الأقصى... اختبار السيادة

يتربع على مساحة 144 دونماً ويضم 3 مساجد وقبباً ومصاطب... تعرّض للاحتلال وظل يشكل قلب الصراع السياسي والديني والسيادي

الأقصى... اختبار السيادة
TT

الأقصى... اختبار السيادة

الأقصى... اختبار السيادة

من الصعب أن يعرف أحد كيف ستنتهي الأزمة المتصاعدة حول المسجد الأقصى، بعدما ركّبت إسرائيل بوابات إلكترونية لتفتيش المصلين أمام بوابات المسجد، وهو الأمر الذي رفضه الفلسطينيون بشدة، وقاوموه بالمقاطعة والدماء، إذ تبدو الاحتمالات واسعة ومفتوحة، تبدأ بتراجع إسرائيلي وإزالة البوابات، ولا تنتهي بتفجير انتفاضة جديدة رفضاً لهذه البوابات. لكن هل فعلاً أن الأزمة التي تسببت بكثير من التوتر وسفك الدم وتكاد تشعل المنطقة وتستجلب شبح الحرب الدينية، هي أزمة بوابات إلكترونية؟
لو كانت كذلك لكان يمكن بشكل سريع تسوية الأمر في اجتماع إسرائيلي - فلسطيني رفيع، أو إسرائيلي - أردني صغير، يتركز حول التفاصيل اللوجيستية. لكنها معركة أكبر، قديمة وعميقة وحساسة وحاسمة إلى حد كبير. البوابات ليست سوى واجهة لمعركة اختبار السيادة!
وإذا كان الجواب على سؤال لمن الأقصى اليوم؟ وحتى بالأمس وغداً، بديهياً عند أكثر من مليار مسلم، فإن السيادة على المسجد تبدو شأناً مختلفاً ومحل جدل وخلاف طويل ومبعث أزمة دائمة.
لقد اختصر وزير الأمن الإسرائيلي جلعاد أردان الموقف برمته في تعقيبه على الاعتراضات المتزايدة على تركيب الشرطة الإسرائيلية هذه البوابات على أبواب المسجد الأقصى في أعقاب هجوم فلسطيني أودى بحياة 2 من الشرطة الإسرائيلية، بقوله إنها «مسألة سيادة»، مضيفاً أن «إسرائيل غير ملزمة بأخذ موقف الأردن بعين الاعتبار، بكل ما يتعلق بتنفيذ القرارات التي تتخذها بشأن الحرم القدسي الشريف، وبما أن إسرائيل هي صاحبة السيادة في الحرم القدسي، فإن مواقف الدول الأخرى غير مهمة، وعليه، فإنه وبحال تم اتخاذ قرار له أسباب معينة، فعلينا تطبيقه دون الخضوع للضغوط الخارجية».
وكان أردان يعقّب على الإدانة العالية والاحتجاج الأردني الكبير على وضع إسرائيل البوابات الإلكترونية على أبواب المسجد، وهو اعتراض متعلق كذلك بالمس بالسيادة.
أما لماذا الأردن تحديداً؟ فلأن المملكة الهاشمية تحتفظ بحق الوصاية على المقدسات الإسلامية في القدس والأوقاف كذلك منذ احتلال إسرائيل للشق الشرقي من المدينة عام 1967، وفق اتفاق إسرائيلي - أردني. وقبل أعوام قليلة، في 2013، أكد اتفاق فلسطيني - أردني على حق الأردن في هذه الوصاية، على الرغم من أن الدولة الفلسطينية حظيت باعترافات دولية كثيرة.
ونصّت الاتفاقية التي وقّعت بين الملك عبد الله الثاني والرئيس محمود عباس، بأن تؤول الوصاية إلى الملك عبد الله الثاني في استمرار للدور المتصل في ملك المملكة الأردنية الهاشمية من سلالة الشريف الحسين بن علي حتى اليوم. وقالت الاتفاقية «إن رعاية ملك المملكة الأردنية الهاشمية المستمرة للأماكن المقدسة في القدس تجعله أقدر على العمل للدفاع عن المقدسات الإسلامية وصيانة المسجد الأقصى».
وهذا الدور الأردني القديم هو الذي قاد الأردن إلى رفض البوابات الإلكترونية باعتبارها مساً بهذا الدور، أي مساً بالسيادة.
وكان الناطق الرسمي باسم الحكومة الأردنية محمد المومني واضحاً حين قال إن أي شيء تقوم به إسرائيل يجب أن توافق عليه وزارة الأوقاف، مضيفاً أن «إسرائيل قوة محتلة وأن أي تغيير في الوضع القائم في القدس والمسجد الأقصى يخالف التزاماتها كقوة قائمة بالاحتلال». وتابع أن «المقدسات في القدس الشريف تحت الوصاية الهاشمية، والقانون الدولي يؤكد أن القوة المحتلة لا يمكن أن تغيّر الأوضاع القائمة على الأرض».
وخلال أيام طويلة خاض الأردن وإسرائيل مفاوضات مكثفة من أجل تجاوز الأزمة التي عُرِفت بـ«أزمة البوابات»، لكن الطرفين كانا يدركان أنها أزمة سيادة.
وقالت مصادر فلسطينية إن الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي ودولاً عربية وتركيا، دخلت على خط الأزمة حول المسجد الأقصى، وبعضها قدّم نصائح لإسرائيل، لكن المفاوضات المباشرة والطويلة تركزت بين تل أبيب وعمان.
وبحسب المصادر فإن مباحثات عميقة وماراثونية جرت بين إسرائيل والأردن، وفق اتفاق سابق، باعتبار إسرائيل مسؤولة خارج المسجد الأقصى، والأردن مسؤول عن داخل المسجد. وأضافت المصادر أن الأردن تمسك بإزالة البوابات الإلكترونية بشكل كامل ورفض حلولاً من قبيل إبقائها واستثناء فئات محددة في المصلين من التفتيش عبرها، كما رفض الاستبدال بالبوابات أجهزةً شخصية لكشف المعادن، باعتبار ذلك تغييراً للوضع القائم وإلغاء أي سيادة لوزارة الأوقاف على المسجد.
وقالت المصادر إنه جرى تبادل أفكار مثل إجراء تفتيش شخصي لمشتبهين فقط مع تركيب كاميرات إضافية داخل المسجد. لكن هذه المباحثات فشلت بعدما تمسكت إسرائيل بإبقاء البوابات.

غطرسة القوة
وانحاز رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى موقف رئيس الشرطة في القدس يورام هاليفي الذي لم يرض بإزالة البوابات لأنه لم يرضَ بأن يعطي الفلسطينيين في القدس صورة نصر. وتمترس هاليفي خلف موقفه في اجتماع للكابنيت الإسرائيلي (المجلس الأمني والسياسي المصغر) ترأسه نتنياهو ليلة الخميس واستمر حتى فجر الجمعة لبحث أزمة الأقصى.
وجرى الاجتماع الخميس بعد ضغوط أردنية وفلسطينية وإقليمية ودولية لتجنب تصعيد «يوم الجمعة». لكن نتنياهو في نهاية المطاف خضع لرأي الشرطة متجاهلاً توصية من جهاز الشاباك (الأمن العام) والجيش بإزالة البوابات لتجنب مواجهات ودم وتصعيد لا يُعرف عقباه.
وهو التصعيد الذي بدأ فعلاً ولا يُعرف كيف سينتهي؟

سيادة فلسطينية من نوع آخر
صحيح أن المعركة السيادية الفعلية على المسجد هي إسرائيلية - أردنية، لكن للفلسطينيين القول الفصل.
ولم يخطئ المحلل والكاتب الإسرائيلي نير حسون حين كتب في صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، أنه من الصعب أن نقول كيف ستنتهي الأزمة لكن الأيام الأخيرة أثبتت أن صاحب السيادة الحقيقي في الحرم ليس إسرائيل أو الأردن أو الأوقاف، بل هم الفلسطينيون المقدسيون.
ورأي حسون هذا جاء مدفوعاً بالزخم الشعبي الكبير الذي فرضه الفلسطينيون في القدس، الذين رفضوا الدخول للأقصى عبر البوابات وصلوا في الشوارع الخارجية وعلى أبواب المسجد ورابطوا وناموا أمام الأقصى واشتبكوا مع الإسرائيليين، وقدموا الدم في سبيل المسجد.
وأثبت المقدسيون أنهم الحلقة الأهم فيما يتعلق بالمسجد، بعدما فرضوا مواجهة صعبة على إسرائيل تنذر بجولة جديدة طالما أرادت إسرائيل تجنبها.
وتدفقت جماهير القدس والداخل إلى الأقصى من كل حدب وصوب في الجمعة الثانية لإغلاق المسجد الأقصى (21/ 7/ 2017) على الرغم من أن إسرائيل حاصرت القدس وأغلقت البلدة القديمة ونشرت 5 كتائب إضافية في المدينة لمواجهة «جمعة النفير».
وصلّى عشرات الآلاف من المقدسيين في الشوارع وأمام الحواجز الإسرائيلية مثلما فعل بقية سكان الضفة الغربية قبل أن تتحول هذه الصلوات إلى مناسبة للمواجهات المباشرة مع الجنود في الشوارع والأزقة خلفت الكثير من الدم المسفوح.
لقد فرض المقدسيون ومعهم بقية سكان الضفة الغربية مواجهة مباشرة مع إسرائيل، وهي مواجهة مدعومة من المستويات السياسية والدينية والفصائلية.
بل ذهب الرئيس الفلسطيني محمود عباس إلى التحذير من أن استمرار المس بالأقصى قد يفجّر حرباً دينية لا طاقة لطرف بها، وهي معركة وصفها رئيس حركة «حماس» إسماعيل هنية بأنها معركة مفتوحة «دونها ترخص الدماء وتهون الأرواح».
وفي الواقع، لم يظهر الفلسطينيون موحدين منذ فترة طويلة مثلما توحدوا في معركة الأقصى.
وعلى الرغم من أن آخر ما يريده الإسرائيليون والفلسطينيون هي حرب دينية. لكن عملياً فإن شبح هذه الحرب يطل برأسه مجدداً مع الاتهامات الفلسطينية والأردنية لإسرائيل بمحاولة فرض أمر واقع جديد في المسجد تمهيداً لتقسيمه زمانياً ومكانياً، بما يعطي الإسرائيليين حق الصلاة فيه، وهو ما تنفيه إسرائيل، مصرة على أنها لا تسعى إلى تغيير الوضع القائم.
وقال قاضي قضاة فلسطين محمود الهباش في خطبة الجمعة التي حضرها عباس فيما كانت الضفة تشتعل: «ليست مسألة أمنية، هذا كلام فارغ. إنها مؤامرة إسرائيلية للسيطرة على الأقصى لكن هذه المؤامرة ستفشل. سندوس بواباتكم تحت أقدامنا وسنسقط جدرانكم، وظلمكم لن يدوم».
لكن إسرائيل تنفي أنها تخطط لتغيير الوضع القائم.
وخلال 50 عاماً على احتلال المسجد، ظلت الحكومة الإسرائيلية تقول إنها تحافظ على هذا «الوضع القائم»، أي السماح للمسلمين بالصلاة في الأقصى والسماح للإسرائيليين بزيارته ضمن برنامج السياحة الخارجي، لكن التطورات على الأرض خلال السنوات القليلة الماضية تشير إلى عكس ذلك.
وطالما جاهر مسؤولون إسرائيليون في السنوات الماضية بضرورة السماح لليهود بالصلاة في «جبل الهيكل»، وراح هؤلاء ينظمون زيارات بعضها استفزازي للأقصى، ويطرحون على الكنيست الإسرائيلي قوانين لتقسيم المسجد وفرض السيادة الإسرائيلية عليه، وهي التحركات التي كانت بمثابة الشرارة الأولى وخلّفت مواجهات متفرقة وطويلة لا يعتقد أن تكون مواجهة هذه الأيام آخرها.
وقال الشيخ عمر الكسواني، مدير المسجد الأقصى، إن إبقاء إغلاق الأقصى لفترة أطول سيكون بمثابة دعوة للعنف ليس في المنطقة وحسب وإنما الإقليم والعالم. وأضاف الكسواني لـ«الشرق الأوسط»: «إسرائيل الآن تعيد احتلال المسجد. لأول مرة منذ 1967 يمنع رفع الأذان وإقامة الصلوات بما في ذلك صلاة الجمعة».
وعلاقة الفلسطينيين بالأقصى تبدو مختلفة. فخلال أيام طويلة رفض الفلسطينيون الدخول إلى المسجد الأقصى عبر البوابات الإلكترونية وحتى عندما حاولت إسرائيل استدراج بعضهم للدخول دون تفتيش رفضوا كذلك.
وظل الأقصى للمرة الأولى منذ 50 عاماً دون مصلين وحتى دون أي مسؤولين وحراس من دائرة الأوقاف الذين تعاملوا مع الأمر باعتباره سحباً لسيادتهم عن المكان وفرضاً للسيادة الإسرائيلية عليه. وسمحت إسرائيل، في المقابل، ليهود متطرفين بدخول الأقصى ضمن برامج الزيارات.
وأثار مشهد بقاء المسلمين خارج المسجد ووجود يهود بداخله غضباً شعبياً كبيراً بين الفلسطينيين.
وقال الشيخ محمد حسين، مفتي القدس والديار الفلسطينية، لـ«الشرق الأوسط» إن الفلسطينيين لن يقبلوا بأقل من المرور بحرية وكرامة إلى مسجدهم.
ووجه المفتي دعوة واضحة لمقاطعة كل الإجراءات الإسرائيلية في المسجد، حتى تعود إسرائيل عنها وتفتح كل بوابات المسجد كما كانت.
وعادت المرجعيات الدينية ووجهت الفلسطينيين بالاستمرار في الصلاة خارج المسجد حتى فك البوابات.
وقال المفتي: «إنه موقف مبدئي. قلنا ونقول إن الأقصى حق خالص للمسلمين وليس لإسرائيل أي سيادة عليه».

تاريخ من الصراع
ومنذ احتلت إسرائيل المسجد عام 1967 لم يعترف الفلسطينيون ولا الأردنيون بسيادة إسرائيل على المسجد.
والمعركة الحالية ليست الأولى على الإطلاق، فقد تعرض المسجد لاستهداف طويل وفجّر معارك مختلفة. وطالما كان المسجد، وهو أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين لدى المسلمين، بؤرة توتر كبير مع إسرائيل التي تحتله، بسبب القدسية الكبيرة للمسجد بالنسبة للفلسطينيين والمسلمين، وكذلك لليهود الذين يقولون إن حائط البراق هو «آخر بقايا المعبد اليهودي (الهيكل)».
وبعد عامين فقط من احتلاله، عام 1969، أحرق اليهودي مايكل دنيس روهان المسجد الأقصى المبارك، وأتت النيران على جزء منه بما في ذلك المنبر الذي أحضره صلاح الدين إلى المسجد. وفي عام 1976، أصدرت إسرائيل حكماً قضائياً، يسمح لليهود بالصلاة داخل الحرم، وفي عام 1980 جرت محاولة من حاخام متطرف لنسف المسجد لكنها اكتشفت. وفي العام 1982، أقدم أحد جنود جيش الاحتلال الإسرائيلي على مهاجمة مسجد قبة الصخرة المشرفة، أما عام 1996 فافتتحت إسرائيل نفق الأقصى، وهو ما أشعل «هبة الأقصى» التي أدت إلى مقتل 62 فلسطينياً و15 إسرائيلياً، وسقوط مئات الجرحى.
ولم تتوقف اقتحامات المسجد مطلقاً، حتى أشعل الأقصى في عام 2000 انتفاضة عُرِفَت باسمه، وكانت دامية وخلّفت آلاف الضحايا الفلسطينيين وعدداً كبيراً من القتلى الإسرائيليين، جراء اقتحام أريئيل شارون (رئيس حزب الليكود المعارض آنذاك) المسجد.
وفي عام 2015 أدَّت الزيارات المتكررة المستفزة إلى إطلاق ما عُرف بـ«انتفاضة السكاكين» التي لا تزال مستمرة بوتيرة بطيئة وكانت آخر عملياتها قبل أيام إطلاق النار وقتل شرطيين في مكان قريب من الأقصى، وهو ما فجّر أزمة البوابات الإلكترونية، ويكاد يشعل انتفاضة أخرى جديدة.
وصف الشاعر الفلسطيني الراحل محمود درويش مدينة القدس التي جرّبت كل أنواع الاحتلالات، قائلاً: «يا امرأة من حليب البلابل كيف أُعانق ظلّي وأبقى»، مضيفاً: «مدينة لا تنام وأسماؤها لا تدوم. بيوت تغيَّر سكانها. والنجوم حصى».

المسجد الأقصى
* هو وقف إسلامي خالص ويضم كامل الأرض التي يقام عليها 3 مساجد وكثير من القباب والمصاطب ومساحتها 144 دونماً (الدونم ألف متر مربع). وتأخذ هذه المساحة شكل مستطيل غير منتظم، طول ضلعه الغربي 491 متراً، والشرقي 462 متراً، والشمالي 310 أمتار، والجنوبي 281 متراً.
يقع في هذه المساحة كل من قبة الصخرة المشرفة (القبة الذهبية)، والجامع القِبْلِي والمصلى المرواني.
- المسجد القبلي الرئيس وهو جزء من المسجد. مبنى مسقوف تعلوه قبة رصاصية، وسمي بالقبلي لأنه يقع جنوب المسجد باتجاه القبلة. كان أول من أمر ببنائه الخليفة عمر بن الخطاب عند فتحه القدس عام 15هـ الموافق 636م، وهو المصلى الرئيسي الذي يصلي فيه الرجال.
المصلى المرواني
يقع أسفل المسجد الأقصى وعرف قديماً بالتسوية الشرقية.
بناه الأمويون كتسوية معمارية، ويرجح أن يكون قد بني قبل الجامع القِبْلي، واستخدم للصلاة حتى تم بناء الجامع القبلي.
يضم المصلى 16 رواقاً حجرياً قائماً على دعامات حجرية قوية، ويمتد على مساحة تبلغ نحو أربعة دونمات ونصف الدونم، ويمكن الوصول إليه من خلال سلم حجري يقع شمال شرقي الجامع القِبْلي، أو من خلال بواباته الشمالية الضخمة المتعامدة على السور الشرقي للمسجد الأقصى.
خلال فترة الاحتلال الصليبي للقدس، حوله المحتلون إلى إسطبل لخيولهم، ومخزنٍ للذخيرة، وسموه «إسطبلات سليمان». ولا يزال بالإمكان رؤية الحلقات التي حفروها في أعمدة هذا المصلى لربط خيولهم.
قبة الصخرة
أهم وأبرز المعالم المعمارية الإسلامية، ويُعتبر أقدم بناء إسلامي، وبنيت عام 691م، على يد الخليفة الأموي عبد الملك بن مروان.
ويضم المسجد الأقصى، أي المساحة التي تشمل 144 دونماً، سبعة أروقة: رواق أوسط وثلاثة من جهة الشرق ومثلها من جهة الغرب، وترتفع هذه الأروقة على 53 عموداً من الرخام و49 سارية من الحجارة.
يوجد للأقصى 11 باباً، سبعة منها في الشمال وباب في الشرق واثنان في الغرب وواحد في الجنوب.
كما يضم 25 بئراً للمياه العذبة، وقباباً شهيرة بينها قبة السلسلة وقبة النبي.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.