«رباعي النورماندي» يحاول الاتفاق على التسوية الأوكرانية

«وصفة ماكرون» لم تحل الأزمة... وسلاح أميركي لمواجهة «التهديد الروسي»

«رباعي النورماندي» يحاول الاتفاق على التسوية الأوكرانية
TT

«رباعي النورماندي» يحاول الاتفاق على التسوية الأوكرانية

«رباعي النورماندي» يحاول الاتفاق على التسوية الأوكرانية

بعد مضي سنوات على توقيع «اتفاقيات مينسك» لتسوية الأزمة الأوكرانية، ما زال التوتر سيد الموقف في منطقة الدونباس Donbass، الواقعة بجنوب شرقي أوكرانيا التي تضم مقاطعتي لوغانسك ودونيتسك. ويبدو أن قادة الميليشيات المحلية الموالية لروسيا في الدونباس يشعرون بإحباط غير مسبوق، الأمر الذي دفعهم إلى إعلان تأسيس «دولة جديدة» أطلقوا عليها اسم «مالوروسيا»، أي روسيا الصغرى. وفي خلفية هذا المشهد المعقد يواصل «رباعي النورماندي» جهوده لوضع «اتفاقيات مينسك» على مسار التنفيذ، واندفع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على أمل تفعيل دور بلاده في النزاعات الإقليمية، وأعلن عن اقتراحات للتسوية في أوكرانيا، وهو ما أطلق عليه «وصفة ماكرون» للحل. وهذا، بينما تعلق موسكو الآمال على تسوية للأزمة الأوكرانية، لتتخلص من بؤرة نزاع متاخمة لحدودها، ولترتاح قليلا من عبء العقوبات الغربية، وتزيل جانباً من التعقيدات في العلاقات الثنائية مع أوروبا والولايات المتحدة.
استعادت أخيراً الجهود الدولية لتسوية الأزمة الأوكرانية بعض الزخم، لا سيما بعد تنصيب إيمانويل ماكرون رئيساً للجمهورية في فرنسا، وبعد اللقاء الأول الذي عُقِد بين الرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب على هامش «قمة العشرين» في هامبورغ يوم 7 يوليو (تموز).
وفي حين تلعب واشنطن دورها مستقلة في الأزمة الأوكرانية، فإن كلا من باريس وبرلين تُسهِم في جهود التسوية من خلال «رباعي النورماندي»، وهو الإطار الذي يضم رؤساء كل من روسيا وفرنسا وأوكرانيا ومستشارة ألمانيا، وتم تشكيله عقب لقاء أول جمع الزعماء الأربعة في فرنسا صيف عام 2014، خلال الاحتفالات بالسنوية السبعين لإنزال الحلفاء في شاطئ النورماندي بشمال غربي فرنسا.
ويجري ضمن «رباعي النورماندي» بحث عملية التسوية الأوكرانية بصورة خاصة. ولقد عقد قادة المجموعة لقاءات عدة حول الوضع في أوكرانيا، فضلاً عن اتصالات هاتفية رباعية وثنائية كثيرة خلال العامين الماضيين، إلا أن المحادثات بين موسكو وباريس بصورة خاصة شهدت فتوراً في الأشهر الأخيرة من فترة رئاسة فرنسوا هولاند، بسبب انتقادات فرنسية شديدة اللهجة للقصف الروسي على مدينة حلب السورية حينها. ولكن لاحت في الأفق معالم تحرك فرنسي بنبض جديد مختلف لتسوية الأزمة الأوكرانية بعد الانتخابات الرئاسية في فرنسا، حيث أظهر ماكرون رغبة واستعدادا لمواصلة الحوار مع بوتين حول ملفات الأزمات الإقليمية والدولية، وهو ما تلقاه الكرملين بارتياح. وضمن هذه الأجواء وصل الرئيس الروسي في زيارة إلى فرنسا وأجرى محادثات موسعة مع ماكرون يوم 29 مايو (أيار)، أي بعد ثلاثة أسابيع فقط على فوز الثاني في الانتخابات الرئاسية.
وعقب تلك المحادثات قال ماكرون إنه بحث مع ضيفه الرئيس الروسي «مختلف التفاصيل حول تنفيذ اتفاقيات مينسك الخاصة بتسوية الأزمة الأوكرانية»، وأكد على رغبة فرنسية - روسية مشتركة تبلورت خلال المحادثات، للدعوة للقاء جديد لـ«رباعي النورماندي»، والاستماع إلى تقرير بعثة «منظمة الأمن والتعاون في أوروبا» حول تفاصيل ما يجري في أوكرانيا. وشدد على أن باريس تأمل بالتوصل إلى تهدئة للنزاع في جنوب شرقي أوكرانيا في إطار عملية مينسك الخاصة بالأزمة الأوكرانية.

الموقف الفرنسي
بيد أن هذه الأجواء الإيجابية للعلاقات الفرنسية - الروسية، لم تكن تعني، كما اتضح لاحقاً، أي تغير في الموقف الفرنسي من الأزمة الأوكرانية، لا سيما تحميل روسيا المسؤولية عما يجري. هذا ما أكدته محادثات أجراها الرئيس ماكرون في باريس بنهاية يونيو (حزيران) الماضي مع نظيره الأوكراني بترو بوروشينكو، وخلالها وصف ماكرون روسيا بأنها «دولة معتدية» على أوكرانيا. وفي رده على التصريحات الفرنسية، قال ديمتري بيسكوف، المتحدث الرسمي باسم الكرملين: «لسنا متفقين مع الزملاء الفرنسيين حول تلك الصيغة التي صدرت فيها تصريحات الرئيس الفرنسي». وأكد أن «الجانب الروسي دون شك يواصل بصبر توضيح حقيقة الوضع في أوكرانيا، وموقفه من الأزمة هناك». إذ يتهم الغرب روسيا بأنها طرف مباشر في النزاع المسلح الدائر جنوب شرقي أوكرانيا بين السلطات الحاكمة في كييف والميليشيات المحلية في لوغانسك ودونيتسك التي تحظى بدعم عسكري وسياسي روسي. ومن جانبها، ترفض روسيا تلك الاتهامات وتكرّر دوماً أنها ليست طرفا في النزاع.
الرئيس الفرنسي عرض على ضيفة الأوكراني رؤية حول آليات تنفيذ «اتفاقيات مينسك». وعقب المحادثات قال الرئيس الأوكراني بوروشينكو: «ما اتفقنا عليه (مع ماكرون) أننا سنضع على الورق مشروع الحلول الممكنة ضمن رباعية النورماندي، وسيطلق عليها «وصفة ماكرون». وأعرب عن قناعته بأنه حينها «سنتمكن من عرض خطة لتحقيق السلام، وأنها احتلال شرق أوكرانيا». وذكر قسطنطين يليسييف، نائب مدير إدارة الرئاسة الأوكرانية، إن تلك الوصفة تقوم على «خطوات صغيرة لكن محددة»، وأوضح أن «تلك الوصفة تنص على عمل مشترك هادف، بغية ضمان التنفيذ التام لاتفاقيات مينسك، عبر خطوات صغيرة محددة». وأكد أن الآلية التي عبر عنها الرئيس الفرنسي «تعكس إدراكاً لحقيقة أن الأولوية تبقى لحل المسائل المتصلة بحزمة الأمن في الاتفاقيات»، مشدداً على أن البداية ستكون من وقف إطلاق النار والسماح بتنقل حرّ للمراقبين في منطقة النزاع.

تجدد الآمال
بعد هذا النشاط من جانب الرئيس الفرنسي الجديد، والاهتمام من جانب الرئيس الأميركي دونالد ترمب بالوضع في جنوب شرقي أوكرانيا، تجدّدت الآمال بإمكانية التوصل إلى اتفاق حول آلية لتنفيذ اتفاقيات مينسك، وإنهاء الأزمة الأوكرانية. والجدير بالذكر أن «اتفاقيات مينسك» - كما سبقت الإشارة - وثيقة تتضمن رؤية لتسوية الأزمة الأوكرانية توافق عليها قادة «رباعي النورماندي»، أي الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند والروسي فلاديمير بوتين والأوكراني بيوتر بوروشينكو والمستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، خلال مباحثات أجروها في العاصمة البيلاروسية مينسك عام 2015. وتنص «الاتفاقيات» على سحب الجانبين للقوات لمسافة معينة بعيدا عن خطوط التماس، وإجراء انتخابات محلية في منطقتي لوغانسك ودونيتسك، واستعادة السلطات الأوكرانية السيطرة على كامل الحدود مع روسيا، وخروج كل القوات والميليشيات الأجنبية من الأراضي الأوكرانية.
وخلال السنوات الماضية كانت هناك محاولات عدة لإطلاق العمل بموجب تلك الاتفاقيات، غير أن التصعيد العسكري كان وما زال يحول دون ذلك، ويحمل كل طرف المسؤولية عن فشل الاتفاق للطرف الآخر، ويؤكدان في الوقت ذاته تمسكهما بتلك الاتفاقيات كحل وحيد للخروج من الأزمة.

تعقيدات الأزمة
بيد أن مدى التعقيد حول الأزمة الأوكرانية برز بوضوح بعد محادثات أجراها الرئيس الروسي في هامبورغ مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وكذلك بعد المحادثات الثلاثية هناك بمشاركة زعماء روسيا وفرنسا وألمانيا، وكان الرئيس الأوكراني غائباً لأن أوكرانيا ليست عضوا في «مجموعة العشرين».
يومذاك انتهت المحادثات الثلاثية حول إيجاد حل للنزاع في أوكرانيا من دون إحراز تقدم، ما يعكس الأزمة المستمرة منذ سنوات في محادثات السلام. وأعلن ديمتري بيسكوف، المتحدث باسم الكرملين أن الرئيس الروسي والمستشارة الألمانية والرئيس الفرنسي «اتفقوا خلال المحادثات في قمة مجموعة العشرين على ضرورة اتخاذ خطوات للتغلب على تعثر وقف إطلاق النار الذي تم التوصل إليه عام 2015». ومن جهته، قال متحدث باسم الحكومة الألمانية: «كان هناك اتفاق بشأن ضرورة تنفيذ وقف إطلاق النار بشكل شامل»، وفق ما نقلت وكالة الأنباء الألمانية.

ولادة «مالوروسيا»
ومع عدم التقليل من أهمية الحراك الفرنسي والنشاط الأميركي على المحور الأوكراني، فإن كل ذلك كله لم يأت بعد بأي نتائج ملموسة على الأرض. وتراوحت الحال في جنوب شرقي أوكرانيا ما بين «استعادة الأمل» و«خيبة الأمل» مجدداً، بينما استمرت انتهاكات وقف إطلاق النار في منطقة النزاع، الأمر الذي دفع قادة الميليشيات المسلحة في مناطق جنوب شرقي أوكرانيا إلى الإعلان عن مبادرة يرون أنها تمثل الحل السلمي الوحيد المتاح للأزمة الأوكرانية. وحسب تلك المبادرة أعلن قادة الميليشيات في الدونباس عن تأسيس «دولة» جدية تكون بديلاً وخلفاً لأوكرانيا، وزعموا أن «الدولة الأوكرانية» بشكلها الحالي انتهت، وعوضاً عن ذلك سيصبح اسمها «مالوروسيا»، أي (روسيا الصغرى). وللعلم، كان ألكسندر زاخارتشينكو، رئيس ما يُسمى «جمهورية دونيتسك المعلنة من جانب واحد»، إضافة إلى ممثلي 19 مقاطعة أوكرانية، أصدروا يوم 18 يوليو نص وثيقة دستورية للدولة الجديدة، جاء فيها: «نحن، ممثلي أقاليم أوكرانيا السابقة، نعلن تأسيس دولة جديدة، تكون وريثة قانونية لأوكرانيا. واتفقنا على أن تحمل الدولة الجديدة اسم مالوروسيا، لأن تسمية أوكرانيا فقدت مصداقيتها». وتم تحديد مدينة دونيتسك عاصمة للدولة الجديدة، بينما تصبح كييف مركزها الثقافي - التاريخي.
وبعد «الإعلان الدستوري» عبر زاخارتشينكو عن قناعته بأن قيام «مالوروسيا» يمثل مخرجاً سلميّاً من الأزمة الأوكرانية الحالية، وأن سلطات كييف «فاقدة للشرعية وعاجزة عن وقف الحرب».
هذه الخطوة، أكدت حالة شديدة من الإحباط في أوساط القوى السياسية جنوب شرقي أوكرانيا إزاء آفاق تطبيق «اتفاقيات مينسك»، ووضع نهاية للحرب المستمرة منذ ثلاث سنوات في المنطقة، وعبّر زاخارتشينكو بوضوح عن هذه الحالة، حين قال إن «الوضع وصل إلى طريق مسدود»، ووصف الإعلان عن مالوروسيا بـ«خطة لإعادة اندماج البلاد»، و«مخرج من الحرب عبر إعادة تأسيس الدولة». وأضاف أن «هذا مخرج سلمي لكنه يتطلب عدة شروط، أولها أن يحظى بدعم الأوكرانيين أنفسهم»، وأكد أن مشاورات جرت بهذا الشأن مع النخب السياسية ورجال الأعمال في الأقاليم، قبل اتخاذ قرار إعلان الدولة الجديدة، وعبر عن أمله بالحصول على تأييد المجتمع الدولي.
ولكن كان لافتاً التوافق بين موسكو وكييف على رفض مبادرة إقامة دولة «مالوروسيا». وقال بيسكوف المتحدث باسم الكرملين، إن تصريحات زاخارتشينكو رئيس «جمهورية دونيتسك الشعبية» تمثل «مبادرة شخصية منه». وأضاف أن «موسكو علمت بهذا الأمر من تقارير وسائل الإعلام». وشدد بيسكوف في الوقت ذاته على التزام روسيا بـ«اتفاقيات مينسك» الخاصة بتسوية النزاع شرق أوكرانيا.
من جانبه، قال بوريس غريزلوف، ممثل روسيا لدى مجموعة الاتصال الدولية لتسوية الوضع في أوكرانيا «إن هذه المبادرة لا تتوافق مع عملية مينسك... واعتبر هذا الأمر مجرد دعوة للمناقشة، لأن هذا الإعلان لا عواقب قانونية له». كذلك أعرب عن قناعته بأن «هذه المبادرة مرتبطة، على الأرجح، بالحرب الإعلامية وليست جزءاً من السياسة الواقعية». ولم يستبعد أن يكون إعلان دولة «مالوروسيا» جاء «ردّاً على التصريحات الاستفزازية، التي يدلي بها المسؤولون السياسيون رفيعو المستوى في كييف، وتعتبر غالباً غير مقبولة على الإطلاق». ومن جانبه، وردّاً على الإعلان عن الدولة الجديدة، تعهد الرئيس الأوكراني بيوتر بوروشينكو، بفرض السيادة واستعادة السيطرة على جميع أراضي الدونباس، وقال إن مصير «مالوروسيا» سيكون نفسه مصير «نوفوروسيا» في إشارة إلى «الدولة» التي أعلنت القوى في جنوب شرقي أوكرانيا عن تأسيسها بداية الأزمة، وبقيت حبراً على ورق.

دفعة للرباعي
إن الإعلان عن دولة جديدة اسمها «مالوروسيا» وإن بقي حبر على ورق، لكنه شكل رسالة دفعت «رباعي النورماندي» إلى التحرك. إذ أجرى الرؤساء ماكرون وبوتين وبوروشينكو والمستشارة ميركل محادثات خلال اتصالٍ هاتفي يوم 25 يوليو، استغرقت ساعتين، ركزوا فيها على بحث تطورات الأزمة الأوكرانية، لكن يبدو أنها كانت دون نتائج تذكر، أو على الأقل لم يتوصل قادة «رباعي النورماندي» إلى اتفاق حول آليات تنفيذ «اتفاقيات مينسك». واقتصر الأمر على إعلانهم عن «النية بالتوصل إلى اتفاق حول الخطوات في مجال الأمن»، ومواصلة العمل على تنفيذ اتفاقيات مينسك. ولهذا الغرض توافق القادة على عقد لقاء، يتوقع أن يكون في شهر أغسطس (آب) المقبل، لكن قبل ذلك سيجري مستشاري قادة «الرباعي» محادثات تمهيدية، لم يعلن بعد متى وأين ستجري. وقال المكتب الصحافي في الكرملين إن القادة المشاركين في المحادثات الرباعية «تبادلوا وجهات النظر حول الوضع في جنوب شرقي أوكرانيا»، على خلفية التصعيد المستمر هناك، واتفقوا على «الاتصالات اللاحقة بما في ذلك على أرفع مستوى».
في أي حال، كشفت المحادثات الهاتفية الأخيرة تمسك الرئيس الأوكراني بفكرة إرسال قوات حفظ سلام دولية بتفويض من الأمم المتحدة إلى منطقة النزاع، و«إطلاق سراح كل الرهائن، بما في ذلك الموقوفون بصورة غير شرعية في روسيا». وكان الرئيس الأوكراني قد دعا وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون خلال محادثات في شهر أبريل (نيسان) إلى تنشيط العمل عبر الأمم المتحدة على إرسال قوات دولية إلى منطقة النزاع. حينها رفض الكرملين الاقتراح الأوكراني، وعلق بيسكوف، المتحدث باسم الرئاسة الروسية، بأنه لا بد من بحث هذا الاقتراح بين الأطراف المتنازعة بداية، أي السلطات الشرعية في كييف والميليشيات في منطقة الدونباس. ثم شدد على ضرورة أخذ وجهات نظر جميع أعضاء «رباعي النورماندي» بالحسبان. وكانت روسيا قد رفضت نشر قوة بوليسية من منظمة الأمن والتعاون في أوروبا على الحدود الروسية - الأوكرانية. وحتى الآن تبقى محاولات تنفيذ «اتفاقيات مينسك» معطلة بسبب خلاف رئيسي حول النقطة التي يجب أن يبدأ التنفيذ منها... هل هي الفقرات المتعلقة بالأمن؟ أم الفقرات المتعلقة بالجانب السياسي؟
تنص الأولى على استعادة القوات الأوكرانية السيطرة على مناطق الدونباس، بما في ذلك الحدود مع روسيا. بينما تنص الفقرات السياسية على تثبيت وضع خاص للدونباس في الدستور الأوكراني، وإجراء انتخابات للقيادات المحلية، والسماح لتلك المناطق بتشكيل شرطة من أبناء المنطقة. وتريد روسيا تنفيذ الشق السياسي أولاً بينما يصر الجانب الأوكراني على الشق الأمني بداية.
هذا التباين الواضح في المواقف ينذر باستمرار النزاع في جنوب شرقي أوكرانيا، الأمر الذي في الوقت ذاته يعني بقاء التوتر مهيمناً على العلاقات بين روسيا والغرب، لا سيما أن الوزير الأميركي تيلرسون أكد للأوكرانيين أن العقوبات على روسيا ستبقى، وكذلك وافق الرئيس الأميركي ترمب أخيراً على مشروع قانون توسيع العقوبات ضد روسيا، لأسباب، بينها الأزمة الأوكرانية. أما كورت فولكر، ممثل الإدارة الأميركية في الأزمة الأوكرانية، فقد حمّل موسكو مسؤولية «الحرب» في شرق البلاد. وخلال جولة أجراها يوم 25 يوليو في مقاطعة دونيتسك قال فولكر: «هذه ليست أزمة جامدة. إنها حرب ساخنة وأزمة فورية نحتاج جميعاً إلى أن نتعامل معها بأسرع ما يمكن». وأضاف المبعوث الأميركي - الذي كان يرتدي بزة واقية للرصاص للصحافيين: «أردتُ أن أحضر إلى هنا وأن أرى الوضع مباشرة على طول خط الأزمة».
وتابع: «إنه حقّاً مستوى عالٍ من المعاناة... هناك كلفة بشرية كبيرة في هذا النزاع وهذا سبب آخر لوجوب تعاملنا معه بشكل عاجل». وأردف قائلاً ومتعهداً إن الولايات المتحدة ستنظر في إمكانية إرسال أسلحة دفاعية للقوات الأوكرانية التي تشارك في القتال في الدونباس، وأشار إلى أن «أسلحة دفاعية كتلك التي تسمح بتعطيل دبابة على سبيل المثال، من شأنها أن تساعد في واقع الأمر بوقف روسيا التي تهدد أوكرانيا».



قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
TT

قراءة أميركية للمفاوضات بين لبنان وإسرائيل

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو يلقي كلمته خلال جلسة الافتتاح (غيتي)

لم تكن «جولة المباحثات الثلاثية» التي استضافتها وزارة الخارجية الأميركية بين لبنان وإسرائيل والولايات المتحدة مجرد لقاء دبلوماسي نادر بين بلدين لا تربطهما علاقات رسمية، بل بدت في القراءة الأميركية اختباراً مركباً لثلاثة أمور دفعة واحدة: قدرة لبنان على التفاوض بصفته دولة ذات قرار، لا ساحة مفتوحة لتوازنات السلاح؛ وقدرة واشنطن على إدارة ملف شديد الحساسية بعيداً من ابتلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران له؛ وقدرة إسرائيل على تحويل تفوقها العسكري مكسباً سياسياً وأمنياً دائماً، لا إلى مجرد جولة أخرى من الضغط تعقبها جولة جديدة من النار. لذا؛ لا تُقاس أهمية اللقاء فقط بما صدر بعده من أوصاف عن «أجواء مثمرة» أو «نقاشات مشجعة»، بل بما كشفه من فجوة لا تزال كبيرة بين ما يريده كل طرف: إذ لبنان يريد وقفاً لإطلاق النار يخفّف وطأة الكارثة الإنسانية ويمنع الانهيار الكامل، بينما إسرائيل تريد أن يكون أي تفاوض مدخلاً إلى نزع سلاح «حزب الله»، أما واشنطن فتحاول من جهتها الجمع بين المسارين من دون أن تقع في وهم أن هدنة سريعة تكفي وحدها لإنتاج استقرار مستدام.

في الواقع، لا تبدو مفاوضات واشنطن بالأمس بين إسرائيل ولبنان مدخلاً سريعاً إلى تسوية، بقدر ما تبدو اختباراً لما إذا كانت اللحظة الإقليمية الراهنة، مع تراجع القدرة الإيرانية على فرض إيقاعها السابق، يمكن أن تمنح لبنان فرصة نادرة لاستعادة بعض قراره السيادي.

غير أن هذا الاحتمال يصطدم بحقيقة يعرفها الأميركيون جيداً، هي أن المشكلة اللبنانية لا تكمن فقط في حجم الدمار أو في وطأة الانهيار الاقتصادي، بل أيضاً في أن الدولة نفسها لم تتمكن حتى الآن من تحويل خطاب السيادة سياسةً تنفيذيةً قادرة على احتكار السلاح والقرار.

ندى حمادة معوّض، سفيرة لبنان لدى واشنطن، التي مثلت بلادها في المباحثات (ا ف ب)

بين الرمزية والسيادة

من زاوية أميركية، تكمن أهمية الجولة، أولاً، في كونها كسرت محرّماً سياسياً لبنانياً أكثر ممّا حقّقت اختراقاً تفاوضياً فورياً. فلقد وصفها وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو بأنها «عملية لا حدث»، بينما شددت الخارجية الأميركية على أنها أول انخراط رفيع بهذا الحجم منذ 1993، مع توافق على إطلاق مفاوضات مباشرة في وقت ومكان يُتفق عليهما.

هذا بحد ذاته يعني أن واشنطن لا تنظر إلى اللقاء كترتيب أمني عابر، بل كبداية مسار طويل عنوانه إعادة تعريف العلاقة بين الدولة اللبنانية، وإسرائيل، وملف «حزب الله» معاً. وهنا تبرز أهمية ما قاله ديفيد شينكر، نائب مساعد وزير الخارجية الأسبق لشؤون الشرق الأدنى، في لقاء مع «الشرق الأوسط». فهو يرى أن أهمية اللقاء لا تكمن فيما سينجزه سريعاً، بل في أنه «مثّل ربما أول فعل سيادي ملموس من الحكومة اللبنانية منذ وقت طويل».

وحسب شينكر، فإن الحكومة اللبنانية اتخذت خلال الأشهر الماضية قرارات كبيرة، من نزع سلاح «حزب الله» جنوب الليطاني، إلى طرد السفير الإيراني، إلى حظر «الحرس الثوري»، إلا أن هذه القرارات لم تُنفّذ بسبب ضغط الحزب وإيران. ولذلك؛ فإن إرسال السفيرة اللبنانية للقاء نظيرها الإسرائيلي، رغم اعتراض «حزب الله» وطهران، هو في حد ذاته «تمرين سيادي» ينبغي البناء عليه لا التقليل من شأنه.

لكن هذه الرمزية لا تلغي حدودها، خاصةً أن التقارير الأميركية نفسها أظهرت أن أهداف الطرفين ليست واحدة. فلبنان ذهب عملياً طلباً لوقف إطلاق النار، وإعادة النازحين، وتخفيف الكارثة الإنسانية، في حين تطرّق الإسرائيليون إلى «رؤية بعيدة المدى» تتصل بترسيم واضح للحدود، ونزع سلاح «حزب الله»، وربما التمهيد لترتيبات أوسع لاحقاً. وبين هذين الموقفين مساحة شاسعة: بيروت تريد وقف النار قبل السياسة، وإسرائيل تريد السياسة الأمنية أولاً ثم تبحث في التهدئة. وعليه، تبدو الجولة مهمة لأنها كشفت عن الفجوة بوضوح، لا لأنها حلتها.

الخارجية الأميركية لمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني

وفق شينكر: العقدة إسرائيل و«حزب الله»

السؤال الأكثر إلحاحاً هو ما إذا كان ممكناً التوصل إلى وقف لإطلاق النار شبيه بالترتيب الهشّ بين واشنطن وطهران، بما يسمح بفتح الباب أمام نتائج سياسية إيجابية. الجواب الأميركي الغالب، كما تعكسه تصريحات شينكر وديفيد داوود، الباحث في «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات»، هو أن ذلك ممكن شكلياً وصعب جوهرياً. نعم، قد تنجح واشنطن في إنتاج تهدئة جديدة، لكن المشكلة أن كل تجربة تهدئة سابقة تحوّلت استراحةً أعادت فيها الأطراف التموضع من دون معالجة أصل النزاع: وجود قوة مسلحة خارج الدولة.

شينكر يذكّر بأن وقفاً للنار كان قائماً منذ نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، لكن «حزب الله» كسره يوم 1 مارس (آذار) 2026. ويضيف أن الحكومة اللبنانية التزمت يومها بنزع سلاح الحزب في كل البلاد، وأن الحزب سلّم بعض السلاح جنوب الليطاني، لكن أداء الجيش اللبناني «لم يكن بالمستوى المأمول» عملياً، ولم يُستكمل العمل شمال الليطاني من دون موافقة الحزب. وخلاصة شينكر، أن إسرائيل قد تخفّف وتيرة عملياتها، وقد «تزيد الحرص على تجنّب الخسائر المدنية»، لكنها لن تسمح بعودة الوضع الذي تلى وقف النار السابق، ولن تنهي وجودها في جنوب لبنان ما لم تر خطوات فعلية نحو حل مشكلة السلاح.

أما ديفيد داوود، فيذهب أبعد في تشخيص المأزق. ففي حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يميز بين ثلاثة أنواع من «النتائج الإيجابية»: وقف قتال مؤقت يسمح لـ«حزب الله» بإعادة بناء نفسه؛ أو إعادة إنتاج دينامية ما بعد 27 نوفمبر 2024؛ أو خلق شروط هدوء دائم يمكن أن يقود يوماً إلى سلام.

وفي رأيه، لا يمكن اعتبار النتيجتين الأوليين إيجابيتين فعلاً، لأنهما تؤجلان الحرب التالية فقط. فالمشكلة، كما يقول، ليست مجرد ضعف الدولة اللبنانية، بل «انعدام رغبتها» كذلك في الذهاب إلى مواجهة حاسمة مع الحزب، ما دام أن الأخير لا يزال يحتفظ بقوة عسكرية كافية لردع أي محاولة داخلية لنزع سلاحه، ويحظى بدعم واسع داخل بيئته الشيعية يتيح له التلويح الدائم بخطر الحرب الأهلية.

هذا يعني - وفق داوود - أن عقدة التفاوض ليست فقط رفض إسرائيل وقف النار من دون ضمانات، بل أيضاً في امتناع لبنان عن التفاوض من موقع حسم داخلي. وهنا يصبح وقف النار، إذا حصل، أقرب إلى «تجميد للنزاع» منه إلى تسوية.

وهنا يحذّر داوود من أن عاملَي «إعطاء الوقت» و«التوافق الوطني» اللذين يكرّرهما الخطاب اللبناني الرسمي تحوّلا خلال السنوات الماضية «شيفرةً سياسية للّاعمل»، بما يمنح «حزب الله» الوقت والمساحة لاستعادة قوته كلّما ابتعد شبح الحرب المباشرة.

ماذا تستطيع واشنطن فعله؟

من جانب آخر، إذا كانت واشنطن تدرك أن نزع سلاح «حزب الله» بالقوة ليس أمراً مضموناً حتى لإسرائيل، فماذا تستطيع أن تقدم للبنان؟

الجواب، كما توحي القراءة الأميركية، مزيج من ثلاثة مسارات متوازية:

- دعم الجيش اللبناني

- إدارة السقف الإسرائيلي

- وربط إعادة الإعمار والإنقاذ المالي بمسار سيادي لبناني واضح.

الخارجية الأميركية ألمحت بعد اللقاء إلى إمكانات تتصل بالمساعدة في إعادة الإعمار وزيادة التمويل للجيش اللبناني، بينما أكدت تقارير صحافية أن بيروت طلبت دعماً أميركياً لقواتها المسلحة كي تتولى مهمة حساسة وشديدة الخطورة.

هنا يضع شينكر شرطاً أساسياً: لا واشنطن ولا عواصم الخليج سترصد أموالاً كبيرة للبنان ما دام «حزب الله» محتفظاً بسلاحه ومهيمناً على الدولة. وبرأيه، لم يعد ممكناً العودة إلى «الوضع السابق» كخيار واقعي. فلبنان يواجه شللاً اقتصادياً، وتراجعاً حاداً في الإيرادات، واحتياطيات قد لا تكفي إلا لأشهر معدودة لتغطية رواتب القطاع العام، ويقترب الوضع الإنساني من مستوى الأزمة الحادة. وعليه، فأي خطة دعم غربية أو عربية «لن تكون إنقاذاً مجانياً»، بل ستكون بهدف تحويل التفاوض مساراً لاستعادة القرار السيادي واحتكار السلاح، وقد تصبح الجولة، فعلاً، لحظة تأسيسية تخرج البلاد من زمن الوصايات المتعاقبة إلى زمن الدولة.

حتى الآن، لا تزال الحقيقة القاسية هي نفسها: المشكلة ليست في غياب الأفكار، بل في تكلفة تنفيذها داخل نظام يعرف الجميع أعطاله، لكن قلائل فقط مستعدون لدفع ثمن إصلاحه.

حقائق

أبرز محطات المفاوضات التي جرت بين لبنان وإسرائيل

> شهدت المفاوضات بين لبنان وإسرائيل محطات متقطعة، غالباً تحت ضغط الحروب أو الترتيبات الأمنية، لا في سياق سلام شامل، هي:

- اتفاق 17 مايو (أيار) 1983، بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. شكّل هذا الاتفاق أول محاولة لصوغ ترتيبات سياسية وأمنية مباشرة بين الطرفين برعاية أميركية، لكنه سقط سريعاً تحت ضغط الانقسام الداخلي اللبناني والرفض السوري.

-= تفاهم أبريل (نيسان) 1996، الذي جاء بعد عملية «عناقيد الغضب». لم يكن اتفاق سلام، بل كان تفاهماً غير مباشرٍ رعته الولايات المتحدة وفرنسا، هدفه ضبط قواعد الاشتباك، وخصوصاً تحييد المدنيين نسبياً عن القصف المتبادل. وقد مثّل نموذجاً للتفاوض الأمني غير المباشر أكثر من كونه تسوية سياسية.

- حرب يوليو (تموز) 2006، حين أصبح القرار 1701 الإطار الرئيس لأي تفاوض أو ترتيبات لاحقة، انصبّ الجهد على تثبيت وقف الأعمال العدائية، وانتشار الجيش اللبناني جنوب الليطاني بالتعاون مع «يونيفيل»، مع بقاء القضايا الجوهرية، مثل سلاح «حزب الله» والحدود، معلقة.

- مفاوضات ترسيم الحدود البحرية بين 2020 و2022. كانت أبرز اختراق تفاوضي عملي في العقود الأخيرة. وجرت بوساطة أميركية وبشكل غير مباشر في الناقورة، وانتهت إلى اتفاق لترسيم الحدود البحرية أتاح للطرفين المضي في استثمار الموارد البحرية من دون أن يعني ذلك تطبيعاً سياسياً.



بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
TT

بيتر ماجار زعيم المجر الجديد... يميني شاب ذو شخصية أقل صدامية

كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار
كثرة من الناخبين خاصة المنتمين إلى اليسار صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار

بعد 16 سنة متصلة من الحكم، انتهى عهد رئيس وزراء المجر اليميني المتطرف فيكتور أوربان، الذي تحوّل خلال تلك السنوات إلى صداع مؤرق لكل المؤمنين بفكرة «الوحدة الأوروبية». وجاءت هزيمته على يد بيتر ماجار، السياسي الشاب الآتي من داخل حزبه «فيديز»، قبل أن يتمرّد وينشقّ، ثم يبدأ صعوداً صاروخياً... أوصله إلى قمة السلطة خلال سنتين فقط. لقد شكّل فوز ماجار عامل ارتياح كبيراً للقارة الأوروبية ككل التي احتفلت ربما أكثر من المجر نفسها بهزيمة أوربان. وكان دونالد تاسك، رئيس وزراء بولندا المعتدل، من أوائل مهنئي الزعيم الجديد. وشارك على وسائل الاجتماعي شريط فيديو يظهر اتصاله بماجار لتهنئته، وهو يقول له: «أعتقد أني أكثر سعادة منك!». وكتب قبل ذلك مرحِّباً بـ«عودة المجر إلى أوروبا»، وهذه عبارة كرّرها المسؤولون الأوروبيون في تهانيهم. بل، ذهب المستشار الألماني فريدريش ميرتس أبعد ليعلن فرحه بنهاية «نظام أوربان»، وتفاؤله بأن فوز ماجار أظهر «أنه يمكن هزيمة الأحزاب الشعبوية واليمينية المتطرفة في أوروبا»، وهو يشير ضمناً إلى الوضع في بلاده، حيث يزداد نفوذ حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف.

الأوروبيون ينتظرون الآن فعلاً عودة المجر إلى أحضان بروكسل بعد سنوات من المواجهة مع حكم فيكتور أوربان؛ بسبب قضايا فساد وخطوات معادية للديمقراطية اتخذتها حكومته، وواجهتها بروكسل بعقوبات وتجميد أموال.

ومنذ الحرب في أوكرانيا عام 2022، تفاقمت الخلافات بسبب قرب أوربان من موسكو ومعارضته لدعم كييف، وشلت هذه الخلافات في كثير من الأحيان قدرة بروكسل على دعم الأوكرانيين في تصديهم للقوات الروسية.

من هو ماجار؟

أوجه الشبه بين فيكتور أوربان وبيتر ماجار كثيرة، ومع هذا فإن التناقض لا يخفى.

من أوجه الشبه مثلاً أن الرجلين يمينيان محافظان يحملان أفكاراً معادية للهجرة، فهما انتميا لفترة طويلة لحزب «فيديز» نفسه، وكانا لفترة يتشاركان الكثير من الأفكار. إلا أن التناقض بينهما أكثر وضوحاً: فأوربان الذي يبلغ من العمر 63 سنة، بات يحمل عبئاً ثقيلاً من الحكم الطويل المصحوب بالفساد. أما ماجار ابن الـ45 من العمر، فنشيط ويتمتع بحسّ للموضة جعلت الشبان يقلدونه في ملابسه، فيرتدون القميص الأبيض وسروال الجينز والحذاء الرياضي الأبيض، وهو يتكلّم عن محاربة الفساد من الداخل.

ثم إن انتماء ماجار إلى حزب أوربان لسنوات، حوّله إلى شخص أكثر مصداقية لدى الناخبين عند كلامه عن الفساد. فهو كان يتكلم من موقع «العارف» بما كان يحصل داخل الحزب، وهذا ما أهّله لكسب الكثير من أصوات «فيديز» وتحويلهم لصالح حزبه «تيسا» الذي أسسه عام 2024.

وحقاً استغل ماجار، الذي كان لسنوات شخصية غير مغمورة داخل حزبه، فضيحة تورّطت بها حكومة أوربان ليبدأ صعوده السياسي. ففي أبريل (نيسان) 2023، منحت الرئيسة المجرية عفواً رئاسياً عن شخص متهم بالتستر على فضيحة تحرش جنسي بالأطفال في دار رعاية حكومي. ووقّعت العفو الرئيسة كاتالين نوفاك ووزيرة العدل (آنذاك) جوديت فارغا، التي كانت زوجة ماجار وتطلّقت منه قبل أشهر من الفضيحة.

هذا القصة أثارت استياءً شعبياً كبيراً، خاصة لدى قاعدة أوربان المحافظة التي كانت تؤيده بسبب سياساته المدافعة عن الأسرة التقليدية والأطفال. ودفعت إلى استقالة الرئيسة ووزيرة العدل التي كانت تعد من نجوم الحزب ومن الصاعدين فيه، بخلاف زوجها السابق.

الفضيحة... وتداعياتها

استغل ماجار الفضيحة ليهاجم حزب «فيديز»، وأدلى بمقابلة لقناة معارضة على «يوتيوب»، وجّه فيها انتقادات غير مسبوقة لحزبه، متكلماً عن فساد من الداخل وحاجة للتغيير، ومعلناً انفصاله عن الحزب.

ثم كتب لاحقاً على صفحته على «فيسبوك» - التي تحولت إلى منصة ترويج رئيسة له: «لا أريد أن أكون جزءاً من نظام يختبئ فيه الأشخاص الحقيقيون في السلطة خلف تنانير النساء»، مشيراً إلى استقالة سيدتين (الرئيسة ووزيرة العدل) عوضاً عمن يفترض به أن المسؤول الأول... أي أوربان. وكما سبق، كان ماجار آنذاك قد تطلق من زوجته، وزيرة العدل المستقيلة، ما فتح الباب أمامه لتحقيق طموحه السياسي.

بعد أشهر قليلة، في مارس (آذار) 2024، أعلن ماجار عن تشكيل حزب سياسي جديد، واضعاً في أولويات حملته محاربة الفساد وكشف تورط كامل الحكومة ورئيسها بقضايا فساد. ولقد نجح حقاً بحصد 30 في المائة من الأصوات في الانتخابات الأوروبية، وفي وقت لاحق من العام.

ومن ثم، واصل تركيزه في مكافحة الفساد، ونشر محادثة مسجلة سراً بينه وبين زوجته السابقة جوديت فارغا - حين كانت وزيرة للعدل - تكلّمت فيها عن تورّط أشخاص كبار في قضايا فساد. وعلى الأثر انتقدت فارغا تسريبه الشريط، واتهتمه بأنه كان يعنّفها ويسيء معاملتها إبّان زواجهما.

ومع أن ماجار نفى الاتهامات، مدّعياً أنها ملفّقة وسياسية هدفها وقف تقدّمه، طاردته تلك الاتهامات طوال حملته الانتخابية. واستغلها حزب أوربان لقلب الناخبين ضده، وسلّطت وسائل الإعلام، المقرّبة بمعظمها من أوربان، الضوء على تلك الاتهامات. أيضاً، نشرت فارغا محضراً للشرطة يظهر أن الشرطة استدعيت إلى منزل ماجار لحل خلاف بين الزوجين والتعامل مع اتهاماتها له بتعنيفها. وكذلك ظهرت بعد ذلك قصص أخرى من صديقة سابقة له اتهمته أيضاً بالعنف.

الواقع أن معارف ماجار يقرّون بأنه حاد الطبع وقليل الصبر، إلا أن كثيرين يقولون أيضاً إنه أيضاً سريع الاعتذار بعد الغضب. وبالفعل، على الرغم من الاتهامات حصل ماجار وحزبه على نسبة تأييد كبيرة وفاز بـ137 مقعداً مقابل 55 مقعداً فقط لحزب أوربان، وسط نسبة تصويت مرتفعة بلغت 79 في المائة من المسجلين.

هذا، ويبدو أن كثيرين من الناخبين صوّتوا ضد أوربان رغم قلة رضاهم عن ماجار، خاصة المنتمين لليسار وغير المقتنعين بسياسات ماجار المحافظة. وهو ما يعني أنهم اختاروا التصويت «التكتيكي» لإخراج أوربان من الحكم.

القضايا الداخلية

وفق مراقبين للانتخابات في المجر، فإن حملة ماجار إنما نجحت في جذب الناخبين لتركيزها على القضايا الداخلية، وسط استياء شعبي من استشراء الفساد وتفاقم الغلاء وتدهور الخدمات العامة.

ففي أثناء الحملة الانتخابية، تكلّم ماجار قليلاً عن السياسة الخارجية، وكثيراً عن القضايا الداخلية، بخلاف أوربان الذي ركّز حملته على السياسة الخارجية، محاولاً الاستفادة من الدعم الذي تلقاه من الإدارة الأميركية التي أوفدت نائب الرئيس جي دي فانس ليظهر إلى جانبه في تجمع انتخابي في بودابست.

من جهة ثانية، حاول أوربان تصوير غريمه الشاب كـ«عميل لبروكسل ولكييف»، لكن ماجار لم ينجر إلى السياسة الخارجية، وظل مركّزاً على الرسالة نفسها تحت شعار «التغيير... الآن أو أبداً».

هذا، وبسبب تركيز بيتر ماجار على السياسات الداخلية يمكن القول إن جزءاً كبيراً من سياساته الخارجية ما زال غامضاً. مع هذا، فإن الرجل مؤيد للاتحاد الأوروبي، بعكس أوربان الذي بنى سياساته في السنوات الماضية على المواجهات مع بروكسل، دفعت بالأخيرة لتجميد أموال مرصودة للمساعدات. وبحسب الزعيم الجديد، فإن صرف هذه الأموال أولوية بالنسبة له، وإنه سيعمل على ترميم علاقة المجر بالاتحاد الأوروبي.

أما عن العلاقة مع روسيا التي كانت حليفاً لأوربان، فإن ماجار يتخذ موقفاً فاتراً لكن ليس معادياً كذلك. فقد قال بعد انتخابه إنه لن يتصل بالرئيس الروسي بنفسه أو يكون «أداة لروسيا»، لكنه أيضاً لن يقطع العلاقات مع موسكو. وأضاف أنه إذا اتصل به الرئيس الروسي فسيقول له: «من الجيد وقف القتل بعد 4 سنوات وإنهاء الحرب»، ثم أردف بأن المحادثة «ستكون قصيرة على الأرجح، ولن تنتهي بإنهاء بوتين الحرب بناءً على نصيحتي».

الغاز الروسي

من جانب آخر، كان الاتحاد الأوروبي قد منح المجر إعفاءات للاستمرار باستيراد الغاز الروسي لاعتمادها الكبير عليه، وهذا وسط العقوبات التي فرضتها على استيراده منذ الحرب مع أوكرانيا. ويبدو أن ماجار يريد مواصلة استيراد الغاز الروسي، لكنه قد يعمل على تقليل الاعتماد عليه.

ويُذكر أنه جمّد بالفعل «فيتو» استخدمه أوربان داخل الاتحاد الأوروبي على إعطاء قرض لأوكرانيا بقيمة 90 مليار يورو، بسبب اعتراضه على ما يقول إنه «تلكؤ» كييف بإصلاح خط أنابيب دروجبا الذي يصل الغاز الروسي إلى المجر عبر أوكرانيا. ولكن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أعلن قبل أيام أنه سيصار إلى إصلاح الخط بشكل كافٍ؛ كي يستطيع نقل الغاز من جديد. ودفع هذا بماجار إلى دعوة أوربان لرفع الفيتو عن القرض لأوكرانيا قبل مغادرته منصبه رسمياً منتصف مايو (أيار) المقبل، بعد تعهد زيلينسكي بإصلاح الخط.

في أي حال، يعد موقف ماجار من أوكرانيا قريباً بعض الشيء من موقف أوربان الذي عرقل مراراً المساعدات الأوروبية لكييف، ولكن ليس بالحدة نفسها؛ إذ يرفض الزعيم الجديد إرسال مساعدات عسكرية لأوكرانيا، بيد أنه لا يعارض منحها قروضاً من «الاتحاد الأوروبي». ثم إنه يعارض كذلك ضم أوكرانيا لـ«الاتحاد الأوروبي» بصورة سريعة، ويرى أنه لا يجوز ضم دولة إلى «الاتحاد» وهي في حالة حرب، وأن كل الدول يجب أن تعامل بشكل متساوٍ.

الموقف الأوكراني

أوكرانيا في كل الأحوال، التي كانت علاقتها صعبة مع المجر إبان عهد أوربان، تأمل بأن تفتح صحفة جديدة من العلاقة مع القيادة الجديدة في بودابست.

هذه التحديات الخارجية، يضاف إليها تحدّيات داخلية تتمثل بمواجهة الفساد وتفكيك نظام المحسوبية الذي بناه أوبان طوال سنوات حكمه، تعني أن المهمة أمام الفائز الشاب لن تكون سهلة.ولكن اهتمام ماجار وانخراطه بالسياسة منذ فترة طويلة، سيساعدانه في مهمته المقبلة. كيف لا وهو الآتي من عائلة مهتمة بالسياسة، و«راعيه» هو فيريك مادل الذي كان رئيساً للمجر بين عامي 2000 و2005؟ وهو نفسه درس المحاماة قبل انضمامه لحزب «فيديز»، حيث شغل عدة مناصب منها أحدها في وزارة الخارجية عام 2010، ثم في بعثة بلاده لدى الاتحاد الأوروبي في بروكسل.


تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)
TT

تغييرات إعلامية مرتقبة بعد نهاية حكم أوربان

اوربان (آ ب)
اوربان (آ ب)

يعدّ رئيس وزراء المجر فيكتور أوربان، بعد خسارته المريرة في الانتخابات الأخيرة، لتسليم الحكم إلى غريمه الفائز بيتر ماجار مطلع أو منتصف مايو (أيار) المقبل. حزب أوربان «فيديز» خسر الانتخابات التي أجريت، الأحد الماضي، بعد 16 سنة متصلة من الحكم، أمام ماجار المنشق عن «فيديز»، الذي أسس حزباً له قبل سنتين فقط.

وفق القانون المجري، على البرلمان المنتخب جديداً أن يعقد جلسة لانتخاب رئيس وزراء جديد في فترة أقصاها 12 مايو. ولقد التقى ماجار رئيس البلاد تاماس سوليوك الذي يتوجّب عليه دعوة البرلمان للانعقاد، وطلب منه تسريع العملية الانتقالية. في حين دعا ماجار رئيس البلاد للاستقالة، مع أن ولايته لا تنتهي قبل عام 2029.

الزعيم الجديد الشاب قال إن الرئيس أبلغه بأنه «سيفكر» في مطالبته إياه بالاستقالة بعد انعقاد البرلمان لانتخاب رئيس وزراء جديد.

وواضح أن ماجار يسعى إلى تفكيك البينة التي بناها أوربان طوال سنوات حكمه. وأفاد بالفعل بأنه كرر للرئيس بأنه «في نظري، وفي نظر الشعب فهو لا يستحق تمثيل وحدة الأمة، وهو عاجز عن ضمان احترام القانون... والشعب صوّت لتغيير النظام».

عددياً، يتمتع «تيسا»، حزب ماجار، بثلثي مقاعد البرلمان، ما سيمكّنه من إدخال كل التعديلات الدستورية التي يريدها. وكان الزعيم الجديد قد قال إنه يريد كذلك أن يوقف التغطية الإعلامية لوسائل الإعلام الحكومية فور تولي حكومته منصبها.

أيضاً أدلى ماجار بمقابلة متوترة مع قناة رسمية كانت الأولى له، أعلن فيها عن عزمة إغلاق المحطات الحكومية، التي اتهمها بالعمل لحزب أوربان، ونشر سياسة الخوف والتفرقة بين المواطنين.

أيضاً وصف ماجار المحطات الحكومية بأنها أداة «بروباغاندا»، وقارنها بالقنوات في كوريا الشمالية وفي ألمانيا النازية، مضيفاً: «كل مواطن في المجر يستحق قناة حكومية تبث الحقيقة».

هذا، ولطالما وجهت منظمة «مراسلون بلا حدود» انتقادات متكررة للإعلام المجري، مؤداها أن مناصري أوربان يسيطرون على قرابة 80 في المائة من المشهد الإعلامي هناك، وأن أوربان يستخدم تلك القنوات بوصفها أداة حكومية.

ومن جهته، كتب ماجار على «فيسبوك» قائلاً: «نحن الآن نشهد الأيام الأخيرة لأداة البروباغاندا... بعد تشكيل حكومة (تيسا) سنعلّق العمل بوسائل الإعلام العامة حتى تستعيد طابعها العام».

أيضاً، تعهد بيتر ماجار بالانضمام إلى مكتب المدعي العام الأوروبي، وهذه خطوة تمهد الطريق أمام التدقيق في قضايا فساد إبان عهد أوربان، خاصةً لجهة اتهامات للدائرة المحيطة برئيس الحكومة الخاسر، بإساءة استخدام أموال الاتحاد الأوروبي.

وللعلم، يحقق مكتب المدعي العام الأوروبي، الذي رفضت المجر الانضمام إليه حتى الآن، في الجرائم التي تمسّ ميزانية الاتحاد الأوروبي، بما في ذلك الاحتيال والفساد. ولقد وصف ماجار هذه الخطوة بأنها جزء من حملة واسعة لمكافحة الفساد.