أكبر صانعي السياسات المالية العالمية يعايشون «لحظات عصيبة»

مزيج مزعج من الضغوط على البنوك المركزية... والكل ينتظر «تغييرات»

أكبر صانعي السياسات المالية العالمية يعايشون «لحظات عصيبة»
TT

أكبر صانعي السياسات المالية العالمية يعايشون «لحظات عصيبة»

أكبر صانعي السياسات المالية العالمية يعايشون «لحظات عصيبة»

يعايش عالمنا اليوم لحظة دقيقة يحاول خلالها صناع السياسات المالية مواجهة طوفان من المتغيرات العالمية التي تعمل على قلب الموازين الاقتصادية من خلال الضغط على كبريات البنوك المركزية المتحكمة في محركات الاقتصاد العالمي، خصوصاً مع اقتراب نهاية «حقبة» التيسير الكمي في كل من الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي) والبنك المركزي الأوروبي وبنك إنجلترا (المركزي البريطاني)، مع غموض في موقف بنك اليابان المركزي، بالتزامن مع ضعف نمو الأجور في الاقتصادات المتقدمة ومزيج «مزعج» من الضغوط في سوق الأسهم العالمية. ويتحرك المصرفيون المركزيون معاً لتحسين النمو والتضخم بشكل عام في بلادهم، فضلا عن أسباب خاصة حول وضع كل اقتصاد منهم على حدة. فالولايات المتحدة الأميركية تقترب من معدل التشغيل الكامل، في حين أن الأجور لا تزال راكدة في منطقة اليورو، وتحاصر مخاوف الركود المملكة المتحدة، فيما تحاول الصين كبح التحفيز مع تجنب الهبوط العسر، بالإضافة إلى مساعي حكومتي الصين وأميركا إلى «تطبيع السياسات المالية». ولكن العامل الأكثر تأثيراً هو أن الآثار الجانبية للسياسة «الفضفاضة» أصبحت أكثر وضوحاً، ولم تعُدْ مقبولةً سياسياً بعد تخطي آثار الأزمة المالية العالمية خلال السنوات القليلة الماضية، وفرض ذلك واقعاً جديداً في ظل المتغيرات الحالية، سواء اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية أو جيوسياسية.
وعلى سبيل المثال، قالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، الأسبوع الماضي، إن سياسة المركزي الأوروبي «لن تساعد على وصولنا إلى حيث نريد».

علاجات سطحية:
وحالت سياسات التيسير الكمي دون تفاقم الأزمة، ولكنها لم تحل أسبابها الجذرية. وارتفعت مستويات الدين العالمية بنسبة وصلت إلى 276 في المائة، لتصل إلى 217 مليار دولار في عام 2016، أي ما يوازي 327 في المائة من إجمالي الناتج المحلي العالمي وفقاً لتقرير المعهد الدولي للتمويل. كما ساعدت سياسات التيسير «الفضفاضة» في تعزيز الفارق بين أصحاب الأصول وذوي الدخول، والأسواق المالية وبقية الاقتصاد.
ويؤدي التشديد الكمي، الذي يحاول واضعو السياسات المالية في البنوك المركزية الاتجاه إليه أخيراً، إلى وضع حد لأسعار الأصول العالية التي يمكن أن تؤدي إلى زعزعة استقرار النظام المالي، فضلاً عن الحد من تزايد عدم المساواة في الثروة، خلافاً لذلك يمكن الحد من عدم المساواة عن طريق رفع الضرائب والاستثمار في التكنولوجيا والتعليم وتحسين زيادة الإنتاجية.
وعادة ما تحدث حالات الركود وانكماش الأسواق عندما تقرر البنوك المركزية والحكومات السيطرة على معدلات التضخم إلى «مسار معين»، وتتجادل البنوك المركزية حول متى وكيف تعود إلى مسار ارتفاع أسعار الفائدة وخفض حيازات السندات.
وفي أعقاب الأزمة المالية العالمية تصاعدت المطالب بمزيد من النقد وضخ المزيد من رؤوس الأموال، فاستجابت البنوك المركزية لتعويض النقص بشراء السندات وخفض أسعار الفائدة لتجنب «جفاف» السيولة في القطاع الخاص وإبقاء نمط نموه مستمرّاً.
أما حالياً، فقد بدأت معنويات المستثمرين مع زيادة توقعات ارتفاع أسعار الفائدة في اقتصادات العالم المتقدم مع دفع التحول عن إجراءات التحفيز، حيث أظهر استطلاع «بنك أوف أميركا ميريل لينش» أن 48 في المائة من المستثمرين يعتقدون أن السياسة العالمية أصبحت «شديدة التحفيز». وأظهر استطلاع لـ«الشرق الأوسط»، في عينة قوامها 207 من مديري الاستثمار ومديري إدارة الأصول للشركات العالمية، أن 52 في المائة من المستثمرين الأوروبيين يرجحون أن تحول البنوك المركزية عن سياسات التحفيز الكمي «أمر ضروري» في الوقت الراهن. وأعرب 27 في المائة من المستثمرين في الاستطلاع عن مخاوفهم من تأثير الخطوات التالية من قبل مجلس الاحتياطي الفيدرالي والمركزي الأوروبي على الموجات التصحيحية للبورصات العالمية التي استمرت في أعقاب الأزمة المالية العالمية.
وقال جون غون، مدير إدارة الأصول في شركة «غلوبال» البريطانية لإدارة الاستثمارات، لـ«الشرق الأوسط» إن «الارتفاعات المقبلة للاحتياطي الفيدرالي قد تكون محفزاً (سلبياً) محتملاً للأسواق العالمية».

الفيدرالي الأميركي:
اتخذ مسؤولو الاحتياطي الفيدرالي خطوات جريئة لمحاربة الأزمة المالية العالمية وآثارها التي تمثلت في «الكساد الكبير»، وكانت الخطوة الأكثر جرأة آنذاك شراء تريليونات الدولارات من السندات في محاولة غير مسبوقة لتعزيز النمو الاقتصادي. أما الآن، ومع اقتصاد أكثر «صحة»، تختلط الآراء حول المقدار المناسب من شراء السندات، والتكيف حول شدة السياسة المالية للفيدرالي من أجل خفض مخزون ضخم من الأصول يقدر بنحو 4.5 تريليون دولار. ويأمل صناع القرار في المركزي الأميركي من التخلص التدريجي من حيازة السندات، التي وصلت إلى أربعة أضعاف ما كانت عليه قبل الأزمة المالية العالمية بشكل تدريجي وبسلاسة لمحاربة الركود في المستقبل.

بنك إنجلترا:
«الركود» ليس السيناريو الذي يتمناه المركزي البريطاني في الوقت الراهن، لكن مخاطره آخذة في الازدياد في ظل خلفية سياسية متقلبة ومفاوضات غير قابلة للتنبؤ بنتائجها مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، إضافة إلى ارتفاع حالة عدم اليقين.. ولا تزال أسباب توقع حدوث «ركود» بعد استفتاء يونيو (حزيران) الماضي تطارد اقتصاد المملكة المتحدة.
ورغم أن استقرار الاقتصاد البريطاني عكس التوقعات بالركود في أعقاب التصويت، فإن هناك ضغوطاً على الإنفاق الاستهلاكي والاستثمارات التجارية الضعيفة نتيجة لعدم اليقين من خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. ومن المرجح أن تستمر الضغوط في ظل علاقة مستقبلية غير واضحة المعالم حتى الآن بين المملكة المتحدة وأوروبا.
وتوقع بنك «كريدي سويس» وقوع الاقتصاد البريطاني في «الركود» في وقت لاحق من العام الحالي، مع استمرار اقتصاد البلاد في التباطؤ، وتوقع البنك أيضاً أن تظهر أرقام الناتج المحلي الإجمالي (التي ستصدر في وقت لاحق خلال الأسبوع المقبل) أن الاقتصاد البريطاني نما بنحو 0.2 في المائة فقط في الربع الثاني، مما يتناسب مع الأداء الضعيف في الأشهر الثلاثة الأولى من عام 2017. أما بالنسبة لبقية العام، فإن البنك توقع أن يظل النمو ضعيفاً حول ما بين 0.2 إلى 0.3 في المائة لكل فصل خلال العام.
ويرجع كريدي سويس التباطؤ إلى انخفاض الإنفاق الاستهلاكي، وحالة عدم اليقين الناجمة عن «بريكست»، ويشكل القطاع الخدمي ما نسبته 78 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي.

المركزي الأوروبي:
سيعلن المركزي الأوروبي قراره الأخير بشأن السياسة النقدية اليوم الخميس، ومن المتوقع أن يبقى المجلس على أسعار الفائدة على ما هي عليه حالياً، في حين يترقب المستثمرين إعلاناً «شبه مؤكد» بـ«تغيير ما» في برنامج شراء السندات الشهري للبنك.
وعن حديثه اليوم، ستعد هذه هي المرة الأولى التي يتكلم فيها ماريو دراغي رئيس المركزي الأوروبي علنا عن السياسة النقدية منذ تصريحاته في يونيو الماضي عن ارتفاعات الأسواق الأوروبية، حيث ارتفعت الأسواق في نهاية يونيو بعد تلميحات دراغي إلى تغيير نظام شراء السندات الذي بدء منذ مارس (آذار) 2015، وانتعش على أثره اليورو أمام سلة العملات مع انخفاض معتدل لمعدلات البطالة، في ظل ضغوط تضخمية ضعيفة. ويتحسس دراغي «كلماته العامة» خشية إثارة نوبات قلق للأسواق بشأن تغير السياسة النقدية في الوقت الراهن.
من جانبه، لَمّح فيليروي دي غالهاو محافظ بنك فرنسا وعضو مجلس المركزي الأوروبي أمس أمام النواب الفرنسيين بأن المركزي الأوروبي سيتخذ نهجا «حذراً» في اجتماع هذا الأسبوع، وأكد أن «المركزي» هزم «الانكماش».
وقال غالهاو إنه من السابق لأوانه إنهاء خطة شراء الأصول أو رفع أسعار الفائدة من أدنى مستوياتها الحالية، مضيفاً: «لقد حققنا تقدماً، لكننا لم نصل بعد إلى الهدف... لذلك لا تزال هناك حاجة إلى سياستنا النقدية التكيفية، ونحن نعمل على تكييف شدة السياسات اعتماداً على الوضع الاقتصادي والتقدم نحو الهدف».

بنك اليابان المركزي:
من المتوقع أن ينتهي بنك اليابان المركزي من تأكيد التزامه بسياسة نقدية «فضفاضة» بانتهاء اجتماع لجنة السياسة النقدية للبنك اليوم (الخميس)، ويشتري بنك اليابان حالياً 80 تريليون ين من السندات سنوياً بأسعار فائدة سلبية، ويحاول البنك الحفاظ على تكاليف الاقتراض الحكومية طويلة الأجل حول مستوى «الصفر» في المائة في محاولة لدفع التضخم والنمو.
ومع استمرار التضخم الضعيف، فإنه من المرجح أن يبقى المركزي الياباني على تباطؤ التحلل من برنامج التحفيز، في الوقت الذي بدأت فيه معظم البنوك الرئيسية تشديد الإمدادات النقدية، بينما لم تتمكن سياسة «آبينومكس» (نسبة إلى رئيس الوزراء الياباني تشينزو آبي) من زيادة معدل التضخم إلى هدف المركزي حول 2 في المائة. ولا يلوح في الأفق النجاح في هذا الهدف خلال العام المالي 2017 - 2018 (يبدأ العام المالي في اليابان أول أبريل/ نيسان، وينتهي في مارس من العام التالي). وتتركز أهدف المركزي الياباني في الوقت الراهن حول تثبيت عوائد السندات الحكومية لمدة 10 سنوات عند المعدل الصفري.

يأمل صناع القرار في المركزي الأميركي بالتخلص التدريجي من حيازة السندات (أ.ف.ب)



محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع
TT

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

محللون: «رؤية 2030» تمضي في مسار تشكيل اقتصاد السعودية بتسارع التنويع

نجحت السعودية خلال السنوات الأخيرة في إعادة تشكيل قاعدتها الاقتصادية، منتقلةً من نموذج يعتمد بشكل رئيسي على النفط، إلى اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة، مدفوعاً ببرامج «رؤية 2030» التي أطلقها الأمير محمد بن سلمان، ولي العهد السعودي.

وتواصل السعودية مسارها التحولي ضمن «رؤية 2030»، مع دخولها مرحلة جديدة تركز على استدامة النمو وتعزيز المكتسبات، بعد سنوات من الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية التي أعادت تشكيل الاقتصاد الوطني.

ويُظهر التقرير السنوي لعام 2025 أنَّ المملكة نجحت في ترسيخ نموذج اقتصادي أكثر تنوعاً ومرونة، مدعوماً بارتفاع مساهمة القطاعات غير النفطية، وتوسع قاعدة الإنتاج والاستثمار.

وأسهمت هذه الرؤية التي تضمَّنت تنفيذ أكثر من 1000 إصلاح تشريعي، في تحسين بيئة الأعمال، وتعزيز جاذبية السعودية، وبناء قطاعات اقتصادية فاعلة ومتنامية؛ ما وضع المملكة ضمن أسرع الاقتصادات نمواً على مستوى العالم، معزِّزةً قدرتها على مواجهة التقلبات الاقتصادية العالمية.

كما نجحت «رؤية 2030» في رسم أهداف استراتيجية واضحة لتفعيل مكامن القوة الاقتصادية في السعودية، عبر تطوير قطاعات رئيسية تشمل الطيران، والسياحة، والخدمات اللوجستية، والصناعة والتعدين، وغيرها، مدعومة باستثمارات ضخمة ومشروعات كبرى أعادت تشكيل هيكل الاقتصاد

وعملت الأنشطة غير النفطية في تدعيم الاقتصاد السعودي بوصفها «المحرك الرئيسي للنمو»، وهو ما أسهم في تعزيز تنافسيته ووضعه في صدارة الاقتصادات النشطة إقليمياً وعالمياً.

ويستند هذا الزخم إلى توسُّع قطاعات واعدة، متنوعة تشمل السياحة والترفيه، إلى الصناعة والنقل والخدمات اللوجستية وغيرها؛ بما عزَّز مساهمتها في الناتج، بعد أن سجَّلت الأنشطة غير النفطية في 2024 مستوى تاريخياً عند 2.6 تريليون ريال (693 مليار دولار) بنمو 6 في المائة.

تحول الهيكل الاقتصادي

ويؤكد رئيس قسم التداول لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «ساكسو بنك»، حمزة دويك، أن نتائج «رؤية 2030» أظهرت بوضوح «تحول الهيكل الاقتصادي للمملكة بعيداً عن الاعتماد الكلي على النفط»، مشيراً إلى التوسع الملحوظ في القطاعات غير النفطية وارتفاع الإيرادات الحكومية غير النفطية، وهو ما أسهم في تقليص حساسية الاقتصاد لتقلبات أسعار النفط.

وأوضح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ الإصلاحات المؤسسية والتنظيمية، بما في ذلك تطوير بيئة الأعمال والأسواق المالية وتعزيز مشاركة القوى العاملة وجذب الاستثمار الأجنبي، أسهمت في زيادة تدفق رؤوس الأموال المحلية والدولية، وهو ما يٌعدُّ عنصراً أساسياً في تحقيق التنويع الاقتصادي. وأضاف أن هذه التحولات غيَّرت النظرة الاستثمارية إلى السعودية، حيث باتت تُرى بوصفها اقتصاداً متعدد القطاعات، مدعوماً بعمق الأسواق المالية وازدياد الطروحات العامة الأولية.

ولفت دويك إلى أنَّ عملية التنويع لا تزال مستمرة، مشيراً إلى أن النفط سيظل عاملاً مهماً في تمويل التنمية، متوقعاً أن تركز المرحلة المقبلة على تعزيز الإنتاجية والكفاءة، وضمان استدامة القطاعات الناشئة دون الاعتماد على الدعم الحكومي، مؤكداً أن جودة هذا التنويع ستكون المقياس الحقيقي للنجاح مستقبلاً.

نمو متسارع للقطاعات غير النفطية

من جهته، يقول المدير الإقليمي لشركة «مايلستون سيستمز» في السعودية، فراس البيروتي، إن ملامح الاقتصاد الجديد تتجلى في «النمو المتسارع للقطاعات غير النفطية، وازدياد الاستثمارات، والتطوير المستمر للبنية التحتية الحديثة»، مشيراً إلى أنَّ هذه العوامل تعكس «تخطيطاً استراتيجياً يهدف إلى بناء اقتصاد أكثر تنوعاً ومرونة».

وأضاف أن «رؤية 2030» فتحت آفاقاً واسعة أمام قطاعات حيوية مثل السياحة والتقنية والخدمات اللوجستية والترفيه، إلى جانب تعزيز بيئة الاستثمار والابتكار، مع تنامي دور القطاع الخاص بوصفه محركاً رئيسياً للنمو الاقتصادي على المدى الطويل.

وأكد البيروتي لـ«الشرق الأوسط» أن التقنيات الذكية المدعومة بالبيانات ستلعب دوراً محورياً في المرحلة المقبلة، سواء في دعم البنية التحتية أو تعزيز الأمن والكفاءة التشغيلية، لافتاً إلى أن التكنولوجيا أصبحت جزءاً أساسياً في بناء مدن ومؤسسات أكثر كفاءة وأماناً.

المشروعات الكبرى

بدوره، يرى المدير الإقليمي لشركة «يورو سيستمز» في السعودية، أسرار خازي، أنَّ التحول الاقتصادي يتجسَّد أيضاً في «إعادة صياغة شاملة للبيئة العمرانية»، مشيراً إلى أنَّ المشروعات الكبرى في المملكة تجاوزت الأطر التقليدية لتدفع بحدود التصميم والهندسة والاستدامة إلى مستويات غير مسبوقة.

وأوضح أنَّ هذه المشروعات تمثِّل منظومات اقتصادية متكاملة تسهم في جذب الاستثمارات وتحفيز قطاعات جديدة، ما يعزِّز النمو المستدام، إلى جانب تشكيل هوية معمارية حديثة تمزج بين التقنيات المتقدمة والبعد الثقافي، مستشهداً بمشروعات مثل الدرعية.

وأشار خازي إلى أنَّ هذا التوجه يعزِّز الطلب على الحلول الهندسية المتقدمة، ويسهم في تطوير القدرات المحلية وسلاسل التوريد، ما يخلق قيمةً اقتصاديةً طويلة الأمد، ويعزِّز دور القطاع العمراني بوصفه أحد روافد التنويع الاقتصادي.


«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
TT

«بترورابغ» تكسر حاجز الخسائر المتراكمة... وتقفز بأرباحها إلى 391 مليون دولار

مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)
مرافق تابعة لـ«بترورابغ» (صفحة الشركة على «إكس»)

أعلنت شركة «رابغ للتكرير والبتروكيماويات (بترورابغ)» تحولاً استراتيجياً في مركزها المالي، حيث نجحت في خفض خسائرها المتراكمة لتستقر عند 658.4 مليون دولار (2.469 مليار ريال)، ما يمثل 14.77 في المائة فقط من رأسمالها الجديد. وبهذه الخطوة، تخرج الشركة رسمياً من نطاق تطبيق تعليمات هيئة السوق المالية الخاصة بالشركات التي تبلغ خسائرها 20 في المائة فأكثر.

هيكلة رأس المال: الأداة الحاسمة

وجاء هذا الانخفاض الملحوظ نتيجة تفعيل قرار الجمعية العامة غير العادية المنعقدة في أواخر مارس (آذار) 2026، حيث أتمت الشركة عملية تخفيض رأسمالها من 5.86 مليار دولار (21.9 مليار ريال) إلى 4.45 مليار دولار (16.7 مليار ريال). وتمَّت هذه العملية عبر إطفاء خسائر بقيمة 1.4 مليار دولار (5.2 مليار ريال) من خلال شطب جزء من القيمة الاسمية لأسهم الفئة «أ».

أداء تشغيلي قوي... وأرباح قياسية

بالتوازي مع إعادة الهيكلة المالية، حقَّقت «بترورابغ» أداءً تشغيلياً لافتاً خلال الرُّبع المنتهي في 31 مارس 2026، حيث سجَّلت صافي ربح قدره 390.9 مليون دولار (1.466 مليار ريال). وعزت الشركة هذا النمو القوي إلى 3 عوامل رئيسية:

  • تحسن الأسواق: ارتفاع أسعار المنتجات المكررة عالمياً؛ مما انعكس إيجاباً على هوامش الربح.
  • الكفاءة التشغيلية: تعزيز موثوقية المصانع والأداء الإنتاجي.
  • التحرُّر من عبء الديون: انخفاض تكاليف التمويل بفضل السداد المبكر لقروض طويلة الأجل، والالتزام بجدولة المديونية، تزامناً مع بيئة أسعار فائدة منخفضة.

الخروج من «نطاق الرصد»

وأكدت الشركة، في بيانها، أنَّ المركز المالي الجديد، المدعوم بتقرير مراجع الحسابات الخارجي، يعفيها من المتطلبات النظامية الصارمة التي تفرضها المادة 132 من نظام الشركات على المنشآت ذات الخسائر المرتفعة. ويمثل هذا الإعلان نقطة تحول جوهرية للمستثمرين، حيث يعكس قدرة الشركة على استعادة توازنها المالي والتشغيلي في آن واحد، مستفيدةً من تحسُّن ظروف قطاع الطاقة العالمي، وكفاءة إدارتها الداخلية للموارد والديون.


«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية
TT

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

«رؤية 2030»: حكاية التحول من الإدارة التقليدية إلى الريادة الرقمية العالمية

انطلقت السعودية في مسار التحوُّل الرقمي والاقتصاد المعرفي ضمن «رؤية 2030»، مستندةً إلى بنية تحتية رقمية مُتقدِّمة وبناء معرفي تراكم عبر سنوات طويلة، ما عزَّز قدرتها على المنافسة في اقتصادات المستقبل. وقد جاء هذا التحوُّل مدفوعاً بطموح وطني يستهدف تنويع الاقتصاد، وخلق فرص عمل جديدة، وتمكين الشباب، عبر بناء منظومة متكاملة تدعم الابتكار والبحث والتقنية.

حكومة بلا ورق

وفي إطار هذا التحوُّل، تبنَّت المملكة سياسة «حكومة بلا ورق»، التي هدفت إلى تسهيل وصول المستفيدين إلى الخدمات الحكومية من خلال منصات رقمية مُوحَّدة تغطي مختلف القطاعات مثل العدل، والصحة، والسياحة، والاستثمار، والإسكان، والخدمات اللوجستية، والعقار وغيرها. وأسهم هذا التوجه في تقليص زمن الإجراءات وتبسيطها، وتمكين المستفيدين من إنجاز معاملاتهم دون الحاجة للحضور الشخصي، سواء أكانوا مواطنين، أم مقيمين، أم مستثمرين، أم زواراً، وفق ما جاء في التقرير السنوي لـ«رؤية 2030» لعام 2025.

عرض تطبيق «بيم» الحكومي في «ملتقى الحكومة الرقمية» (الحكومة الرقمية)

برنامج «الحكومة الشاملة»

كما أطلقت هيئة الحكومة الرقمية في عام 2022 برنامج «الحكومة الشاملة»، الذي جاء بهدف تسريع التحوُّل الرقمي ورفع مستوى التكامل بين الجهات الحكومية، وتقديم تجربة رقمية متكاملة تُبسّط رحلة المستفيد وترفع كفاءة استخدام الموارد الحكومية في الفضاء الرقمي.

وقد انعكس ذلك على عدد من النجاحات النوعية، من أبرزها منصة «بلدي» التي أسهمت في إغلاق 37 منصة حكومية بنسبة إنجاز تجاوزت 80 في المائة، إضافة إلى منصة «لوجستي» التي تُقدِّم أكثر من 200 خدمة، ومنصة «صحتي» التي تخدم أكثر من 30 مليون مستفيد.

مركز عالمي للذكاء الاصطناعي

وفي مجال الذكاء الاصطناعي، رسَّخت المملكة مكانتها مركزاً عالمياً متقدماً، مستفيدةً من توفر الطاقة والبنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات، ما جعلها وجهةً جاذبةً لتقنيات الذكاء الاصطناعي.

وقد تمَّ إطلاق شركة «هيوماين» بوصفه مشروعاً وطنياً متكاملاً يهدف إلى توطين تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتطوير نماذج لغوية كبيرة تدعم المحتوى العربي، إلى جانب تشغيل تطبيقات متقدمة في مراكز البيانات؛ ومنها تقنيات الذكاء الاصطناعي في الدمام.

كما يجري الاستثمار في بناء القدرات البشرية عبر إدخال الذكاء الاصطناعي في المناهج التعليمية، وإطلاق برامج تدريبية تستهدف الطلاب والمواهب الوطنية، بما يعزِّز جاهزية الأجيال القادمة.

يقف زوار عند جناح شركة الذكاء الاصطناعي السعودية «هيوماين» خلال «مؤتمر مبادرة مستقبل الاستثمار» في الرياض (أ.ف.ب)

شركة هيوماين

وكان قد تمَّ إطلاق «هيوماين» في عام 2025 وهي تعمل على تطوير حلول ذكاء اصطناعي متقدمة تشمل مساعداً عربياً ذكياً، ونماذج لغوية رائدة، ونظام تشغيل يعمل بالذكاء الاصطناعي بالكامل، إضافة إلى أجهزة وتقنيات مُطوَّرة داخل المملكة، تخدم مئات الآلاف من المستخدمين، حيث يتجاوز عدد المستخدمين النشطين 300 ألف مستخدم، وتمتد خدماتها إلى 5 أسواق مختلفة، مع دعم أكثر من 150 تطبيقاً وخدمة رقمية.

تحول القطاع العدلي الرقمي

وفي القطاع العدلي، شهدت الخدمات الرقمية نقلةً نوعيةً عبر تقديم أكثر من 160 خدمة إلكترونية وفَّرت نحو 90 مليون ورقة سنوياً، وأسهمت في الاستغناء عن 65 مليون زيارة، إلى جانب رقمنة أكثر من 200 مليون وثيقة عقارية، وتطبيق التقاضي الإلكتروني الذي أدى إلى خفض عُمر القضايا بنسبة 79 في المائة، مع إطلاق «المحكمة الافتراضية» و«كتابة العدل الافتراضية».

وزير العدل الدكتور وليد الصمعاني خلال كلمته في الجلسة الوزارية بـ«ملتقى الحكومة الرقمية» (واس)

ويستند هذا التطوُّر إلى بنية تحتية رقمية متقدمة وفضاء رقمي آمن وموثوق؛ ما جعل المملكة تتجه نحو مرحلة أكثر تقدماً تتجاوز تقديم الخدمات إلى تحسين تجربة المستخدم وإزالة التعقيد منها.

الاقتصاد الرقمي والمعرفي

وعلى صعيد الاقتصاد الرقمي والمعرفي، رسَّخت المملكة مكانتها بوصفها أحد الاقتصادات الصاعدة بقوة في اقتصادات المستقبل، من خلال تطوير منظومة تشريعية ومؤسسية متكاملة، شملت تأسيس الهيئة السعودية للملكية الفكرية، وهيئة تنمية البحث والتطوير والابتكار، ووكالة الفضاء السعودية، إلى جانب إعادة تنظيم هيئة الاتصالات والفضاء والتقنية، وإنشاء البرنامج الوطني لتنمية تقنية المعلومات، وتعزيز دور مراكز البحث والابتكار؛ مثل جامعة الملك عبد الله للعلوم والتقنية (كاوست)، ومدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية (كاكست).

الأمن الرقمي

كما أُنشئ إطار وطني لتعزيز أمن الفضاء الرقمي بوصفه جزءاً من الأمن الوطني، بما يسهم في دعم الاستقرار الاقتصادي والاجتماعي، وتمكين الشركات التقنية، وتعزيز نمو الخدمات الرقمية. وقد جاء ذلك مدعوماً بتأسيس الهيئة السعودية للبيانات والذكاء الاصطناعي (سدايا)، والهيئة الوطنية للأمن السيبراني، إلى جانب مبادرات دولية مثل مبادرة حماية الطفل في الفضاء السيبراني؛ ما أسهم في تعزيز ريادة المملكة عالمياً في مجالات التقنية والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

جناح «سدايا» في معرض «ليب» (واس)

سوق الاقتصاد الرقمي

وتُظهر المؤشرات الاقتصادية حجم هذا التحوُّل، إذ بلغ حجم سوق الاقتصاد الرقمي في المملكة 745.98 مليار ريال (198.9 مليار دولار)، بينما وصل حجم سوق الاتصالات وتقنية المعلومات إلى 199 مليار ريال، كما برزت شركات تقنية سعودية عدة لتصبح شركات مليارية، من بينها «نون»، و«برق»، و«جاهز»، و«نايس ون»، و«تمارا»، و«نينجا»، و«تابي»، في دلالة على نمو القطاع الرقمي وتسارع نضجه.

مراكز ريادية في المؤشرات العالمية

تعكس المؤشرات الدولية المُتقدِّمة المكانة التي حقَّقتها المملكة في المجال الرقمي والتقني، حيث جاءت الأولى عالمياً في مؤشر تنمية الاتصالات والتقنية، والأولى عالمياً في مؤشر الأمن السيبراني للعام الثاني على التوالي وفقاً لتقرير التنافسية العالمية، كما تصدَّرت عالمياً في تمكين المرأة في مجال الذكاء الاصطناعي بحسب مؤشر «ستانفورد».

امرأة تقف أمام شاشة معلومات في معرض «ليب» (واس)

وحلَّت السعودية الأولى عالمياً في مؤشر الجاهزية الرقمية 2025، الصادر عن الاتحاد الدولي للاتصالات.

وعلى المستوى الإقليمي، جاءت المملكة في المرتبة الأولى في مؤشر سلامة الذكاء الاصطناعي مع تحقيقها المركز الـ11 عالمياً، كما تصدَّرت إقليمياً في الحاسوب العملاق «شاهين 3» محتلة المرتبة الـ18 عالمياً.

وحلَّت المملكة الأولى إقليمياً في جاهزية الحكومات للذكاء الاصطناعي، وفق تقرير «أوكسفورد إنسايتس».

وعلى صعيد المؤشرات العالمية، حقَّقت المملكة المرتبة الثانية عالمياً في مؤشر نضج الحكومة الرقمية، والثالثة عالمياً في نسبة نمو وظائف الذكاء الاصطناعي، وكذلك الثالثة عالمياً في عدد نماذج الذكاء الاصطناعي الرائدة، وفقاً لمؤشر ستانفورد، إلى جانب كونها ضمن 7 دول عالمياً نشرت نماذج ذكاء اصطناعي رائدة.

كما جاءت في المرتبة الثانية بين دول مجموعة العشرين في مؤشر تطور تنظيمات قطاع الاتصالات والتقنية، والسادسة عالمياً في مؤشر تطور الحكومة الإلكترونية، في حين حلَّت في المرتبة الـ20 عالمياً في مؤشر البنية التحتية للجودة للتنمية المستدامة.