانيات المحدودة- حالياً أدوات الذكاء الاصطناعي للتنافس مع مؤسسات في مراكز حضرية على السرعة، وعدد المشاهدات. ووفق محرر بارز في صحيفة يومية تصدر باللغة الهندية في دلهي: «للمرة الأولى تساعد التكنولوجيا في ترجيح الكفة لصالح الصحافة الإقليمية. لقد حدّ الذكاء الاصطناعي من الاعتماد على صالات التحرير المركزية، ودعم الصحافيين المحليين».

وإضافة إلى الترجمة، يزداد اعتماد المؤسسات الإعلامية الهندية على أدوات الذكاء الاصطناعي في استخراج البيانات، والبحث القانوني، والتحقّق من المعلومات. وتفحص أنظمتها سجلات المحاكم، والعطاءات الحكومية، والتصريحات المشفوعة بالقسم الخاصة بالانتخابات، والإفصاحات البيئية، والأعلام الشاذة، والأنماط الناشئة.

الحالة الصينية...

في حين يوجّه «الاحتواء» استخدام الهند للذكاء الاصطناعي، تشكّل «السيطرة والكفاءة» استخدام الصين له.

فالصين تظل القائد العالمي في تحول البث الإعلامي إلى الآلية. ومنذ ظهور أول مذيعين إخباريين بالذكاء الاصطناعي للمرة الأولى منذ سنوات، تطوّرت التكنولوجيا من «الروبوتات» إلى اختفاء القدرة على التمييز بين البشر و«الروبوت». ومنذ مطلع العام الحالي بدأت مؤسسات مثل «شينخوا» وشبكة تلفزيون الصين الدولية تستخدم «بشريين رقميين» بأبعاد ثلاثية بمقدورهم إذاعة أنباء عاجلة بأكثر من 20 لغة بشكل متزامن.

المذيعون الصناعيون هؤلاء مزوّدون بـ«نماذج لغة كبيرة متعدّدة الوسائط» تستطيع مزامنة الصوت مع حركة تعبيرات الوجه، والإيماءات في الوقت الفعلي. ولا يكمن سبب هذا الانجذاب في خفض التكلفة فحسب، بل يشمل الاتساق، وثبات الأداء. إذ لا تشعر الآلات بالتعب، أو الإرهاق... ولا تنحرف، أو تعيد تأويل الأشياء.

وهنا يشرح سوميت جين، المحلل الإعلامي المقيم في العاصمة الصينية بكين، قائلا: «... بالنسبة إلى الصين تتجاوز المسألة خفض التكاليف لتصل إلى القدرة على التحكم في الرواية بما يضمن توصيل رسالة الدولة كل يوم طوال أيام الأسبوع بمثالية، وباتساق لا يتغير». ويردف: «المعضلة الأخلاقية هنا عميقة، فمع صعوبة التمييز بين المذيعين الصناعيين والبشريين، يزداد الخط الفاصل بين المسؤولية التحريرية والمخرج الخوارزمي ضبابية».

في المقابل، في حين أتاح هذا التطور للإعلام الصيني العمل على نطاق هائل، فإنه أثار نقاشات جدلية على المستوى الدولي بشأن الاستقلال التحريري، والمراقبة، والرقابة. ولكن مع ذلك ترى وسائل الإعلام الصينية أن التكنولوجيا أمر لا يمكن تفاديه. ووفق المنتج الإعلامي لي واي: «إن التحول إلى الآلية في مجتمع رقمي بهذا الحجم ليس خياراً، بل ضرورة».

كوريا الجنوبية: الطابع الشخصي

بالتوازي، قادت كوريا الجنوبية صحافة الذكاء الاصطناعي إلى اتجاه مختلف نحو المبالغة في إضفاء الطابع الشخصي. إذ لم تعد الأخبار تُنقل وتُقدم باعتبار أنها منتج منفرد، بل يعاد تشكيلها باستمرار لكل مستخدم.

في العاصمة سيول لم تعد الأخبار عبارة عن «منتج» تقرأه، بل بيانات تتغير بحسب كينونتك وهويتك. فإذا كنت من الركاب في منطقة غانغنام يستخدم التطبيق الإخباري الذكاء الاصطناعي لمنح الأولوية للتحديثات الخاصة بالانتقال، والأسهم التكنولوجية. وإذا كنت طالباً فإنه يسلّط الضوء على سياسة التعليم.

وحالياً تستثمر المؤسسات الإعلامية الكورية الجنوبية، بشكل كبير، فيما تسمى «الصحافة التي تعمل آلياً» حيث تراقب عناصر الذكاء الاصطناعي بشكل آلي تلقائي مواقع التواصل الاجتماعي بحثاً عن المواضيع الرائجة، وتكتب تقارير أولية، بل وحتى تتعامل مع تحسين محركات البحث قبل أن يراها محرّر بشري.

وبهذا الشأن، حذّر محرّر بارز مقيم في العاصمة الكورية سيول خلال منتدى إعلامي نُظّم أخيراً، فقال: «مكمن الخطر هنا هو سيادة مبدأ الراحة في مجال الصحافة. فإذا أوضح الذكاء الاصطناعي للناس ما يتوافق مع عاداتهم، فسنفقد الاحتكاك والتفاعل الذي يجعل الديمقراطية ناجحة».

اليابان: ذاكرة أرشيفية

في هذه الأثناء يُستخدم الذكاء الاصطناعي في اليابان «حارساً للماضي»... إذ تحوّل هنا إلى أداة لتحقيق سلامة الأمة، وحفظ السياق التاريخي.

وبالفعل تستخدم المؤسسات الإعلامية اليابانية الذكاء الاصطناعي لوضع سياق فوري لنبأ عاجل مع صور أرشيفية، ما يوفر عدسة تاريخية عميقة تعجز الأنظمة التقليدية عن التعامل معها. ويوضح هيروشي تاناكا، المحرر البارز في طوكيو: «يستطيع الصحافيون لدينا توصيل النقاط بشكل فوري بين تحول اقتصادي حالي وتغيير في السياسات منذ ثلاثين سنة». ثم يضيف: «أصبح الذكاء الاصطناعي الشريك الخفي في كل صالة تحرير». في أي حال، يظل تركيز اليابان على استخدام التكنولوجيا في تعزيز الدقة، والجاهزية للكوارث بما يضمن أن تسهم الثواني، التي تيسر توفيرها بفضل الذكاء الاصطناعي، في إنقاذ الأرواح على أرض الواقع. هنا لا يعمل الذكاء الاصطناعي باعتبار أنه عنصر معطل، بل إنه حارس لجودة مستوى الأداء.

الخط الأخلاقي...والمهمة الجديدة للإعلام

في أي حال، يصح القول إن ظهور الذكاء الاصطناعي في جميع أنحاء آسيا حلّ محل الأدوار التقليدية لصالات التحرير. وبحلول عام 2026 تحوّلت مهام مثل كتابة تقارير الأرباح، والموجزات الرياضية، وتحديثات أحوال الطقس إلى هذه الآلية. لكن مقابل تحرير الصحافيين من العمل الروتيني المتكرّر، أدى التقدم التكنولوجي هذا إلى تزايد المخاوف من فقدان الوظائف، وتراجع الثقة.

لقد تغير دور الصحافي، حيث لم يعد يتمحور حول كتابة موضوع فحسب، بل يتعلق بإدارة «بيئة محيطة للمحتوى». والآن تتولى الآلات حالياً إنجاز تقريباً كل المهام الروتينية، مثل كتابة ما سُجل من أهداف في الألعاب الرياضية، أو موجزات أسواق الأسهم. وتقول الصحافية الهندية أنيتا ديساي: «إن الدور الجديد للصحافي هو أن يكون حارساً للحقيقة. لندع الذكاء الاصطناعي يتولى أمر البيانات، بحيث نستطيع نحن التركيز على إجراء المقابلات، وجمع المعلومات الاستقصائية، والدراما الإنسانية التي لا تستطيع الآلة الشعور بها، أو القيام بها».

وفعلاً في العام 2026 لم يعد الصحافي راوياً لقصة، بل يعد حارساً للصدقية، ومسؤولاً عن ضمان خدمة التكنولوجيا للحقيقة عوضاً عن تجاوزها.


حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
TT

حق رفض ملخصات «غوغل» يثير مخاوف «العقوبة الخفية» لدى الناشرين

شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)
شعار «غوغل» فوق أحد مبانيها (رويترز)

أعاد اقتراح طرحته «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» (CMA) لمنح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في تغذية ملخصات «غوغل» المعززة بالذكاء الاصطناعي، الجدل حول مستقبل العلاقة بين شركات التكنولوجيا والناشرين، وسط تساؤلات بشأن جدوى هذا الحق قانونياً وعملياً. وفي حين تُصر «الهيئة» على ألا ينعكس الرفض سلباً على ظهور المواقع في نتائج البحث، أثار خبراء مخاوف من «عقوبة خفية» قد تطال الناشرين عبر تراجع غير مُبرر في الترتيب أو الزيارات.

«هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» كانت قد ذكرت في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، أنه «ينبغي أن يكون بإمكان الناشرين إلغاء الاشتراك الذي يسمح باستخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي من (غوغل)». فردت «غوغل» على الاقتراح البريطاني بإفادة، قالت فيها إنها «تدرس بالفعل تحديثات لعناصر التحكم للسماح للمواقع الإلكترونية بإلغاء الاشتراك تحديداً في ميزات الذكاء الاصطناعي التوليدي للبحث».

الدكتور السر علي سعد، الأستاذ المشارك في تخصص الإعلام الجديد بجامعة أم القيوين، رأى أنه في ضوء المقترحات البريطانية الأخيرة، يبدو منح الناشرين حق رفض استخدام محتواهم في ملخصات الذكاء الاصطناعي أو في تدريب النماذج، حقاً قانونياً مُعلناً؛ لكنه غير محصن عملياً بشكل كامل بعد.

وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «هيئة المنافسة والأسواق البريطانية» تستند إلى منطق مشابه لقانون الأسواق الرقمية الأوروبي الذي «لا يجيز معاقبة الناشرين أو تهميشهم في نتائج البحث بسبب رفضهم؛ غير أن الإشكالية تكمن في أن خوارزميات الترتيب معقدة وغير شفافة، ما يجعل العقوبة الخفية ممكنة تقنياً حتى لو كانت محظورة تنظيمياً».

وتابع سعد: «لذا، فإن الضمان الحقيقي لا يتحقق إلا عبر الفصل التقني الواضح بين البحث التقليدي وخدمات الذكاء الاصطناعي، وإتاحة آليات تدقيق مستقلة وحق الطعن التنظيمي إذا ثبت تراجع غير مبرّر في الزيارات أو الترتيب، وهو ما تعمل عليه الهيئات التنظيمية حالياً وفق ما توضحه هيئة المنافسة والأسواق البريطانية والمفوضية الأوروبية».

«وكالة الصحافة الفرنسية» كانت بدورها قد أوردت بنهاية يناير الماضي أن «ناشري المواقع الإلكترونية والمؤسسات الإعلامية كانوا قد وجهوا اتهامات لروبوتات الذكاء الاصطناعي بسرقة محتواهم من دون تعويض، بهدف تغذية نماذجهم التي تقدم للمستخدمين المعلومات مرة أخرى دون الإشارة للمصدر». وأفادت «الوكالة» بأن «هذا المسار المجحف تسبب في تقليل دخول المستخدمين إلى صفحات الناشرين الأصليين، ما يقلل من عدد زوار مواقعهم، وبالتالي من عائداتهم الإعلانية».

ووفق الدكتور سعد، فإن قرار الرفض هذا «محفوف بالمخاطر»، بينما عدّ النموذج الأكثر عملية، هو ترخيص المحتوى، «وفي حال قرر الناشرون الرفض الجماعي لاستخدام محتواهم في التدريب أو في الملخصات، فإن البديل الواقعي الذي يتشكل عالمياً، هو الانتقال إلى اقتصاد ترخيص المحتوى، سواءً عبر اتفاقات ترخيص مباشرة كما حدث بين (أوبن إيه آي) ومجموعة (أليكس سبرينغر)».

سعد اقترح أيضاً نموذجاً آخر يمكن أن يكون عادلاً للطرفين، هو «نماذج مشاركة العائدات الإعلانية، أو التفاوض الجماعي للناشرين على غرار التجربة الأسترالية، إلى جانب نماذج الوصول عبر واجهات برمجية مدفوعة بدل السحب الحر للمحتوى». واعتبر أن «هذه النماذج لم تعد افتراضية؛ بل موثقة وفاعلة، وتشير بوضوح إلى تحول المحتوى الصحافي من مورد مجاني إلى أصل اقتصادي منظم في بيئة الذكاء الاصطناعي».

وفي هذا الصدد، رأى هاني سيمو، خبير المشاريع الرقمية، في حوار مع «الشرق الأوسط»، أن وجود آليات واضحة لتعويض الناشرين عن استخدام محتواهم في تدريب الذكاء الاصطناعي «يقع في صميم اهتمام جميع أصحاب المصلحة في المجال».

وأضاف: «لا نزال نسبياً في بداية عصر الذكاء الاصطناعي، ولذا أجد أن الأمور لا تزال في مراحل التشكيل والتطوير، ونتيجة لذلك غالباً ما اعتمدت (غوغل) على تعويض الناشرين من خلال اتفاقيات ثنائية لا يمكن تعميمها».


السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
TT

السعودية تصنع مستقبل الإعلام في منتدى عالمي

الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)
الحارثي متحدثاً خلال النسخة السابقة من المنتدى (واس)

أكَّد محمد بن فهد الحارثي، رئيس المنتدى السعودي للإعلام، أن قطاع الإعلام في السعودية يحظى بأولوية وطنية بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي. وأشار الحارثي، في حوار مع «الشرق الأوسط»، إلى أن رعاية خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز تمنح المنتدى بُعداً يُعزز من مكانة المملكة بوصفها مركزاً إعلامياً عالمياً.

وكشف رئيس المنتدى السعودي للإعلام، الذي سينطلق الاثنين 2 فبراير (شباط) المقبل، عن تفاصيل «بوليفارد 2030» التي تحتفي بمشروعات السعودية، وتأتي بالتزامن مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وعن إطلاق أول جائزة عالمية في فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي.

رعاية ملكية للمنتدى

وقال الحارثي إن رعاية خادم الحرمين الشريفين لنسخة هذا العام رسالة واضحة بأن الإعلام يحظى بأولوية وطنية، بوصفه أداة للقوة الناعمة وصناعة الوعي، ما يجذب نخبة من صناع القرار والخبراء الدوليين، ويرسخ مكانة السعودية مركزاً إعلامياً يصنع التأثير، ويقود الحوار حول مستقبل الصناعة في عالم سريع التحول.

وأوضح أن المنتدى يتميز بأنه حراك استراتيجي متواصل يترجم «رؤية المملكة 2030»، وأن ما يميزه هو التكامل بين الحوارات المهنية والمبادرات العملية، ومن ذلك معرض «فومكس» والجائزة السعودية للإعلام، ما يخلق منظومة شاملة تنتج مخرجات ملموسة.

وأضاف: «نحن نضيف للقطاع بُعداً مستقبلياً من خلال استكشاف تأثير الذكاء الاصطناعي، وبناء جسور التواصل مع المؤسسات العالمية، وتمكين الكوادر الوطنية، بما يجعل المنتدى رافداً حقيقياً لتطوير الصناعة محلياً وإقليمياً».

وأكد الحارثي أن المنتدى هذا العام يكتسب بُعداً استثنائياً بتزامنه مع مرور 10 أعوام على إطلاق الرؤية، وسيشهد للمرة الأولى إطلاق «بوليفارد 2030»؛ وهي مساحة تستعرض منجزات برامج الرؤية والمشروعات الضخمة (مثل الدرعية، والعلا، والبحر الأحمر، والقدية)، بجانب معرض مستقبل الإعلام.

أول جائزة عالمية للذكاء الاصطناعي

وعن قدرة المنتدى على مواكبة التحولات العالمية، قال الحارثي إن شعار المنتدى، «الإعلام في عالم يتشكل»، يعكس إدراكاً عميقاً للتحولات الجيوسياسية والتقنية. وقال: «ستعقد أكثر من 150 جلسة حوارية تغطي موضوعات متنوعة، من توظيف الذكاء الاصطناعي إلى اقتصاد الإعلام والترفيه، ومن أبرز الإنجازات أن النسبة الأكبر من المتحدثين هم قيادات إعلامية دولية بارزة تزور السعودية للمرة الأولى. كما أضفنا للجائزة السعودية للإعلام فئة غير مسبوقة للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، لتكون أول جائزة عالمية في هذا المجال».

وعن مساهمة المنتدى في بناء جسور التفاهم مع المؤسسات العالمية، وتصحيح الصورة الذهنية، قال الحارثي إن المنتدى يُمثل أداة قوة ناعمة؛ من خلال مبادرة «SMF Connect» تربط الإعلاميين السعوديين بنظرائهم عالمياً. وأضاف: «لقد لمسنا أن الإعلامي الأجنبي حين يأتي للسعودية يخرج بانطباعات إيجابية، وبعضهم اعترف بأن نظرته للمملكة كانت مبنية على معلومات غير دقيقة قبل أن يخوض التجربة المعيشة، ويرى الإنجازات بنفسه في الرياض».

وأوضح الحارثي أن أبرز التحديات التي تواجه الإعلام السعودي حالياً، هي مواكبة التقنيات المتسارعة، وبناء كوادر مؤهلة في المجالات المستقبلية، وتعزيز المنافسة العالمية للمحتوى السعودي. وعن آلية عمل المنتدى على مواجهتها، قال الحارثي: «إن ذلك يتم عبر برامج متخصصة مثل مبادرة (غرفة العصف)، وهي مساحة مُصمَّمة للعصف الذهني وصناعة الأفكار؛ حيث يجتمع الشباب الموهوبون مع الخبراء والمختصين في جلسات منظمة لاستكشاف قضايا الإعلام الراهنة، وتوليد أفكار برامجية ورقمية يتم تبنيها من مؤسسات إعلامية أو إنتاجية مختلفة، ومبادرة نمو (SMF GROW UP) الداعمة للشركات الناشئة، وهي بالشراكة مع برنامج ضمان تمويل المنشآت الصغيرة والمتوسطة (كفالة) والفرصة متاحة للمؤسسات الإعلامية لكي تستفيد من هذه المبادرة».

محمد بن فهد الحارثي رئيس المنتدى السعودي للإعلام (المنتدى)

«سفراء الإعلام»

ومبادرة «سفراء الإعلام» التي تُهيئ طلاب الجامعات ليكونوا جيلاً جديداً من الكوادر المهنية القادرة على المنافسة إقليمياً ودولياً. ونفخر بأن معظم الشباب والشابات الذين يعملون في فريق المنتدى في هذه النسخة هم من مخرجات هذه المبادرة في نسختيها السابقتين.

وأشار الحارثي إلى أن التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي محوران رئيسيان في نسخة المنتدى 2026، وأضاف: «خصصنا جلسات متعمقة لاستكشاف توظيف الذكاء الاصطناعي في الصحافة وصناعة المحتوى، والبنية الرقمية للإعلام، كما أطلقنا فئة جديدة في الجائزة السعودية للإعلام للمحتوى المُولّد بالذكاء الاصطناعي، وهي نقلة نوعية تُعيد تشكيل مفهوم الصناعة الإبداعية، وتهدف هذه الخطوات إلى تحفيز الابتكار وبناء ثقافة تجريبية لدى الإعلاميين، بما يجعل المملكة في طليعة الدول المستفيدة من التقنيات المتقدمة. ومن مبادرات المنتدى المتخصصة في هذا الإطار، (معسكر الابتكار الإعلامي) الذي يُركز على الذكاء الاصطناعي وتحليل البيانات».

توسع في الجائزة السعودية للإعلام

وأوضح الحارثي طبيعة التوسع الذي شهدته الجائزة السعودية للإعلام، عبر 4 مسارات تغطي 14 فرعاً؛ حيث تمثلت الإضافة الأبرز في استحداث فئة المحتوى المُولَّد بالذكاء الاصطناعي ضمن مسار المحتوى المرئي والمسموع، لتكون بذلك أول جائزة عالمية متخصصة في هذا المجال ضمن منظومة الجوائز المهنية. كما أُضيفت جائزة «المنافس العالمي» التي تكرّم المبادرات الإعلامية السعودية ذات الحضور والتأثير الدولي، بهدف تحفيز المنافسة العالمية وترسيخ ثقافة الابتكار.

وعمّا إذا كان قد انعكس هذا التوسع في الجائزة على نتائج المشاركة في فروعها، قال الحارثي: «إن الجائزة تجاوزت البُعد المحلي لتصبح منصة عالمية حقيقية؛ حيث استقطبت مشاركات من أكثر من 20 دولة، بزيادة قدرها 200 في المائة في المشاركات الدولية مقارنة بالنسخة السابقة، يشمل ذلك تنوعاً جغرافياً استثنائياً يشمل دولاً عربية، ويمتد إلى قوى إعلامية عالمية، مثل الصين وأميركا وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، إضافة إلى سنغافورة وسويسرا وهولندا، ونجح هذا الحضور الدولي في رفع سقف المنافسة؛ حيث تأهل أكثر من 500 عمل للفرز النهائي ضمن 14 فرعاً مهنياً، وسيحتفي المنتدى بالفائزين من مختلف أنحاء العالم، في حفل التكريم يوم 4 فبراير (شباط) 2026».

بالإضافة إلى الجائزة، أصبح للمنتدى مبادرات متعددة. وعن أهميتها في تعزيز قطاع الإعلام السعودي، قال الحارثي: «إن المبادرات تحوّل المنتدى من فعالية سنوية إلى عمل مؤسسي مستدام وحراك متواصل، فمبادرة (ضوء المنتدى) تنقل النقاشات الإعلامية لمختلف مناطق المملكة، و(غرفة العصف) تخلق مساحة لصناعة الأفكار الإبداعية، في حين (سفراء الإعلام) تبني جيلاً جديداً من الكوادر الأكاديمية بخبرة ميدانية مبكرة، وهذه المبادرات مجتمعة تُسهم في بناء بيئة إعلامية ممكّنة، وتعزز القدرات الوطنية، وتضع المملكة في موقع القيادة الإعلامية إقليمياً ودولياً».