«أصيلة» تشخص نظرة الغرب إلى المسلمين المهاجرين عبر التاريخ

من خلال شهادات مفكرين عرب وأجانب حول أوضاعهم في عدد من الدول الأوروبية

جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)
TT

«أصيلة» تشخص نظرة الغرب إلى المسلمين المهاجرين عبر التاريخ

جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)
جانب من الندوة الختامية «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» («الشرق الأوسط»)

شخّص نخبة من المفكرين والأكاديميين المغاربة والعرب والأجانب تاريخ وحاضر المسلمين، والتغييرات التي طرأت في النظرة لهم عبر العقود من طرف دول الغرب، وذلك خلال الجزء الثاني من ندوة «المسلمون في الغرب: الواقع والمأمول» المبرمجة ضمن ندوات موسم أصيلة الثقافي الـ39.
وتحدث أحمد المديني، الروائي والكاتب المغربي، عن وضع المسلمين في فرنسا بداية من الثمانينات من خلال تجربته الشخصية هناك، وأوضح المديني أن الإسلام لم يقدر له الاندماج في فرنسا، ولم تتماسك صورة التعايش بين المسلمين وبلدان الاستضافة، بفعل أسباب اقتصادية وأخرى ثقافية، هي عبارة عن نشوء رغبة متنامية لديهم بالتميز «هوياتية»، فكانت العقيدة حاضرة فيها باستمرار، فتعمقت ليصبح الدين عبادة وطقوسا، هوية وعنوانا، أكثر منه قناعة.
وبرأي المديني، فإن فكرة الإدماج في فرنسا فشلت في عقيدة جمهورية ترفض فكرة التجمعات المغلقة، حيث تستقل كل جالية بثقافتها ونمط عيش مخالف للجمعي، وهي مسؤولية إشكالية مشتركة صنعت شقوقا تسربت منها نعرة العنصرية، وآيديولوجية أكثر من إسلام، انزرعت في أوروبا وهي تبذر وتحرث عقائدها الأجنبية.
من جهته، قال أحمد عبد الملك، وهو أكاديمي وإعلامي قطري، إن هناك نوعين من المهاجرين المسلمين في الغرب: الأول هم المهاجرون الأوائل الذين ذابوا في المجتمع وآمنوا بنعمة التسامح وعدم رفض الآخر، مشيرا إلى أن هؤلاء كانوا من أنجح المهاجرين المسلمين، وتسلموا مناصب كبيرة وخدموا المواطنين في مجتمعاتهم. أما النوع الثاني فهو الذي هاجر محتفظا بأفكاره وثقافته الأصلية، وهو يحمل رسالة مضمونها تحويل من في الأرض إلى الدين الإسلامي، وهذا النوع لم يستطع الاندماج في المجتمع الذي ذهب إليه، وظل يمارس طقوسا لا يقبلها المجتمع.
واستغرب عبد الملك وجود جماعة من المسلمين الشبان في بريطانيا يحملون لافتات ويدعون إلى مظاهرات ضد بريطانيا، في الوقت الذي لا يستطيعون فيه رفع رؤوسهم في أوطانهم أمام الحكم الظالم، وهم في الأغلب من غير المتعلمين الذين هاجروا عن طريق قوارب الموت، ولا يحملون شهادات عليا، وتورطوا في تجارة المخدرات والسرقة، مضيفا أنه بعد ذلك أتت أحدات 11 سبتمبر (أيلول)، التي كانت العمود الجديد الذي أدى إلى النظرة الحادة ضد المسلمين وضد العرب. أما أوميرو مارونجيو، المختص بعلم الاجتماع وبالإسلام في فرنسا، فيرى أن أوروبا تحتاج إلى الهجرة وإلى المهاجرين؛ لأنها تفقد مليون شخص كل سنة، ولأجل ذلك فتحت ألمانيا أبوابها للهجرة الاقتصادية والهجرة السياسية، علما بأن كثيرا من اللاجئين السوريين ينتمون إلى الطبقة المتوسطة والطبقة المتوسطة العليا، والذين ينسجمون مع المجتمع الأوروبي ويشكلون إضافة إليه.
من جهته يرى خالد حجي، الأمين العام للمجلس الأوروبي للعلماء المغاربة ورئيس منتدى بروكسل للحكمة والسلم العالمي، أن على المسلمين أن يستوعبوا روح العصر ومقاييسه الجديدة، مبرزا أن الشباب في أوروبا يعيش الدين كثقل وليس كرافعة، وجاهزيته الثقافية منخفضة جدا، بحيث لم ينفذ إلى روح الفنون وروح العصر في أوروبا، وأنه من المهم جدا التحدث بلغة العصر، وارتفاع المستوى البلاغي في التخاطب في بيئة أوروبية مختلفة.
في السياق نفسه، ركز عز الدين عناية، أستاذ العلوم الإسلامية بجامعة روما، على وضع المسلمين في إيطاليا الذين يشكلون نحو مليونين، لكن مع ذلك تبقى الهجرة في إيطاليا، برأيه، حديثة لا يتجاوز عمرها 4 عقود، موضحا أن أوائل المهاجرين المسلمين إلى إيطاليا كانوا من المغرب، ويشكلون تقريبا نصف مليون شخص، لذلك غلبت تسمية العرب هناك بـ«المغربي» لكنها في الدلالة العامة تعني المسلم، مشيرا إلى أن الإسلام في إيطاليا له صبغة عمالية أصيلة، فرغم أن هناك جمعيات كثيرة أنشأت في العمل الديني بالخصوص، وفي المطالبة الحقوقية بشكل عام، فإن هذه الجمعيات تحاول أن تحضر في المجتمع الإيطالي من خلال تأسيس المساجد، حيث تبدو الجالية ذات إسلام بسيط، لكن داخل هذه الشبكة هناك ما يعرف باتحاد الجمعيات الإسلامية، وهو الأكثر نشاطا والأكثر هيكلة. لكن هذا الاتحاد يبقى يأتمر بخلفية إخوانية سياسية، في حين تنظر إليه الدولة الإيطالية نظرة ريبة.
من جهة ثانية، أوضح ديفيد بروك مدير مشروع «فكرة» بمعهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى بواشنطن، أنه لا يمكن الحديث عن أحوال المسلمين في الغرب دون الإشارة إلى دونالد ترمب وسياسته ضد المسلمين، بدءا من الحملة الانتخابية إلى توليه السلطة من خلال الخطابات والسياسات المليئة بالحقد والأفكار المقولبة عن الإسلام والمسلمين، لكن في رأي بروك فإنه رغم الدعم الذي يحظى به ترمب من صفوف كبار المسؤولين ومن طرف الجمهور، فإن هؤلاء يمثلون ثلث سكان أميركا، بناء على استفتاء عام، أظهر أن هناك شرائح تبدي الحقد ضد الإسلام، لكن سائر الجمهور يدعمه، وأن هناك من يعترض على أي تمييز على اعتبارات دينية وربط الدين بالإرهاب.
من ناحية أخرى، قدم حسونة المصباحي، الروائي والإعلامي التونسي، شهادة عن وضع المسلمين في ألمانيا، التي عاش فيها طويلا، وتطرق إلى ذلك مند بداية الستينات حيث بدأت حركة هجرة المسلمين إلى أوروبا، وواجهوا أشكالا من العنصرية والعنف، لكن المثير وقتها هو مساندة كبار المثقفين الأوروبيين من خلال كتاباتهم ودراساتهم، فكبار مفكري ومثقفي فرنسا وبرلين ساندوا العمال المهاجرين المسلمين، ودافعوا عن هويتهم لدرجة أن بعضهم حضر مظاهرات لمساندة المسلمين وقتها، لكن الوضع بدأ يتغير مع نهاية السبعينات بعد الثورة الإيرانية التي انتزع منها الجانب المدني لتصبح ثورة دينية.
وأضاف المصباحي أنه في فترة الثمانينات تبدل الوضع أيضا عندما قتل أنور السادات وبدأ الإرهاب، وبدأ تقديم الإسلام على أنه هو الحل، وكثرت الموجات الأصولية التي أسفرت مثلا عن عمليات عنف في تونس على أساس أن الإسلام مظلوم في تونس، وأنه لا بد من العنف لإعادة الاعتبار للإسلام، ومنه بدأت صورة الإسلام تتشوه في أوروبا، ومن جهتها، بدأت الدول العربية الغنية تبني مساجد، ولم تفكر دولة عربية واحدة في بناء مركز ثقافي، إذ أصبح هناك خلط بين الدين والهوية، حسب رأيه.
من جهته أوضح إيرك بونس جيوفروي، أستاذ الدراسات الإسلامية بجامعة ستراسبورغ الفرنسية، أن «داعش» يستقطب مقاتليه ومسانديه من فكرة المظلومية لدى قطاعات واسعة من المسلمين، ولكن أيضا من اعتقاد البعض بهوان الدنيا واقتراب موعد فنائها وظهور علامات الساعة وعودة المهدي المنتظر، مضيفا أنه من بين الأسباب أيضا الرغبة النرجسية الدفينة في الظهور والبطولة واكتساب الاعتراف.
أما محمد البشاري، رئيس الفيدرالية الوطنية للمسلمين بفرنسا، وأمين عام المؤتمر الإسلامي الأوروبي، ورئيس معهد ابن سينا للعلوم الإنسانية، فقال إن الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما طرح في خطاب له بنيويورك سنة 2014 مصطلح التطرف الديني العنيف، قبل أن تتبناه الأمم المتحدة لاحقا في خطاب لأمينها العام السابق بان كي مون سنة 2016، مميزا بين الإرهاب والتطرف العنيف المؤدي إلى الإرهاب. ونقل البشاري عن دراسة علمية أن «داعش» جندت بين سنتي 2014 و2015 نحو 50 ألف مقاتل، من بينهم 12 ألفا من أوروبا و6 آلاف من روسيا، موضحا أن 50 في المائة من هؤلاء المقاتلين من الأقليات من خارج العالم الإسلامي، وأن 85 من مقاتلي تنظيم القاعدة تم استقطابهم من داخل السجون والمساجد، والنسبة نفسها استقطبها تنظيم داعش عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
من جهة ثانية، نبه البشاري بأن أزيد من 20 في المائة من الفتيان الذين تقل أعمارهم عن 20 سنة يبحثون عن المعلومة الدينية في مواقع التواصل الرقمي، مشيرا إلى أن هناك ما لا يقل عن 35 موقعا يجيش صغار السن ويحببهم في القتال إلى جانب «داعش» لـ«إعادة دولة الخلافة الإسلامية».
وتضيف الدراسة، حسب البشاري، أنه تبين أن 450 من العائدين من «داعش» إلى فرنسا وبلجيكا ليست لديهم خلفية مذهبية واضحة، وأن 65 في المائة من المستقطبين لم يطلعوا إلا على أبجديات الدين الإسلامي، وبعضهم من أسر غنية ومثقفة قبل أن يتشربوا «بعقيدة الموت، والولاء المتعدد لغير الدولة الوطنية، وتكفير الدولة والمجتمع، وحلم الخلافة، ووهم إقامة العدالة الإلهية فوق الأرض، والالتحاق الفوري بنعيم الجنان».
من جهته، أبرز محمد بن صالح، مدير معهد غرناطة للبحوث والدراسات العليا بجامعة غرناطة، أنه بعد أحداث 11 سبتمبر في الولايات المتحدة، التي كان مرتكبوها من خريجي الجامعات الميسورين، ارتفع في الولايات المتحدة صوت «إما معنا أو ضدنا»، قبل أن يخفت قليلا ويروج صوت غياب الديمقراطية في بلدان في العالم، لتسعى واشنطن بعدها إلى تصدير الديمقراطية ولو بفرضها بالقوة.



مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
TT

مصر والعراق... تنسيق متصاعد في مواجهة توترات المنطقة

رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)
رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي يستقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد (المكتب الإعلامي لرئيس الوزراء العراقي)

وسط تصاعد التوترات الإقليمية وتزايد التحديات الأمنية والسياسية التي يواجهها العراق في ظل استمرار الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران منذ فبراير (شباط) الماضي، تكتسب المحادثات المصرية-العراقية أهمية متزايدة، في ضوء مساعي البلدين لتعزيز التعاون والتنسيق في مواجهة تداعيات الأزمات الإقليمية، ودعم الاستقرار في المنطقة.

وتحمل الزيارة التي قام بها رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن رشاد إلى بغداد، الخميس، دلالات مهمة بحسب خبراء من مصر والعراق تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»؛ كونها تؤشر إلى زيادة التنسيق الأمني في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر (أيلول) المقبل، إلى جانب تدشين مشروعات اقتصادية مشتركة لتوفير بدائل للمنافذ التقليدية لتصدير الطاقة عبر مضيق هرمز.

وأفاد مجلس الوزراء العراقي بأن رئيس المجلس علي الزيدي استقبل رئيس جهاز المخابرات العامة المصرية حسن محمود رشاد، الذي نقل إليه رسالة من الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، أشاد فيها بعمق العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، واستعداده الدائم لمساندة جهود تحقيق تطلعات الشعبين الشقيقين في جميع المجالات.

رسالة القاهرة

وتضمنت الرسالة، بحسب البيان العراقي الصادر مساء الخميس، توجيه الدعوة إلى رئيس مجلس الوزراء لزيارة مصر «انطلاقاً من الحرص المشترك للمضي بتعزيز مسار التعاون بين العراق ومصر، والمحافظة على مصالح البلدين وتدعيم السلم والاستقرار الإقليمي والدولي».

كما شهد اللقاء بحث «عدد من القضايا والملفات ذات الاهتمام المشترك، والتأكيد على أهمية تنسيق المواقف وتبادل المعلومات والخبرات، بما يعزز المصالح الثنائية، ولما فيه خير الشعبين الشقيقين والمنفعة المشتركة».

مصر والعراق لمزيد من التعاون والتنسيق الأمني والاقتصادي (مكتب رئيس الوزراء العراقي)

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، يعتقد مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين، أن التقارب المصري-العراقي استراتيجي فرضته التطورات الإقليمية وأهمية العراق المحورية، مشيراً إلى أن زيارة رئيس المخابرات المصرية الأخيرة لبغداد تكتسب أهمية بالغة في إطار بناء علاقات متطورة ترتكز على التنسيق السياسي والأمني والاقتصادي، وأن القاهرة تنظر للعراق باعتباره دولة محورية في معادلة الأمن العربي.

صناعة غرف أمنية

ويرى المحلل السياسي والأمني «رئيس مركز العراق للدراسات» علي فضل الله، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن زيارة رئيس جهاز المخابرات المصرية للعراق لها أهمية كبيرة بحكم تبادل المعلومات والعمل على صناعة غرف أمنية مشتركة من أجل التعاون ومعالجة كل التحديات، خاصة في ملف الإرهاب في ظل الخبرة المتراكمة لدى الجيش والأجهزة الأمنية المصرية.

زخم تعاون يتصاعد

وكان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي قد زار بغداد في يونيو (حزيران) 2021، في أول زيارة لرئيس مصري إلى العراق منذ عقود ضمن آلية التعاون الثلاثي التي جمعت مصر والعراق والأردن، واستهدفت تعزيز التنسيق السياسي والاقتصادي والأمني بين الدول الثلاث.

وانطلق المسار الثلاثي بين مصر والعراق والأردن في 14 مارس (آذار) 2019، عبر أول قمة ثلاثية استضافتها القاهرة، بحضور رئيس وزراء العراق آنذاك عادل المهدي.

وشهدت الفترة الأخيرة زخماً في الزيارات؛ إذ استقبل السيسي في 27 أغسطس (آب) 2024 رئيس الوزراء العراقي السابق محمد شياع السوداني، في ثالث زيارة له إلى مصر، بعد زيارتين في مارس ويونيو 2023، تناولت بحث تعزيز التعاون في مجالات الطاقة والتجارة والاستثمار وإعادة الإعمار، والاستفادة من خبرات الشركات المصرية في مشروعات البنية التحتية العراقية، إضافة إلى اتصالات على مستوى وزراء الخارجية في البلدين لبحث التهدئة في المنطقة بعد اندلاع حرب إيران، خاصة في ظل قرب بغداد من طهران.

وفي ضوء ذلك أوضح السفير المصري الأسبق لدى العراق شريف شاهين أن المرحلة الراهنة تشهد تحولات رئيسية في مجالات الطاقة عبر مشروعات استراتيجية تجمع بين مصر والعراق والأردن، لإنشاء شبكات لتصدير النفط تعيد توجيه مسارات الطاقة، وتوفير بدائل لمنافذ التصدير التقليدية عبر مضيق هرمز، مشدداً على أن هذه المشروعات الاقتصادية الطموحة تتطلب ترتيبات وتنسيقاً أمنياً على أعلى مستوى لحمايتها.

أولوية الأمن

وأضاف أن الشأن الأمني يحتل أولوية في المباحثات المشتركة، لا سيما في ضوء التحضيرات لانسحاب قوات التحالف الدولي في 30 سبتمبر المقبل، مما يستدعي تعزيز قدرات الجيش العراقي لضبط الحدود ومواجهة مخاطر الجماعات الإرهابية والخلايا النائمة لتنظيم «داعش»، بالإضافة إلى دعم جهود الدولة العراقية لحصر السلاح بيد المؤسسات الرسمية.

وشدد شاهين على أن استقرار بغداد لا يتجزأ من استقرار المنطقة وأمنها القومي العربي، لافتاً إلى أن مصر تمتلك إمكانات وخبرات فنية عالية تُمكّنها من تقديم الدعم والمساندة للجيش العراقي في مجالات متعددة، وفي مقدمتها الدفاع الجوي وتأمين الأجواء والمجال الأمني الإقليمي.

وأشار المحلل السياسي والأمني العراقي علي فضل الله إلى أن التعاون الأمني العراقي-المصري «ليس مستغرباً بحكم التحديات المشتركة التي تعصف بالمنطقة؛ فهناك تهديدات إسرائيلية باتجاه مصر، وباتجاه العراق، وباتجاه دول المنطقة عموماً، كما أن هناك تهديدات باتجاه الدول العربية التي من المفترض أن تشهد تنسيقاً وتعاوناً».


«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

«زيارة شي» للقاهرة... اختبار للتوازن المصري بين الصين وأميركا

احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)
احتفاء مصري يسبق زيارة الرئيس الصيني للقاهرة (الرئاسة المصرية)

مع اقتراب زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ، إلى مصر، تبرز تساؤلات حول كيفية قدرة القاهرة على المواءمة بين علاقاتها مع بكين وواشنطن في ظل تباين وتجاذبات الطرفين.

ويعتقد دبلوماسيون مصريون سابقون تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تنتهج في مسار علاقاتها الخارجية «الاتزان الاستراتيجي»، بما يسمح لها بموازنة علاقاتها على أساس المصالح المشتركة، من دون الانحياز إلى سياسات تتعارض مع مصالح حلفائها في المنطقة.

و«الاتزان الاستراتيجي»، عده الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأسرة المصرية في شهر أبريل (نيسان) 2014، الإطار الرئيسي الحاكم للسياسة الخارجية المصرية، حتى بات هذا المفهوم كتاباً جديداً لوزارة الخارجية المصرية أصدرته في نهاية 2025، أكد أنه أحد المرتكزات الأساسية للسياسة الخارجية المصرية، في ظل تحولات إقليمية ودولية متسارعة.

وتشهد العلاقات المصرية الصينية محطة تاريخية بارزة تعكس عمق الشراكة الاستراتيجية التي تجمع بين القاهرة وبكين، حيث تأتي الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر لتتوج مساراً طويلاً من التعاون المتنامي بين البلدين، بحسب ما ذكرته «الهيئة العامة للاستعلامات المصرية» الرسمية، الخميس.

ويتوجه الرئيس الصيني، الأحد، إلى قرغيزستان بدءاً لجولته التي تستمر إلى الثالث من سبتمبر (أيلول)، للمشاركة في قمة «منظمة شنغهاي للتعاون» في العاصمة بيشكيك، حيث يقوم بزيارة دولة، تعقبها زيارة أخرى إلى مصر، وفقاً لما أعلنته وزارة الخارجية الصينية في بيان، الأربعاء.

صون السلام

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الصينية لين جيان، أن المحادثات في مصر تهدف إلى «الإسهام الإيجابي في صون السلام والاستقرار في المنطقة»، لافتاً إلى أن زيارة شي هي «الأولى إلى مصر منذ 10 سنوات، كما تحمل أهمية خاصة لتطوير العلاقات الثنائية».

السيسي والرئيس الصيني في حديث ودي خلال المشاركة في احتفالات عيد النصر بالعاصمة الروسية موسكو يوم 9 مايو 2025 (الخارجية المصرية)

واحتفت وسائل إعلام مصرية مبكراً بالزيارة حيث نشرت صحيفة «الأهرام» الحكومية الخميس، مقالاً للكاتب أحمد ناجي قمحة بشأن الزيارة، قائلاً: «اتجاه مصر شرقاً لا يتعارض مع سياسة الاتزان الاستراتيجي، وإنما يمثل إحدى أدواتها؛ فالاتزان لا يعني الوقوف على مسافة واحدة من جميع القوى، وإنما امتلاك أكبر قدر ممكن من البدائل والشراكات، بما يزيد قدرة الدولة على الحركة والمناورة، ويحافظ على استقلال قرارها».

وأضاف: «لهذا تتعاون مصر مع الصين في مجالات، ومع الولايات المتحدة وأوروبا في مجالات أخرى، وتنفتح في الوقت نفسه على الهند واليابان وكوريا الجنوبية ودول آسيا الوسطى، والدلالة الأهم أن التوجه شرقاً أصبح مرتبطاً مباشرة بأولويات التنمية المصرية».

وفي 30 مايو (أيار) 1956، أصبحت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية مع الصين، قبل أن تشهد عام 2014 اتفاق الرئيس عبد الفتاح السيسي ونظيره الصيني، شي جين بينغ على إقامة «الشراكة الاستراتيجية الشاملة» بين البلدين، وبعد عامين زار شي القاهرة لأول مرة.

وعام 2024 بلغ حجم التجارة المصرية - الصينية نحو 17.38 مليار دولار، ثم ارتفع في عام 2025 إلى نحو 19.52 مليار دولار، بزيادة تقارب 12.3 في المائة، وتعد الصين من أكبر 5 شركاء استثماريين لمصر، حسب تصريحات وزير الاستثمار والتجارة الخارجية، حسن الخطيب، في مايو 2025.

اختبار للعلاقات

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، مساعد وزير الخارجية الأسبق، محمد حجازي، أن زيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر تأتي في لحظة إقليمية ودولية بالغة الحساسية، وتتجاوز في دلالاتها حدود العلاقات الثنائية بين القاهرة وبكين، مؤكداً أن مفهوم «الاتزان الاستراتيجي» المدخل الأوضح لفهم الزيارة.

ويمثل هذا المفهوم، وفق حجازي، أحد المرتكزات الأساسية في السياسة الخارجية المصرية، التي تقوم على بناء علاقات متوازنة مع مختلف القوى الدولية، من دون النظر إلى الشراكة مع الصين بوصفها بديلاً عن العلاقات مع الولايات المتحدة أو غيرها.

وعلى هذا الأساس، يشير حجازي إلى أنه لا ينبغي تفسير الحفاوة المصرية باستقبال الرئيس الصيني بوصفها انحيازاً إلى بكين في مواجهة واشنطن، مؤكداً أن العلاقات المصرية الصينية تطورت على مدى 7 عقود، حتى بلغت مستوى الشراكة الاستراتيجية الشاملة، بالتوازي مع حرص القاهرة على الحفاظ على علاقاتها وشراكاتها مع الولايات المتحدة وسائر القوى الدولية.

الرئيس الصيني يستقبل نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في بكين يوم 29 مايو 2024 (الرئاسة المصرية)

ومع ذلك، تفرض الزيارة اختباراً فعلياً لقدرة مصر على الحفاظ على هذا الاتزان، بحسب حجازي، مؤكداً أن المسألة لا تتعلق بالاختيار بين الصين والولايات المتحدة، بقدر ما ترتبط بواقع أن التنافس بين القوتين امتد إلى مجالات الاقتصاد والسياسة والتكنولوجيا والأمن الدولي، الأمر الذي يجعل هامش المناورة أكثر تعقيداً وتكلفة.

وأكد أن القاهرة لا تسعى إلى المفاضلة بين شركائها، بل إلى إدارة علاقاتها معهم وفقاً لأولوياتها ومصالحها، مشدداً على أن تعزيز الشراكة المصرية الصينية لا يعني تلقائياً تراجع الشراكة المصرية الأميركية.

بدوره، يرى سفير مصر الأسبق لدى الصين، نائب رئيس «جمعية الصداقة المصرية – الصينية»، السفير علي الحفني، أن الزيارة تحمل تقديرا كبيراً لجهود مصر ومواقفها في إرساء دعائم السلم والأمن الإقليمي والدولي بالتنسيق مع المنظمات الأممية، إلى جانب التقدير لمسيرة التنمية الشاملة التي تشهدها البلاد، مؤكداً أن مصر تتتبع سياسة الانفتاح والشراكة المتوازنة مع مختلف الأطراف الدولية منذ عام 2014، حرصاً منها على توفير أفضل الفرص لدعم أجندة التنمية الوطنية «مصر 2030».

وشدد على أن القاهرة تمتلك علاقات استراتيجية وثيقة وممتدة مع الولايات المتحدة، والاتحاد الروسي، والصين، والاتحاد الأوروبي، مبنية على العمل الجماعي والشراكات التنموية الفاعلة على أرض الواقع بدلاً من الشعارات التقليدية، والاتزان في العلاقات وهو ما يجعل القاهرة تنجح في الاستفادة من زيارة الرئيس الصيني دون أزمات مع دول أخرى.


مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
TT

مصر تدعم «عملية سياسية دون تدخلات خارجية» في السودان

وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني خلال لقاء سابق في القاهرة (الخارجية المصرية)

أكدت مصر دعمها تدشين «عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية»، بما يُسهم في إنهاء الأزمة الراهنة واستعادة الأمن والاستقرار.

وأجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي اتصالَين هاتفيين، الجمعة، مع نظيره السوداني محيي الدين سالم، وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، تناولا الأوضاع الجارية في السودان وسبل إنهاء الأزمة، حسب بيانين منفصلين لـ«الخارجية المصرية».

وجاء اتصال عبد العاطي وسالم، في إطار «متابعة تطورات العلاقات الثنائية في مختلف المجالات، وتطورات الأوضاع الميدانية في السودان»، وجدّد عبد العاطي تأكيد دعم وحدة السودان وسيادته وسلامة أراضيه ومؤسساته الوطنية.

وذكر البيان أن وزير الخارجية المصري أكد أهمية «وجود عملية سياسية ذات ملكية سودانية ودون تدخلات خارجية، بما يُسهم في إنهاء الأزمة واستعادة الأمن والاستقرار في السودان».

كما تبادل الوزيران الرؤى بشأن التطورات في منطقة القرن الأفريقي وأمن البحر الأحمر، وأكدا أهمية تعزيز التنسيق بين الدول المشاطئة، وضرورة الحفاظ على أمن وسلامة الملاحة البحرية، فضلاً عن دعم الجهود الرامية إلى ترسيخ السلم والأمن والاستقرار في منطقة القرن الأفريقي، بما يحفظ مصالح دول المنطقة وشعوبها.

بينما تناول اتصال عبد العاطي وبولس «الجهود الإقليمية والدولية المبذولة لدعم الأمن والاستقرار في السودان الشقيق، وتأكيد أهمية مواصلة الجهود لدعم سيادته، والتوصل إلى حل سياسي يضمن إنهاء معاناة المدنيين ويصون للسودان وحدته وسلامة أراضيه»، وفقاً لبيان «الخارجية المصرية».

وكان رئيس مجلس السيادة والقائد العام للجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، قد وافق على مبادرة تقدمت بها مجموعة من السودانيين لتشكيل آلية وطنية مستقلة تتولى التمهيد لحوار شامل. وتعهد البرهان بعدم تدخل الدولة في تنظيم الحوار، أو تحديد أطرافه، وأجندته، ومخرجاته.