أزغاي: على قطاعاتنا الثقافية أن تصبح مورداً اقتصادياً فعالاً

الشاعر والتشكيلي المغربي يرى أن أغلب المبادرات تستهلك الميزانيات بدل أن ترفدها

عزيز أزغاي
عزيز أزغاي
TT

أزغاي: على قطاعاتنا الثقافية أن تصبح مورداً اقتصادياً فعالاً

عزيز أزغاي
عزيز أزغاي

تزايد الاهتمام في المغرب، خلال السنوات الأخيرة، بموضوع التنمية الثقافية والصناعات الثقافية والإبداعية، بشكل وجد صداه في عدد من الأبحاث والكتابات التي سعت إلى «تسليط الضوء على قضايا الثقافة مفهوماً وإنتاجاً وأشكالاً»، ورصد التوظيف الجديد لما هو ثقافي «وفق الإملاءات الجديدة التي فرضها الواقع المتحول للإنتاج الثقافي، وما رافق ذلك من ظهور لأسئلة جديدة حاولت أن تعكس هذا التحول، طمعاً في الوصول إلى أجوبة تكون قادرة على تأطير عملية التفكير في السؤال الثقافي».
وفي هذا الحوار يتحدث الشاعر والفنان التشكيلي عزيز أزغاي، الذي هو أحد الكتاب والباحثين المغاربة الذين تناولوا الموضوع، وخصوصا في مؤلفه «الثقافة والصناعات الثقافية في المغرب»، عن هذا الموضوع الهام، معتبراً أن الثقافة عامة والصناعات الإبداعية كمظهر من مظاهرها الفعالة، تشكل مدخلاً أساسياً لإعادة النظر في كثير من اختياراتنا وأفكارنا وتصوراتنا، التي أسسناها على منطلقات باتت متجاوزة وعتيقة وغير مواكبة لما يجري في عالم اليوم.
> لماذا الكتابة عن «الثقافة والصناعات الثقافية في المغرب»؟ هل تناول الموضوع فرضته تحولات الداخل أم شروط العلاقة مع الآخر، في عالم يتطور بشكل متسارع؟
- أتصور أن البحث في سؤال الثقافة عامة، والثقافة في المغرب على وجه الخصوص، مسألة بديهية، بل طبيعية، بالنظر إلى ما يمثله هذا الموضوع من أهمية مركزية في تأطير كل مناحي حياتنا اليومية، وبالتالي، سوف لن يكون إلا إضافة نوعية لما ينتج يوميا من بحوث ودراسات متخصصة، من قبل مفكرين ودارسين وكتاب وفنانين ومبدعين، بل أيضاً من قبل بعض طلبة الجامعة، ممن يملكون حسا نقديا وحاسة ذكية في مقاربة إشكاليات يفرزها هذا المبحث كصدى للواقع الذي ينتجه.
غير أن اختياري البحث في موضوع الثقافة المغربية في بعده التصنيعي / الاقتصادي، فرضته مجموعة من الإملاءات، لعل أهمها المكانة البارزة التي بات يحتلها نشاط «الصناعات الثقافية» في عالم اليوم، وهو مفهوم ظهر منذ أزيد من نصف قرن، قبل الانتقال، لاحقاً، إلى الحديث عن «الصناعات الإبداعية»، كمفهوم متقدم ودقيق، أكد فعاليته داخل اقتصادات عدد من الدول المتقدمة.
من هنا كان تفكيري منصباً نحو طرح إشكاليات وأسئلة تعنى بهذا الجانب، أكثر من السعي وراء إيجاد أجوبة أو حلول عن سبب تخلف قطاعاتنا الثقافية، وعجزها عن مواكبة متغيرات عالم القرن الحادي والعشرين، أي أن تصبح موردا اقتصاديا فعالا داخل بنية باقي الفروع الاقتصادية التقليدية المدرة للثروة. وأظن أنها محاولة بقدر ما أعتبرها طموحة، بقدر ما أعي حدودها المعرفية، لكوني لست خبيرا في الموضوع، لكنني مهتم، بهذا القدر أو ذاك، ببعض قضاياه القطاعية.
ومن بين هذه القضايا اخترت تناول موضوع صناعة الكتاب وتداوله. وفي تقديري، فإن هذا الاختيار/ النموذج، أملته ضرورة البدء من البسيط المتاح، قبل تكريس مجهود بحثي جديد لمجال آخر، قد يعنى بالمجال الفني عامة، وبالفن التشكيلي على وجه الخصوص.

علاقة ملتبسة بالقراءة

> لماذا اختيار البدء من «البسيط المتاح» وتناول «صناعة الكتاب»، قبل أي مجال آخر؟
- نحن أمة لدينا علاقة خاصة، بل تكاد تكون ملتبسة، بفعل القراءة. فأول آية نزلت على النبي محمد - صلى الله عليه وسلم - كانت تأمره، ومن خلاله تابعيه، بالقراءة، وفي مقابل ذلك، وبعد أزيد من أربعة عشر قرنا، نجد العرب المسلمين يقعون في أسفل قائمة ترتيب الأمم القارئة. هذه المفارقة جعلتني أوجه اهتمامي إلى موضوع الكتاب، ومن خلاله إلى إشكالية منسوب القراءة، خاصة في المغرب، ومحاولة ربطه بالأسباب الموضوعية والذاتية، التي كرست هذا الوضع البائس.
لا شك أن هناك أسبابا عدة تضافرت لتفرز هذه الحالة المريبة، لعل أبرزها غياب تصورات رسمية واضحة تعنى بموضوع القراءة وتداول الكتاب، وهو غياب يجد بعض تفسيره في طبيعة النظام السياسي المغربي، وحكوماته المتعاقبة - منذ الاستقلال وإلى حدود تسعينات القرن الماضي - الذي كان ينظر إلى الثقافة عامة وإلى بعض توابعها، باعتبارها ترفا أو «دودة زائدة»، بل سلاحا قد يوجه ضدها، في شكل وعي نقدي شقي مضاد، كلما اتسعت رقعته وكثر رجالاته. من هنا كانت الميزانيات التي ترصد للشأن الثقافي، وحتى حدود اليوم، لا تصل إلى نسبة الواحد في المائة من الميزانية العامة للدولة!
هذا الواقع هو الذي أملى علينا إيلاء الاهتمام، أولا، إلى موضوع الكتاب وصناعته، باعتباره مدخلا لتشجيع القراءة وتوسيع دائرتها من جهة، ثم لأهميته المركزية، من جهة ثانية، في خلق وعي متقدم قد يساهم في حلحلة الأمور، وإثارة الانتباه إلى الأسباب الذاتية والموضوعية التي جعلت منا بلدا يساهم، عن وعي أو دون وعي، في تكريس الأمية والجهل ومعاداة القراءة والكتاب، وهذا، فقط غيض من فيض.
> لكن، هل يمكن أن نتحدث، اليوم، عن «صناعات ثقافية» في المغرب، في وقت يتم فيه الحديث عن «غياب سياسة ثقافية»؟
- على الرغم من بعض المبادرات الإيجابية، التي اتخذها بعض وزراء الثقافة المغاربة السابقين، أمثال محمد بن عيسى ومحمد الأشعري وثريا جبران ومحمد أمين الصبيحي، مثل اتخاذ قرار تنظيم المعرض الدولي للكتاب في مدينة الدار البيضاء ومعارض الكتاب الجهوية، وتحويلها إلى مواعيد سنوية قارة، وسن سياسة الدعم الخاصة بمجال النشر ودعم الفنون، وخلق الفرق المسرحية الجهوية ودعم منتجها الفني وغيرها من المشاريع الطموحة، فإن مفعول مثل هذه المبادرات الإيجابية يبقى محدوداً وغير كاف، ولا يرقى، بالتالي، إلى مستوى الحديث عن سياسة ثقافية بالمعنى الذي كرسته كثير من الدول المتقدمة. فأغلب هذه المبادرات والمشاريع التي أتيت على ذكرها، لا تزال تستهلك الميزانيات أكثر من تحولها إلى قطاعات مدرة للثروة. وسأعطيك مثالا واحدا فقط على هذا الخلل. فأهم كاتب مغربي قد لا تتجاوز مبيعات كتبه عتبة الألف نسخة في السنة! هذا دون أن أتحدث عن القاعات السينمائية، التي أصبح معظمها ذكرى تنتمي إلى الماضي. وأكاد أستثني، عدا هذين المثالين، قطاع الفنون التشكيلية، الذي عرف انتعاشة كبرى في سنوات التسعينات وحتى نهاية العشرية الأولى للألفية الثالثة، بسبب دينامية القطاع البنكي وأصحاب القاعات الخاصة، قبل أن يشهد هو الآخر، وإلى اليوم، ركودا كبيرا بسبب «موضة» تداعيات الأزمة المالية النفسية على القطاع الفني في بلادنا. فهل يحق لنا، في ضوء هذه الوضعية الغريبة، الحديث عن صناعة ثقافية مغربية؟ مجرد سؤال لا يخفى على المتتبع جوابه.
> تتحدثون، في مؤلفكم، عن مفهوم «الصناعات الإبداعية» كمفهوم جدید ارتبط بثلاثة میكانیزمات أساسیة، هي: التكنولوجیات الحدیثة والإنتاج ثم إعادة الإنتاج؟
- مفهوم «الصناعات الإبداعية» سقته، في متن الدراسة، على سبيل التعريف بالشيء والاستئناس بأسئلته وبطموحه الاقتصادي ليس إلا. إنه مرحلة متقدمة وصل إليها الوعي الاقتصادي الغربي باعتباره جيلا جديدا من الحلول الاقتصادية الناجعة، التي أفرزتها ميكانيزمات التكنولوجیات الحدیثة ودورة الإنتاج وإعادة الإنتاج، داخل المجتمعات المتقدمة. نحن نتحدث عن دينامية تفكير خلاق متواصلة، ومتجاوزة، ومبتكرة، تسعى إلى تجاوز نفسها وفرض إملاءاتها على الآخرين من أمثالنا. أين نحن من هذا الطموح الذي بات يتحكم في الأرض ويوجه الأذواق والاختيارات!

الكتاب الورقي والإلكتروني

>برأيكم، كيف انعكس الواقع المتحول المرتبط بالتكنولوجيات الحديثة على مستوى الإنتاج الثقافي؟
- سبق للعالم السيميائي العظيم أمبيرتو إيكو أن تناول، في أحد حواراته الشيقة، هذا الموضوع بغير قليل من الإسهاب. وقد أشار في معرض حديثة عن الكتاب وعلاقته بالتكنولوجيات الحديثة، ويقصد بذلك علاقة الكتاب الورقي بالإلكتروني، إلى أن هذه العلاقة يتم تمثلها بكثير من التسرع والتهافت والجهل. وقد أكد، في هذا السياق، أن الحديث الرائج عن هيمنة الكتاب الإلكتروني عن الكتاب الورقي فيه مبالغة وهمية، حيث برهن على ذلك بما يطبعه بلد كفرنسا سنويا من كتب تلقى رواجا منقطع النظير، كما ساق، في الاتجاه نفسه، مثالا آخر يتصل بوسائل النقل حديثها وقديمها. وتساءل، بما معناه: هل أدى اختراع الطائرة إلى زوال الحافلات والقطارات والعربات التي تجرها الدواب؟ إنه منطق ينسحب على الكتاب، بكل تأكيد.
> تتحدثون عن العولمة وتكريس نوع من اللا تكافؤ بين الدول في كل الأسواق العالمية التي تعنى بالاقتصاد الثقافي. فهل نحن مجبرون على مواكبة ما يجري، عالمياً؟
- بكل تأكيد. العولمة تيار حضاري وثقافي وتكنولوجي جارف، إن لم نجتهد في تحضير أنفسنا لإملاءاته، وإن لم نكيف خصوصيتنا مع ما يقدمه إلينا، يوميا، في شكل أفكار ومخترعات وموضات ومنتجات عابرة للقارات، سوف نجد أنفسنا متجاوزين بل أسرى إملاءاته. ولقد سبق للباحثين المغربيين محمد عابد الجابري وعبد الله العروي أن ناقشا هذا الزحف الهائل للعقل الغربي على العالم، وعلينا كعرب مسلمين بالتحديد، في سياق الحديث عن الحداثة وتمظهراتها في عالم متحول.
فإذا كان التاريخ يكتبه المنتصرون، فإن البقاء، في عصرنا هذا، والكلمة العليا المسموعة، لن تكون إلا للاقتصادات المتطورة، وللأسواق النشطة. من هنا تشكل الثقافة عامة و«الصناعات الإبداعية» كمظهر من مظاهرها الفعالة، مدخلا أساسيا لإعادة النظر في كثير من اختياراتنا وأفكارنا وتصوراتنا، التي أسسناها على منطلقات التي باتت متجاوزة وعتيقة وغير مواكبة لما يجري في عالم اليوم.



رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان
TT

رواية بطابع كلاسيكي تُحوّل كاتباً شاباً إلى نجمٍ

نيليو بيدرمان
نيليو بيدرمان

يحتفظ الكاتب السويسري نيليو بيدرمان، البالغ من العمر 22 عاماً، بذكرياتٍ غريبةٍ عن زياراته لممتلكات عائلته القديمة في طفولته. فرغم نشأته في عائلةٍ متوسطة الحال في زيوريخ، فإن والده ينحدر من عائلةٍ أرستقراطيةٍ في المجر، كانت تبيع المجوهرات للعائلات المالكة في وقتٍ ما، لكن النظام الشيوعي صادر ممتلكاتها لاحقاً.

يتذكر بيدرمان في مقابلةٍ حديثةٍ قائلاً: «كنا نسافر دائماً إلى القلاع التي كانت ملكاً لنا»، واصفاً إياها بأنها «تشبه قلاع القصص الخيالية». وقد تحوّلت إحدى هذه الممتلكات إلى مصحةٍ للأمراض النفسية، وزُيّنت جدرانها بصورٍ لأجداده، يقول: «كان الناس هناك يعرفوننا، ولم أستطع التماهي مع ذلك». ساعدت هذه التجربة بيدرمان على البدء بكتابة روايته «لازار»، التي تدور أحداثها حول عائلة أرستقراطية، عندما كان لا يزال مراهقاً.

نُشرت الرواية في ألمانيا في سبتمبر (أيلول) الماضي، وحصدت سيلاً من الإشادات النقدية («ملحمية، مأساوية، ومؤلمة، عاصفة، حالمة، ورومانسية للغاية»، كما كتب أحد النقاد في صحيفة «زود دويتشه تسايتونغ»، إحدى أكبر الصحف اليومية في البلاد).

بقيت الرواية 29 أسبوعاً على قائمة الكتب الأكثر مبيعاً في ألمانيا، محولةً مؤلفها الشاب (بشكل مثير للدهشة) إلى نجم أدبي بين ليلة وضحاها، وقورنت برواية «آل بودنبروك»، الملحمة العائلية لتوماس مان عام الصادرة عام 1901. وتنشر دار «ساميت بوكس» ​​ترجمتها باللغة الإنجليزية هذا اليوم، الثلاثاء.

كيف يكتب مراهق رواية تاريخية؟

منذ الخريف، بدت وسائل الإعلام الألمانية مهووسة بسؤال كيف يمكن لمراهق أن يكتب رواية تاريخية تقليدية واسعة النطاق. قال بيدرمان، وهو يحتسي شاي الأعشاب في مقهى وسط زيوريخ: «يتوقع معظم الناس أن يكون أول كتاب للشاب عن حياته... لكن حتى لو تجاهلنا سني، فقد وجد الناس أن أسلوب الكتاب ولغته قديما الطراز، وهذا أمر مثير للاهتمام».

ساعدت الواقعية السحرية بيدرمان على كشف خيوط القصة، يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع».

يتميز بيدرمان بتواضعه الشديد في حديثه، فهو طويل القامة، هادئ الطباع، ذو شارب خفيف وقصة شعر متدلية شائعة بين شباب جيل زد السويسريين. ويقول إنه بدأ كتابة الروايات عندما كان في الحجر الصحي خلال الجائحة، ونظمت مدرسته الثانوية مسابقة كتابة حول «نهايات العالم». فازت قصته القصيرة، التي تتناول شاباً يُفكّر بالانتحار، بالجائزة الكبرى وقيمتها 200 فرنك، أي ما يُعادل 250 دولاراً أميركياً تقريباً، و«كان مبلغاً كبيراً»، مُضيفاً أنه دفعه للتفكير في مشاريع كتابة روائية أكثر طموحاً.

وكما في رواية «آل بودنبروك»، تتناول رواية «لازار» أجيالاً مُتعددة من عائلة واحدة، عائلة فون لازار، التي تحمل الرواية اسمها، التي تُواجه أحداثاً مُضطربة في المجر بين عامي 1900 و1956. تبدأ الرواية في ضيعة ريفية، مع ولادة لايوش، وهو صبي ذو بشرة «شفافة»، لبارون يُدعى ساندور وزوجته ماريا. تنقلب حياتهم، إلى جانب حياة طفلي لايوش، بيستا وإيفا، رأساً على عقب بسبب الحربين العالميتين، وتفكك الإمبراطورية النمساوية المجرية، والقمع الشيوعي.

يتميز الكتاب بنطاقه التاريخي وطابعه الصوفي أحياناً - فبغض النظر عن بشرة لايوش الشفافة، تقع ضيعة العائلة بجوار غابة تبدو سحرية تبتلع أفراد العائلة. ويبدو أن أسلوبه يستحضر الأشباح، ما دفع القراء إلى مقارنته ليس فقط برواية «مارش راديتسكي» لجون مان وجوزيف روث، بل أيضاً برواية «مائة عام من العزلة» لغابرييل غارسيا ماركيز.

أتاحت عناصر الواقعية السحرية لبيدرمان حرية أكبر في تخييل أحداث حقيقية. يقول: «كانت محاولاتي الأولى قريبة جداً من الواقع. شعرت بالذنب، لأنني كنت أتساءل عما إذا كان مسموحاً لي حتى بتغيير تاريخ العائلة»، ويضيف موضحاً أن النبرة الصوفية منحته المسافة اللازمة «للكتابة كما أريد».

ويعتزم توم تيكوير، مخرج فيلم «اركضي يا لولا اركضي»، المشارك في ابتكار المسلسل التلفزيوني «بابل برلين»، تحويل الرواية إلى فيلم. وفي بيان أعلن فيه عن هذا التحويل، وصفها بأنها «رواية تأخذنا في رحلة عبر تقلبات الحياة - والحب - وتجعلنا سعداء بطريقة مؤثرة، بشكل مثير للقلق في وقت ذاته».

في مقابلة، قال آدم سوبوتشينسكي، محرر قسم الأدب في صحيفة «دي تسايت» الألمانية، إن الضجة التي أثيرت حول الكتاب تعود جزئياً إلى التباين بين عمر بيدرمان و«اتساع نطاق الرواية وعمق منظورها التاريخي».

وأوضح أن روايات العائلة مثل «لازار» تحظى بشعبية خاصة في ألمانيا «بالتحديد لأن العديد من العائلات هنا، لأسباب مختلفة، تشتتت أو تورطت في الحرب». وأشار إلى أن الكتاب يتناول جزئياً فترتين لا تزالان محوريتين في الهوية الألمانية: النازية والستالينية.

* خدمة «نيويورك تايمز»


الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية
TT

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

الشاعرة الويلزية مينا إلفين بالعربية

عن مؤسسة «هِم» في ويلز، صدرت ترجمة عربية لكتاب «فلنَدَع شعوب العالم تغني» عن الويلزية. ويضم الكتاب قصائد مختارات من عدة مجموعات لمينا إلفين، وهي شاعرة وكاتبة مسرحية ويلزية حائزة على جوائز، تكتب باللغة الويلزية، وتُرجمت أعمالها إلى أكثر من ثماني عشرة لغة. نشرت أربعة عشر مجموعة شعرية، وروايات للأطفال، ونصوصاً أوبرالية لملحنين بريطانيين وأميركيين، بالإضافة إلى مسرحيات للتلفزيون والإذاعة. أحدث مجموعاتها ثنائية اللغة هي: «بوندو» (2017) و«مورمور» (2012)، الصادرتان عن دار «بلوداكس بوكس»، وقد اختيرت الأخيرة ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر في خريف 2012، لتكون بذلك أول مجموعة شعرية ويلزية مترجمة إلى الإنجليزية تُختار لهذا الغرض.

* حصلت على جائزة أنيما إنترانزا الدولية للشعر الأجنبي عام 2009، وعلى العديد من الجوائز، منها جائزة كتاب العام عن مجموعتها الشعرية «أديرين باخ ميون لاو» (عصفور في اليد) عام 1990، كما وصلت إلى القائمة النهائية للجائزة نفسها عن مجموعتها «قبلة الرجل الأعمى» (كوسان دين دال) عام 2001، واختيرت مختاراتها الشعرية التي شاركت في تحريرها مع جون رولاندز ضمن قائمة الترجمات الموصى بها من قبل جمعية كتاب الشعر عام 2003).

وبرزت مينا إلفين كواحدة من أكثر الشخصيات الأدبية الويلزية تميزاً وأهمية. وهي من الشخصيات البارزة. ويطرح عملها رؤية ثاقبة لقضايا الهوية واللغة والانتماء، تمثل مزيجاً نادراً من القومية اللغوية والاتزان الشعري، خالقةً شعراً يتردد صداه على المستويين الشخصي والسياسي.

لا تقتصر مكانة إلفين الشعرية في ويلز، بل لعبت أيضاً دوراً محورياً في الشعر البريطاني على نطاق أوسع.

وُلدت مينا إلفين في ويلز عام 1952، وهي أمة غنية بتقاليدها الشفوية وتاريخها العريق في التعبير الشعري. وتشكل الثقافة الويلزية، بتأكيدها العميق على الأغنية والشعر والحفاظ على الهوية من خلال اللغة، الركيزة الأساسية لأعمال إلفين الأدبية.

ومنذ نعومة أظفارها، انغمست إلفين في إيقاعات اللغة الويلزية وجمالها. وقد أثَّر هذا الأساس اللغوي في حياتها وشعرها. في شبابها، انخرطت في النضال من أجل تكريس اللغة الويلزية في الحياة العامة، والشعر بالنسبة لها ليس مجرد جمالية، بل هو فعل مقاومة وبقاء وتأكيد على الذات.

ترجمة القصائد إلى العربية روان سكر، ولارا متّى.

ضمت هذه المختارات 31 قصيدة اختيرت من مجموعات سابقة نشرتها دار «بلوداكس بوكس». وكتبت أصلاً باللغة الويلزية، ثم تُرجمت إلى الإنجليزية، وتتُرجم لأول مرة إلى العربية.

من الكتاب:

حلقات النمو

أبصر كيف يتفتح الأطفال

بعناية الأشجار

وكيف تتفشى الاستعارات

من البني والأخضر

الجذع مركب

يحملهم على التوهج

والفرع معبر

لاقتحام السفينة

بساط الثوم البري

بحر فوار، والقراّص

ينحشر في مبرد الريح

وبرحمة،

تنحني الأغصان لرتق التداعي

لتستلّ بلسماً لتكوي اللحاء

من التقرحات تسيل الدماء،

وفي تخطو الصبية

راغبة عن المرج

ترتد الاستعارات

إلى كينونة الأشجار

وفي المقابل

تفري العوارض بصيرتنا النافذة.


«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر
TT

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

«ترف الانكفاء»... إنسان كهف معاصر

في روايته «ترف الانكفاء» (دار الآداب - بيروت)، يقدّم الكاتب والروائي السعودي وائل هادي الحفظي بطله بوصفه نتاجاً لقوى متقاطعة؛ فهو ابن الصدمة المبكرة، والوعي المفرط، وعالمٍ تحكمه الكليشيهات، والرأسمالية المُتغوّلة.

منذ البداية، لا يضع الكاتب بطله في مسارٍ حكائي تقليدي، بل يقدّمه وقد اتخذ قراراً ثورياً بهجر عمله المكتبي، والاعتزال طوعاً داخل شقته التي لا تتجاوز تسعين متراً لمدة أسبوعٍ كامل، ليجد نفسه في مواجهة اختبارٍ شاقٍ لعلاقته بنفسه وبالعالم.

في هذا الفضاء المغلق، لا يتحرّك البطل عبر أحداث، بقدر ما يتحرّك داخل وعيه نفسه، وعلاقته بالأشياء والقيم، فيقرّر أن يتخلّى عن مُنبّهه الذي «يصرخ» كل صباحٍ، بالتوازي مع تخليه عن وظيفته المكتبية، في محاولةٍ للانسحاب من إيقاعٍ قسريٍ يشبه في بنيته «عجلة الهامستر»، حيث يصبح الركض شرطاً للبقاء، ويغدو التوقف عنه مجازفةً بالحياة.

وعبر ضمير المتكلم الذي يُلازم النص، يتكشف عالم هذا البطل المشحون ضد الخارج؛ إذ يحمل داخله رفضاً متراكماً يتحول إلى نفورٍ صامت يدفعه إلى الانسحاب داخل قوقعته. وهكذا لا يواجه العالم بالتصادم معه، بل بالابتعاد عنه، حين يقرّر ترك وظيفته الآمنة، باحثاً عن أخرى وراء شاشةٍ تكفل له الحد الأدنى من البقاء. غير أن هذا الانسحاب لا يخفّف وطأة التجربة، بل يزجّ به في اختباراتٍ أكثر صخباً مع ذاته.

يُطوّع الكاتب لغة السارد بوصفها أداةً لهذا الاختبار، في محاولةٍ لضبط إيقاع وعيه المتسارع، الذي يتحول إلى مختبرٍ لتصفية الأفكار وفق منطق فرزٍ حادٍ لا يخلو من غضبٍ، يميّز بين ما يستحق البقاء وما يمكن الاستغناء عنه. ويعكس عنوان الرواية هذا المنطق بدوره، حيث يتبدّى «الانكفاء» كتعبيرٍ مشحونٍ بحساسيةٍ شعرية، تماثل حركة بطلٍ يختار الانكفاء والاكتفاء على السواء، وهو يعيد تموضعه خارج العالم، نشداناً للخلاص عبر العزلة والكتابة.الإنسان المعاصر والحجري

يترك السرد للبطل سجيته عبر تداعٍ حرٍ طليق، وفي الوقت نفسه يتخذ من التلكؤ إيقاعاً يحاكي ضيق المكان الذي يضع فيه نفسه طواعية. في هذا التوتر بين الانسياب والبطء، تبدو حمولة البطل المعرفية عبئاً عليه، إذ تمرّ عبر وعيه مصطلحات مثل «الاحتراق الوظيفي»، الذي يُشخَّص به، محمّلةً بدلالاتها المجازية والنمطية، كواحدة من سجون اللغة المُعلّبة التي نتعاطى معها، أو تعبير «سيكولوجية الإنسان الحداثي»، بوصفه محاولةً لإعادة تسمية التجربة دون فهمها. في المقابل، يصك البطل لغته الخاصة، كما في تعبير «حداً ائتمانياً للتحمّل»، حيث تُفهم المشاعر عبر قاموسٍ اقتصادي، في إشارة إلى تغلغل منطق السوق حتى في إدراك الذات.

في هذا السياق، يُجادل البطل «ماسلو» وهرمه الشهير، متسائلاً عن معنى الاحتياجات الإنسانية، بينما يحاصر نفسه داخل شقته لمدة أسبوعٍ كاملٍ، مختبراً مفهوم الاحتياج ذاته لا بوصفه نظرية مُجردة بل تجربة معاشة.

ومن هنا، يمدّ النص خيطاً بين هذا الوعي بمنطق الاستهلاكية، وصراع الإنسان الأبدي مع البقاء، فيقول: «أظن أنني، عندما أقوم بهذا الفعل الاستهلاكي، لا أفرق كثيراً عن إنسان العصر الحجري»، ليضع الإنسان المعاصر والحجري في كفتي ميزان؛ فكما كان الأول يصطاد بدافع البقاء، يبدو البطل وكأنه يعيش داخل منظومة صيدٍ من نوعٍ آخر، لا يقوم به بل يُمارس عليه. يتجلّى ذلك عبر ومضاتٍ يومية: «تساءلت إن كان اليوتيوب يعرف عن آلام ظهري وحالتي النفسية أكثر مني؟»، حيث تتحوّل الخوارزميات إلى صيادٍ حديث، يلتقط الإشارات الدقيقة للاحتياج، ويعيد توجيهها في صورة منتجات، كأن البطل بانسحابه من العالم، يُحاكي إنسان الكهف، لكن في مفارقة لافتة؛ فبينما كان الأول يصطاد ليبقى، يحاول البطل أن ينجو من كونه هدفاً للصيد داخل منظومته المعاصرة.

ماكينة خياطة

يُطل بنا النص على طفولة البطل، فتتبدّل معها اللغة والنبرة؛ حيث يستعيد العالم عبر حواس طفلٍ في الثامنة؛ من خلال صوت ماكينة خياطة الأم، ورائحة السدر، وكوب اللبن الصباحي الذي يكشف غيابه ذات صباحٍ عن موت الأم، فيصير تدريباً أول على التماهي مع لغة الأشياء، فيقول: «ما أعرفه حقاً، أنا وآلة الخياطة، هو أن أمراً ما قد حدث»، بينما يتجلّى وراء صدمة الفقد منطق التعلّق لدى الطفل في أبسط صوره: «ما أعرفه أن الأطفال لا يستطيعون العيش بدون أمهاتهم».

لا يطرح النص هنا الفقد كحدث، بل باعتباره اختلالاً كاملاً في النظام، يكفي وحده لإعادة تشكيل العلاقة بالعالم في ضوء الاستسلام لمنطقها، حيث «الحياة لا تكترث لجاهزيتك» كما يقول البطل، الذي تبدو حياته ومنطقه في الاستغناء ردّ فعلٍ لذلك الاكتشاف المبكر.

وتكشف لغة السرد تشبّعه بمحاولات فهم حياته عبر نظرياتٍ كـ«أثر الفراشة» و«الدومينو»، حيث يكفي سقوطٌ واحدٌ حتى يتبعه كل شيءٍ، ليقوده هذا الإدراك إلى سخريةٍ واعية، ومحاولاتٍ للتكيّف مع عالمٍ محكومٍ بمنطق القسوة والسوق، تجعله «يفكر بجيبه».

لا يفقد النص، الذي يحتفظ بتداعيه الحر، خيطه الداخلي بل يعيد تشكيل إيقاعه تدريجياً مع بدء تواصل البطل مع طبيبة نفسية إلكترونياً، ومن خلال مجادلاته المتقطعة معها، تبدأ ملامح أعمق للبطل في التشكل، كاشفةً عن تصوراته للحب والحياة والفقد.

غير أن هذا الانفتاح لا يكسر الدائرة، بل يعمّقها؛ فمنذ تصدير الرواية ببيت المعري: «تعبٌ كلّها الحياة، فما أعجبُ إلا من راغبٍ في ازدياد»، يتبدّى البؤس بنية وجودية مستمرة، يُعاد إنتاجها داخل الوعي، فلا تخرج المشاعر عن مدارها، بل تعود إليه في كل مرة، حيث يتجاور الحزن مع ما يبدو نقيضه، ويصدران عن المصدر نفسه: «ولا نحزن إلا من حيث نسعد».

هكذا، لا يبدو الاستغناء في النص اختياراً بسيطاً بقدر ما ينكشف بوصفه «ترفاً» له تكلفته الباهظة، على نحو ما يُحيل إليه عنوان الرواية نفسه. فكما أن الانخراط في العالم له ثمنه، فإن الانسحاب منه لا يخلو من خسائر، وبين هذين الحدّين، لا يسعى السرد إلى تبرير هذا الاختيار بقدر ما يضعه موضع مساءلة: «فكم من الخسائر كان عليك أن تتجنب حتى تعيش؟».