ألمانيا... في مهب الرشى المالية

مطار برلين أهم ضحاياها

ألمانيا... في مهب الرشى المالية
TT

ألمانيا... في مهب الرشى المالية

ألمانيا... في مهب الرشى المالية

حسب المعايير الدولية، فإن أكبر خطر يهدد نمو البشرية لا يكمن فقط في نشوب الحروب وانتشار الأسلحة الفتاكة، بل أيضاً في الرشى، التي أصبحت تتم حاليا على مستويات عالية، وغالبا من دون محاسبة. فهي لم تعد تقتصر على رشوة موظف بسيط في دائرة ما بمبلغ متواضع لتسهيل معاملة، بل تحولت إلى مصدر ثروة لكبار السياسيين والمسؤولين في معظم أنحاء العالم.
والمشكلة الكبيرة، أن هذه الرشى والفساد الذي يتم في المراكز ذات السلطة التنفيذية تسهل تمرير عمليات غير شرعية في قطاعات حيوية مهمة، وهذا بدوره يساهم في تراجع الإيرادات، وبالتالي يحدث تقصير في تحقيق أي نوع من الاستثمارات التي تنشط الوضع الاقتصاد لتحسين وضع الفرد والطبقة الفقيرة، والشاهد على ذلك ما يحدث في الدول منها النامية أو الفقيرة.
والمشكلة الصعبة، أن لا أحد يقوم بمحاسبة الفاسدين أو المرتشين، لأنهم أصبحوا يعملون ضمن شبكات يساندها منتفعون لا يطالهم القانون، ومن سخرية القدر أن هؤلاء في الكثير من الأحيان هم واضعو قوانين لمحاربة تلقي الرشى والفساد؛ وعليه فإن هذه الآفة ستظل تمثل أحد أكبر المخاطر الحقيقية في وجه التطور، حتى ولو سنت قوانين لمحاربتها، بيد أنها لم تعد تحدث في إطار تمرير اتفاقيات تجارية، بل في كل القطاعات حتى الطبابة، بعد الفضائح الكبيرة في ألمانيا بتلقي أطباء رشى مالية من أجل الترويج لبعض العقاقير أو الأجهزة الطبية.

قوانين لمحاربة الرشى والغش
لقد دفع هذا التفاقم في تلقى الرشى وعمليات الغش، إلى تشكيل تنظيمات في معظم بلدان العالم، منها ألمانيا، رغم قوانين الشفافية في المجتمعات لمحاربة عمليات الرشى وكشف تجاوز القانون، وقد صدرت عن الأمم المتحدة مجموعة قوانين في هذا السياق، ومع أن ألمانيا رائدة في مكافحة الفساد، حسب تقارير منظمة الشفافية الدولية، إلا أن الكثير من الضوابط فيها ما زالت رخوة؛ مما سمح بوقوع عمليات غش ضخمة.
ويمكن أن تحدث رشى من أجل الدفع بتوقيع اتفاقية تجارية مهمة ودسمة في العلاقات التجارية المتبادلة، الحكومية أو غير الحكومية، رغم أن معظم الدول لديها قوانين تحظر عرض مال أو هدية، أي شيء ذي قيمة أو الوعد به أو تقديمه مقابل الحصول على ميزة تجارية غير قانونية، وجب الإبلاغ عنها في حال وقوع مثل هذه الانتهاكات أو وجود احتمال في حدوثها.
وهذا القانون واضح كل الوضوح أيضا في ألمانيا، إلا أن اللائحة التي تخرج إلى النور كل عام لا تثير فقط الغضب، بل والحيرة والتساؤل عن سبب غياب الجهات التي يجب أن تحاسب مرتكبي هذه التجاوزات الخطيرة التي لا تلحق الضرر بجهات معينة، بل بالاقتصاد الألماني بالكامل.
فالشعار المرفوع في ألمانيا: «لم يعد من الممكن اعتبار الفساد ودفع الرشى الطريق السليمة للأنشطة الاقتصادية في ألمانيا»، لا يعكس ما يحدث حقيقة على أرض الواقع، ففي الممارسات العملية يحدث الفساد بأشكال مختلفة: من عمليات فساد على المدى الطويل إلى شبكة من الفساد ودفع الرشى التي أصبحت قانونيا جزءا من الجريمة المنظمة والقائمة التي صدرت هذا العام تحمل 580 اسما من شخصيات وشركات ومصانع، إما تلقت رشى أو دفعت رشى على مدى زمن طويل، والمبالغ ما بين عشرات الآلاف والملايين.

برنامج تلفزيوني لمحاربة الرشوة
ومن أجل كشف النقاب عن هذه العمليات، خصصت محطة التلفزيون الثانية، وهي للقطاع العام غير ربحية، بعض الحلقات أكدت على أن الكل يعرف ما يحدث، لكنه لا يتحدث. هذا الوضع دفع بالكثيرين إلى طرح السؤال: إلى أي مدى متغلغل الفساد في ألمانيا؟ فالأرقام التي تنشر تظهر بأن تلقي الرشى والعمولات هي أكثر مما كان متوقعا، والشرطة والمدعون العامون يواجهون صعوبات في مكافحة الفساد، فالقانون السائد هو قانون الصمت، أي أن الكل يعلم ذلك، لكن لا أحد يتحدث عنه، رغم أن عمليات الفساد تكون نتيجتها إتلاف القيم الأساسية لدولة الدستور ديمقراطيا واجتماعيا.
ففي العام 2004، سجل المكتب الجنائي الاتحادي نحو 20300 جريمة فساد في ألمانيا مختلفة الأحجام بما قيمته 140 مليون يورو دفعت معظم المبالغ نقدا، وفي هذا الصدد، يقول فولفغانغ شوابنشتاينر، المدعي العام السابق والمتخصص حاليا في مكافحة الرشى والفساد: لا يكاد يكون هناك قطاع في ألمانيا يخلو من الفساد، في كل مكان في القطاع الخاص كما القطاع العام، فأنظمة الرشوة تعمل دون عائق؛ لذا فإن أفضل الإجراءات القانونية هي تشديد العقوبات أكثر مما هو معتاد في المحاكم الألمانية.
ووفقا لإحصائيات المكتب الجنائي الاتحادي، فإن عمليات الرشى شائعة كثيرا في قطاع الخدمات وفي مجال التجارة وتجارة السيارات وقطاع البناء من أجل التسريع بالحصول على إذن بناء أو ترميم، أيضا في شركات ومصانع كبيرة ومتوسطة وصغيرة ما سبب خسائر اقتصادية في عام 2014 وحده نحو 358 مليون يورو، ومع ذلك فإن الخسائر المالية الفعلية أعلى من ذلك بكثير لأن أضرار الفساد، وبخاصة في التصاريح والعقود التي تبرم يصعب قياسها كما. عدا عن ذلك فإن عدد التجاوزات غير المُبلغ بها ضخم وتبقى غير مكتشفة.

نقص في جهاز القضاء
ولقد اشتكت الجمعية الألمانية للقضاة من عدم وجود الأعداد الكافية من المحققين للكشف عن المزيد من هذه المخالفات الخطيرة، وأكد رئيسها الدكتور بيتر شتاينرهان، أن رغبة المدعين العاميين موجودة، لكن ينقصهم بعض الأحيان الوسيلة والموظفون، فالتحقيقات معقدة للغاية وعدد القضايا التي يجب أن تعالج كبير جدا؛ لذا يبقى الفساد في الشركات على نطاق واسع رغم سياسات مكافحة الفساد التشغيلية وقواعد الالتزام. وذكر شتاينرهان، أن مصدرا من قطاع العقارات اعترف بأن عمليات الرشى المحترفة تتم بين المقاولين بنسبة تراوح بين الـ30 والـ40 في المائة، ولا أحد يخشى الملاحقة.
ومن عمليات الرشى الضخمة، تلك التي دفعها مديرو اتحاد شركات سيمنز، وكشف النقاب عنها عام 1997؛ فمقابل الحصول على مناقصة لرقمنة شبكة الهواتف في اليونان دفع مديرو فروعها هناك من أموال الشركة ما يعادل 70 مليون يورو (قرابة 130 مليون مارك ألماني) لشخصيات يونانية تعمل في مؤسسات حكومية، بعدها شهدت قاعات محاكم أثينا جلسات كثيرة لمحاكمة 64 شخصا، من بينهم 13 ألمانيا ومدير مكتب «سيمنز» السابق هاينريش فون بيرر، ومدير فرع «سيمنز» للاتصالات سابقا، واليوناني ميشائيل كريستوفوراكوس، والتهم ليست فقط الرشوة، بل وغسل الأموال، إلا أن القضية ما زال يسودها الغموض، وكانت آخر جلسة في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2014، كانت مسرحية هزلية غاب عنها كل كبار المتهمين، بعدها، ومن أجل إظهار محاربتها للفساد والرشى أوكلت الشركة الأم في ألمانيا قانونيين لإعادة تقييم.
وبالفعل قدموا نتائج تحقيقاتهم في 800 صفحة بقيت في أدراج مجلس الإدارة. إلا أن هذه الفضيحة كلفت «سيمنز» غاليا، حيث اتفقت الشركة مع الحكومة اليونانية على تنازلها عن فاتورة قيمتها 80 مليون يورو والاستثمار في برامج تدريب وتعليم في المعاهد اليونانية وألزمت فرعها بزيادة استثمارها من أجل أحداث أماكن عمل في اليونان.
وفي عام 2009، هزت ألمانيا فضحية مثيلة طالت شركة «مان» ومركزها في ميونيخ، وهي من الشركات الرائدة في صناعة المعدات الهندسية والمركبات التجارية. فبعد الشكوك التي حامت حولها كشفت تحقيقات المدعي العام في ميونيخ، عن أن الشركة دفعت أكثر من 80 مليون يورو في 20 بلدا من عام 2001 وحتى عام 2007 إلى حكومات وشركاء تجاريين من أجل إبرام صفقات بيع شاحنات وحافلات من صنعها، واضطر الرئيس التنفيذي للشركة هاكان سمويلسون وأعضاء مجلس الإدارة يومها، إلى الاستقالة ودفعت الشركة غرامة قيمتها 150 مليون يورو، وفي الأول من شهر مايو (أيار) عام 2010، ولتخطي انعكاسات ما حدث دخلت شركة مان في مشروع مشترك مع شركة راين ميتال وأسستا معا شركة راينميتال مان للمركبات العسكرية.

مطار برلين ضحية الرشى
عطلت عمليات الغش والرشى حتى اليوم افتتاح مطار برلين – براندنبورغ، وكان من المفترض بدء العمل فيه عام 2012، من بينها اكتشاف غش الشركة التي أوكلت ببناء نظام صيانة للمبنى من الحريق والغازات السامة، وظلت إدارة المطار تتحدث عن يوم الافتتاح وكان في الـ4 من شهر يونيو (حزيران) عام 2012، وتحضرت الشركات والمحال التجارية التي تريد فتح فروع لها فيه للانتقال، والبعض منها أنهى عقود الإيجار في مطار تيغل الصغير، لكن فوجئ الجميع قبل أيام قليلة باعتراف الشركة بالعطل، وبأنها كذبت فيما يتعلق بإنهائها العمل، واليوم يقف أحد المسؤولين الكبار فيها أمام القضاء بتهمة الحصول على الملايين والكذب. ولم تتوقف المشاكل في هذا المطار حتى اليوم، حيث يستجوب حاليا المدير السابق للمطار هورست أمان بتهمة الاستيلاء على مبالغ ضخمة.
وفي عام 2015، كشف النقاب عن دفع مصانع أدوية دولية وألمانية لمستشفيات وأطباء نحو مليار يورو للإكثار من وصف منتجاتها للمرضى، أيضا تفضيل دراسات تقوم بها على أدوية معينة لمعرفة مدى فاعليتها على أنواع من الأمراض، والرشى لم تكن مادية فقط، بل دفع تكاليف دورات تدريبية لطواقم مستشفات وعيادات أو لأطباء وتكاليف سفر.



العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
TT

العراق: 5 % رسوماً على مستلزمات الطاقة الشمسية

حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)
حدد العراق 5 % جمارك على نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل لكل مادة (إكس)

حددت الهيئة العامة للجمارك العراقية، الأحد، نسبة الرسوم على مستلزمات الطاقة الشمسية عند 5 في المائة فقط، وذلك لتشجيع المواطنين على استخدام الطاقة النظيفة.

ويشهد العراق انقطاعات في التيار الكهربائي مع كل موسم صيف، إذ يرتفع الطلب مع درجات الحرارة الملتهبة، وسط تهالك شبكة الكهرباء المحلية.

وقال مدير عام الهيئة، ثامر قاسم، وفقاً لـ«وكالة الأنباء العراقية»: «إنه جرى توجيه كتاب إلى الفريق الوطني لتنفيذ مشروع الأتمتة، بتحديد رمز ونسبة الرسم الجمركي لمستلزمات الطاقة الشمسية والمعدات والألواح».

وأضاف أن «نسبة الخلايا الشمسية وبطاريات الليثيوم والإنفريتر والكيبل تبلغ جميعها 5 في المائة لكل مادة».


عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء برسوم مؤقتة

سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
TT

عواصم العالم تعيد تقييم صفقات التريليونات بعد التفاف ترمب على القضاء برسوم مؤقتة

سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)
سفينة تعبر بجانب سفينة حاويات محملة بحاويات شحن في ميناء لوس أنجليس (أ.ف.ب)

دخل النظام التجاري العالمي مرحلة من الغليان القانوني والسياسي إثر قرار المحكمة العليا الأميركية الذي قيَّد صلاحيات الرئيس دونالد ترمب الجمركية، مما أطلق شرارة «ثورة صامتة» في عواصم القرار. هذا القرار، الذي وصف بأنه «نزع سلاح» استراتيجي لواشنطن، دفع الدول الكبرى فوراً إلى إعادة تقييم جدوى صفقات التريليونات التي وقَّعتها تحت ضغط الترهيب؛ إذ بدأ العالم يستشعر لأول مرة أن «عقيدة المقايضة» الجمركية التي انتهجها البيت الأبيض باتت تفتقر إلى السند القانوني القوي.

لقد استند ترمب في «حربه الشاملة» على التجارة العالمية إلى قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977، والمعروف اختصاراً بـ«IEEPA»، وهو تشريع يمنح الرئيس سلطات واسعة في حالات الطوارئ الوطنية. لكن ترمب ذهب بعيداً حين فسر هذا القانون بطريقة تمنحه الحق في فرض رسوم جمركية عقابية مرتفعة جداً «في أي وقت ولأي سبب»، مستخدماً إياه كـ«بازوكا تجارية» لمعاقبة الدول في ملفات لا علاقة لها بالتجارة، مثل الضغط على أوروبا في قضية غرينلاند أو تهديد المكسيك وكندا بسبب ملفات الهجرة.

وبحكم المحكمة الأخير الذي جاء بأغلبية 6 قضاة مقابل 3، فقدت هذه الأداة قانونيتها، حيث رأت المحكمة أن فرض الرسوم سلطة حصرية للكونغرس، مما حرم الرئيس من عنصر «المفاجأة والردع» الذي كان يرهب به الأسواق.

ترمب محاطاً بوزير التجارة هوارد لوتنيك والمدعي العام دي جون ساوير في مؤتمر صحافي بالبيت الأبيض عقب قرار المحكمة العليا (رويترز)

خطة بديلة

ومع ذلك، لم يستسلم البيت الأبيض لهذا الانكسار القضائي؛ ففي غضون ساعات قليلة، أعلن ترمب عن تفعيل «الخطة البديلة» عبر اللجوء إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974. هذه المادة تتيح للرئيس فرض رسوم لمواجهة العجز التجاري الخطير، لكنها تظل أداة «مقصوصة الأجنحة» مقارنة بالقانون السابق، فهي تضع سقفاً للرسوم لا يتجاوز 15 في المائة، وتحدد مدتها بـ 150 يوماً فقط ما لم يتدخل الكونغرس لتمديدها. هذا الالتفاف السريع، الذي بدأ برسم 10 في المائة قبل أن يرفعه ترمب إلى الحد الأقصى (15 في المائة) في أقل من يوم، يعكس إصرار الإدارة على إبقاء الشركاء التجاريين في حالة تأهب دائم، رغم أن الإجراءات الجديدة تتطلب تحقيقات فيدرالية مطولة بموجب المادتين 301 و232، مما يسلب ترمب قدرته على الضرب المفاجئ ويمنح الدول الأخرى «نَفساً» تفاوضياً لم يكن متاحاً من قبل.

كما يملك ترمب سلاح المادة 232 الذي لا يُقهر قضائياً؛ حيث تتيح فرض رسوم باسم «الأمن القومي» (مثل رسوم الـ50 في المائة على الصلب والسيارات)، وهي أداة دائمة وقاسية يصعب الطعن فيها. وكذلك سلاح المادة 301 وهي «سيف العقاب» للممارسات غير العادلة، والتي يخطط ترمب لاستخدامها عبر «تحقيقات نشطة» لشرعنة الرسوم التي أبطلتها المحكمة، مما يبقي بكين تحت ضغط دائم.

مصير الصفقات الكبرى

تكمن المعضلة الكبرى الآن في مصير الاتفاقيات الإطارية الضخمة التي وقعتها واشنطن مع نحو 20 دولة وقوة اقتصادية، وهي الصفقات التي كانت قائمة في جوهرها على معادلة «الاستثمار مقابل الحماية».

وتتصدر اليابان وكوريا الجنوبية قائمة الدول التي سارعت لإرضاء واشنطن بصفقات «تريليونية» لتأمين استقرار قطاعاتها الصناعية الكبرى. اليابان، التي تعد السيارات وقطع غيارها العمود الفقري لصادراتها، نجحت في خفض الرسوم من 27.5 في المائة إلى 15 في المائة مقابل تعهد تاريخي بضخ 550 مليار دولار في الاقتصاد الأميركي.

وقد وصف أحد المسؤولين البارزين في «الحزب الليبرالي الديمقراطي» الحاكم في اليابان، الرسوم الجديدة بأنها «فوضى حقيقية»، بحسب ما نقلت وكالة «بلومبرغ»، عن إيتسونوري أونوديرا، الذي يشغل حالياً منصب رئيس مجموعة بحثية عن الضرائب تابعة للحزب.

واستبعد أونوديرا إمكانية أن تسعى اليابان من أجل إعادة التفاوض على الاتفاقية التجارية، مشيراً إلى أن جوهر المفاوضات التجارية التي جرت العام الماضي، كان خفض الرسوم الجمركية المفروضة على السيارات، حيث إنها تعدُّ أكبر مصدر للصادرات اليابانية، ومصدراً رئيسياً للوظائف والاستثمارات.

حاويات مكدسة في ميناء لونغ بيتش (أ.ب)

ورغم وصف الوضع الحالي بـ«الفوضى الحقيقية»، فإن الحكومة اليابانية تجد نفسها في موقف حرج؛ فهي لا تزال تخطط للمضي قدماً في استثماراتها، بينما تكتنف الضبابية جولة التمويل القادمة المقرر الإعلان عنها خلال زيارة رئيسة الوزراء لواشنطن في مارس (آذار) المقبل.

أما كوريا الجنوبية، التي التزمت بـ350 مليار دولار كاستثمارات مقابل سقف رسوم 15 في المائة على الصلب والألمنيوم والسيارات، فتعيش حالة من الترقب المشوب بالحذر. فبينما هدَّد ترمب مؤخراً برفع الرسوم إلى 25 في المائة متهماً سيول بالمماطلة في المصادقة البرلمانية على الاتفاق، جاء قرار المحكمة العليا ليمنح المفاوض الكوري «ورقة قوة» غير متوقعة، حيث يرى المحللون في سيول أن الحكم «يُبطل» فعلياً قانونية التهديد بالرسوم المتبادلة، مما يضعف من قدرة ترمب على ممارسة المزيد من الضغوط دون غطاء قانوني صلب.

أما إندونيسيا وماليزيا وكمبوديا والتي وافقت على رسوم بنسبة 19 في المائة مقابل مشتريات ضخمة من السلع الأميركية، فإنها تجد نفسها في وضع غير مواتٍ، مقارنة بمنافسيها الآسيويين.

الهند ترجئ الزيارة

وفي خضم هذه التطورات، قررت الهند إرجاء خططها لإرسال وفد تجاري إلى واشنطن هذا الأسبوع، وفق ما أفاد مصدر في وزارة التجارة الهندية. ويُعد هذا القرار من أوائل ردود الفعل الملموسة بين الدول الآسيوية على هذا القرار.

وقال المصدر، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظراً لحساسية الموضوع: «اتُخذ قرار تأجيل الزيارة بعد مناقشات بين مسؤولين من البلدين. ولم يُحدَّد موعد جديد للزيارة».

وكان من المقرر أن يغادر الوفد يوم الأحد لإجراء محادثات لوضع اللمسات الأخيرة على اتفاقية تجارية مؤقتة، بعد أن اتفق البلدان على إطار عمل لخفض واشنطن الرسوم الجمركية العقابية بنسبة 25 في المائة على بعض الصادرات الهندية المرتبطة بمشتريات نيودلهي من النفط الروسي.

وكان من المقرر خفض الرسوم الجمركية الأميركية على البضائع الهندية إلى 18 في المائة، بينما وافقت الهند على شراء سلع أميركية بقيمة 500 مليار دولار على مدى خمس سنوات، تشمل إمدادات الطاقة والطائرات وقطع غيارها والمعادن الثمينة والمنتجات التكنولوجية.

متداول يعمل في بورصة نيويورك بينما يعقد ترمب مؤتمراً صحافياً عقب قرار المحكمة العليا (إ.ب.أ)

إندونيسيا مستعدة لأي نتيجة

وفي الإطار نفسه، أكَّد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، استعداد بلاده للتكيف مع أي تغييرات في السياسات التجارية الأميركية، مشدداً على أن جاكرتا تحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة، وتبقى مستعدة للتعامل مع أي مستجدات.

ونقلت وكالة أنباء «أنتارا» الإندونيسية، عن سوبيانتو قوله للصحافيين في واشنطن العاصمة، إن قرار المحكمة العليا الأخير قضى بعدم أحقية السلطة التنفيذية في فرض رسوم جمركية عالمية واسعة النطاق استناداً إلى «قانون سلطات الطوارئ الاقتصادية الدولية». وأبدى تفاؤله قائلاً: «إننا على استعداد لأي احتمال، ونحترم السياسة الداخلية للولايات المتحدة».

الجبهة الأوروبية

لم تكن القارة العجوز بمنأى عن هذا الزلزال؛ ففي بروكسل، انتقل التوتر من أروقة المكاتب إلى منصات القرار التشريعي. وأعلن بيرند لانغ، رئيس لجنة التجارة الدولية في البرلمان الأوروبي، يوم الأحد، اعتزامه التقدم باقتراح رسمي لتعليق كافة الأعمال التشريعية المتعلقة بالاتفاق التجاري الضخم مع واشنطن.

هذا التحرك جاء رداً مباشراً على ما وصفه بـ«الفوضى الجمركية العارمة» التي أحدثتها إدارة ترمب، معتبراً أن الأساس القانوني الذي بُنيت عليه الاتفاقيات قد انهار تماماً.

وكان من المقرر أن يتم التصويت على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا هذا الأسبوع. وكان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة اتفقا في ملعب «غولف تيرنبيري» التابع لترمب في اسكوتلندا بيوليو (تموز) الماضي، على اتفاقية لتجنب حرب تجارية، بموجبها يلغي الاتحاد الأوروبي رسوم الاستيراد على العديد من المنتجات الأميركية مقابل فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 15 في المائة على معظم صادرات السلع الأوروبية.

وتحتاج الرسوم الجمركية المخفضة للاتحاد الأوروبي إلى موافقة حكومات الاتحاد الأوروبي والبرلمان الأوروبي.

وعلَّق البرلمان الأوروبي الشهر الماضي أعماله بشأن الاتفاقية احتجاجاً على مطالب ترمب بضم غرينلاند وتهديداته بفرض تعريفات جمركية على الحلفاء الأوروبيين المعارضين لخطته، لكنه قرَّر لاحقاً طرح الاتفاقية للتصويت في نهاية فبراير (شباط).

ورغم إصرار وزارة الخزانة الأميركية على أن هذه الصفقات ستظل سارية، فإن المحللين يرون أن الدول قد تستعيد بعضاً من نفوذها التساومي، مستغلة الضعف القانوني لموقف ترمب الجديد، وإن كانت تخشى في الوقت ذاته من «انتقام رئاسي» غير متوقع عبر أدوات أخرى.

وتبرز مشكلة أخرى وهي أن القليل جداً من هذه الاتفاقيات قد تمت المصادقة عليه برلمانياً. وبينما كان ترمب يتصرف من جانب واحد، يحتاج المسؤولون في الطرف الآخر إلى موافقة تشريعية. وقد سارعت ماليزيا وإندونيسيا للإشارة إلى أنهما لم تصدِّقا بعد على اتفاقاتهما، حيث أكَّد وزير التجارة الماليزي أن بلاده ستعمل وفقاً لمصالحها الخاصة وتستمر في «تنويع علاقاتها التجارية».


الناتج المحلي لدول الخليج يقفز إلى 2.3 تريليون دولار

واصلت دول «مجلس التعاون الخليجي» تحقيق نمو في الناتج المحلي بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية (العمانية)
واصلت دول «مجلس التعاون الخليجي» تحقيق نمو في الناتج المحلي بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية (العمانية)
TT

الناتج المحلي لدول الخليج يقفز إلى 2.3 تريليون دولار

واصلت دول «مجلس التعاون الخليجي» تحقيق نمو في الناتج المحلي بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية (العمانية)
واصلت دول «مجلس التعاون الخليجي» تحقيق نمو في الناتج المحلي بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية (العمانية)

أظهر تقرير إحصائي خليجي، نشر الأحد، أن اقتصادات دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» حققت نمواً في الناتج المحلي؛ بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية، فقد بلغ الناتج المحلي 2.3 تريليون دولار، مسجلاً المرتبة الـ9 عالميّاً، ونموّاً بنسبة 2.2 في المائة.

وكشف التقرير عن أن دول الخليج العربية حققت خلال عام 2024 قفزات نوعية في مجالات التنافسية والطاقة والتجارة والرقمنة؛ مدفوعة بنمو القطاعات غير النفطية، وتحسن جودة الحياة، وتطور البنية الأساسية الرقمية، وتعاظم الحضور الإقليمي والدولي.

وفي تقرير «مجلس التعاون في أرقام» الصادر عن «المركز الإحصائي لدول مجلس التعاون لدول الخليج العربية»، جرى التأكيد على استمرار دول المجلس في تحقيق نمو حقيقي بالناتج المحلي؛ «بفضل برامج التنويع الاقتصادي والإصلاحات المالية، حيث بلغ الناتج المحلي 2.3 تريليون دولار، مسجلاً المرتبة الـ9 عالميّاً، ونموّاً بنسبة 2.2 في المائة».

وأظهر التقرير تحسنّاً في المؤشرات الاقتصادية العالمية، بما في ذلك القدرة التنافسية، والمرونة، والديناميكية الاقتصادية... وقد جاءت دول مجلس التعاون في المركز الأول عالميّاً في احتياطي النفط بـ511.9 مليار برميل، وفي المرتبة الثالثة عالميّاً في إنتاج الغاز الطبيعي بـ442 مليار متر مكعب، وفي المرتبة الثانية في احتياطي الغاز الطبيعي بـ44.3 مليار متر مكعب.

كما جاءت دول «مجلس التعاون لدول الخليج العربية» بالمرتبة الـ10 عالميّاً في إجمالي الصادرات بما قيمته 849.6 مليار دولار، وبالمرتبة الـ11 عالميّاً في الواردات بما قيمته 739.0 مليار دولار، وبالمرتبة الـ10 عالميّاً في التبادل التجاري بتريليون و589.5 مليار دولار، وبالمرتبة الـ6 عالميّاً في فائض الميزان التجاري بـ109.7 مليار دولار.