ترجمة الكتاب الإسرائيلي.. تطبيع ثقافي أم ضرورة معرفية؟

يهاجمها البعض ويدافع عنها الآخرون

عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية
عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية
TT

ترجمة الكتاب الإسرائيلي.. تطبيع ثقافي أم ضرورة معرفية؟

عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية
عناوين بعض الكتب الإسرائيلية المترجمة للعربية

على خلفية قيام دار نشر معروفة هي (مدارك) التي يملكها الإعلامي السعودي تركي الدخيل نشر الترجمة العربية لكتاب: «المملكة العربية السعودية والمشهد الاستراتيجي الجديد» للمؤلف الإسرائيلي جاشوا تيتلبام, اندلع سجال ساخن اشترك فيه عدد من المثقفين.. وغير المثقفين وكعادة هذا النوع من السجالات أفرز تيارين: أحدهما يحارب أي مسعى لتقديم المنتجات الأدبية والفكرية الإسرائيلية للجمهور العربي بدعوى أنها تمثل (تطبيعا مع العدو)، والتيار الآخر يدعو لضرورة قراءة الفكر الآخر للتعرف عليه جيدا.

* الكتاب والمؤلف
الكتاب القضية، لا تتعدى صفحاته الـ100. وهو يبدو كبحث سياسي أقرب منه دراسة مطولة، ومؤلف الكتاب هو البروفسور جاشوا تيتلبام، من قسم تاريخ الشرق الأوسط في مركز بيغن - السادات للدراسات الاستراتيجية بجامعة بار إيلان في إسرائيل، وهو يعمل أيضا في معهد هوفر للبحوث. وقد قدم للكتاب الأستاذ الجامعي الأميركي من أصل لبناني فؤاد عجمي، المعروف بقربه من المحافظين في الولايات المتحدة، وهو الآخر عضو في معهد هوفر. وترجمه الدكتور حمد العيسى.
أما في مقدمته الخاصة، فقد حرص المؤلف على مخاطبة القراء العرب. والكتاب عموما لا يخلو من طابع سياسي، يسعى من خلاله المؤلف لشرح سياسات دولة إسرائيل، التي يصفها في الصفحة (11 - 12) بأنها تسعى (لتحقيق الاستقرار في المنطقة) وأن ذلك يجعل لديها مع العرب أو بعض العرب الكثير من المصالح الاستراتيجية المشتركة.
ويتحدث المؤلف عن القضية الطائفية الإسلامية إذ يورد في (الصفحة 13) نقلا عن اللواء في الاحتياط الإسرائيلي عاموس جلعاد، مدير مكتب الشؤون السياسية والعسكرية في وزارة الدفاع الإسرائيلية، ادعاءه في أغسطس (آب) 2013، (أن الكتلة السنيّة من الدول العربية لا تنظر إلى إسرائيل على أنها عدو لدود).
ويختتم الكتاب بالحديث عن التهديدات الإيرانية وفشل الولايات المتحدة في (فهم المشهد الاستراتيجي الجديد) بما يضمن أمن حلفائها في الخليج (صفحة 76). وهو يجنح لتوظيف القلق من الصعود الإيراني من أجل أن يصور إسرائيل عاملا مهما للتوازن الإقليمي.

* هل هي حملة موجهة؟
الكتاب ليس الأول من نوعه، حتى في الساحة الثقافية السعودية، حيث لا يعد وجود كتب لمؤلفين إسرائيليين جديدا، ففي أبريل (نيسان) العام 2010، ظهرت في معرض الرياض الدولي للكتاب رواية سوقتها دار نشر عربية هي (الجمل) تحمل اسم «أسطورة عن الحب والظلام»، للمؤلف الإسرائيلي عاموس عوز. ولقيت الرواية إقبالا ملحوظا. ومع ذلك لم تحدث هذه الرواية الجدل الذي أحدثه كتاب (مدارك)، ولذلك يرى تركي الدخيل أن «الحملة موجهة، ومقصودة».
ويتساءل، في اتصال هاتفي معه من مقره في دبي: «من يهاجموننا ألم يشاهدوا شخصيات إسرائيلية على قناة الجزيرة؟». ويضيف: «القصة ليست أن تنشر لكاتب إسرائيلي أو خلافه، ولكن القصة هي ماذا تنشر لهذا الكاتب، فهناك مراكز دراسات فلسطينية نشرت لكتاب إسرائيليين». ويعتقد تركي الدخيل أن الحملة التي اتخذت موقع «تويتر» ساحة لها، لم تكن بريئة، فالمقصود منها كما يقول: «التشويش».
لكن، ما السبب وراء ترجمة ونشر هذا الكتاب في العالم العربي؟ يقول الدخيل: «الكتاب يسلط الضوء على جانب سياسي بدراسة تحليلية. ثم إن المنتج الثقافي والأدبي هو منتج إنساني مهما تنوعت مصادره». ويضيف: «ما لم يفهمه المعترضون أننا نقدم دراسة سياسية ولم نستضف إسرائيليين في مدينة سعودية كالرياض أو جدة، وبالتالي فإننا لا نرى أن اختيار كتاب لمؤلف إسرائيلي هو (تطبيع)». وفي النهاية: «هذا الكتاب يمثل رأي صاحبه، وبإمكان المعارضين نقده أو مناقشته».
أما مترجم الكتاب الدكتور حمد العيسى فكتب في المقدمة: «إن ترجمة هذا الكتاب لا تعني بالضرورة الاتفاق مع جميع محتوياته من مصطلحات وتصنيفات وتحليلات وآراء ومقترحات، ولكن تمت ترجمته لإعطاء القارئ العربي وصناع القرار العرب، وبخاصة في الخليج العربي، فكرة عن رأي باحث ومفكر إسرائيلي بارز ومتخصص حول الصراع الاستراتيجي الحالي في جزء مهم من الشرق الأوسط».

* هل هو تطبيع؟
يتفق مع هذا الرأي الناقد والروائي السعودي. د. معجب الزهراني، الذي لا يرى أن في الأمر تطبيعا «فالإسرائيليون يقرأون جيدا كل شيء عنا وقد يكتبون عن العرب بحرية وعمق أكثر ولذا فمن الواجب معرفة جل ما يكتبون». ويضيف: «إنهم – الإسرائيليون - يتابعون كل ما يكتب عن العرب حتى في الصحف اليومية وأخشى أنهم يعرفون عنا فوق ما نعرف».
أما الناقد الدكتور سعد البازعي، الذي وضع كتابا مهما تحت عنوان: «المكون اليهودي في الحضارة الغربية»، فيقول، ردا على سؤالنا: هل تؤيد ترجمة ونشر المنتجات الأدبية والفكرية والسياسية لمؤلفين إسرائيليين؟: «ليست الإجابة سهلة على هذا السؤال. فكتابي حول المكون اليهودي في الحضارة الغربية انطلق من الإيمان بأهمية معرفة الآخر وعلى النحو الذي يكسر نمطية تلك المعرفة بتجاوز الصور النمطية».
ويضيف البازعي: «لكن تداول كتب الإسرائيليين يختلف عن الكتابة عن تلك المؤلفات. وأظن أن كثيرا من القراء العرب سينفر من قراءة كاتب صهيوني يدافع عن احتلال فلسطين أو الاعتداء شعبها. وقد يقبل قراءة كتاب معتدلين من إسرائيل أو اليهود عموما، وهؤلاء في الغالب ليسوا مؤمنين بالصهيونية.. من هنا يمكن التمييز بين الكتاب الإسرائيليين، فالأكثر اعتدالا لا أجد حرجا في ترجمة أعمالهم أو تسهيل تداولها، لكني أرفض أولئك الذين يتبنون سياسة عنصرية ويؤيدون استمرار الاحتلال. وينسحب هذا على كل كاتب عنصري أو مناصر لإيذاء الشعوب وليسوا الإسرائيليين وحدهم».
الناشر عادل الحوشان، الذي يمتلك دار نشر (طوى) تحدث عن مفهومه للتطبيع الثقافي قائلا: «شخصيا أفرّق كثيرا وأتوقف عند مصطلح التطبيع أكثر.. ما هو المقصود منه؟ بالنسبة للمكوّن اليهودي؛ لا يوجد أدنى شكّ أننا بحاجة إلى الاطلاع عليه ومعرفته ومعرفة تاريخه وموقفه، أما أن يأخذ التطبيع معناه السياسي فهذا بلا شكّ لن يقبله ضميري وأنا أعرف وأتابع وأقرأ وأمعن النظر في مجازر الكيان ضد الفلسطينيين».
ويكمل: «علينا أن نفصل التطبيع، بمعنى ترجمة أو قراءة أعمال أدبية وفنية، عن التطبيع السياسي، إذ يمكن أن نقرأ ما نريد ونجد ما نريد عبر مؤسسات ومراكز بحث تعنى بشؤون الشرق الأوسط، وجامعات تعنى بالدراسات والبحوث، وهناك مادة غزيرة عما قاله اليهود عنا وعن تاريخنا وعن العالم، وبالتأكيد هناك ما هو مهم فيما يقال أحيانا، لكني لن أقبل أن يوجهني صهيوني متطرف سياسيا سواء كان من الكيان نفسه الذي أنجبه ومشروعه أو من أنظمة أخرى أيا كانت درجة العلاقة السياسية بيننا وببينهم ومهما كانت أبعاد المصالح فيها».
على خط هذا السجال، دخل أيضا الكاتب السعودي أحمد عدنان، الذي يقول: «بعد نكسة 1967 أطلق الرئيس جمال عبد الناصر مشروعا بعنوان (اعرف عدوك)، وكان من بين المشرفين عليه الأديب الراحل أنيس منصور، ومن بين مهام هذا المشروع ترجمة النتاج الأدبي والفكري والسياسي الإسرائيلي، كما كان من أعماله برنامج إذاعي اسمه: من قلب إسرائيل. وكان من حيثيات ذلك المشروع، أن الجهل بإسرائيل هو من الأسباب الرئيسية للهزيمة آنذاك، ولم يصف أحد هذا الفعل بالتطبيع».
ويضيف: «إن من حق أي دار النشر أن تطبع ما تريد، كما أن من حق القارئ أن يطالع ما يريد، ويقبل من المحتوى أو يرفضه، فالحديث عن الخوف على وعي القارئ وحمايته منطق وصائي وهو أمر مرفوض، وهو كذلك منطق تشترك فيه التيارات الدينية المتطرفة وسلفيو القومية العربية».
عدنان هو الآخر، يرى أن الحملة جرى توجيهها من قبل من سماهم: «سلفيو القومية العربية»، ويرى أن الحملة ربما جاءت أيضا «في سياق التنافس بين دور النشر».

* كتب إسرائيلية في المكتبات العربية
* تكاد لا تخلو مكتبة عربية معروفة من كتب لمؤلفين إسرائيليين. وتهتم مراكز دراسات وأبحاث ووسائل إعلام بترجمة يومية للصحف الإسرائيلية، وهناك مراكز تتابع كل ما تنشره مراكز الأبحاث والدراسات الإسرائيلية، وتقدم بعضه للعالم العربي.
وأبرز الكتب التي تسوق في الدول العربية هي كتب لزعماء الحرب الإسرائيليين الذين أصبحوا قادة الدولة العبرية، من قبيل كتاب «سلام بيغن: قصة الأرغون»، لمؤلفه رئيس الوزراء الأسبق مناحم بيغن، وهو من ترجمة صلاح طوقان والناشر دار الشجرة للنشر والتوزيع، وكتاب «الإرهاب» لبيغن نفسه، وهو من ترجمة وتحقيق معين محمود، والناشر دار المسيرة للصحافة والطباعة، وكلا الكتابين يسوقهما موقع مكتبة النيل والفرات.
كذلك صدر لرئيس الدولة العبرية شيمعون بيريس بالعربية كتابان، هما: «معركة السلام، يوميات شيمون بيريز»، ترجمة عمار فاضل ومالك فاضل، وكتاب «الشرق الأوسط الجديد»، ترجمة محمد حلمي عبد الحافظ، والكتابان نشرتهما (الأهلية للنشر والتوزيع).
أما كتاب وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق موشي دايان: (قصة حياتي: قيام دولة إسرائيل وحروبها ضد العرب)، فترجمه طارق نصر الدين، ونشرته مكتبة النافذة، والكتاب يسوق عبر (النيل والفرات)، وكذلك كتاب «مكان بين الأمم: إسرائيل والعالم» لرئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو، ترجمة محمد عودة وكلثوم السعدي، ونشر الأهلية.
كتاب آخر هو «مذكرات إسحق شامير»، الصادر ضمن سلسلة شخصيات إسرائيلية، عن دار الكتاب العربي، في العام 1995. وكتاب «مذكرات اسحق رابين» عن دار الجليل للطباعة والنشر 1993. وكذلك عدد من مؤلفات وزير الخارجية الأسبق ييجال آلون.
ومن بين عشرات الكتب لمؤلفين إسرائيليين، كانت ترجمتها في فلسطين ومن قبل مراكز دراسات فلسطينية، وواحد من هذه المراكز هو المركز الفلسطيني للدراسات الإسرائيلية «مدار» الذي تأسس ربيع عام 2000، بمبادرة مجموعة من المثقفين والأكاديميين الفلسطينيين من بينهم الشاعر الراحل محمود درويش، وآخرون، والذي أصدر عشرات الأبحاث والدراسات والترجمات والمنشورات المتخصصة في الشأن الإسرائيلي، ولديه دائرة ترجمة تنفذ برنامجا لترجمة كتب موضوعة باللغة العبرية أو الإنجليزية. وتم إصدار 32 كتابا مترجما حتى نهاية 2011. (بحسب موقع مدار).
ومن بين إصدارات المركز كتاب «اختراع أرض إسرائيل»، من تأليف شلومو ساند، أستاذ التاريخ في جامعة تل أبيب، والكتاب من منشورات (مدار) والمكتبة الأهلية في عمان، كما أصدر المركز الكتب التالية: «فلسطين في الكتب المدرسية في إسرائيل - الآيديولوجيا والدعاية في التربية والتعليم» لنوريت بيلد – الحنان، و«نظام ليس واحدا» لارئيلا ازولاي وعدي أوفير، و«في مصيدة الخط الأخضر» ليهودا شنهاف، و«أسرى في لبنان» لمؤلفه عوفر شيلح ويوءاف ليمور، وكتاب «اختراع الشعب اليهودي» لشلومو ساند، و«سلام متخيّل - عن الخطاب والحدود، السياسة والعنف» لمؤلفه ليف غرينبرغ، و«قراءة إيران في إسرائيل - الذات والآخر، الدين والحداثة» لمؤلفه حجاي رام، ورواية «أراض للتنزه - رواية في شذرات» لعوز شيلح.



روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك
TT

روايات الخيال العلمي تنعش سوق الكتب

غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟"  لفيليب ك. ديك
غلاف "هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟" لفيليب ك. ديك

شهد أدب الخيال العلمي طفرة غير مسبوقة، مدفوعاً بالأزمات العالمية، والمنصات الرقمية التي أعادت تشكيل أنماط القراءة الشعبية. فبعد أن كان يُنظر إليه على أنه ترفيهي ثانوي، تحول أدب الخيال إلى فضاء تعبيري عميق يعكس مخاوف الإنسان المعاصر إزاء مستقبل غامض تهيمن عليه تكنولوجيا متسارعة، فانفجرت مبيعاته بشكل لافت، مما أعاد إشعال النقاش حول شرعيته الأدبية.

ففي فرنسا مثلاً كشفت دراسة لـ«مرصد الخيال» (أوبسرفاتوار دو ليماجينار) لعام 2025 عن الأرقام التي تؤكد هذا الانتعاش، حيث تبين أن مبيعات روايات الخيال العلمي قد قفزت بنسبة 40 في المائة بين عامي 2023 و2024، ومعها ظهرت أيضاً دور نشر جديدة متخصصة في هذا النوع الأدبي. التوجه نفسه ينطبق على سوق الكتب الأميركية، والتي شهدت أيضاً ارتفاعاً في مبيعات رواية الخيال العلمي، فحسب بيانات معهد سيركانا بوك سكان، وصلت نسبة الزيادة إلى 12 في المائة خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، في حين شهدت مبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا قفزة مذهلة بنسبة 41.3 في المائة في المملكة المتحدة بين عامي 2023 و2024 بحسب تقرير نشر في صحيفة «الغارديان» البريطانية بعنوان: «بوك توك وراء ارتفاع كبير لمبيعات روايات الخيال العلمي والفانتازيا».

"حكاية الخادمة" لمارغريت أتوود

وبعيداً عن الصورة النمطية التي تختزل هذه الروايات في طابعها الترفيهي القائم على المبالغة، والغرابة، والكائنات الخرافية، والسفر عبر الزمن، والتقنيات الخارقة التي لا وجود لها في الواقع، فإن الصورة أصبحت اليوم أقرب للأدب الاستكشافي الذي يستعين بالخيال العلمي لفهم قضايا سياسية، واجتماعية، وأخلاقية، من خلال إسقاطات مستقبلية، ورمزية.

يرى سيمون بريان، الباحث المختص في مركز دراسات الآداب الفرنسية بجامعة السوربون، أن الخيال العلمي يعمل بوصفه أداة لتشخيص الحاضر عبر تضخيم قضايا محورية، مثل رقمنة الحياة، أو الكوارث المناخية الوشيكة، وهو ما نراه مثلاً في رواية 1984 لجورج أرويل التي لا يظهر فيها التقدم التقني بوصفه أداة لرفاهية الإنسان، بل باعتبار أنه «عين ساهرة» لا تنام، تهدف إلى إلغاء الخصوصية، وإعادة صياغة العقل البشري. وفي السياق ذاته، يشير جان بول أنجيليبيرت، أستاذ الأدب المقارن في جامعة بوردو إلى أن هاجس نهاية العالم في هذه الروايات ليس مجرد ترف فني، بل هو محاولة لاستباق مخاوفنا عبر سيناريوهات تحبس الأنفاس، مما يجنب الإنسان المعاصر ضياع البوصلة في حاضر يفتقر إلى ثوابت مستقرة. ففي رواية «عالم جديد شجاع» لألدوس هكسلي توظف التكنولوجيا، والتحكم العلمي في الإنجاب، والتكييف النفسي لتحقيق مجتمع مستقر ظاهرياً، لكنه فاقد للحرية، والإرادة الفردية، وهو تجسيد لمخاوفنا من أن تؤدي التقنيات الحديثة إلى تسليع الإنسان، وتحويله إلى كائن مبرمج. كما تعبر أعمال مثل «هل تحلم الروبوتات بخراف كهربائية؟» لفيليب ك. ديك عن القلق المرتبط بالذكاء الاصطناعي، حيث يتداخل الحد الفاصل بين الإنسان والآلة، وأسئلة جوهرية عن معنى الإنسانية في عصر التكنولوجيا.

العامل المشترك وراء هذا الانتعاش الجديد يعود حسب تقرير صحيفة «الغارديان» إلى فضل المنصّات الرقمية، وبالأخص «بوك توك»، حيث تشير دراسة معهد سيركانا بوك سكان إلى أن واحداً من كل اثني عشر كتاباً ورقياً يباع في الأسواق العالمية حالياً يعود الفضل في انتشاره مباشرة إلى تأثير صُنّاع المحتوى على «تيك توك».

ومن الأمثلة الأخيرة رواية «الجناح الرابع» للكاتبة ربيكا ياروس، والتي حققت نجاحاً ساحقاً بفضل «بوك توك»، مما دفع دور النشر إلى رفع سقف التوقعات، والطباعة الأولية لأعمالها اللاحقة إلى أرقام فلكية تتجاوز 300 ألف نسخة طبعة أولى، وهو رقم كان يُعد مستحيلاً لرواية من فئة الخيال قبل عصر الـ«تيك توك». على أن تأثير مجتمع الـ«تيك توك» لم يقتصر على الإصدارات الحديثة فقط، بل امتد ليعيد روايات منسية إلى الواجهة. على سبيل المثال: رواية «أغنية أشيل» التي نُشرت عام 2011، والتي شهدت انفجاراً في المبيعات بعد سنوات من صدورها لتتجاوز مليوني نسخة في 2024بفضل مقاطع فيديو عاطفية قصيرة لم تتجاوز الستين ثانية.

وأقدم منها رواية 1984 لجورج أرويل، والتي تشهد زيادة مستدامة في المبيعات السنوية بنسبة تتراوح بين 10 إلى 20 في المائة مقارنة بما قبل عصر المنصة، وهو رقم ضخم لعمل تجاوز عمره سبعة عقود. ولذا، فلن نبالغ إن قلنا إن المنصات الرقمية، وعلى رأسها «بوك توك» قد لعبت دوراً حاسماً في كسر النخبوية المحيطة بالشرعية الأدبية، فمن خلال إعادة إحياء الكلاسيكيات، والاحتفاء بالروايات الديستوبية، فرض الجمهور الشاب ذائقته على دور النشر، ولم يعد الاعتراف يأتي من «الأكاديميات» فحسب، بل من قوائم الأكثر مبيعاً التي تسيطر عليها الآن روايات الخيال العلمي، والفانتازيا.

نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية مثل التغير المناخي والذكاء الاصطناعي والحريات الفردية والهندسة الوراثية

لقد ظل أدب الخيال العلمي، ولفترة طويلة، مهمشاً باعتباره «أدباً شعبياً»، أو «شبه أدب»، حيث اعتبره قسم من النقاد أدباً استهلاكياً يفتقر إلى العمق الإنساني، والتعقيد اللغوي. وفي هذا السياق، تقول الكاتبة الشهيرة أورسولا كيه لو غوين، التي خاضت معارك طويلة لنيل اعتراف النقاد بهذا النوع، ما يلي : «لقد تم حصرنا في محميات أدبية وكأننا لا نكتب عن البشر، بينما الحقيقة أن الخيال العلمي هو الأداة الأقوى لاستكشاف ما يعنيه أن تكون إنساناً في مواجهة المجهول».

والملاحظ أن نظرة النقاد إلى الخيال العلمي بدأت تتغير مع بروز قضايا وجودية، مثل التغير المناخي، والذكاء الاصطناعي، والحريات الفردية، والهندسة الوراثية، ولم يعد هذا الأدب مجرد نبوءات تكنولوجية، بل أصبح بمثابة مختبر اجتماعي، وفلسفي. ويرى الكاتب الفرنسي المختص في هذا الجنس الأدبي جان مارك ليني أن الخيال العلمي هو أدب الواقع، لأنه لا يهرب من العالم، بل يستخدم المستقبل مجهراً لمراقبة الانحرافات الأخلاقية والاجتماعية الحالية، وقد كان الكاتب الفرنسي-الكندي الراحل موريس دانتيك قد صرّح في إحدى مقابلاته مع الصحافة الفرنسية بأن الأدب الفرنسي الكلاسيكي يعاني من النسيان، وأن الخيال العلمي هو النوع الوحيد القادر على دمج الانفجار التكنولوجي العلمي في الرواية الإنسانية. وقد أثبت النجاح الكبير الذي حققه آلان داماسيو مع روايته المعروفة «المتسلّلون» التي بيعت بأكثر من 150 ألف نسخة، وحصلت على عدة جوائز، أن الكتابة المتقنة للغاية يمكن أن تتزاوج بشكل مثالي مع موضوعات الاستباق السياسي. وفي نفس السياق تشكل الجوائز الأدبية علامة بارزة على هذا الاعتراف، وأفضل مثال: رواية «حكاية الخادمة» لمرغاريت أتوود التي فازت بعدة جوائز، منها جائزة آرثر سي كلارك للخيال العلمي، وكانت مرشحة لجائزة بوكر، وقد بيع أكثر من 8 ملايين نسخة باللغة الإنجليزية وحدها.


تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران
TT

تراث البهجة والعمران

تراث البهجة والعمران

في كتابه «المدينة الإسلامية - تراث البهجة والعمران» الصادر عن دار «تمهيد » بالقاهرة، يؤكد الباحث في شؤون التراث الحضاري الدكتور خالد عزب أن تخطيط الأحياء السكنية في المدينة الإسلامية القديمة، من بخارى وسمرقند شرقاً حتى مراكش وفاس غرباً، يكشف عن قانون متماسك يراعي الهوية الحضارية والتجانس الاجتماعي والاتساع والبهجة مع الحرص على البساطة وعدم المبالغة.

ويشير المؤلف إلى أن الأماكن العامة في تلك المدينة كانت تقع على جانبي الشارع التجاري «قصبة المدينة»، وتشمل الأسواق المركزية للمدينة والمتاجر الكبرى المغطاة والمكشوفة وورش المهنيين والمساجد الكبرى ومجموعات الأسواق المتخصصة والحمامات. وتتفرع من هذا الشارع الأنشطة الحرفية للحي ومساجده وحماماته ومقاهيه، ويتخللها بعض الدور والمساكن وهى أكثر ارتفاعاً.

أما الأماكن الخاصة، فهي التي تقع على امتداد الحواري والمسالك المسدودة الضيقة، أو المنعطفات، وتتفرع من الشوارع المركزية للأحياء، وتشمل المباني السكنية التي تتميز بواجهات مبانيها القليلة الارتفاع والفتحات، في حين التزمت مباني الأحياء بارتفاع يكاد يكون ثابتاً عدا المساجد. كما نلحظ تعدد الأفنية وتداخلها بين مجموعات المباني، لاستقطاب حياة الناس إلى الداخل، بينما تنساب الأسواق المغطاة خلال الكتلة العمرانية للمدينة، مكوّنة محاور للحركة ونقطة تلاقٍ للسكان بين الأحياء المختلفة.

ويخترق الحي أو المجاورة شارع رئيسي واحد في الغالب، ويسكنه مجتمع متجانس عادة وقليل العدد نسبياً، وتربط ما بين أفراده روابط دينية أو عرقية أو مهنية، ويتوفر لديهم شعور قوي بترابط الجماعة، وباحترام الواجبات والالتزامات المتبادلة بينهم.

ورغم ذلك، لا يتم تقسيم الأحياء بحسب مكانة الطبقات الاجتماعية؛ فالحي عالم مصغر، يعيش فيه الغني والفقير جنباً إلى جنب، ويتشاركان في الجوامع والأسواق والحمامات والأسبلة.

وقد عدّت سلطات الدولة الحي، وحدة إدارية وكان له رئيسه ومجلسه، وفي أوقات الاضطرابات، عدّ أيضاً وحدة دفاعية. ورغم أنه قد تُحرس بوابات الأحياء بالحراس في الليل في أوقات القلاقل، لكن الحي ليس محدداً تحديداً معمارياً في الغالب، ويتصل اتصالاً عضوياً بالمباني المجاورة للأحياء الملاصقة، ويستطيع السكان أن يوطدوا علاقاتهم دائماً.

والملاحظ أن الكتل المعمارية في الحي السكني منفصلة عن بعضها بواسطة ما يحتّمه التخطيط، من ترك الفراغات حول الأبنية، فإذا اتصلت هذه الفراغات بفراغات الشوارع، تكونت مساحات كبيرة من الفراغات التي تكوّن كمية كبيرة من الضوء، والحرارة لكل من في المنطقة. وهذا الاتجاه يكاد يكون سائداً في معظم التجمعات السكنية، في أنحاء العالم وخصوصاً في الدول الغربية التي كانت سباقة في اتباع هذا الاتجاه، وتبعها بعض دول العالم، ومن بينها الدول الإسلامية، التي لم تحاول مناقشة مدى صلاحية هذا الاتجاه لطبيعة بلادها.

ويشير المؤلف في هذا السياق إلى ما يسمى «الرحبات» التي تمثل مناطق التقاء في المدن الإسلامية، فهي نقطة تلاقٍ للشوارع وتتوسط الأحياء السكنية، وكان اتساعها سبباً في اتخاذها مكاناً للباعة الجائلين، ما أدى إلى تسمية «الرحبة» باسم التجارة التي تروج بها مثل «رحبة البصل» في دمشق. وقد تضم الرحبة أحد المرافق العامة، ومن أمثلة ذلك الرحبة التي كانت أمام مسجد الدرعي بمدينة الفسطاط المصرية، فقد اشتملت على «بئر سابلة» أي بئر ماء عامة تمد من يرغب بالمياه، وهذا مؤشر على بدايات الصهاريج العامة والأسبلة في مصر.


العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
TT

العُماني محمود الرحبي يحصد جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»

الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)
الكاتب العُماني محمود الرحبي الفائز بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة» في الكويت بالدورة الثامنة (الشرق الأوسط)

أعلنت جائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية»، فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي، بجائزة الملتقى في الدورة الثامنة 2025 - 2026 عن مجموعته القصصية «لا بار في شيكاغو».

وفي حفل أقيم مساء الأربعاء على مسرح مكتبة الكويت الوطنية، بحضور عدد كبير من الكتّاب والنقّاد والمثقفين الكويتيين والعرب والمترجمين، أعلن الدكتور محمد الشحّات، رئيس لجنة التحكيم، قرار اللجنة بالإجماع فوز الكاتب العُماني محمود الرحبي بالجائزة في هذه الدورة عن مجموعته «لا بار في شيكاغو».

وقال الشحّات، إن الأعمال القصصية المشاركة في هذه الدورة بلغ مجموعها 235 مجموعة قصصية، مرّت بعدد من التصفيات انتهت إلى القائمة الطويلة بعشر مجموعات، ثم القائمة القصيرة بخمس مجموعات.

وأوضح الشحّات: «باتت جائزة الملتقى عنواناً بارزاً على ساحة الجوائز العربية، لا سيّما والنتائج الباهرة التي حقَّقها الفائزون بها في الدورات السابقة، وذهاب جميع أعمالهم إلى الترجمة إلى أكثر من لغة عالمية، فضلاً عن الدور الملموس الذي قامت به الجائزة في انتعاش سوق طباعة ونشر المجموعات القصصية التي أخذت تُزاحم فنّ الرواية العربية في سوق الكتاب الأدبي العربي، وفي معارض الكتب الدولية في العواصم العربية الكبرى».

وقد وصل إلى القائمة القصيرة خمسة أدباء هم: أماني سليمان داود عن مجموعتها (جبل الجليد)، وشيرين فتحي عن مجموعتها (عازف التشيلّو)، ومحمود الرحبي عن مجموعته القصصية (لا بار في شيكاغو)، وندى الشهراني عن مجموعتها (قلب منقّط)، وهيثم حسين عن مجموعته (حين يمشي الجبل).

من جهته، قال القاص العماني الفائز محمود الرحبي، إن فوزه «بجائزة الملتقى يعني الفوز بأهم جائزة عربية على الإطلاق للقصة القصيرة، وهو فوز بأوسكار الجوائز الأدبية العربية، وسوف يضع مسؤولية على كاهلي بأن أقدّم القصة القصيرة المبدعة دائماً».

المجموعة القصصية «لا بار في شيكاغو» الفائزة بجائزة «الملتقى للقصة القصيرة العربية» (الشرق الأوسط)

«الكويت والقصة القصيرة»

وفي الندوة المصاحبة التي ترافق إعلان الفائز، أقامت جائزة الملتقى ندوة أدبية بعنوان: «الكويت والقصة القصيرة العربية» شارك فيها عدد من مبدعي الكتابة القصصية في الوطن العربي، إضافة إلى النقاد والأكاديميين.

وبمناسبة إطلاق اسم الأديب الكويتي فاضل خلف، على هذه الدورة، وهو أوَّل قاص كويتيّ قام بإصدار مجموعة قصصية عام 1955، تحدث الشاعر والمؤرخ الدكتور يعقوب يوسف الغنيم، وزير التربية السابق، عن صديقه الأديب فاضل خلف، حيث وصف فاضل خلف بأنه «صديق قديم، عرفته منذ منتصف خمسينات القرن الماضي، واستمرت صلتي به إلى يوم فراقنا بوفاته. ولقد تعرفت عليه قبل أن أعرفه، وذلك من خلال ما نشر في مجلة (البعثة) ومجلة (الرائد) وغيرهما. وكانت له صلة مع عدد كبير من الأدباء في الكويت وفي عموم الوطن العربي».

وأضاف الغنيم: «للأستاذ فاضل تاريخ أدبي ناصع، فقد كان من أبرز كتاب القصة القصيرة في الكويت، وكان يتابع كل ما يتعلق بالمفكرين العرب سعياً إلى الاطلاع على إنتاجهم. ويكفيه فخراً أنه من فتح باب نشر المجاميع القصصية حين أصدر مجموعته الأولى (أحلام الشباب) عام 1955».

من جانبه، قال الدكتور محمد الجسّار، الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب (راعي الجائزة): «نعيش حدثاً إبداعياً ثقافياً عربياً مُتميّزاً، احتفاءً بفن القصة القصيرة العربية، وتكريماً لذكرى أحد رجالات الكويت الأفاضل الأديب الكويتي المبدع (فاضل خلف)، الذي كان في طليعة كتّاب القصة الكويتيين الذين اتخذوا من فن القصة طريقاً لمسيرة حياتهم، حين أصدر مجموعته القصصية الأولى (أحلام الشباب) عام 1955، حاملة بُعدَها الكويتي ونَفَسها العروبي الإنساني».

وأضاف الجسار: «جائزة الملتقى للقصة القصيرة، منذ انطلاقها عام 2015، كانت تنتمي إلى الكويت بقدر انتمائها للمشهد الإبداعي العربي، حيث أكّدت دورها الريادي في دعم فن القصة القصيرة، وها نحن نحتفل بالدورة الثامنة للجائزة، مؤكّدين التزام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدعم ورعاية جائزة الملتقى، بوصفها مبادرة إبداعية ثقافية ترفع من شأن الإبداع والأدب، وتعزز من مكانة دولة الكويت بوصفها حاضنة للفكر والإبداع العربيين».

طالب الرفاعي: صوت الكويت

من جانبه، أشار مؤسس ورئيس مجلس أمناء الجائزة الأديب طالب الرفاعي، إلى «اقتران اسم الجائزة بالقصة القصيرة من جهة والكويت من جهة أخرى، وذلك بعد مرور عشر سنوات على إطلاقها، وهذا ما جعل الكويت طوال السنوات الماضية حضناً وبيتاً للقصة العربية، وقبلة لأهم كتّاب القصة القصيرة في الوطن العربي».

وأكّد أن الجائزة تزداد حضوراً وأهميةً على مشهد الجوائز العربية والعالمية، حيث صار يُشار إليها بوصفها «أوسكار الجوائز العربية الأدبية»، وأنها سنوياً تقدم للترجمة العالمية قصاصاً عربياً مبدعاً.

وقال الرفاعي إن «القصة أصبحت وجهاً مشرقاً من وجوه وصل الكويت بالمبدع العربي».