«صحافة السلام» تستعيد دور الإعلام الحقيقي في لبنان

«صحافة السلام» تستعيد دور الإعلام الحقيقي في لبنان
TT

«صحافة السلام» تستعيد دور الإعلام الحقيقي في لبنان

«صحافة السلام» تستعيد دور الإعلام الحقيقي في لبنان

لا يختلف اثنان على أن واقع الإعلام في لبنان مرير للغاية، حيث تخوض القنوات الإعلامية بمختلف أنواعها حرب باردة يومية، فتعتبر منابر سياسية ناطقة باسم مموليها من أصحاب القرار السياسي في البلاد، وتمارس هذه الوسائل دورا ترويجياً للأحزاب والتيارات وأجنداتها السياسية والآيديولوجية، أكثر من الدور الإعلامي. وفي مواجهة لهذه الحالة المرضية المتفشية في معظم الصحافة اللبنانية، جاءت «صحافة السلام» عبر منظمة إعلام للسلام، لتستعيد دور الإعلام الحقيقي، وتسعى للتغيير عبر نشر أسس الصحافة المحايدة، ومبادئ السلام، في بلد يفتقد الأمان منذ عقود من الزمن.
غالبا ما تلعب وسائل الإعلام عموما، والصحافة خصوصا دورا مهما في تأجيج حمى النزاعات بمختلف أشكالها ودرجاتها، بل غالبا ما تتهم هذه الوسائل بأنها المسؤولة عن سفك دماء الأبرياء، وجر البلدان إلى سوح المعارك، لكتابة مآس جديدة تضاف إلى سجل الماسي التاريخية، خاصة في لبنان. فبداية، ما معنى «صحافة السلام»؟
يفيد الأستاذ المساعد لآداب الاتصال في كلية الآداب والعلوم السياسية في جامعة بارك الأميركية ستيف يونغبلود، أن صحافة السلام هي إعطاء الصوت لمن لا صوت له، لافتا إلى أن الإعلامين الغربي والعربي غير حياديين، «إن الإعلام الأميركي ضحية للإعلام التقليدي، ويعتمد على العنصر والجنس، وهناك نظرة عنصرية للأميركان (السود) من جهة الإعلام، كما يتناول الإعلام اللبناني اللاجئين السوريين بطريقة مغلوطة وغير منصفة، فكل طائفة تمتلك محطة تلفزيونية جعلتها المنبر الناطق باسمها، والمحرك لجماهيرها، مستغلة بأسلوب سلبي مساحة الحرية التي يكفلها الدستور».
ويؤكد يونغبلود أنه كثيرا ما تلعب وسائل الإعلام دورها المشهود في تأجيج وشحن الأوضاع، وصب الزيت على نيران الصراعات، فيجب أن نعمل على انتشار ثقافة صحافة السلام التي تحمل في سطورها الكثير من المياه لإطفاء النيران المتعاظمة بنقل الحقائق كما هي، دون انحياز لطرف على حساب الآخر، وعدم التلاعب بعواطف الجماهير من خلال استخدام كلمات عاطفية مثل «مأساة» أو «أبرياء» في سبيل تحقيق الفوز والحسم.
ولنلقي الضوء أكثر على مفاهيم صحافة السلام، قمنا بطرح عدة أسئلة على مؤسسة ورئيسة منظمة إعلام للسلام في لبنان، الآنسة فانيسا باسيل:
* بداية، ما مفهومك لصحافة السلام؟
- صحافة السلام مفهوم قديم وجديد معا، بدأ في أوروبا وأميركا وتحاول منظمة إعلام للسلام نشر مبادئه في لبنان ومنطقة الشرق الأوسط. صحافة السلام فكرة، وطريقة تتبع بتغطية الأخبار والأحداث. هي مدرسة في الصحافة تتخصص في تغطية النزاعات والحروب بشكل محايد وموضوعي، حيث يحاول صحافيو السلام التخفيف من حدة الأزمات والمواقف، عبر نقل الأوجه الإيجابية للأحداث مهما كانت.
صحافة السلام تعنى بتفسير أسباب النزاع، وليس بتغطية النزاعات فحسب. هي تغطية إيجابية، حساسة، وبناءة قدر الإمكان.
* ما هي «منظمة إعلام للسلام» أو «ماب»؟
- «ماب» منظمة شبابية غير طائفية وغير سياسية، وهي الأولى من نوعها في لبنان والشرق الأوسط وشمال أفريقيا كمنظّمة متخصصة في العمل على مفهوم صحافة السلام.
تكوّنت مجموعة صحافيي السلام من المشاركين في ورشتَي العمل التدريبيّتَين عن صحافة السلام، اللتين نظّمتهما رئيسة المنظمة فانيسا باسيل في أبريل (نيسان) 2011 و2012، وساهم في تأسيسها إلى جانبي مجموعة من صحافيي السلام الشباب اللبنانيين الذين جمعهم همّ تداعيات التغطية الإعلاميّة على السلم الأهلي في لبنان، والذين استوحوا اسمها من تعريف صحافة السلام: «صحافة السلام كمقاربة تمنح خريطة طريق جديدة ترسم الروابط بين الصحافيين، مصادر معلوماتهم، الأخبار التي ينقلونها وتداعيات تغطياتهم، وأخلاقيات التدخل الصحافي».
كما أننا نعمل على نشر أسس السلام بشكل عام، وننطلق منها للتعمق أكثر بربط السلام والصحافة معاً.
* خريطة العمل
- تحاول «ماب» بناء وتعزيز قدرات الصحافيين عبر توجيههم وتدريبهم على أسس التغطية بحيادية وإيجابية. وتقوم المنظمة بعملها عبر تنظيم ورش عمل ومؤتمرات تتمحور حول مفهوم صحافة السلام، وطرق تطبيقها خاصة في لبنان. كما أن «ماب» تقوم بحملات مناصرة في الجامعات والمعاهد وضمن مؤسسات إعلامية عدة، كما وتتعاون مع أساتذة صحافة وعمدة كليات إعلام، ذلك لنشر رسالتها بشكل واسع وعملي.
* ما آخر نشاطات المنظمة للترويج لهذه المبادئ، وماذا ينتظركم؟
- لـ«ماب» نشاطات عدة على مدار السنة، أبرزها ورشة العمل السنوية التي تعرَف متدربين ومشاركين جدد على أسس ومفهوم صحافة السلام، وتسمح لهم بالاختلاط مع صحافيين ومدربين ومختصين في مجال التواصل والإعلام. وأقامت المنظمة هذه السنة ورشة العمل السنوية تحت عنوان: «تغطية اللجوء السوري في لبنان» حيث درس الحضور طريقة التغطية التي قامت بها معظم القنوات الإعلامية اللبنانية، كما قمنا بتدريب المشاركين على الأسس المثلى التي يجب أخذها بعين الاعتبار عند تغطية أزمات مماثلة. فهذه الأزمة تتطلب الوعي من قبل اللبنانيين والسوريين على حد سواء، لأنهما معا معنيان بالنزاع.
ونسعى من خلال عملنا إلى توسيع نشاطاتنا لتطال العالم العربي أجمع، حيث إن لـ«ماب» علاقات ونشاطات متعددة مع منظمات شبابية وإعلامية في أوروبا وأميركا. فهدفنا هذه السنة الوصول إلى شباب العالم العربي، والتعاون مع مؤسسات ومنظمات عربية. أما في لبنان، فهدفنا الوصول إلى عدد أكبر من الصحافيين والعاملين في مجالات الإعلام المختلفة، بغية تثقيفهم حول فكرة صحافة السلام، وكيفية تطبيقها.
* النزاع مقابل العنف
أضافت باسيل أن: «المشكلة في مناطق الشرق الأوسط عموما، ولبنان خصوصاً ليست بالنزاعات، فالنزاع أمر طبيعي وجزء أساسي من حياتنا اليومية. أما المشكلة الحقيقية هي في طريقة تعاملنا مع هذه النزاعات».
وأكملت قائلة: «علينا التعامل مع النزاعات بطريقة بناءة، وخالية من العنف. وهنا، أشير إلى أن العنف لا يُختصر بالنزاعات المسلحة فقط، بل هناك عنف معنوي وثقافي واجتماعي يمارس علينا يوميا».
والسؤال البديهي الذي يبقى عالقاً في أذهاننا، هل من مكان حقيقي لـ«صحافة السلام» اليوم ضمن المشهد الإعلامي اللبنانيّ؟ الجواب الموضوعي أنّ ذلك صعب للغاية، فافتتاحيات الصحف، كما مقدّمات النشرات الإخبارية، تضجّ بـ«البروباغندا» السياسية، التي تخدم مصالح مالكي هذه المؤسسات من مختلف الأحزاب والتيارات. وغالباً ما ينجرف كثيرون من الصحافيين اللبنانيين وراء السبق الصحافي خلال النزاعات الداخلية، متناسين أن كل مكاسب الصراع، أي صراع، ستصب عاجلاً أم آجلاً في مصلحة كبار المسؤولين، ليس إلا. فهم من سيزداد مالاً وشهرة ونفوذا، ويبقى المواطنون، بكل اختصاصاتهم ومهنهم وقدراتهم، أداة لتحقيق هذه المصالح. ومع هذا، ثمة ظلال من الأمل، فما زال هناك صحافيون يتمسّكون بقيم السلام واحترام حقوق الإنسان والحريات الإعلامية، التي لا تنفصل عن أي حرية أخرى ذات وجهين متكاملين، هما الحق والواجب، وهم ينضوون اليوم تحت راية «منظمة إعلام للسلام».



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.