«إضاءات على مسيرة كارتييه»... معرض يطير بنا من الماضي إلى الحاضر

ولادة أول ساعة معصم في عام 1904 تعكس حقبة شهدت عدة تغيرات اجتماعية وفنية واختراعات تكنولوجية

ساعة المعصم «سانتوس» بنظام حركة ذاتي اللف... صُنع هذا النموذج عام 1978 من الذهب والفولاذ مع حجر شباينل أحادي الوجه باللون الأزرق... من «فينسنت وولفيريك»... تشكيلة «كارتييه»© «كارتييه»- ألبرتو سانتوس دومونت في منزله الباريسي يتناول الطعام مع أصدقائه على كراسٍ مرتفعة بهدف اختبار شعور «الارتفاع عن الأرض»... نحو عام 1900...من أرشيف «كارتييه»© «كارتييه» - ألبرتو سانتوس دومونت  على متن طائرته رقم «15» عام 1907... من أرشيف «كارتييه» © «كارتييه»
ساعة المعصم «سانتوس» بنظام حركة ذاتي اللف... صُنع هذا النموذج عام 1978 من الذهب والفولاذ مع حجر شباينل أحادي الوجه باللون الأزرق... من «فينسنت وولفيريك»... تشكيلة «كارتييه»© «كارتييه»- ألبرتو سانتوس دومونت في منزله الباريسي يتناول الطعام مع أصدقائه على كراسٍ مرتفعة بهدف اختبار شعور «الارتفاع عن الأرض»... نحو عام 1900...من أرشيف «كارتييه»© «كارتييه» - ألبرتو سانتوس دومونت على متن طائرته رقم «15» عام 1907... من أرشيف «كارتييه» © «كارتييه»
TT

«إضاءات على مسيرة كارتييه»... معرض يطير بنا من الماضي إلى الحاضر

ساعة المعصم «سانتوس» بنظام حركة ذاتي اللف... صُنع هذا النموذج عام 1978 من الذهب والفولاذ مع حجر شباينل أحادي الوجه باللون الأزرق... من «فينسنت وولفيريك»... تشكيلة «كارتييه»© «كارتييه»- ألبرتو سانتوس دومونت في منزله الباريسي يتناول الطعام مع أصدقائه على كراسٍ مرتفعة بهدف اختبار شعور «الارتفاع عن الأرض»... نحو عام 1900...من أرشيف «كارتييه»© «كارتييه» - ألبرتو سانتوس دومونت  على متن طائرته رقم «15» عام 1907... من أرشيف «كارتييه» © «كارتييه»
ساعة المعصم «سانتوس» بنظام حركة ذاتي اللف... صُنع هذا النموذج عام 1978 من الذهب والفولاذ مع حجر شباينل أحادي الوجه باللون الأزرق... من «فينسنت وولفيريك»... تشكيلة «كارتييه»© «كارتييه»- ألبرتو سانتوس دومونت في منزله الباريسي يتناول الطعام مع أصدقائه على كراسٍ مرتفعة بهدف اختبار شعور «الارتفاع عن الأرض»... نحو عام 1900...من أرشيف «كارتييه»© «كارتييه» - ألبرتو سانتوس دومونت على متن طائرته رقم «15» عام 1907... من أرشيف «كارتييه» © «كارتييه»

إنه معرض يطير بك إلى السماء... إنه يأخذك من عام 1904 إلى الحاضر في رحلة مثيرة تذكرنا أنه لولا الاختراع والبحث الدائم عن الجديد لما تطورت الحياة. والحقيقة أنه عندما أعلنت دار «كارتييه» عن معرضها الجديد في «متحف التصميم»، The Design Museum، بلندن، لم يتوقع أحد ما ستقدمه فيه. كل التفاصيل التي توفرت أن بطلته هي ساعة «سانتوس» التي غيرت صناعة الساعات إلى الأبد. كان ذلك في عام 1904 عندما طلب الطيار البرازيلي ألبرتو سانتوس ديمون من السيد لويس كارتييه أن يصمم له ساعة يضعها على معصمه حتى يسهل عليه قراءة الوقت وهو يقود طائرته. كان له ما أراد، وهكذا ولدت أول ساعة تزين المعصم كان الغرض الأساسي منها وظيفياً، قبل أن تتحول إلى رمز للترف والفخامة.
«إضاءات على مسيرة (كارتييه)» هو عنوان المعرض. أشرف عليه المعماري نورمان فوستر بالتعاون مع ديان سودييتش، مدير المتحف. وفي حين يسرد نورمان فوستر قصة المعرض كونه القيم عليه، فإن الفيلسوف ألان دو بوتون يناقش فيه القوة الرمزية للأشياء، بينما يعاين نيكولاس فولكس الحضور اليومي لـ«كارتييه»، وتستكشف الممثلة روزي دو بالما شاعرية تصاميم الدار الفرنسية، وتعرّف كارول كاسابي (مديرة قسم إنتاج منظومات الحركة لدى «كارتييه») القرّاء على أهم الإنجازات والابتكارات في صناعة الساعات.
من جهة أخرى، يستعرض المؤرخ جان بيير بلاي بعض التغييرات التي شهدها مطلع القرن العشرين، فيما يتحدث بوب كولاكيلو (المؤلّف والصديق المقرّب لآندي وورهول) عن حفلة «ليلة سانتوس» في نيويورك.
على خلاف كثير من المعارض المماثلة، فإن معرض «إضاءات على مسيرة (كارتييه)» مركز من ناحية المساحة التي خُصصت له ومن ناحية المعلومات البصرية والسمعية والمكتوبة فيه، وهو ما كان في صالحه. فهو لم يُصب بالتعب أو الملل على الإطلاق؛ بل العكس تماما تخرج وكل حواسك قد تزودت بمعلومات كانت غائبة عنك وتتطلع للمزيد.
المعرض كان بطلب من متحف التصميم في لندن. فعندما حصل على ساعتي المعصم «تانك» و«سانتوس» من «كارتييه» على أساس أن يُضيفهما إلى تشكيلته الدائمة (المصمم، الصانع، المستخدم) المعروضة ضمن مبناه الجديد في شارع «كينسيغتون هاي ستريت»، راودته الفكرة. كان تصميم الساعتين مثيرا وشجع على فتح حوار بين مدير المتحف ديان سودييتش و«كارتييه» كانت نتيجته الاتفاق على تنظيم معرض يكون نورمان فوستر قيّماً عليه. لم يتردد هذا الأخير في القبول. كان يكفي أن يسمع بأن ساعة «سانتوس» المستوحاة من عالم الطائرات والتحليق الذي يعشقه، ستكون نجمته ليتحمس له. بعد عدّة لقاءات في باريس وجنيف ولندن وميلانو وطبعا لوشو - دو - فون، حيث توجد معامل «كارتييه» في سويسرا، تبلورت الفكرة. كان مهما أن يحكي نورمان فوستر تطور صناعة الساعات وولادة أول ساعة معصم. وطبعا لم يكن هذا ممكنا من دون تسليط الضوء على التغيرات الاجتماعية والثقافية الكبيرة التي شهدها مطلع القرن العشرين على جميع الأصعدة؛ من الفن والتصميم المعماري، إلى السفر وطريقة التعامل مع الوقت. 170 قطعة معروضة كانت كافية لإعطاء درس مفيد؛ بعضها يعود إلى دار «كارتييه»، وبعضها استعاره المتحف من القصر الأميري في موناكو، ومن متحف الطيران والفضاء في مطار «لو بورجيه»، و«مركز روكفلر».
وتم التركيز في المعرض على 6 موضوعات أساسية؛ أولها التطورات التي شهدتها باريس وتأثيرها على تصاميم «كارتييه»، تليها صلات لويس كارتييه مع ألبرتو سانتوس - دومونت وغيره من روّاد تلك المرحلة، وثالثا ولادة مفهوم ساعة المعصم الحديثة، فضلا عن الإكسسوارات اليومية التي ظهرت خلال فترة ما بين الحربين. الموضوع الخامس ركز على تطور تصاميم ساعات المعصم من «كارتييه»، بينما السادس على البراعة الحرفية للدار باستعراضها أنظمة حركة الساعات المكشوفة (skeleton movements).
وبالنتيجة لم يكن المعرض مجرد قراءة في تاريخ «كارتييه» وحرفيتها ولا دورها في تطوير ساعات اليد فحسب؛ بل قراءة في التاريخ المعاصر عموما، وباريس خصوصا.
فعندما تسلم لويس فرنسوا كارتييه إدارة مشغل معلّمه أدولف بيكار الواقع في المبنى رقم 29 من شارع مونتورغوي، كانت باريس التي نعرفها اليوم مجرّد صورة تُدغدغ خيال المهندس المعماري جورج هاوسمان، الذي كلفه الإمبراطور نابليون الثالث بمهمة «تهوية، وتوحيد، وتجميل» العاصمة. ترجمة هاوسمان لهذا الطلب تجسدت في وضعه تصميما يتمحور حول التناظر والمنطق والدقّة. بمعنى أن تكون الساحات والحدائق الجديدة للمدينة مترابطة بشبكة من الجادات المتقاطعة. غني عن القول إن تشييد برج «إيفل» في تلك الفترة تقريبا كان حدثاً قائماً بحد ذاته، رغم أنه صُمم بشكل مؤقت لاستضافة معرض «إكسبو» العالمي بباريس في عام 1889. لكنه تحول إلى معلم ورمز لعاصمة النور. في العام نفسه، أي 1899، افتتح كارتييه مشغلاً له في شارع «رو دو لا باي»، قلب باريس النابض كما تصوره وصممه هاوسمان. لهذا كان من الطبيعي أن تُشكل الهندسة المعمارية الجديدة إلى جانب «الفن الجديد» أو «نوفو آرت» مصدر إلهام لـ«كارتييه»، وهو ما تجلى في تصاميم كثير من ساعاتها المعروضة.
جانب آخر من المعرض يسلط الضوء على علاقة الأخوين كارتييه (لويس وبيير) بعملائهما من الشخصيات البارزة، وكيف أثرت هذه العلاقات على عملهما؛ فقد كانا يتسمان بروح رياضية وفضول لا محدود لكل جديد. كانا مثل والدهما ناشطين في جمعية «الدائرة الفنية والأدبية»، وراعيين لجمعية «دائرة الاتحاد الفنّي»، وأعضاء في «نادي الطيران الفرنسي»، حيث كانا يلتقيان بعقول فذة في مجالات العلوم والصناعة والرياضة. كانا يتابعان بشغف التطورات التقنية التي مهدّت الطريق لابتكارات المستقبل، والأهم من هذا؛ لم يكونا مجرد متلقيين، بل كانا باحثين مجتهدين.
كان لويس يهتم بشكل خاص بأعمال باحثي نادي الطيران الذين كانوا يقيسون وقت التحليق، ويسجلون الأرقام القياسية، ويحددون عدد المرات التي يُسمح فيها بتشغيل المحركات، وكميات الوقود، وما إلى ذلك من الإجراءات. وفي هذه الأجواء، التقى لويس كارتييه بألبرتو سانتوس دومونت (1873 - 1932). هذا الأخير كان من أهم الشخصيات في عالم الطيران حينها، وشكّل مصدر إلهام كارتييه في ابتكار أولى ساعاته الرجالية المصممة للارتداء على المعصم. كان اختراعا ثوريا بكل المقاييس في زمن كانت فيه ساعات الجيب هي السائدة. وتجدر الإشارة إلى أن موديلات من هذه الساعة أُنتجت خصيصاً من أجل المعرض، بالرجوع إلى وثائق أرشيف «كارتييه»، بما في ذلك تصاميم خاصة بالطائرات والسيارات وقوارب بخارية، يحمل بعضها توقيع لويس كارتييه بنفسه.
ورغم أن الساعة صُممت لألبرتو سانتوس دومونت، في عام 1904، فإن تداولها تجاريا لم يتم حتّى عام 1911، لتُصبح أداة لا غنى عنها لعشّاق الطيران. ولا تزال لحد الآن معشوقة من قبل الرجل العصري الذي تفرض عليه هواياته أو أعماله السفر والترحال. ولحد الآن أيضا لا يزال التصميم يفتح حوارا إبداعيا في عالم الساعات يجمع التقني والعملي بالأنيق والعصري. في بداية القرن الماضي، لم تكتف «كارتييه» بهذا النجاح، فقد أتبعته، حسب ما يُشير إليه المعرض، بكثير من ساعات المعصم الناجحة، مثل «تونو» (1906)، و«تورتي» (1912)، و«تانك» (1917). وكانت كلها تحمل آنذاك قيمة شخصية وعاطفية خاصة. الغطاء الذهبي لساعة «سانتوس دومونت» التي صدرت في عام 1912، مثلا، جاء مزيّناً بتواقيع محفورة لنحو 30 شخصية مؤثرة في عالم الطيران. كان ألبرتو سانتوس دومونت واحدا منهم، إلى جانب رولاند جارو.
ساعة أخرى جاءت مزيّنة بخريطة تصوّر المسار الذي اتبعه الطيار ديودونيه كوست في رحلته الجوية عبر الأطلسي عام 1927؛ إذ قدمت الدار له هذه الساعة هدية تكريماً لإنجازه.
في هذه الفترة، يقول المعرض إن ساعات المعصم أصبحت منافسا قويا للأقلام، وعلب السيجار، والساعات المكتبية، وسكاكين قص الأوراق، وغيرها من الإكسسوارات التي كان يُقبل عليها الرجل الأرستقراطي آنذاك. فهذه الأدوات كانت تقوم بدورها الأساسي، إضافة إلى قراءة الوقت، لأن «كارتييه» وفرت فيها ساعات صغيرة، وهو ما يؤكد مهارات حرفيي الدار منذ أكثر من قرن من الزمن إلى اليوم. فهم لم يتوقفوا مطلقا عن البحث والاستكشاف.
في ستينات القرن الماضي، تم تطوير ساعات مثل «سانتوس» و«تانك» و«أوفال» (1958)، و«كراش» (1967)، و«ماكسي أوفال» (1969)، و«بانتير دو كارتييه» (1983)، و«باشا» (1985)، و«بالون بلو دو كارتييه» (2007)، و«درايف دو كارتييه» (2015)... وغيرها.
في عام 1969، واحتفاء بعلوم الفضاء الخارجي، أطلقت الدار 3 نسخ ذهبية طبق الأصل عن المركبة القمرية التابعة لوكالة الفضاء الأميركية «ناسا». ومع تسارع وتيرة التطورات في السبعينات وبدء عصر المحركات النفّاثة مع طائرة «كونكورد» عام 1976، أطلقت عام 1978 نسخة محدّثة من ساعة المعصم «سانتوس» صنعتها من خليط من الذهب والفولاذ. وفي العام التالي احتفلت بالذكرى الـ75 لإطلاق خط «سانتوس» في نيويورك، بمعرض كان حديث الساعة حضره الأديب الشهير ترومان كابوتي، والراقص رودولف نورييف، ونجمة هوليوود بوليت جودارد... وآخرون. وسرعان ما أصبحت ساعات «كارتييه» مصدر فخر للنجوم على ضفتي الأطلسي، بدءاً من آندي وورهول، إلى شون كونري، وكاثرين دونوف، وإنغريد بيرغمان، وعمر الشريف، والمصمم إيف سان لوران، ومادونا، وأخيرا؛ وليس آخرا، كيت ميدلتون.
* لمحة عن متحف التصميم
يعد متحف التصميم في لندن أبرز متحف مكرّس للعمارة والتصميم في العالم؛ فهو يغطي جميع عناصر ومجالات التصميم؛ من الأزياء، إلى فن الغرافيك، بدليل أنه احتضن منذ افتتاحه عام 1989 معارض متنوعة؛ منها عن بنادق «كلاشنيكوف»، وأخرى عن أحذية «لوبوتان» ذات النعل الأحمر والكعوب العالية.  لحد الآن شهد أعمال أكثر من مائة مصمم ومعماري من أمثال بول سميث، وزها حديد، وجوناثان آيف، وميوتشيا برادا، وفرنك جيري، وآيلين جري، وديتير رامس.



جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
TT

جياني فيرساتشي... رحلة في إرثه الجريء والمُبتكر

جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)
جانب من المعرض الاستعادي (فيرساتشي)

في عالم الموضة اليوم، يمدّ الحاضر يده للأمس. من أزياء وإكسسوارات مستلهمة من التسعينيات والخمسينيات وغيرها من الحقب السابقة، إلى تنظيم معارض تُسلِط الأضواء على مُصممين غيَّبهم الموت ولم تُغيِّب ما خلَّفوه من إبداع. هذه المعارض باتت تفتح أبوابها لذكراهم بشكل منتظم، بهدف عرض أعمالهم من جهة، ومنح الأجيال الجديدة فرصة لاكتشاف إرثهم وكيف لا يزال يُؤثر على خياراتهم لحد الآن من جهة أخرى.

أسس لمدرسة كل ما فيها مبالغ في زخرفاته وألوانه (فيرساتشي)

فمنذ أسابيع احتضن متحف «فيكتوريا آند ألبرت» معرضاً شاملاً عن إلسا سكياباريللي، وفي متحف «مو مو» ببلجيكا انطلق أول معرض يُكرم أعمال مصمَمي «إنتوورب الستة». وفي متحف مايول بباريس، سيجد عشاق تاريخ الموضة في الأسبوع الأول من شهر يونيو (حزيران) المقبل، فرصة للتعرف على جياني فيرساتشي. وربَما يكون هذا الحدث الأكثر جذباً لما تتمتع به الدار من قاعدة جماهيرية واسعة، ولتزامنه مع مرحلة مهمة في تاريخها، بعد تنحِي شقيقته دوناتيلا فيرساتشي عن منصبها كمدير إبداعي في مارس (آذار) الماضي، مسلِمة المشعل لداريو فيتالي لفترة وجيزة، إذ لم تمر سوى ثمانية أشهر حتى غادرها، في وقت استعداد الدار للانضمام إلى مجموعة «برادا» في صفقة قدِرت بـ1.25 مليار يورو.

في فبراير (شباط) أُعلن عن تعيين بيتر مولير مديراً إبداعياً جديداً ليتولى مهامه ابتداءً من شهر يوليو (تموز) المقبل. بالنسبة لعشاق مدرسة جياني فيرساتشي، يمثِل هذا التحول نهاية مرحلة مهمة بدأت في عام 1987 مع مصمم شاب جريء في رؤيته، كما في حياته وأسلوبه. روَّضت أخته بعضاً من جموحه «الغرائزي» بعد وفاته، لكن في كتب الموضة، سيبقى اسمه مرتبطاً بالإثارة في التصميم كما في التسويق.

لم يكن يعترف بالحلول الوسطى في الألوان أو النقشات أو التصاميم المثيرة (فيرساتشي)

ومع ذلك لا تُلغي هذه التحوُّلات تاريخ جياني الغني. فقد أسَّس مدرسة خاصة به، ربما لا تروق للجميع لأن الخيط بين ما كان يراه إثارة أنثوية، وما كان آخرون يرونه ميلاً إلى الابتذال كان رفيعاً. لكنها في المقابل حققت نجاحات تجارية، بل وفنية أيضاً، إذا أخذنا بعين الاعتبار نقوشاته المستقاة من فنون كلاسيكية، واستقطابه شخصيات بارزة، مثل الأميرة ديانا وليز هيرلي وغيرهما. والأهم أن بصمته لا تزال حاضرة حتى اليوم.

باريس: عاصمة الـ«هوت كوتور»

ويأتي اهتمام باريس به من خلال هذا المعرض اعترافاً بمكانته وإرثه، وبأنه لم يُنكر يوماً أهميتها كمنصة وعاصمة عالمية للموضة. هذا بالرغم من اعتزازه بـ«إيطاليته» ومساهمته في نهاية السبعينيات في منح ميلانو الزخم الذي كانت تحتاجه لتتحوّل إلى مركز قوة، إلى جانب أبناء جيله من المصممين الذين نجحوا في فرضها على الإعلام والمشاهير وعشاق الأزياء الجاهزة.

جياني فيرساتشي في مكتبه (فيرساتشي)

في المقابل، كان يُدرك أنه، عندما يتعلق الأمر بالـ«هوت كوتور» فلا أحد يضاهي باريس مكانة وأهمية. لذلك أطلق خطه «أتيلييه فيرساتشي» في عام 1989، لتُصبح عروضه في فندق الريتز الأيقوني مسرحاً لها. في هذا المكان، قدَّم عروضاً باذخة، وفيه أيضا ظهر للمرة الأخيرة محاطاً بالعارضات السوبر، قبل وفاته المأساوية في ميامي عام 1997.

المعرض وهو بعنوان «جياني فيرساتشي: استعراض شامل» يضم نحو 450 قطعة استثنائية، تشمل الأزياء والإكسسوارات والرسومات والصور إلى جانب مقابلات نادرة مصوَّرة مع المصمم الراحل.

يبدأ المسار من نشأته في كالابريا وتأثره بالمذهب الكاثوليكي، مروراً باهتمامه بالنحت اليوناني، والأوبرا الإيطالية وعصر الباروك بكل ما يحمله من فخامة وبذخ. كما يستعرض السياق الاجتماعي لعصره، بما في ذلك دوره في صعود ظاهرة العارضات السوبر، وتأثيرات فن البوب، من خلال تعاونه مع أسماء مثل مادونا، وبرينس وجورج مايكل، إلى جانب دخول بعض أعماله في حوارات بصرية مع بوتشيلي، وكانوفا، وبيكاسو وأندي وورهول.

قطعة يظهر فيها تأثير أندي وورهول عليه (فيرساتشي)

ويستحضر المعرض كيف نجح جياني في تجسيد كل هذه التأثيرات في أعمال خلّدتها عدسات مصوري موضة كبار، مثل ريتشارد أفيدون، إرفينغ بن، وهيلمون نيوتن، وباتريك دمارشلييه وماريو تيتستينو، ممَن ساهموا في ترسيخ صورة مثيرة وجريئة لعلامة «فيرساتشي» في عهده، وفي وقت ظهرت فيه مدرسة مضادة بألوانها الهادئة وتصاميمها الكلاسيكية المعاصرة يقودها ابن بلده وابن جيله جيورجيو أرماني.

تأثيره على الموضة:

كانت الإثارة الحسية واحدة من السمات التي اشتهر بها (فيرساتشي)

لم يقتصر تأثير جياني فرساتشي على الموضة من خلال الألوان الصارخة والنقشات المتضاربة المستوحاة من الأساطير القديمة وفنون البوب الحديثة، بل امتد أيضاً إلى علاقاته الشخصية مع مشاهير ظلوا أوفياء له حتى بعد رحيله. الأميرة الراحلة ديانا مثلاً كانت من المقربات له وحضرت جنازته في سابقة من نوعها. كما لا يمكن إغفال علاقته بالعارضة والممثلة إليزابيث هيرلي، التي ساهمت الدار في شهرتها من خلال «ذلك» الفستان الأسود الشهير، المُثبَّت بدبابيس ذهبية ضخمة، والذي دخل تاريخ الموضة. كما ارتبط اسمه بعارضات بارزات مثل كارلا بروني، وناعومي كامبل، وسيندي كروفورد، وكارين مولدر، وليندا إيفانجيلستا وكريستي تورلينغتون. صورتهن الجماعية في أحد عروضه، كانت ثورية بكل المقاييس، سرعان ما تحوّلت إلى صورة أيقونية ساهمت في ارتقائهن من مجرد عارضات أزياء إلى مصاف النجمات.

من المعروضات التي سيحتضنها متحف مايول الباريسي (فرساتشي)

في امتداد لهذه الروح الاستعراضية التي ميَّزت عروضه، يأتي تصميم المعرض في متحف مايول مستنداً إلى مفهوم المدرج، حيث يمتد عبر معظم فضاءاته ليُحوِل تجربة المشاهدة إلى رحلة حيَّة في عالم جياني فيرساتشي، من بداياته إلى إرثه الخالد في الموضة والثقافة العالمية. بعد نجاحه في لندن وبرلين ومالقة، سيفتح المعرض أبوابه في باريس من الخامس من شهر يونيو إلى شهر سبتمبر (أيلول) المقبل في لحظة رمزية تواكب عشية الذكرى الثلاثين لوفاته وما كان سيكون احتفالاً بعيد ميلاده الثمانين.


زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
TT

زيندايا بين السجادة الحمراء والأزياء الرياضية

في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)
في كل إطلالة وكل ظهور لها تؤكد زيندايا أنها وُلدت لتكون نجمة متألقة (رويترز)

لكل زمن نجومه، ويبدو أننا حالياً في زمن زيندايا؛ فهي في كل مكان، ولا يمر أي ظهور لها مرور الكرام. تستطيع بمجرد قبعة، مهما كانت بسيطة أو مبالغاً فيها، أن تخطف الأضواء، وبفستان أن تعيد تسليط الضوء على مبدعه حتى وإن غاب عن الساحة لسنوات أو كان مغموراً.

لهذا ليس غريباً أن يتودّد لها صناع الموضة ويتمنون رضاها. بالنسبة لهم، هي تتمتع بسحر نجمات هوليوود وثقة بنات جيل زد. أما صورها فتقول إن كل شيء فيها، من إيماءاتها ونظراتها إلى ملامحها، يصرخ بثقة، بما لا يترك أدنى شك في أن النجومية تحتاج إلى حضور. ليس كافياً أن تكون موهوباً أو مدفوعاً برغبة جامحة للتألق فحسب، فالكاريزما أولاً ثم إدارة الصورة بعناية عنصران حاسمان. وبينما الكاريزما ملكيتها الخاصة، فإن إدارة الصورة واختيار الإطلالات يتولاهما خبير الأزياء، لو روتش، منذ بداياتها وهي في سن المراهقة.

علاقة عمل ناجحة

في فستان من خط الـ«هوت كوتور» من تصميم دانيال روزبيري (سكياباريلي)

لقد قطعت زيندايا شوطاً طويلاً منذ أن وقفت أمام الكاميرات أول مرة بوصفها نجمة ديزني. لم تكن مجرد مراهقة عادية بعينين لامعتين تتطلّعان للسماء، كانت ذكية، أدركت منذ البداية أن الموضة سلاح لا يخيب. علاقتها بخبير الأزياء لو روتش تُعد حالياً من أنجح العلاقات في عالم الموضة والسينما على حد سواء. . شكّلا منذ البداية ثنائياً ناجحاً، حيث نجح روتش في «هندسة» صورتها من أميرة ديزني حالمة إلى رائدة لبنات جيلها، رغم أنها لم تكن معروفة حينها. بادلته هي الوفاء نفسه؛ إذ تُدخله في أي مشروع يُقترح عليها.

في أي مناسبة وأي إطلالة تتألق كأيقونة موضة (ميسيكا)

والحقيقة أن مهمة روتش انتقلت من الصعب إلى السهل بسلاسة. نعم كانت صعبة في البداية بحكم أنها كانت صغيرة سنّاً ومغمورة فنياً، إلا أنها لم تأخذ وقتاً طويلاً لتتحوّل إلى أيقونة متحركة، ينطبق عليها المثل القائل: «الجميل جميل ولو ارتدى خيشاً». بحضورها ورشاقتها وثقتها في التعامل مع الكاميرا، سهّلت عليه الكثير؛ فحتى حين يقترح عليها أزياء عادية، وأحياناً غريبة، تنجح في أن تُضفي عليها من سحرها الكثير.

من الأدوار السينمائية إلى التعاونات

كان من الطبيعي ألا يبقى هذا الحضور محصوراً في الشاشة أو في مناسبات السجادة الحمراء، وأن يمتدّ إلى شراكات تجارية مُجزية لكل الأطراف. تعاونت مؤخراً مع علامة ON «أون» السويسرية، وطرحت مجموعة ملابس وأحذية رياضية، تعكس شخصيتها وروحها المنطلقة، وفي الوقت ذاته خبرة «أون» في تصميم قطع رياضية توازن بين الأداء والأناقة. كل ما فيها يقول إنها تستهدف جيل زد المتابع لها.

تم تصويرها في قلب هذه الحملة لتضفي عليها من سحرها الكثير (أون)

ولأنه كان لا بد من الاستفادة الكاملة من «كاريزما» زيندايا، تم تصويرها في قلب هذه المجموعة من خلال حملة على شكل فيلم ترويجي بعنوان: Shape of Dreams. لم تكن حملة عادية، فهي من إخراج سبايك جونز، المخرج الحائز على جائزة أوسكار، وبالتالي تحمل طابع فيلم سينمائي، تدور أحداثه داخل عالم زيندايا التخيلي. عالم تتطور فيه القصّات وتتغير الخامات وتصقل الأفكار. ومع تقدّم الفيلم، تأخذ العملية طابعاً سريالياً؛ إذ تتمدد الملابس وتنكمش وتتبدّل حتى تصل إلى شكلها النهائي.

لقطة مصورة للمجموعة التي صممتها مع لو روتش وشركة «أون» الرياضية (أون)

غني عن القول إن لو روتش أسهم في عملية التصميم. تقول زيندايا عن هذه التجربة: «كان العمل مع لو وفريق (أون) ممتعاً للغاية. أردنا ابتكار تصاميم متعددة الاستخدام وسهلة الارتداء، بحيث تتحرك مع صاحبها عبر لحظات مختلفة من اليوم». وأضافت: «أما العمل مع سبايك جونز، فكان رائعاً؛ لأنه منح رؤيتنا بعداً آخر تماماً».


جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
TT

جولة ميغان ماركل في أستراليا… أناقة أم رسائل استمرارية؟

جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)
جولة لمستشفى أطفال في اليوم الأول من جولة ميغان والأمير هاري الأسترالية (إ.ب.أ)

ثماني سنوات مرَت على أوَل زيارة قامت بها دوقة ساسيكس ميغان ماركل وزوجها الأمير هاري إلى أستراليا، وكأن الزمن توقَّف عند تلك اللحظة من ناحية الصورة وليس الأحداث. فهذه حملت تحوَّلات كبيرة غيَّرت وجه المؤسسة الملكية إلى حد ما، لكن الصور الأولى لتلك الزيارة بقيت حاضرة بوصفها مرجعاً يقارن به الماضي بالحاضر. فرغم ما رافق الزيارة الحالية من انتقادات وجدل بعد الإعلان عنها رسمياً قبل نحو شهر تقريباً، فإن الصور المتداولة بمجرد أن حطّت بهما الطائرة، تُخلّف الانطباع أن الثنائي لا يبدو منشغلاً بضجيج التعليقات على السوشيال ميديا. فقد بدت ميغان أكثر تألقاً ببشرة نضرة وماكياج ناجح أضفى عليها ألقاً. وطبعاً، كان من الصعب فصل الحدث عن تفاصيل إطلالاتها.

8 سنوات مرت على الزيارة الأولى تغيَّرت فيها أشياء كثيرة ولم تتغيَّر المصممة (أ.ف.ب + موقع كارين جي)

كانت لافتة عودتها إلى المصممة الأسترالية كارين جي التي سبق أن ظهرت بأحد تصاميمها خلال زيارة عام 2018: فستان أبيض بتصميم مستقيم. أجمل ما كان فيه بساطته وأناقته الهادئة.

هذه المرة ولدى وصولها إلى ملبورن، اختارت فستاناً كحلياً يحمل اسم «بريسيلا». يتميّز بياقة دائرية تحيط بالعنق وحزام رفيع يحدد الخصر، مستوحاة بشكل غير مباشر من روح «النيولوك» لكريستيان ديور لكن بأسلوب معاصر يناسب الأيام العادية. كسّرت المصممة عمق لونه بستة أزرار ذهبية عند الصدر ألغت الحاجة إلى قلادة أو سلاسل. كل ما في الفستان يحمل السمات التي تميل إليها ميغان، وهي اللون الأحادي والخطوط الواضحة والبسيطة التي تناسب مقاييس جسدها المعقّدة. نسّقت الإطلالة بحذاء من «ديور».

ميغان ماركل والأمير هاري في ظهورهما الثاني في أستراليا (إ.ب.أ)

في الظهور الثاني لها، خلال زيارتها لمتحف الفنون الوطني للمحاربين القدامى في ملبورن، كانت أكثر جُرأة نسبياً، عبر سترة من السويد باللون الكاكي، وتنورة مستقيمة طويلة من نفس خامة ولون السترة من العلامة الأسترالية «سانت أغني» مع كنزة بلون الموكا من علامة «بي جونسون». كانت رسالة تؤكد فيها استمرار استخدام علامات أسترالية ضمن الجولة كنوع من البروتوكول الرمزي.

اختيار كارين جي للمرة الثانية نقطة تستحق التوقف. أوَّل تفسير يتبادر للذهن أن المصممة التي يوجد مقرها في سيدني، لا تُقدّم أزياء موسمية بقدر ما تركّز على ملابس عملية يمكن ارتداؤها في أكثر من مناسبة. إضافة إلى هذا، فإنها بنت سمعتها على أسلوب مضمون «يمكن الاعتماد عليه في كل زمان أو مكان» وفق وصفها، وهي فلسفة ترتكز على الاستدامة أكثر من الصرعات الموسمية العابرة، سواء من ناحية الألوان أو الخطوط البسيطة والهادئة.

صور ميغان ماركل تشير إلى استمرارية رمزية وكأن خروجها من المؤسسة الملكية لم يكن (رويترز)

هذا التوجه نحو المضمون يخدم صورة ميغان التي تزعزت في السنوات الأخيرة. وبينما كان ظهورها بالفستان الأبيض عام 2018 كفيلاً بتسليط الضوء على مصممته كارين جي عالمياً؛ نظراً لمكانتها آنذاك ضمن المنظومة الملكية، فإن عودتها إليها اليوم، يتقاطع مع ما صرّحت به في مقابلة سابقة عن وعيها بتأثير كل ظهور علني لها. قالت إنها تُدرك تماماً أن كل صغيرة وكبيرة تخضع للتمحيص والتحليل؛ الأمر الذي يدفعها لتوجيه هذا التأثير بشكل إيجابي، إما لدعم مصممين صاعدين تُؤمن بمساراتهم، أو تربطها بهم علاقات شخصية.

لا تزال ميغان تتعامل مع جولاتها وكأنها رسمية يجب أن تخضع لبروتوكولات الأناقة (أ.ب)

بيد أن هناك أيضاً عامل الاستمرارية، وكأن دوقة ساسيكس تريد أن تقول إن مكانتها محفوظة، وبأن الحاضر ما هو إلا امتداد للأمس. على الأقل من ناحية تأثيرها الذي تراه لا يزال قوِياً، حتى بعد تمرّدها على المؤسسة الملكية البريطانية وخروجها منها في 2020. حينها كانت دوقة جديدة، تتمتع بشعبية كبيرة، إلى حد أن جولتها فيها، كانت ناجحة بدرجة لافتة مقارنة ببقية أفراد العائلة المالكة، بمن فيهم كاثرين ميدلتون وزوجها الأمير ويليام. حينها كانت إطلالات ميغان تُقرأ ضمن إطار البروتوكول الملكي، واليوم يبدو أنها تعتمد الأسلوب نفسه تقريباً لفرض نفسها، أو على الأقل التذكير بمكانتها.