«أصيلة» تشخص نظرة الغرب إلى المسلمين المهاجرين عبر التاريخ

من خلال شهادات مفكرين عرب وأجانب حول أوضاعهم في عدد من الدول الأوروبية

جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)
TT

«أصيلة» تشخص نظرة الغرب إلى المسلمين المهاجرين عبر التاريخ

جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)

شخّص نخبة من المفكرين والأكاديميين المغاربة والعرب والأجانب تاريخ وحاضر المسلمين، والتغييرات التي طرأت في النظرة لهم عبر العقود من طرف دول الغرب، وذلك خلال الجزء الثاني من ندوة «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» المبرمجة ضمن ندوات موسم أصيلة الثقافي الـ39.
وتحدث أحمد المديني، الروائي والكاتب المغربي، عن وضع المسلمين في فرنسا بداية من الثمانينات من خلال تجربته الشخصية هناك، وأوضح المديني أن الإسلام لم يقدر له الاندماج في فرنسا، ولم تتماسك صورة التعايش بين المسلمين وبلدان الاستضافة، بفعل أسباب اقتصادية وأخرى ثقافية، هي عبارة عن نشوء رغبة متنامية لديهم بالتميز «هوياتية»، فكانت العقيدة حاضرة فيها باستمرار، فتعمقت ليصبح الدين عبادة وطقوسا، هوية وعنوانا، أكثر منه قناعة.
وبرأي المديني، فإن فكرة الإدماج في فرنسا فشلت في عقيدة جمهورية ترفض فكرة التجمعات المغلقة، حيث تستقل كل جالية بثقافتها ونمط عيش مخالف للجمعي، وهي مسؤولية إشكالية مشتركة صنعت شقوقا تسربت منها نعرة العنصرية، وآيديولوجية أكثر من إسلام، انزرعت في أوروبا وهي تبذر وتحرث عقائدها الأجنبية.
من جهته، قال أحمد عبد الملك، وهو أكاديمي وإعلامي قطري، إن هناك نوعين من المهاجرين المسلمين في الغرب: الأول هم المهاجرون الأوائل الذين ذابوا في المجتمع وآمنوا بنعمة التسامح وعدم رفض الآخر، مشيرا إلى أن هؤلاء كانوا من أنجح المهاجرين المسلمين، وتسلموا مناصب كبيرة وخدموا المواطنين في مجتمعاتهم. أما النوع الثاني فهو الذي هاجر محتفظا بأفكاره وثقافته الأصلية، وهو يحمل رسالة مضمونها تحويل من في الأرض إلى الدين الإسلامي، وهذا النوع لم يستطع الاندماج في المجتمع الذي ذهب إليه، وظل يمارس طقوسا لا يقبلها المجتمع.
واستغرب عبد الملك وجود جماعة من المسلمين الشبان في بريطانيا يحملون لافتات ويدعون إلى مظاهرات ضد بريطانيا، في الوقت الذي لا يستطيعون فيه رفع رؤوسهم في أوطانهم أمام الحكم الظالم، وهم في الأغلب من غير المتعلمين الذين هاجروا عن طريق قوارب الموت، ولا يحملون شهادات عليا، وتورطوا في تجارة المخدرات والسرقة، مضيفا أنه بعد ذلك أتت أحدات 11 سبتمبر (أيلول)، التي كانت العمود الجديد الذي أدى إلى النظرة الحادة ضد المسلمين وضد العرب. أما أوميرو مارونجيو، المختص بعلم الاجتماع وبالإسلام في فرنسا، فيرى أن أوروبا تحتاج إلى الهجرة وإلى المهاجرين؛ لأنها تفقد مليون شخص كل سنة، ولأجل ذلك فتحت ألمانيا أبوابها للهجرة الاقتصادية والهجرة السياسية، علما بأن كثيرا من اللاجئين السوريين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة والطبقة المتوسطة العليا، والذين ينسجمون مع المجتمع الأوروبي ويشكلون إضافة إليه.
من جهته يرى خالد حجي، الأمين العام للمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة ورئيس منتدى بروكسل للحكمة والسلم العالمي، أن على المسلمين أن يستوعبوا روح العصر ومقاييسه الجديدة، مبرزا أن الشباب في أوروبا يعيش الدين كثقل وليس كرافعة، وجاهزيته الثقافية منخفضة جدا، بحيث لم ينفذ إلى روح الفنون وروح العصر في أوروبا، وأنه من المهم جدا التحدث بلغة العصر، وارتفاع المستوى البلاغي في التخاطب في بيئة أوروبية مختلفة.
في السياق نفسه، ركز عز الدين عناية، أستاذ العلوم الإسلامية بجامعة روما، على وضع المسلمين في إيطاليا الذين يشكلون نحو مليونين، لكن مع ذلك تبقى الهجرة في إيطاليا، برأيه، حديثة لا يتجاوز عمرها 4 عقود، موضحا أن أوائل المهاجرين المسلمين إلى إيطاليا كانوا من المغرب، ويشكلون تقريبا نصف مليون شخص، لذلك غلبت تسمية العرب هناك بـ«المغربي» لكنها في الدلالة العامة تعني المسلم، مشيرا إلى أن الإسلام في إيطاليا له صبغة عمالية أصيلة، فرغم أن هناك جمعيات كثيرة أنشأت في العمل الديني بالخصوص، وفي المطالبة الحقوقية بشكل عام، فإن هذه الجمعيات تحاول أن تحضر في المجتمع الإيطالي من خلال تأسيس المساجد، حيث تبدو الجالية ذات إسلام بسيط، لكن داخل هذه الشبكة هناك ما يعرف باتحاد الجمعيات الإسلامية، وهو الأكثر نشاطا والأكثر هيكلة. لكن هذا الاتحاد يبقى يأتمر بخلفية إخوانية سياسية، في حين تنظر إليه الدولة الإيطالية نظرة ريبة.
من جهة ثانية، أوضح ديفيد بروك مدير مشروع «فكرة» بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بواشنطن، أنه لا يمكن الحديث عن أحوال المسلمين في الغرب دون الإشارة إلى دونالد ترمب وسياسته ضد المسلمين، بدءا من الحملة الانتخابية إلى توليه السلطة من خلال الخطابات والسياسات المليئة بالحقد والأفكار المقولبة عن الإسلام والمسلمين، لكن في رأي بروك فإنه رغم الدعم الذي يحظى به ترمب من صفوف كبار المسؤولين ومن طرف الجمهور، فإن هؤلاء يمثلون ثلث سكان أميركا، بناء على استفتاء عام، أظهر أن هناك شرائح تبدي الحقد ضد الإسلام، لكن سائر الجمهور يدعمه، وأن هناك من يعترض على أي تمييز على اعتبارات دينية وربط الدين بالإرهاب.
من ناحية أخرى، قدم حسونة المصباحي، الروائي والإعلامي التونسي، شهادة عن وضع المسلمين في ألمانيا، التي عاش فيها طويلا، وتطرق إلى ذلك مند بداية الستينات حيث بدأت حركة هجرة المسلمين إلى أوروبا، وواجهوا أشكالا من العنصرية والعنف، لكن المثير وقتها هو مساندة كبار المثقفين الأوروبيين من خلال كتاباتهم ودراساتهم، فكبار مفكري ومثقفي فرنسا وبرلين ساندوا العمال المهاجرين المسلمين، ودافعوا عن هويتهم لدرجة أن بعضهم حضر مظاهرات لمساندة المسلمين وقتها، لكن الوضع بدأ يتغير مع نهاية السبعينات بعد الثورة الإيرانية التي انتزع منها الجانب المدني لتصبح ثورة دينية.
وأضاف المصباحي أنه في فترة الثمانينات تبدل الوضع أيضا عندما قتل أنور السادات وبدأ الإرهاب، وبدأ تقديم الإسلام على أنه هو الحل، وكثرت الموجات الأصولية التي أسفرت مثلا عن عمليات عنف في تونس على أساس أن الإسلام مظلوم في تونس، وأنه لا بد من العنف لإعادة الاعتبار للإسلام، ومنه بدأت صورة الإسلام تتشوه في أوروبا، ومن جهتها، بدأت الدول العربية الغنية تبني مساجد، ولم تفكر دولة عربية واحدة في بناء مركز ثقافي، إذ أصبح هناك خلط بين الدين والهوية، حسب رأيه.
من جهته أوضح إيرك بونس جيوفروي، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة ستراسبورغ الفرنسية، أن «داعش» يستقطب مقاتليه ومسانديه من فكرة المظلومية لدى قطاعات واسعة من المسلمين، ولكن أيضا من اعتقاد البعض بهوان الدنيا واقتراب موعد فنائها وظهور علامات الساعة وعودة المهدي المنتظر، مضيفا أنه من بين الأسباب أيضا الرغبة النرجسية الدفينة في الظهور والبطولة واكتساب الاعتراف.
أما محمد البشاري، رئيس الفيدرالية الوطنية للمسلمين بفرنسا، وأمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي، ورئيس معهد ابن سينا للعلوم الإنسانية، فقال إن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما طرح في خطاب له بنيويورك سنة 2014 مصطلح التطرف الديني العنيف، قبل أن تتبناه الأمم المتحدة لاحقا في خطاب لأمينها العام السابق بان كي مون سنة 2016، مميزا بين الإرهاب والتطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب. ونقل البشاري عن دراسة علمية أن «داعش» جندت بين سنتي 2014 و2015 نحو 50 ألف مقاتل، من بينهم 12 ألفا من أوروبا و6 آلاف من روسيا، موضحا أن 50 في المائة من هؤلاء المقاتلين من الأقليات من خارج العالم الإسلامي، وأن 85 من مقاتلي تنظيم القاعدة تم استقطابهم من داخل السجون والمساجد، والنسبة نفسها استقطبها تنظيم داعش عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
من جهة ثانية، نبه البشاري بأن أزيد من 20 في المائة من الفتيان الذين تقل أعمارهم عن 20 سنة يبحثون عن المعلومة الدينية في مواقع التواصل الرقمي، مشيرا إلى أن هناك ما لا يقل عن 35 موقعا يجيش صغار السن ويحببهم في القتال إلى جانب «داعش» لـ«إعادة دولة الخلافة الإسلامية».
وتضيف الدراسة، حسب البشاري، أنه تبين أن 450 من العائدين من «داعش» إلى فرنسا وبلجيكا ليست لديهم خلفية مذهبية واضحة، وأن 65 في المائة من المستقطبين لم يطلعوا إلا على أبجديات الدين الإسلامي، وبعضهم من أسر غنية ومثقفة قبل أن يتشربوا «بعقيدة الموت، والولاء المتعدد لغير الدولة الوطنية، وتكفير الدولة والمجتمع، وحلم الخلافة، ووهم إقامة العدالة الإلهية فوق الأرض، والالتحاق الفوري بنعيم الجنان».
من جهته، أبرز محمد بن صالح، مدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا بجامعة غرناطة، أنه بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، التي كان مرتكبوها من خريجي الجامعات الميسورين، ارتفع في الولايات المتحدة صوت «إما معنا أو ضدنا»، قبل أن يخفت قليلا ويروج صوت غياب الديمقراطية في بلدان في العالم، لتسعى واشنطن بعدها إلى تصدير الديمقراطية ولو بفرضها بالقوة.



الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
TT

الحوثيون يضغطون على جبهات القتال بقصف التجمعات السكانية

آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)
آثار قصف حوثي على منازل المدنيين في تعز (أ.ب)

اتسعت التداعيات الإنسانية للتصعيد الحوثي في اليمن مع تكثيف الجماعة استهداف التجمعات السكنية في ريف محافظة لحج ومحيط مدينة تعز، وفق مصادر حكومية، في وقت تزداد فيه أعداد الأسر الفارة من مناطق المواجهات، وتواجه فيه المنظمات الإغاثية احتياجات متنامية في بلد يعاني بالفعل من واحدة من أوسع الأزمات الإنسانية.

وقالت المصادر لـ«الشرق الأوسط» إن الحوثيين كثفوا، بعد تعثر محاولاتهم تحقيق تقدم ميداني، استهداف القرى في مديرية المضاربة التابعة لمحافظة لحج بالصواريخ والطائرات المسيّرة، بصورة شبه يومية، ما أجبر مئات الأسر على الفرار والانضمام إلى موجات نزوح آتية من الساحل الغربي وأطراف لحج.

وأضافت أن هذه الهجمات تستهدف، حسب تقديرها، الضغط على رجال القبائل ودفعهم إلى التوقف عن مساندة القوات الحكومية.

وفي محيط مدينة تعز، أفادت المصادر بأن الحوثيين استهدفوا قرى في جبل صبر بالطائرات المسيّرة وقذائف الهاون، في محاولة للحد من مقاومة وحدات القوات الحكومية والمتطوعين من السكان، الذين تصدوا خلال الأيام الماضية لهجمات متكررة سعت الجماعة من خلالها إلى اختراق الجبهة.

طفلة مصابة جراء قصف الحوثيين ترقد في مستشفى بمدينة تعز (رويترز)

وتأتي هذه التطورات بينما تواجه تعز، وفق المصادر، حصاراً مستمراً منذ 20 يوماً، في وقت يفاقم فيه القتال صعوبة وصول المدنيين إلى الخدمات والاحتياجات الأساسية، ويزيد الأعباء على السلطات المحلية والمنظمات الإنسانية.

تحذيرات إنسانية

على وقع التداعيات الإنسانية للهجمات الحوثية، حذّر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن التصعيد الراهن فاقم أزمة إنسانية ممتدة، مشيراً إلى أن 22.3 مليون شخص في اليمن يحتاجون إلى مساعدات إنسانية، بينهم نحو 5.2 مليون كانوا نازحين داخلياً قبل موجة التصعيد الأخيرة.

وأوضح الاتحاد، في تقرير حديث، أن القتال وانعدام الأمن أعاقا الوصول إلى الرعاية الصحية والتعليم والأسواق والإمدادات الأساسية، بينما تصل الأسر النازحة إلى مناطق الاستقبال بممتلكات محدودة، وتحتاج إلى المأوى والأدوات المنزلية والغذاء والمياه النظيفة والرعاية الصحية.

فارون من التصعيد الحوثي يعيشون في مواقع تفتقر إلى أبسط مقومات الحياة (إعلام محلي)

وأشار إلى أن المجتمعات المضيفة تواجه بدورها ضغوطاً كبيرة على الخدمات والموارد، في حين يؤدي تكرر النزوح إلى تدهور سبل العيش وارتفاع مخاطر الحماية، ويزيد احتمالات اضطرار مزيد من الأسر إلى مغادرة مناطقها.

وشدد الاتحاد على ضرورة استمرار وصول المساعدات الإنسانية وتوفير استجابة مرنة تتناسب مع تغير الاحتياجات الميدانية، خصوصاً في المناطق التي تعيق فيها الظروف الأمنية حركة السكان والإمدادات.

ووفق التقرير، تواجه الأسر النازحة عوائق متداخلة في الحصول على المأوى والغذاء والمياه النظيفة والصرف الصحي والتعليم والرعاية الصحية. كما يؤدي انعدام الأمن وإغلاق الطرق إلى تعطيل الأسواق وخطوط الإمداد وعمليات إيصال المساعدات، بينما يحد فقدان مصادر الدخل واستنزاف الأصول وارتفاع الأسعار من قدرة الأسر على شراء احتياجاتها الأساسية.

ولفت الاتحاد إلى أن المجتمعات المعزولة تواجه قيوداً أشد، إذ يصبح الحفاظ على الإمدادات التجارية واستمرار الخدمات الأساسية أكثر صعوبة، في وقت يفاقم فيه انعدام الأمن الغذائي هشاشة الأسر التي تعاني أصلاً من نقص الغذاء.

مع استمرار التصعيد الحوثي يتواصل تدفق النازحين إلى مناطق سيطرة الحكومة (إعلام محلي)

وفي مؤشر على حجم الأزمة، ذكر التقرير أن نحو 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة يعانون من سوء التغذية الحاد على مستوى البلاد، محذراً من أن استمرار الحصار وانقطاع المساعدات قد يزيدان تدهور الأوضاع، خصوصاً بين الأطفال الصغار والنساء الحوامل والمرضعات.

وأضاف أن النزوح المتكرر يستنزف قدرة الأسر على التكيف مع الأزمات. وأظهر تقييم سريع أُجري في ثلاثة مواقع للنزوح أن نحو 45 في المائة من الأسر التي شملها التقييم سبق أن تعرضت للنزوح.

وأكد التقرير أن هذه النسبة تعكس أوضاع الأسر التي شملها التقييم في المواقع الثلاثة، ولا ينبغي تعميمها على جميع النازحين في اليمن.

مخاطر إضافية

في سياق المخاوف الإنسانية، حذر الاتحاد الدولي لجمعيات الصليب الأحمر والهلال الأحمر من أن خسارة الممتلكات وعدم استقرار سبل العيش يقوضان قدرة الأسر على مواجهة الأزمات، ويزيدان مخاطر لجوئها إلى وسائل تكيف ضارة، من بينها عمالة الأطفال.

وأشار إلى أن المعاناة تتجاوز نقص الغذاء والمأوى، لتشمل صعوبات إضافية تواجه الأسر التي تعيلها نساء، والأطفال المنفصلين عن ذويهم، وكبار السن، والأشخاص ذوي الإعاقة، والمرضى الذين يحتاجون إلى علاج منتظم.

الحوثيون يستهدفون القرى السكنية للضغط على القوات الحكومية (إعلام محلي)

كما تواجه النساء والفتيات مخاطر حماية إضافية في المناطق التي تفتقر إلى المأوى الملائم ومرافق الصرف الصحي، بينما قد يعجز الأشخاص ذوو القدرة المحدودة على الحركة أو الموارد عن مغادرة المناطق المعزولة أو الوصول إلى الخدمات الأساسية.

وتعكس هذه التحذيرات اتساع الفجوة بين الاحتياجات الإنسانية والقدرة على تلبيتها، مع استمرار المواجهات وتكرر النزوح وتعطل الطرق والإمدادات، وهي عوامل تزيد هشاشة الأسر، وتضع المجتمعات المستقبلة للنازحين أمام أعباء إضافية.


1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
TT

1400 قتيل خلال شهرين... ذمار تدفع فاتورة الاستنزاف الحوثي

جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)
جانب من معرض صور سابق للقتلى أقامته الجماعة الحوثية في ذمار (إكس)

خسرت الجماعة الحوثية أكثر من 1400 مقاتل من محافظة ذمار، الواقعة على بعد نحو 100 كيلومتر جنوب صنعاء، خلال شهرين، في حصيلة محلية تكشف عن حجم الاستنزاف البشري المتصاعد في صفوفها، بالتزامن مع تكثيف أنشطتها التعبوية وإقامة معارض لصور قتلاها في مدينة ذمار و12 مديرية تابعة لها، ضمن مسعى لتحويل خسائرها المتلاحقة إلى أدوات للتحشيد والتجنيد وتعويض النقص في مقاتليها.

وقالت مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط»، إن قتلى الجماعة سقطوا في جبهات متفرقة، أبرزها تعز والضالع والجوف والساحل الغربي ومأرب، مشيرةً إلى أن معارض الصور ومواكب التشييع التي تشهدها المحافظة تكشف عن جانب من حجم الخسائر التي تتكبدها الميليشيات، في وقت تواصل فيه الدفع بمزيد من أبناء المحافظة إلى خطوط المواجهة لتعويض قتلاها.

الحوثيون يقيمون معارض صور قتلاهم لتمجيد ثقافة الموت (فيسبوك)

وخلال الأيام الماضية، كثفت الجماعة إقامة معارض صور لقتلاها في مدينة ذمار وبقية مديريات المحافظة، ضمن فعاليات أسبوعها السنوي المخصص للقتلى، مستغلةً المناسبة لتكريس خطابها التعبوي وتطبيع المجتمع مع الموت في الجبهات، بدلاً من الإقرار بالتكلفة الإنسانية الباهظة لمعاركها وما تخلّفه من مآسٍ في أوساط الأسر اليمنية.

معارض مفتوحة

في مدينة ذمار، حوَّلت الجماعة الحوثية عدداً من الأحياء والشوارع الرئيسية والمدارس والمساجد والمقرات الحكومية إلى معارض مفتوحة لصور مئات من قتلاها، بينهم أطفال وصغار سن، سقطوا في جبهات القتال المختلفة، وفقاً للمصادر المحلية.

وامتدت الفعاليات إلى مديريات وصاب العالي، وعنس، وضوران آنس، ووصاب السافل، ومغرب عنس، وجبل الشرق، وجهران، وميفعة عنس، والحداء، والمنار، وعتمة، حيث نصبت الجماعة المعارض والخيام لعرض صور القتلى، في مشهد يعكس اتساع نطاق خسائرها ومحاولاتها توظيفها في خدمة أجندتها العسكرية والتعبوية.

معرض أقامه الحوثيون لصور قتلاهم من مدينة ذمار (إعلام حوثي)

ولم تقتصر المعارض على قتلى الجبهات، بل شملت، حسب المصادر، فئات مرتبطة بالتعبئة العامة والحشد والأقسام الأمنية، إلى جانب موظفين في المكاتب الحكومية، بمن فيهم العاملون في القطاع التربوي والطلبة الذين دفعت بهم الجماعة إلى جبهات القتال.

وفي مؤشر على محدودية التجاوب الشعبي مع فعاليات الجماعة، كشفت المصادر عن ممارسة الجماعة الحوثية ضغوطاً على السكان في مناطق متفرقة من ذمار لإجبارهم على تنظيم زيارات جماعية إلى معارض القتلى، غير أن هذه المساعي لم تحقق الإقبال الذي كانت تتطلع إليه الجماعة، إذ وصفت المصادر الحضور بأنه «باهت»، رغم محاولات فرض المشاركة.

مواكب تشييع

بالتوازي مع المعارض، واصلت الجماعة الحوثية تنظيم مواكب تشييع قتلاها، وإغراق الشوارع والحارات والأزقة في المدينة ومديريات المحافظة بصورهم وشعاراتها الطائفية، ضمن حملة دعائية تسعى من خلالها إلى إظهار التعبئة بوصفها حالة شعبية، رغم ما يصاحبها من ضغوط على السكان الذين يواجهون ظروفاً معيشية قاسية.

ويؤكد ناشطون من ذمار أن تكثيف إقامة معارض القتلى يعكس حجم النزيف البشري في صفوف الجماعة، موضحين أنها تستغل فعالياتها السنوية لتجديد خطابها التعبوي واستهداف صغار السن والموظفين الخاضعين لسلطتها، بدلاً من التعامل مع الخسائر بوصفها مأساة إنسانية تطول الأسر والمجتمع.

الحوثيون يجبرون السكان على الاحتشاد لزيارة مقابر القتلى في ذمار (إكس)

وحذر الناشطون من أن تحويل صور القتلى إلى أدوات للتحشيد يفتح الباب أمام مزيد من الاستنزاف، عبر دفع شباب جدد إلى الجبهات لتعويض النقص في صفوف الميليشيات، بما يفاقم معاناة الأسر ويُبقي المحافظة رهينة دوامة متواصلة من الخسائر البشرية.

وفي وقت يواجه فيه الملايين في مناطق سيطرة الحوثيين أوضاعاً معيشية وإنسانية متدهورة، قدرت مصادر يمنية مطلعة أن الجماعة أنفقت مليارات الريالات اليمنية (الدولار 535 ريالاً) على طباعة صور قتلاها، وتجهيز المعارض، وتنظيم الفعاليات المصاحبة لها في مناطق سيطرتها، في وقت تكافح فيه أسر كثيرة لتأمين احتياجاتها الأساسية وسط الفقر وتراجع القدرة الشرائية.

وتكشف هذه النفقات عن اختلال أولويات الجماعة، التي تخصص موارد كبيرة لأنشطتها الدعائية والتعبوية، بينما تتفاقم الأعباء المعيشية على السكان وتتراجع قدرتهم على توفير متطلبات الحياة اليومية.


تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
TT

تعز تتصدّى لهجمات حوثية عنيفة في جبهتها الجنوبية

القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)
القوات الحكومية اليمنية تخوض مواجهات عنيفة ضد الحوثيين في جبهات تعز (أ.ف.ب)

دخلت عملية «فجر اليمن»، التي أطلقتها الحكومة اليمنية يومها الرابع والعشرين، الأربعاء، مع تصاعد القتال في الجبهات الجنوبية لمدينة تعز؛ حيث كثّفت الجماعة الحوثية هجماتها على قرى ومديريات صبر، في محاولة للوصول إلى جبل صبر الاستراتيجي المطل على المدينة، بالتزامن مع استمرار المعارك في جبهاتها الغربية، وتوسع العمليات العسكرية إلى محور باب المندب، وسط ضربات جوية استهدفت مواقع للجماعة في مناطق متفرقة.

وتتركز المواجهات في جبهات الشقب وكحلان والأقروض؛ حيث تسعى القوات الحوثية، وفق تقديرات ميدانية، إلى السيطرة على مواقع تتيح لها إغلاق الطرق الجبلية البديلة التي يستخدمها السكان والقوات الحكومية للتنقل بين مديريات الريف الجنوبي، بما يُعزز عزل المدينة، ويُقيد حركة الإمدادات والإسناد العسكري.

وتكتسب هذه الجبهات أهمية إضافية لكونها تربط مديريات صبر والموادِم والمسراخ بالريف الجنوبي لتعز، ويؤدي اختراقها، حسب التقديرات الميدانية، إلى عزل القوات المدافعة عن بعضها وقطع خطوط الإسناد عنها، في وقت تحاول فيه الجماعة تعويض خسائرها وتراجعها في الجبهات الغربية، خصوصاً تلة الميدان ومحيط طريق الضباب.

مقاتل من القوات الحكومية اليمنية يطلق النار من رشاش مثبت على دراجة نارية باتجاه الحوثيين (أ.ف.ب)

وتحدّثت أنباء ميدانية عن معارك عنيفة في جنوب جبل صبر، تركزت في جبهتي كحلان والشقب، وسط ترجيحات بأن الجماعة شنت هجوماً سعت من خلاله إلى انتزاع مواقع من القوات الحكومية والمقاومة الشعبية المدافعة عن المنطقة.

وأفادت مصادر عسكرية بأن القوات الحكومية والمقاومة الشعبية تمكنت من التصدي لهجوم حوثي استهدف قريتي كحلان وحمة في مديرية المسراخ جنوب تعز، فيما تواصلت المواجهات في المحاور الغربية للمدينة بالتزامن مع ضربات جوية استهدفت مواقع الجماعة وتعزيزاتها.

مركبات مصطفة من قوات «درع الوطن» على جانب طريق عقب عملية عسكرية في منطقة باب المندب (رويترز)

وفي محور باب المندب، أعلنت قوات «درع الوطن» و«ألوية العمالقة الجنوبية» تنفيذ عملية عسكرية سيطرت خلالها على مرتفعات ومواقع استراتيجية، وأوقعت خسائر بشرية ومادية في صفوف الحوثيين. وتواصل القوات، بدعم جوي من التحالف، عملياتها ضد جيوب الجماعة المتبقية في المنطقة، والمتحصنة في التلال والمناطق المزروعة بالألغام.

وامتدت الضربات الجوية، وفق المعطيات الميدانية، إلى المخا وحرف سفيان شمال محافظة عمران، في إطار اتساع نطاق العمليات التي تستهدف مواقع الجماعة وتحركاتها.

مئات العمليات العسكرية

في سياق العمليات العسكرية، أعلن المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية، العقيد ماجد النزيلي، تنفيذ 1382 عملية استهداف خلال يوم الثلاثاء، قال إنها طالت مراكز القيادة الميدانية والتحصينات ومصادر النيران والتجمعات العسكرية والاحتياطيات ووسائل الحركة والإمداد التابعة للحوثيين.

وأوضح النزيلي أن وحدات محور تعز والمقاومة الشعبية نفذت، بإسناد من الطيران الحربي، إغارات وهجمات منسقة أسهمت، وفق البيان، في إحباط محاولات الجماعة استعادة المواقع التي فقدتها، وتحقيق تقدم ميداني، وتعزيز السيطرة النارية على عدد من المواقع والمرتفعات.

جندي يمني في تعز يستعد لتلقيم مدفع بقذيفة خلال المواجهات مع الحوثيين (أ.ف.ب)

وأضاف أن القوات الحكومية أحبطت محاولات تسلل حوثية في جبهات باب المندب وذوباب والمضاربة، واستهدفت تعزيزات وآليات للجماعة، بالتزامن مع استمرار العمليات في المحاور الشمالية والشمالية الغربية والجبهة الشرقية شرق صنعاء، باستخدام المدرعات والمدفعية والطيران المسيّر.

وذكر البيان أن العمليات أسفرت عن تحييد نحو 440 من قيادات الجماعة وعناصرها، وتدمير أو إعطاب 146 آلية وعربة ووسيلة نقل عسكرية وقطعة سلاح ثقيل ومعدة قتالية، مؤكداً استمرار الضغط على مواقع الحوثيين وتحركاتهم بين الجبهات.

وفي تطور موازٍ، اتهم النزيلي الحوثيين بتشويه جثامين عدد من الجنود الذين تسلمتهم القوات المسلحة اليمنية عبر اللجنة الدولية للصليب الأحمر. وقال إن الجهاز الطبي في المستشفى العسكري بتعز وثق صب مواد كيميائية حارقة على الجثامين وتكسير أطرافها وطمس معالم الوجوه.

وعدّ النزيلي هذه الأفعال انتهاكاً للقانون الدولي الإنساني، مطالباً الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية بفتح تحقيق مستقل لتحديد المسؤولين عنها ومحاسبتهم. واستشهد بحوادث سابقة قال إن الجماعة ارتكبتها بحق أسرى وجنود، بينها قضية العميد حسين العصيمي عام 2020، وحوادث تسليم جثامين جنود احتجزتهم الجماعة في الجوف عام 2023.

دعوة لتحرك أوروبي

سياسياً، دعا رئيس «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني رشاد العليمي، الاتحاد الأوروبي إلى تبني قرار البرلمان الأوروبي الداعي إلى إدراج الحوثيين، بأجنحتهم السياسية والعسكرية وقياداتهم وأجهزتهم الأمنية، على قائمة المنظمات الإرهابية.

وقال العليمي، خلال اتصال هاتفي مع رئيس المجلس الأوروبي، أنطونيو كوستا، إن الحكومة اليمنية تعوّل على تحويل الموقف السياسي الأوروبي إلى إجراءات قانونية واقتصادية ودبلوماسية للضغط على الجماعة ووقف هجماتها.

وحسب الإعلام الرسمي، حذّر العليمي من أن استمرار الهجمات داخل اليمن وعبر الحدود، واستهداف الملاحة الدولية، يرفع تكلفة التأخير في اتخاذ إجراءات أوروبية، مشيراً إلى ما وصفه بانتهاكات الجماعة بحق المدنيين والمطارات والمنشآت الحيوية، وحصار المدن واحتجاز العاملين الأمميين والإنسانيين.

كما تناول الاتصال الأوضاع الإنسانية في تعز، إذ اتهم العليمي الحوثيين بعرقلة وصول المياه والمشتقات النفطية والاحتياجات الأساسية، وممارسة القتل والتنكيل والاعتقال والتهجير القسري، مؤكداً استمرار عملية «فجر اليمن» حتى إنهاء التهديد الحوثي واستعادة مؤسسات الدولة.

ونقلت المصادر الرسمية اليمنية عن كوستا تأكيد دعم الاتحاد الأوروبي لـ«مجلس القيادة الرئاسي» والحكومة اليمنية، ومساندة الشعب اليمني، مشيراً إلى متابعة التطورات الميدانية والاحتياجات الإنسانية الملحّة في تعز ومناطق أخرى، والعمل على تعزيز الاستجابة الإنسانية بالتنسيق مع الحكومة والشركاء المعنيين.