برلين تعيد النظر في تسليم أسلحة إلى أنقرة

إردوغان يقلل من شأن تهديداتها... وفرنسا تدخل على خط قضية الناشطين

رجب طيب إردوغان يلقي كلمة في اسطنبول أمس (إ.ب.أ)
رجب طيب إردوغان يلقي كلمة في اسطنبول أمس (إ.ب.أ)
TT

برلين تعيد النظر في تسليم أسلحة إلى أنقرة

رجب طيب إردوغان يلقي كلمة في اسطنبول أمس (إ.ب.أ)
رجب طيب إردوغان يلقي كلمة في اسطنبول أمس (إ.ب.أ)

أعلنت برلين، أمس، أنها ستعيد النظر في تسليم أسلحة ألمانية إلى تركيا، فيما توقفت محطات تلفزيونية ألمانية عن بثّ إعلانات تركية، على خلفية قرار محكمة تركية الثلاثاء الماضي بحبس 6 من ناشطي حقوق الإنسان اعتقلوا في إسطنبول الأسبوع قبل الماضي، بينهم مواطن ألماني.
وصرّح فيليب جورنيتز، المتحدث باسم وزارة الاقتصاد المسؤولة عن هذا الملف، لوكالة الصحافة الفرنسية بأن «إعادة النظر في العلاقات» مع تركيا التي أرادتها برلين بسبب الخلاف بين البلدين حول احترام حقوق الإنسان «تشمل كل المجالات، من ضمنها سياسة تصدير الأسلحة». وأضاف: «لهذا السبب تخضع طلبات تصدير الأسلحة إلى عملية إعادة نظر حالياً».
وأكد كلام جورنيتز بشكل جزئي المعلومات التي نشرتها صحيفة «بيلد» الألمانية عن أن الحكومة «جمدت كل عمليات تسليم الأسلحة الحالية أو المقررة إلى تركيا». وأشار إلى أن «معيار احترام حقوق الإنسان يلعب دورا مهما جدا فيما يخص تصدير الأسلحة».
وفي ردّ حاد على تحذير وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله لمواطنين الألمان من السفر إلى تركيا بعد إعلان الخارجية الألمانية أول من أمس تشديداً لتحذيرات السفر ومطالبته الشركات الألمانية بعدم العمل في تركيا، ندد الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بهذا التحذير قائلا إن على ألمانيا أن «تستعيد ثباتها».
وأضاف إردوغان، في كلمة له خلال توقيع اتفاق قرض طبي في إسطنبول أمس الجمعة، أن تحذير وزارة الخارجية الألمانية من السفر إلى تركيا لا أساس له و«خبيث» وأنه على برلين أن تفصح عن معلومات بخصوص إرهابيين قال إن «ألمانيا تؤويهم»، مشدّداً على أنه لا توجد قوة بإمكانها تشويه صورة تركيا. وتابع: «هناك محاولات لممارسة الضغوط على الشركات الألمانية في تركيا عبر دعايات مغرضة. على الحكومة الألمانية التي تؤوي إرهابيين فارين من تركيا تقديم توضيحات حول ذلك أولاً».
كما أعرب إردوغان عن إدانته لتصريحات وزيرة الاقتصاد الألمانية بريجيت زيبريز، وقال إن تصريحاتها «ترمي لتخويف وإقلاق الشركات المستثمرة في تركيا برسائل غير مباشرة وليس لها أي أساس». وأضاف أن «هذا الأمر لا يليق بالسياسة ولا بشخصية سياسية».
من جانبه، قال مصدر أمني ألماني أمس إن تركيا قدمت للسلطات الألمانية قائمة تضم أكثر من 680 شركة ألمانية يُشتبه أنها تدعم الإرهاب، وهو عشرة أمثال الرقم الذي أوردته وسائل إعلام ألمانية.
وقالت صحيفة «دي تسايت» الألمانية، الأربعاء، إن القائمة تضم شركات ألمانية كبرى مثل «دايملر» و«باسف». وأكد نائب رئيس الوزراء التركي للشؤون الاقتصادية، محمد شيمشك، عبر «تويتر» أول من أمس أن تقرير الصحيفة «كاذب تماماً».
وشدد إردوغان على أن بلاده «ملتزمة بحماية الشركات الألمانية في المستقبل، كما فعلت في الماضي، وليس بمقدور ألمانيا والعالم أجمع تشويه صورة تركيا»، لافتاً إلى أنه لا توجد أي تحقيقات تتعلق بالشركات الألمانية في تركيا والادعاءات المتعلقة بذلك «كاذبة».
وطالبت الخارجية الألمانية، أول من أمس، بإطلاق سراح مواطنها بيتر شتيودتنر الذي أصدر القضاء التركي قراراً بحبسه بتهمة دعم حزب العمال الكردستاني، وقالت إن المواطنين الألمان القادمين إلى تركيا ليسوا في مأمن وشركاتها هناك تعيش حالة من القلق. وجاء ذلك بعد أن أصدر القضاء التركي الثلاثاء قراراً بحبس 6 من أصل 10 أشخاص تم توقيفهم في 5 يوليو (تموز) الحالي في مدينة إسطنبول، بينهم المواطن الألماني بيتر شتيودتنر، بتهمة «تقديم الدعم لمنظمة إرهابية مسلحة».
وحذّر وزير المالية الألماني فولفغانغ شويبله مواطني بلاده المسافرين إلى تركيا من أعمال العنف التي تمارس هناك، معتبراً أن الوضع في تركيا الآن يشبه ما كانت عليه ألمانيا تحت سيطرة الشيوعية. وقال لصحيفة «بيلد» الألمانية، أول من أمس، إنه «ما لم تتوقف تركيا عن ممارسة ما تصنعه تلك الفترة، فالمواطنون الألمان المسافرون إلى هناك هم فقط المسؤولون عن المخاطر التي قد يواجهونها». واعتبر شويبله أن الاعتقالات التعسفية من جانب الحكومة التركية الآن تشبه الممارسات التي كانت في ألمانيا، وقت سيطرة الحكومة الشيوعية على ألمانيا الشرقية.
وكان مسؤولون ألمان قد أبدوا اعتراضاً خلال الفترة الماضية على ما اعتبروه «أعمال العنف الممارسة من جانب الحكومة التركية»، ما تسبب في تأزم العلاقة بين برلين وأنقرة.
وكشف مسح حديث لمجلة ألمانية تأييد 77 في المائة من الألمان إنهاء مفاوضات انضمام تركيا للاتحاد الأوروبي.
في المقابل، رفض رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم تصريحات السلطات الألمانية التي قال إنها تهدف لزرع الشك في نفوس المستثمرين، مضيفاً أن تركيا آمنة مثل ألمانيا. وقال يلدريم إن «تركيا تريد من ألمانيا اتخاذ إجراءات ضد مسلحي حزب العمال الكردستاني وأتباع فتح الله غولن المقيم في أميركا، الذي تتهمه أنقرة بتدبير محاولة الانقلاب في 15 يوليو العام الماضي».
بدورها، أعلنت هيئة حماية الدستور الألمانية (الاستخبارات الداخلية) أنها تنظر إلى تركيا باعتبارها خصماً، بسبب أنشطتها الاستخباراتية داخل ألمانيا. وقال رئيس الهيئة، هانز جيورج ماسن خلال أحد المؤتمرات في برلين، أمس: «لم نعد ننظر بصفتنا جهازاً استخباراتياً إلى تركيا منذ محاولة الانقلاب العسكري في الصيف الماضي، والتغييرات في السياسة الداخلية التركية على أنها شريك فقط، بل أيضاً كخصم في ضوء عمليات التأثير التي تمارسها في ألمانيا». وقال ماسن إن تركيا تمارس الكثير من أشكال النفوذ على الجالية التركية في ألمانيا، و«هذا يثير قلقي للغاية».
وأشار ماسن إلى أن الدلائل على الممارسات التجسسية لتركيا في ألمانيا تتمثل في البلاغات المقدمة ضد أنصار حقيقيين أو مزعومين لفتح الله غولن، الذي تحمله أنقرة مسؤولية محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة.
وكان إردوغان اتهم الناشطين الحقوقيين بعد اعتقالهم في إسطنبول، ومن بينهم ممثلون عن منظمة العفو الدولية والمحاضر الجامعي الألماني بيتر شتيودتنر، بأنهم على صلة بالانقلابيين وكانوا يخططون لمحاولة انقلاب ثانية خلال اجتماعهم في إسطنبول، ويتهم الادعاء العام التركي المعتقلين بدعم «تنظيم إرهابي مسلح».
واشتدت حدة التصريحات المتبادلة بين الجانبين، بعد أن أعلنت وزارة الخارجية الألمانية أول من أمس أن الأشخاص الذين يسافرون إلى تركيا لأسباب خاصة أو تجارية يتعين عليهم توخي مزيد من الحذر، لأنه يمكن اعتقالهم وأن الشركات تواجه مخاطر استثمارية في تركيا بسبب أوجه قصور قانونية.
وردت تركيا بأن العلاقات بين البلدين لا يمكن أن تقوم على «الابتزاز والتهديدات»، بعد تعهد وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل باتخاذ إجراءات من شأنها أن تحد من الاستثمار في تركيا.
وأصدرت وزارة الخارجية التركية بيانا قالت فيه: «علاقاتنا لا يمكن أن تقوم على أساس الابتزاز والتهديدات، لكن على أساس المعايير والمبادئ المقبولة دولياً»، متهمة وزير الخارجية الألماني بتبني «نهج مشوه وأحادي الجانب».
واستدعت ألمانيا السفير التركي علي كمال، الأربعاء، للاحتجاج على اعتقال الحقوقيين الستة، ومن بينهم المواطن الألماني، مطالبة بالإفراج الفوري عنهم وقالت وزارة الخارجية التركية إن شكوى ألمانيا «غير مقبولة» وتعد «تدخلا مباشرا في القضاء التركي».
وقال وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو، إن ألمانيا أفضل من يعلم أن الأتراك ودولهم عبر التاريخ لم ينحنوا أمام أي تهديد أو ابتزاز.
واعتبر أن نظيره الألماني، زيغمار غابرييل، تجاوز في تصريحاته التي طالب فيها بإطلاق سراح موقوفين بتهمة دعم الإرهاب والتجسس في تركيا، قائلا إنه «تمادى لدرجة أنه حدد مهلة لتركيا لتنفيذ ذلك وطالب بتجاهل القضاء التركي، بأسلوب بعيد عن اللباقة الدبلوماسية».
وأوضح جاويش أوغلو، أن تركيا تدرس التهديدات الألمانية تجاهها، وستقدم الرد المناسب عليها. وقال إن ألمانيا باتت الدولة الرئيسة التي تحتضن جميع الإرهابيين، الذين يعملون ضد تركيا، ويواصلون أنشطتهم فيها، على غرار عناصر العمال الكردستاني وأتباع غولن.
في السياق ذاته، نفى وزير الاقتصاد التركي نهاد زيبكجي أن تكون الاستثمارات الألمانية في بلاده مستهدفة للاشتباه في علاقتها بالمحاولة الانقلابية الفاشلة قبل عام، وشدد على ضمان الحكومة والقانون لها بشكل كامل.
وسعى زيبكجي في مقابلة مع «رويترز» إلى تهدئة التوترات المتصاعدة بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي (الناتو) قائلاً إن الأزمة مع ألمانيا مؤقتة، وإن على كلا الطرفين تجنب التصريحات التي قد تتسبب في أضرار اقتصادية طويلة الأمد. وقال زيبكجي: «الزعم بأن السلطات التركية أعطت ألمانيا أسماء شركات ألمانية مرتبطة بتنظيم غولن غير صحيح. هذا خبر زائف». وأضاف: «الأزمة التركية الألمانية مؤقتة. يجب تحاشي التصريحات التي قد تلحق أضراراً دائمة بالاقتصادين. على ألمانيا أن تعيد النظر في التصريحات غير الملائمة».
ودخلت فرنسا، أمس، على خط الأزمة معبرة عن قلقها الشديد تجاه اعتقال الناشطين الحقوقيين في تركيا. وقالت وزارة الخارجية الفرنسية في بيان صحافي إن باريس تدعو أنقرة للإفراج عن الناشطين الحقوقيين واحترام الالتزامات الأوروبية والدولية فيما يتعلق بحقوق الإنسان والحريات الأساسية.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended