140 بين قتيل وجريح في عمليات عسكرية في بنغازي ضد المتطرفين

طرابلس تتهم اللواء حفتر مجددا بتنفيذ انقلاب عسكري

عناصر أمن ليبية أمام مدخل معسكر للجيش في مدينة بنغازي تعرض للتدمير منذ اسبوعين بفعل سيارة مفخخة (رويترز)
عناصر أمن ليبية أمام مدخل معسكر للجيش في مدينة بنغازي تعرض للتدمير منذ اسبوعين بفعل سيارة مفخخة (رويترز)
TT

140 بين قتيل وجريح في عمليات عسكرية في بنغازي ضد المتطرفين

عناصر أمن ليبية أمام مدخل معسكر للجيش في مدينة بنغازي تعرض للتدمير منذ اسبوعين بفعل سيارة مفخخة (رويترز)
عناصر أمن ليبية أمام مدخل معسكر للجيش في مدينة بنغازي تعرض للتدمير منذ اسبوعين بفعل سيارة مفخخة (رويترز)

اتهمت السلطات الليبية مجددا اللواء خليفة حفتر القائد العام السابق للقوات البرية في الجيش الليبي بمحاولة تنفيذ انقلاب عسكري في مدينة بنغازي بشرق البلاد، بعدما شنت قوات تابعة لحفتر هجوما مفاجئا أمس على معسكرات تابعة لميليشيات إسلامية متطرفة في المدينة تحت اسم عملية الكرامة «لتطهير» المدينة من «المجموعات الإرهابية».
وعاشت بنغازي التي تعد ثاني كبريات المدن الليبية وعاصمة الثورة ومهد الانتفاضة الشعبية ضد نظام حكم العقيد الراحل معمر القذافي عام 2011، ساعات عصيبة وهدوءا مشوبا بالحذر، بعد الاشتباكات التي وقعت في الصباح وأسفرت عن سقوط نحو 140 شخصا ما بين قتيل وجريح على الأقل، بينما أكدت عدة مصادر أمنية وعسكرية لـ«الشرق الأوسط» أنها تتوقع المزيد من المعارك الدامية في وقت لاحق من مساء أمس.
وأوضح شهود أن قوات من سلاح الجو انضمت إلى مجموعة حفتر، أحد قادة حركة التمرد التي أطاحت بنظام القذافي، قد قصفت ثكنة تحتلها «كتيبة 17 فبراير» وهي ميليشيا إسلامية، بينما ردت هذه الميليشيا بنيران المدفعية المضادة للطيران.
وقالت مصادر بالمدينة لـ«الشرق الأوسط» إن قوات حفتر هاجمت معسكرين أحدهما تابع لسرية مالك بقيادة زياد بلعم والثاني معسكر راف الله السحاتي الذي يقوده كل من إسماعيل الصلابي ومحمد الغرابي، بينما دارت مواجهات عنيفة حول مواقع يحتلها مسلحون إسلاميون في منطقة سيدي فرج في جنوب المدينة.
وقالت مصادر عسكرية وطبية إن المعارك الطاحنة التي جرت أمس أسفرت عن سقوط نحو عشرين قتيلا وما لا يقل عن 120 جريحا في إحصائية أولية، مشيرة إلى أن هذا العدد قد يتزايد نتيجة للاشتباكات التي جرت باستخدام الأسلحة الثقيلة والمتوسطة.
وعد عبد الله الثني رئيس الحكومة الانتقالية أن الطائرة التي قصفت بعض معسكرات المتطرفين في مدينة بنغازي، منشقة عن سلاح الطيران الليبي، وقال إن هناك طائرة واحدة حلقت من دون أوامر منا وهذا خروج عن الشرعية.
وبعدما شدد في بيان صحافي تلاه عقب اجتماع طارئ لحكومته في العاصمة الليبية طرابلس لمناقشة الوضع الراهن في مدينة بنغازي، على أن عهد الانقلاب ولى ولا مكان للإرهابيين، دعا الثني المواطنين في بنغازي إلى التمسك بشرعية الدولة فقط، ووصف المجموعات التي يقودها حفتر بأنها خارجة عن شرعية الدولة الليبية.
وأعلن العقيد طيار علي أبو دية رئيس أركان القوات الجوية الليبية، أن الطائرات التي حلقت أمس في سماء بنغازي تتبع بالفعل قاعدة بنينا الجوية، إلا أنها خرجت للتحليق من دون تلقي أوامر من قبل القاعدة.
وفيما أبلغت مصادر حكومية وسكان في المدينة «الشرق الأوسط» أن القوات التابعة لحفتر قد تلقت ما وصفته بهزيمة مدوية في المواجهات التي جرت طوال الساعات الماضية، فقد نفى الناطق باسم قوات حفتر في المقابل لـ«الشرق الأوسط» هذه المزاعم وقال إنها عارية تماما عن الصحة.
وقال العقيد محمد حجازي الذي قدم نفسه على أنه الناطق الرسمي باسم القيادة العامة للجيش الوطني الليبي (الموالي لحفتر): «هذه هي الحرب الإعلامية، وهذا هو الجيش الإلكتروني الذي يروج الشائعات»، لافتا إلى أن «المستهدف من عملية الكرامة تطهير ليبيا والوطن وبنغازي من هذه الكيانات المتطرفة وغيرها من الميليشيات المسلحة».
وأضاف حجازي في تصريحات خاصة لـ«الشرق الأوسط» عبر الهاتف من بنغازي: «هذا جيش وطني وهذا قائد عسكري وطني، هذا واجب وطني كان لزاما علينا للتدخل، كل القواعد الجوية والعسكرية انضمت تحت قيادة اللواء خليفة حفتر وهو القائد العام للجيش الوطني الليبي الذي يعاني ويتعرض لعمليات عرقلة وتنكيل واغتيالات مستمرة».
وردا على تصريحات الثني رئيس الحكومة الانتقالية، قال حجازي لـ«الشرق الأوسط»: «جرى الآن ضرب الأجنحة المسلحة التي تحكم بها الحكومة الانتقالية، وهذه الميليشيات المسلحة هي أجنحة لهذا لمؤتمر الوطني العام (البرلمان) المنتهية شرعيته أصلا وقراراته منتهية».
وأضاف: «من يسيطر على هذا الكيان غير الشرعي هي هذه الميليشيات المسلحة، وهي تسيطر على المؤتمر الفاسد، هذه الكيانات الإسلاموية تسيطر على هذا الكيان المفسد».
وقصفت طائرة واحدة على الأقل تابعة لسلاح الجو الليبي معسكرات لقوات غير حكومية في المدينة، بينما هاجمت قوة عسكرية تابعة لحفتر مدججة بالأسلحة عددا من المعسكرات والكتائب الواقعة في مدينة بنغازي.
وقالت مصادر في بنغازي لـ«الشرق الأوسط» إن المناطق التي تقدمت منها قوات حفتر التي وصلت إلى أسوار معسكر راف الله السحاتي، الآن تسيطر عليها قوات مشتركة من الدروع والكتيبة، مشيرة إلى أنه لا أثر لقوات حفتر بتلك المنطقة التي دخل منها بينما هناك ما وصفته بانتشار واسع لغرفة ثوار ليبيا بمدخل بنغازي الشرقي حتى وسط المدينة.
وأضافت: «ميليشيات تنظيم أنصار الشريعة ما زالت بمراكزها، الإسلاميون والكتائب استعادوا تلك المناطق في زمن قصير».
ونفى العقيد ميلود الزوي الناطق الرسمي بالقوات الخاصة بالجيش الليبي (الصاعقة) ما أشيع عن مشاركة قوات الصاعقة بقيادة العقيد ونيس بوخمادة في هذه الاشتباكات، وأن القوات الخاصة في حالة استنفار تام داخل معسكرها بمنطقة بوعطني، فيما قالت وكالة الأنباء المحلية إن هناك انتشارا عسكريا كثيفا بالمنطقة المحيطة بمدينة بنغازي من جهة البحر ومداخل المدينة، وإن هدوءا يسود المدينة يشوبه الحذر الشديد.
وقال مصدر عسكري إن القوات الخاصة بقيت بثكناتها ولم تشارك إلا في تأمين مناطق الاشتباك بإقامة بوابات لإرجاع المواطنين.
وطبقا لما أعلنته الحكومة الليبية في بيان أصدرته أمس عقب هذه الاشتباكات، فقد تحركت في الساعات الأولى من صباح أمس مجموعة مسلحة وبعض أفراد الجيش الليبي وعربات وآليات من معسكر الرجمة يحمل بعضها رايات وعلامات الجيش الوطني إلى ضواحي مدينة بنغازي وحلقت بعض الطائرات التابعة للسلاح الجوي الليبي في سماء المدينة، مشيرة إلى أن رئاسة الأركان نفت صدور أي أوامر منها لهذه القوات، وبالتالي فإن تحركها هو مخالف للأوامر العسكرية الصادرة عن السلطات الشرعية.
وأكد البيان أن التسبب في القتال في بنغازي في ظل هذه الظروف يعرقل بشدة جهود بسط الأمن التي يبذلها الجيش والشرطة لتنفيذ القانون والأوامر الصادرة من أجل القضاء على الإرهاب والاغتيالات والجريمة المنظمة والمجموعات الخارجة عن القانون التي تهدد أمن المدينة وسلامة أهاليها.
وطلبت الحكومة من كتائب الثوار ضبط النفس والالتزام بالأوامر الصادرة من رئاسة الأركان والتحرك وفقا لتلك الأوامر حرفيا وعدم مخالفتها حفاظا على ليبيا ووحدتها، موضحة أن رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي تعمل على ضبط الموقف على الأرض ومنع دخول أي قوات من خارج المدينة والتصدي لأي مجموعات خارجة على القانون، كما صدرت الأوامر للغرفة الأمنية المشتركة وكل وحدات الجيش والشرطة بذلك.
ودعت الحكومة: «كل أهلنا في عاصمة الثورة بنغازي إلى الهدوء والتماسك ودعم شرعية ثورة 17 فبراير (شباط) وجيشها وشرطتها»، وشددت على «أن الحدود الشرقية للدولة آمنة وتحت سيطرة قوات الجيش الليبي التابعة للشرعية».
وأضاف البيان: «ترى الحكومة أن ما يحدث هو محاولة لاستغلال الوضع الأمني للانقلاب على ثورة 17 فبراير، وبالتالي فإنها تؤكد أن عهد الانقلابات والحكم الفاشي والخروج عن الشرعية قد ولى إلى غير رجعة».
من جهته، أعلن اللواء عبد السلام العبيدي رئيس الأركان العامة للجيش الليبي، أن القوة التي دخلت إلى بنغازي فجر أمس هي مجموعات صغيرة تابعة لحفتر من بينها بعض العسكريين، واتهمها بالعمل على فرض إرادتها بالقوة على الشعب الليبي.
وأوضح جاد الله في تصريحات لقناة محلية أنه صدرت تعليمات مكتوبة إلى الغرفة الأمنية والقوات العسكرية والثوار التابعين لقيادة الغرفة الأمنية المسؤولة عن بنغازي بالتصدي لأي قوات خارجة عن الشرعية تحاول الانقلاب على الشرعية، مؤكدا أنه لا يمكن أن تأتي قوة عسكرية نيابة عن الشعب الليبي وتقرر مصيره، واصفا ما حدث بالانقلاب.
وأوضح العبيدي أنه منح في السابق مهلة زمنية لتشكيل تابع للواء حفتر عقب اعتدائه بقاذف على مخزن للسلاح تابع للجيش للخروج وأيضا لانضمامهم للشرعية قبل أن تتخذ الجهات الأمنية الموقف المناسب حيالهم والتصدي لهم، مشيرا إلى أن هذه المجموعة تحاول استغلال جروح الشعب، والأفراد الذين يقتلون في بنغازي الذين نترحم عليهم.
وبدلا من أن يطلب من قوات الجيش النظامية التدخل، دعا العبيدي أهالي مدينة بنغازي والشعب الليبي إلى التصدي للإرهاب أيا كان مصدره، مؤكدا أن التعليمات الصادرة للغرفة الأمنية المشتركة في بنغازي هي ضرب أي محاولة لدخول مدينة بنغازي.
ونفى العبيدي سيطرة القوات المهاجمة على بعض المقرات في بنغازي، مبينا أن الجيش الليبي والثوار يدافعون عن المدينة لإحباط أي محاولة للسيطرة على الشرعية.
وأصدر العبيدي في وقت سابق أوامر لقطاع الدفاع الجوي في بنغازي بمنع أي قوات عسكرية أو غير عسكرية لا تتبعه بالوجود في مقرات القطاع، وحمل العبيدي قادة القطاع مسؤولية أي تحركات تخرج من مقر القطاع للقيام بأي عمل خارج الشرعية.
وكانت رئاسة الأركان العامة للجيش الليبي قد حملت في بيان لها الأسبوع الماضي، المسلحين الموجودين بمقر الدفاع الجوي بمنطقة الرجمة، مسؤولية أي أضرار قد تحدث للمواطنين ومواشيهم والتلوث البيئي الذي قد يحدث جراء بعض التصرفات التي وصفتها بالعبثية.
وقالت الرئاسة إن المسلحين الموجودين بمقر الدفاع الجوي بهذه المنطقة والتابعين لحفتر، ليلة الأربعاء الماضي، قصفوا بقذيفة «آر بي جي» مستودعا لصواريخ الدفاع الجوي بالمعسكر.
وطالب المجلس المحلي لمدينة بنغازي المؤتمر الوطني والحكومة المؤقتة ورئاسة الأركان العامة للجيش الليبي بتقديم توضيحات رسمية حول ما يجري في بنغازي من اصطدامات واشتباكات.
ودعا المجلس، في بيان نشر على موقعه الإلكتروني، وزارة العدل إلى تعزيز تأمين السجون بالمدينة من أي اعتداءات أو خروق قد تستغل في ظل هذه الظروف الأمنية.
وفي ظل تراجع واسع لسلطة القانون والنظام منذ الانتفاضة التي أطاحت بالقذافي عام 2011 اتهم مقاتلون إسلاميون بتنفيذ سلسلة من عمليات الاغتيال والتفجيرات ضد الجيش في بنغازي وخوض معارك متكررة مع القوات الخاصة، لكنهم يتحصنون الآن في قواعد على مشارف المدينة.
ونظرا لضعف قوات الجيش الوطني الليبي التي ما زالت تحت التدريب، لا تستطيع ليبيا السيطرة على كتائب المقاتلين التي حاربت القذافي وترفض الآن إلقاء السلاح، وكثيرا ما تتحدى سلطة الدولة، فيما تضررت صناعة النفط الحيوية في البلاد بشدة بسبب الفوضى.



مصر ملتزمة بالسلام مع إسرائيل رغم «توترات التهجير»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
TT

مصر ملتزمة بالسلام مع إسرائيل رغم «توترات التهجير»

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي (الخارجية المصرية)

تتبنى مصر موقفاً حذراً في علاقاتها مع إسرائيل، في ظل التهديدات المتكررة بتهجير الفلسطينيين، وهو ما ترفضه القاهرة وتصفه بأنه «خط أحمر»، وفي المقابل، تؤكد مصر تمسكها باتفاقية السلام الموقعة مع إسرائيل قبل عقود، وهو الالتزام الذي جدده مؤخراً وزير الخارجية بدر عبد العاطي.

وقال عبد العاطي في لقاء تلفزيوني مع شبكة «سكاي نيوز»، بثته مساء الثلاثاء، إن «مصر ملتزمة بمعاهدة السلام مع إسرائيل»، لكنه أكد أيضاً أن «مصر لن تسمح بأي محاولة لتهجير الفلسطينيين إلى سيناء».

واعتبر وزير الخارجية المصري أن «سيناريو التهجير» يمثل أحد الخطوط الحمراء للدولة المصرية، لما يحمله من تداعيات خطيرة على القضية الفلسطينية والأمن القومي المصري.

ووقّعت مصر وإسرائيل في مارس (آذار) 1979 معاهدة سلام برعاية أميركية، لكن خلال السنوات الأخيرة، وتحديداً منذ اندلاع «حرب غزة» في أكتوبر (تشرين الأول) 2023، تشهد العلاقات توترات عديدة واتهامات بعدم الالتزام بالاتفاقية في ظل أحاديث إسرائيلية متكررة عن تهجير الفلسطينيين من قطاع غزة وعدم السماح بإقامة دولة فلسطينية.

خيار استراتيجي

ويرى سفير مصر الأسبق لدى إسرائيل، حازم خيرت، أن مصر ترى أن السلام خيار استراتيجي مع إسرائيل وغيرها من دول الجوار، بل إن القاهرة لديها موقف داعم لتهدئة التوترات وحل الصراعات، لكن في الوقت ذاته هناك خطوط حمراء لن يتم السماح بتجاوزها، في مقدمتها حماية الأراضي والمقدرات المصرية، وكذلك عدم تصفية القضية الفلسطينية.

وأضاف في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «أي مناورات أو محاولات من جانب الحكومة الإسرائيلية المتطرفة لتمرير هذا المخطط غير مقبولة بالنسبة لمصر»، مشيراً إلى أن مصر ليست وحدها من تحرص على السلام لكن إسرائيل أيضاً، رغم التصرفات التي تشير إلى عكس ذلك.

وتابع: «مصر تحافظ على شعرة للإبقاء على قنوات اتصال مفتوحة مع إسرائيل، لكن في الوقت ذاته ستقف أمام محاولات إخلاء الأراضي الفلسطينية وفقاً لمخططات اليمين المتطرف».

مصريون في مظاهرة سابقة أمام معبر رفح رفضاً لتهجير الفلسطينيين (وكالة أنباء الشرق الأوسط)

وكشف عبد العاطي خلال حديثه الأخير عن امتلاك بلاده «قنوات اتصال متعددة مع الجانب الإسرائيلي، تشمل المستويين العسكري والسياسي، وأن القاهرة تنقل عبر هذه القنوات موقفها المبدئي والثابت من رفض أي محاولات للتهجير»، مضيفاً أن «مصر أبلغت موقفها الواضح بصورة مباشرة إلى الجانبين الإسرائيلي والأميركي، وأن جميع الأطراف تدرك الخطوط الحمراء المصرية في هذا الملف».

وتشي تصريحات وزير الخارجية المصري بوجود انتهاكات من جانب إسرائيل بشأن «معاهدة السلام»، وإن لم يُشر إلى طبيعتها، كما تؤكد أن «اللجنة المصرية - الإسرائيلية» التي تم تشكيلها بموجب الاتفاقية ما زالت قائمة وإن كانت تنعقد بصور مختلفة عما كانت عليه في السابق، حيث كانت تنعقد في «العريش» أو «بئر السبع»، وفق الخبير في الشؤون الإسرائيلية، الدكتور طارق فهمي.

لكن فهمي أشار إلى نقطة خلاف جوهرية بين الطرفين، خلال تصريحه لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً أن إسرائيل تسعى لتعديل البرتوكول الأمني الخاص بـ«ممر صلاح الدين» (محور فيلادلفيا)، وغيرها من بنود المعاهدة وليس غريباً أن تتحدث جهات شبه حكومية عن هذا الأمر، متابعاً: «لكن تعديل المعاهدة ليس وارداً بالنسبة لمصر في الوقت الحالي، وهو أمر بحاجة إلى ترتيبات أمنية واستراتيجية، وهو ما يفسر حديث الوزير عن الالتزام بالمعاهدة».

ويرى أن عبد العاطي تحدث عن المحددات المصرية الثابتة في العلاقة مع إسرائيل، وتتمثل في الالتزام بالسلام ورفض التهجير.

حديث متكرر عن التهجير

ولا يتوقف الحديث الإسرائيلي عن التهجير، وفي معرض حديثه عن مصادقة حكومته على 264 مستوطنة وبؤرة استيطانية في الضفة الغربية المحتلة، وجَّه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو حديثه إلى قادة المستوطنين قائلاً: «إنهم يمهدون لهجرة كبيرة مقبلة»، وفق بيان صادر عن مكتبه، الأربعاء.

وأضاف: «أنتم تُحققون رؤية أرض إسرائيل، وهذه أرضنا. اليوم، يُدرك العديد من إخواننا وأخواتنا في العالم أن هذه أرضنا»، وفق مزاعمه.

وفي مايو (أيار) الماضي، قال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، إن إسرائيل ستنفذ خطة «الهجرة الطوعية» من قطاع غزة في التوقيت والطريقة المناسبين.

وفي مطلع هذا الشهر، أطلق السياسي الإسرائيلي موشيه فيغلين، رئيس حزب «زيهوت» (الهوية)، تصريحات علنية تدعو صراحة إلى تفريغ قطاع غزة من سكانه كلياً وتخييرهم بين التهجير والموت.

إحدى الشاحنات قرب معبر رفح البري (الهيئة العامة للاستعلامات)

ويشير عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، السفير أشرف حربي، إلى أن القاهرة تواجه مثل هذه التهديدات بالتأكيد على ثوابت القانون الدولي التي تتعارض مع التهجير غير الشرعي والتوسع الاستيطاني، وهو أمر تتبعه أيضاً مع «اتفاقية السلام» التي تؤكد الالتزام بها ما دام الطرف الآخر يلتزم بها.

وتابع: «في حال اختراق الاتفاقية من جانب إسرائيل سيكون هناك نزاع لديه أيضاً مراحل وإجراءات تبدأ بإجراءات قانونية وفقاً لما ينص عليه القانون الدولي، وما تنص عليه الشرعية الدولية بالنسبة للدولة التي لا تلتزم بالشروط والضمانات الموجودة في الاتفاقيات الموقعة بينها وبين الدولة الأخرى».

وشدد وزير الخارجية على أن تهجير الفلسطينيين من أراضيهم إلى سيناء لا يمثل مجرد تحرك سكاني، بل يعني، من وجهة نظر القاهرة، تصفية القضية الفلسطينية، وإنهاء إمكانية إقامة دولة فلسطينية مستقلة.

وأضاف أن مثل هذا السيناريو ستكون له تداعيات مباشرة على مصر والمنطقة، مؤكداً أن القاهرة لا تعدُّه خياراً مطروحاً تحت أي ظرف.


قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
TT

قمة مصرية - صينية مرتقبة لتعزيز «الشراكة الاستراتيجية»

الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)
الرئيس الصيني يستقبل السيسي في بكين 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

تترقب القاهرة زيارة للرئيس الصيني شي جينبينغ، لبحث تعزيز التعاون والملفات الإقليمية.

وتحمل تلك الزيارة، التي تعد الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، فرصة لتعزيز الشراكة بين البلدين وفتح مسار جديد في علاقات بكين والقاهرة، وفق عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي، لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت الرئاسة المصرية، في بيان الأربعاء، بأنه «في إطار العلاقات الثنائية المتميزة مع بكين، فمن المقرر أن يقوم الرئيس الصيني شي جينبينغ بزيارة إلى مصر خلال الأيام القليلة القادمة».

ومن المقرر أن يلتقي خلال الزيارة مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، لبحث سبل تعزيز علاقات الشراكة الاستراتيجية بين البلدين في مختلف المجالات، فضلاً عن تبادل الآراء بشأن عدد من القضايا الإقليمية والدولية.

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، يتوجه الرئيس الصيني الأحد إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان الأربعاء.

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

توقيت بالغ الدلالة

ويشير مساعد وزير الخارجية الأسبق محمد حجازي، إلى أن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني «تأتي في توقيت بالغ الدلالة بالنسبة للعلاقات بين القاهرة وبكين، وفي لحظة دولية تشهد إعادة تشكيل عميقة في موازين القوة والاقتصاد والسياسة».

وتكتسب هذه الزيارة أهمية خاصة لأنها تأتي في عام 2026، الذي تحتفل فيه مصر والصين بمرور سبعين عاماً على إقامة العلاقات الدبلوماسية بينهما، حيث أصبحت مصر في 30 مايو (أيار) 1956 أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات رسمية مع الصين، وفق حجازي.

السيسي والرئيس الصيني خلال المشاركة في احتفالات «عيد النصر» بالعاصمة الروسية موسكو 9 مايو 2025 (الرئاسة المصرية)

وانتقلت العلاقات المصرية - الصينية خلال العقود السبعة الماضية من مرحلة «التضامن السياسي ودعم قضايا التحرر الوطني»، إلى مرحلة التعاون الاقتصادي والتنموي، ثم إلى مستوى «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» التي أُعلنت عام 2014، وخلال العقد الأخير اتسعت مجالات التعاون لتشمل البنية الأساسية والطاقة والنقل والصناعة والتعليم⁠، بحسب حجازي.

وعن مستقبل الشراكة المصرية - الصينية خلال السنوات المقبلة، يرى حجازي، أن «المصلحة المصرية تقتضي الانتقال من نموذج يقوم بدرجة كبيرة على التجارة والاستثمار، إلى نموذج يقوم على الإنتاج المشترك ونقل التكنولوجيا وبناء القدرات وتوطين الصناعة».

وقال إن «أحد أهم أهداف المرحلة المقبلة ينبغي أن يكون تحويل مصر إلى قاعدة صناعية ولوجستية صينية موجهة إلى الأسواق الأفريقية والعربية، وليس مجرد سوق للمنتجات الصينية. كما أن التعاون في مجال الأمن الغذائي، يستحق اهتماماً خاصاً، في ضوء التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي واضطراب سلاسل الإمداد الدولية، ويمكن لمصر والصين تطوير مشروعات مشتركة في الزراعة والتصنيع الغذائي والتخزين والنقل وسلاسل الإمداد، ليس فقط لخدمة السوق المصرية، وإنما لفتح آفاق أوسع في أفريقيا».

ويشير حجازي إلى أنه «سياسياً ودولياً، يمكن تطوير مستوى التشاور المصري - الصيني حول أزمات الشرق الأوسط، وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإعادة إعمار غزة، وأمن البحر الأحمر، وحرية الملاحة، وأمن الطاقة، ومستقبل النظام الإقليمي».

ويخلص، إلى أن الزيارة «ينبغي أن تكون مناسبة لإطلاق رؤية مصرية - صينية مشتركة للعقد المقبل، وليس فقط لتوقيع مجموعة جديدة من مذكرات التفاهم ودعم الشراكة واستقرار المنطقة».


رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
TT

رسوم حوثية جديدة على الأسمنت تخنق قطاع البناء

مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)
مصنع أسمنت باجل دُمر في الرد الإسرائيلي على صواريخ الحوثيين (إعلام محلي)

عمَّقت الجماعة الحوثية الأزمة الاقتصادية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، عبر إقرار زيادتين متتاليتين في الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات المفروضة على الأسمنت المستورد، في خطوة يرجَّح أن تزيد تكلفة مواد البناء، وتضغط على قطاع لا يزال يستوعب شريحة من العمالة اليدوية.

وحسب تعميم صادر عن مصلحتي الضرائب والجمارك اللتين تديرهما الجماعة، يبدأ تطبيق الزيادة الأولى في 26 أغسطس (آب) الحالي، على أن تدخل الزيادة الثانية حيز التنفيذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) المقبل.

وتأتي الإجراءات في وقت يعاني فيه الاقتصاد في مناطق سيطرة الحوثيين من الركود وتراجع فرص العمل، بالتزامن مع اتساع الفقر والاحتياجات الإنسانية، وهروب رؤوس أموال، وازدياد أعباء الرسوم والجبايات المفروضة على الأنشطة التجارية.

وحدد التعميم الرسوم الجمركية على الأسمنت الجاهز، سواء كان سائباً أو معبأ في أكياس، عند 20 في المائة، وضريبة المبيعات عند 10 في المائة، على أن ترتفع الرسوم الجمركية في المرحلة الثانية إلى 30 في المائة، وضريبة المبيعات إلى 15 في المائة.

أسواق صنعاء تعاني الركود والجبايات الحوثية المتعددة (إعلام محلي)

وتبرر وزارة المالية ومصلحتا الضرائب والجمارك التابعتان للحوثيين القرار بأنه يهدف إلى حماية المنتج المحلي ودعم الإنتاج الوطني، مع زعمها أن إنتاج الأسمنت المحلي وصل إلى مرحلة الاكتفاء الذاتي.

غير أن هذا التبرير يأتي في وقت توقفت فيه غالبية المصانع الحكومية الثلاثة التي سيطرت عليها الجماعة عن العمل، بعد تعرضها للاستهداف بالصواريخ أو الغارات الإسرائيلية.

وفرضت الجماعة -في إطار ما تسميه حماية المنتج المحلي- حصة تعادل 50 في المائة من الرسوم الجمركية وضريبة المبيعات، واشترطت توريد ضريبة المبيعات نقداً، وبنسبة تحصيل كاملة في جميع المنافذ، إلى جانب احتساب الرسوم على كامل القيمة الجمركية.

ويشير ذلك إلى أن السلع التي تدخل عبر المناطق الخاضعة للحكومة اليمنية ستواجه رسوماً جمركية كاملة، بدلاً من النسبة البالغة 50 في المائة المفروضة على بقية السلع القادمة من تلك المناطق.

سلسلة زيادات

تأتي الزيادة الجديدة ضمن سلسلة من الإجراءات والرسوم التي فرضتها الجماعة الحوثية خلال السنوات الماضية على السلع المستوردة، ما أثار انتقادات من التجار والمستوردين، بسبب انعكاساتها على تكاليف الاستيراد والأسعار.

وفي أغسطس 2023، أصدرت وزارة المالية التابعة للحوثيين قراراً برفع الرسوم الضريبية والعوائد الأخرى على السلع المستوردة عبر المنافذ البرية وميناء الحديدة، لتصل نسبة التحصيل إلى مائة في المائة من إجمالي القيمة الجمركية.

وأبقت الجماعة الرسوم على السلع الواردة إلى المراكز البرية من مناطق الحكومة اليمنية عند 50 في المائة، رغم أن المستوردين يدفعون الرسوم الجمركية كاملة في المنافذ الواقعة تحت سيطرة الحكومة.

الحوثيون دمَّروا مصنع البرح في تعز ونهبوا معداته (إعلام محلي)

وشهدت الفترة اللاحقة زيادات أخرى طالت قطاعات وسلعاً مختلفة. وأشار تقرير لمركز صنعاء للدراسات الاستراتيجية إلى أن سلطات الحوثيين رفعت خلال عام 2024 الرسوم المفروضة على مجموعة من السلع الأساسية المستوردة، بينها الملابس والأحذية والحقائب، إلى جانب فرض مساهمات مالية إضافية على التجار.

وفي يناير (كانون الثاني) 2026، فرضت الجماعة رسوماً إضافية على الأسمنت المحلي تحت اسم «دعم المؤسسة اليمنية للأسمنت»، ورفعت الرسوم بنسبة 50 في المائة، حسب تقارير محلية، وسط تحذيرات من تأثير ذلك على أسعار مواد البناء وتعطيل مشاريع الإنشاء.

تكلفة إضافية على البناء

في ظل هذه الأعباء، انتقد الخبير الاقتصادي اليمني علي التويتي الزيادة الحوثية الجديدة، وقال إنها جاءت بعد فترة قصيرة من قرار سابق رفع الرسوم المحصلة على كيس الأسمنت من نحو 480 ريالاً إلى 700 ريال، في حين يبلغ سعر الدولار في مناطق سيطرة الحوثيين نحو 500 ريال.

ووصف التويتي القرار بأنه «مهزلة»، محذراً من أنه سيؤدي إلى «مزيد من الركود والجوع والبطالة»، في وقت يعاني فيه العاملون في قطاع البناء والمهن المرتبطة به من تراجع فرص العمل وانكماش النشاط الاقتصادي.

منافذ جمركية حوثية على خطوط التماس مع المناطق الخاضعة للحكومة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن ارتفاع تكلفة الأسمنت سينعكس على مشاريع البناء ويقلص الطلب على العمالة، متسائلاً عن جدوى حماية المصانع المحلية عبر فرض مزيد من الرسوم على الأسمنت المستورد، بدلاً من معالجة تكاليف الإنتاج، وتحسين قدرة المصانع الوطنية على المنافسة.

وتتزامن الإجراءات الجديدة مع استمرار الجماعة في فرض رسوم وجبايات متعددة على الأنشطة التجارية، في وقت يعاني فيه معظم السكان في مناطق سيطرتها من انعدام الأمن الغذائي وتدهور القدرة الشرائية.

كما أفضت الأعباء المالية المتزايدة، وفقاً للمادة، إلى إفلاس عدد من التجار وإغلاق آخرين محالهم بعد عجزهم عن تحمل الجبايات المفروضة خارج الرسوم الضريبية والزكوية المحددة قانوناً.