«قلق» فرنسي من التوتر بين طهران وواشنطن بعد عقوبات الكونغرس الجديدة

باريس حريصة على الاتفاق النووي وتتساءل عن «البديل» في حال نقضه

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره عرضاً عسكرياً بباريس في العيد الوطني الفرنسي منتصف الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره عرضاً عسكرياً بباريس في العيد الوطني الفرنسي منتصف الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
TT

«قلق» فرنسي من التوتر بين طهران وواشنطن بعد عقوبات الكونغرس الجديدة

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره عرضاً عسكرياً بباريس في العيد الوطني الفرنسي منتصف الشهر الماضي (نيويورك تايمز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يتحدث إلى نظيره الفرنسي إيمانويل ماكرون خلال حضوره عرضاً عسكرياً بباريس في العيد الوطني الفرنسي منتصف الشهر الماضي (نيويورك تايمز)

رغم أن المكالمة الهاتفية التي أجراها على مدى ساعة الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والفرنسي وإيمانويل ماكرون، ليلة الجمعة، وفرت فرصة للتشاور مجددا في المسائل الساخنة عقب لقائهما المطول في باريس يوم 13 يوليو (تموز) الماضي، فإن أهمية المكالمة تكمن في أنها ركزت، وفق مصادر رسمية فرنسية، في جزء كبير منها على «قلق» باريس من مستقبل الاتفاق النووي مع إيران، وذلك قبل ساعات فقط على تأدية الرئيس الإيراني حسن روحاني اليمين الدستورية لولاية ثانية «وأخيرة» أمام البرلمان.
واللافت برز في اختلاف اللهجة فيما صدر عن البيت الأبيض وقصر الإليزيه بخصوص هذه النقطة بالذات. ففي حين جاء في بيان رئاسي أميركي أن ترمب وماكرون «تناولا كيفية تكثيف التعاون بينهما في إدارة أزمات سوريا والعراق، ومواجهة النفوذ الإيراني الضار»، اكتفى الجانب الفرنسي بالإشارة إلى أن الرئيسين «ناقشا» الملف النووي الإيراني والأوضاع في سوريا وأوكرانيا... وأضافت مصادر الإليزيه، أن المكالمة جرت في جو «من الودية والصراحة».
في هذا الصدد، ترى مصادر فرنسية تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، أن استفحال الأزمة بين واشنطن وطهران يضع باريس «ومعها الكثير من العواصم الأوروبية» في موقف «غير مريح». فهي من جهة، تجد نفسها مضطرة إلى «مسايرة» الحليف الأميركي، وتعزيز العلاقات مع الرئيس ترمب الذي كان ضيف الشرف في احتفالات العيد الوطني الفرنسي والعرض العسكري في 14 يوليو. ومن جهة أخرى، لا تريد باريس التضحية بعلاقاتها المتنامية مع إيران منذ التوقيع على الاتفاق النووي في يوليو من العام 2015، ولا بالفرص الاقتصادية والتجارية التي توفرها السوق الإيرانية. وما تريده باريس وبلدان الاتحاد الأوروبي، وعلى رأسها بريطانيا وألمانيا اللتان وقعتا الاتفاق النووي في إطار «مجموعة 5 زائد 1» هو «منع واشنطن من الذهاب بعيدا في محاولاتها الإطاحة بالاتفاق» الذي وصفه الرئيس ترمب أكثر من مرة بأنه «من أسوأ الاتفاقيات» التي رآها.
فضلا عن ذلك، فإن باريس ستكون في حاجة إلى طهران في المبادرة التي يعد لها الرئيس ماكرون بخصوص الحرب في سوريا والقائمة على إقامة «مجموعة اتصال» تتكون من الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي ومن «القوى الإقليمية» المعنية مباشرة بالأزمة السورية، فضلا عن طرفي النظام والمعارضة. وبحسب المصادر الفرنسية، فإن ماكرون الذي يتشاور مع العديد من الأطراف «يتأهب لإطلاق مبادرته» في الأيام القليلة المقبلة. ومن بين الدول الإقليمية التي ستدعى للانضمام إلى «مجموعة الاتصال» هناك إيران التي ستكون إلى جانب تركيا والمملكة السعودية والأردن ومصر.
عندما أعلنت إيران في 27 الشهر الماضي تجربة ناجحة لصاروخ قادر على حمل أقمار اصطناعية في مدار حول الأرض بارتفاع 500 كلم، لم تتردد باريس وبرلين ولندن في الانضمام إلى واشنطن للتنديد بالتجربة الصاروخية الإيرانية، وبالطلب من مجلس الأمن الدولي التحرك باعتبار أن إيران انتهكت القرار الدولي رقم 2231 الذي يمنع طهران من إجراء تجارب صاروخية يمكن تسخيرها لنقل رؤوس نووية.
لكن بالمقابل، تشدد باريس على أن طهران «تلتزم التزاما تاما» بتنفيذ بنود الاتفاق النووي وفق ما تؤكده الوكالة الدولية للطاقة النووية، بل أيضا الإدارة الأميركية التي يلزمها قرار من الكونغرس بأن تقدم تقريرا عن ذلك كل 90 يوما. وفي أي حال، تبدو باريس مطمئنة إلى أن مجلس الأمن لن يكون قادرا على اتخاذ أي قرار أو تدابير بحق إيران باعتبار أن روسيا التي تتمتع بحق النقض لن تسمح بتمريره في المجلس المذكور، خصوصا في ظل التدهور في علاقاتها مع واشنطن، ولأن «المصيبة» جمعت موسكو وطهران و«بيونغ يانغ» التي وضعتها العقوبات الأميركية في سلة واحدة. وفي أي حال، تتساءل المصادر الفرنسية عن «البديل» للاتفاق النووي في حال خرجت منه واشنطن؛ الأمر الذي سيدفع طهران بدورها إلى التخلي عنه.
وتتساءل هذه المصادر عما إذا كان الغرض من التحركات والإجراءات الأميركية «دفع إيران إلى ارتكاب غلطة الانسحاب» بالضغط عليها من خلال ثلاثة ملفات، هي: التجارب الباليستية، دعم التنظيمات الإرهابية، وأخيرا ملف حقوق الإنسان. والدليل على ذلك أن واشنطن رفعت العقوبات المرتبطة بالنووي، لكنها أضافت عقوبات جديدة بحجة الملفات الثلاثة الأخرى.
بعد التوقيع على الاتفاق النووي، كانت باريس تعتبر أن إعادة إدخال طهران في الدورة الدبلوماسية والاقتصادية والتجارية الدولية ستدفعها إلى «الاعتدال» في تعاطيها مع ملفات المنطقة. والحال أن المصادر الفرنسية تبدو «خائبة» من أن أيا من هذه الآمال «لم يتحقق» والدليل على ذلك الدور الذي تلعبه طهران في سوريا والعراق واليمن والخليج بشكل عام. لكن الواضح أن باريس تتعامل مع طهران وفق المنطق نفسه الذي تتعامل به مع إسرائيل، حيث تفصل بين رغبتها في تعزيز العلاقات الفرنسية ــ الإسرائيلية في كل الميادين وبين السياسة الإسرائيلية إزاء الفلسطينيين. ذلك أن باريس لا تترك مناسبة إلا وتندد بالاستيطان الإسرائيلي وبالعقبات التي تضعها إسرائيل بوجه معاودة المفاوضات، والوصول إلى حل سياسي قوامه دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل. وبالتوازي، فإن باريس ماضية قدما في توثيق العلاقات السياسية والاقتصادية والتجارية مع طهران من غير الالتفات إلى الأداء الإيراني إقليميا.
ربما تكمن كلمة السر لفهم السياسة الفرنسية في رغبة باريس في الدفاع عن مصالحها الاقتصادية والتجارية، وعودة شركاتها إلى السوق الإيرانية. وأبلغ دليل على ذلك العقد لعشرين عاما الذي وقعته شركة توتال النفطية بداية شهر يوليو الماضي وقيمته مليارا دولار مع السلطات الإيرانية للمرحلة الأولى من تطوير حقل غاز أوف شور. وقال باتريك بويانيه، رئيس ومدير عام الشركة لصحيفة «لو موند»: إن مبلغا مشابها سيتعين جمعه للمرحلة الثانية من المشروع من خلال كونسورسيوم دولي. وكانت «توتال» أول شركة نفطية ــ غازية عادت إلى طهران بعد رفع العقوبات الدولية وتبعتها شركة شل. ورغم «المخاطر» التي تلف الوضع الإيراني بشكل عام وإمكانية تعرض الشركات المتعاملة معها لعقوبات أميركية لاحقة، فإن المسؤول الفرنسي أكد أنه «يتعين العيش مع نسبة من انعدام اليقين» كما في الحالة الإيرانية. وما يصح على «توتال»، يصح أيضا على شركتي بيجو - سيتورين ورينو لصناعة السيارات وعلى شركة أيرباص للطيران، وغيرها من كبريات الشركات الفرنسية. ولذا؛ فإن باريس تنظر بـ«كثير من القلق» لزيادة التوتر بين طهران وواشنطن؛ لأن ذلك لا يهدد فقط الاتفاق النووي، ويمكن أن يدفع إلى بروز بؤرة توتر إضافية في الخليج والشرق الأوسط، بل لأن ذلك يمس مباشرة المصالح الفرنسية.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...