فرع «طالبان» الأكثر قسوة يتصدر مسببات التوتر الأميركي ـ الباكستاني

«شبكة حقاني» مسؤولة عن سلسلة هجمات مروعة وفائقة الدقة في كابل

جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)
جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)
TT

فرع «طالبان» الأكثر قسوة يتصدر مسببات التوتر الأميركي ـ الباكستاني

جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)
جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)

عندما سلكت شاحنة صهريج كبيرة، تحمل 3 آلاف رطل من المتفجرات، طريقها إلى إحدى المناطق شديدة الحراسة في العاصمة الأفغانية كابول يوم 30 مايو (أيار) الماضي، لتنفجر هناك فيما يشبه القنبلة الضخمة الهائلة التي أسفرت عن مقتل 150 شخصا وإصابة أكثر من 400 مواطن آخرين، لم تعلن أي من الجماعات الإرهابية مسؤوليتها عن الحادثة المروعة. ولكن على الفور بدأت الإشاعات في السريان والانتشار.
إنها شبكة حقاني. لا بد أن تكون شبكة حقاني، كما يقول الناس. فليس بمقدور أحد هناك غيرهم أن يرتكب جريمة إرهابية بمثل هذه الدقة والضخامة. وسرعان ما وجّهت أجهزة الأمن والاستخبارات الأفغانية أصابع الاتهام نحوهم أيضاً، مشيرة إلى تلقيهم قدرا من المساعدة عبر جهاز الاستخبارات الباكستاني. وبعد مرور ستة أسابيع، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادثة، ولا تزال العاصمة الأفغانية تعاني آثارها حتى اليوم.
من المفترض، وبحكم الأمر الواقع، أن جماعة حقاني قد عفا عليها الزمن منذ فترة. فعلى مدى سنوات، ظلت هذه الجماعة العشائرية المتفرعة عن حركة طالبان الإرهابية على رأس أولويات قوات الأمن الأفغانية وحلفائها تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية.
ويُعتقد أن مؤسس تلك الجماعة، القائد البارز جلال الدين حقاني، قد سقط صريع المرض منذ فترة طويلة، كما أن كبار قادة الجماعة وأغلب أبنائه إما أنهم قد قتلوا وإما سجنوا في مختلف غارات قوات الأمن على الجماعة الإرهابية. وتزعم باكستان، التي سمحت أول الأمر لجماعة حقاني بالسيطرة على دويلة خاصة في المنطقة القبلية الحدودية بين البلدين، أنها قد دفعت بهم إلى الخروج منها ومغادرتها.
فلماذا لا يزال اسم «شبكة حقاني» يتردد صداه ويثير مثل هذا الرعب والفزع الآن؟ ولماذا لا تزال تلك الجماعة التي تضم بضعة آلاف من المقاتلين تحتل مركز الصراع في حرب الـ16 عاما الأفغانية؟ ولماذا تحولت مواقعهم بعيدة المنال إلى احتلال موقع الصدارة لدى من يدّعون أن إدارة الرئيس ترمب لا بد أن تعاقب باكستان، الحليف الأمني والعسكري طويل الأمد، على توفير المأوى والملاذ لأولئك الإرهابيين؟
تتعلق الإجابات عن تلك التساؤلات بالسمات التي أورثها جلال الدين حقاني، الوزير السابق في حكومة طالبان والصديق الشخصي لأسامة بن لادن، في قلوب رجاله، وانتقلت من بعده إلى نجله وخليفته سراج الدين حقاني. وتضم هذه السمات الروابط العائلية القوية والآيديولوجيات الدينية الراسخة، والانضباط الصارم، والتخطيط الدقيق، والمقدرة المستمرة على استمالة الأتباع، سواء كانوا من الشباب المتدربين على تنفيذ العمليات الانتحارية، أو الداعمين الأثرياء الأسخياء من أبناء منطقة الشرق الأوسط.
ومزيج الأصول المشار إليه قد ساعد شبكة حقاني على تنفيذ قائمة ممتدة من الهجمات المروعة وفائقة الدقة في كابل خلال السنوات العشر الماضية، بما في ذلك الهجوم على السفارة الهندية، والهجوم الآخر الذي شهده فندق سيرينا الأشبه بالحصن المنيع. ويقال إن تلك الشبكة، الأقرب صلة بتنظيم القاعدة الإرهابي، كانت أول من استحدث أسلوب التفجيرات الانتحارية في الصراع الأفغاني، وكان تفجير 30 مايو من أبرزها وأخطرها.
ووجه كثير من المسؤولين الأميركيين الاتهامات نحو باكستان لإيواء شبكة حقاني، واستخدامهم «وكيلا للقتال» في الوقت الذي يزعمون فيه السعي نحو السلام في المنطقة. ولقد زادت حدة هذه الاتهامات مع تصاعد اهتمامات إدارة الرئيس ترمب بشأن السياسات اللازم اتخاذها حيال الصراع المستمر في هذه المنطقة. وأعرب المسؤولون العسكريون الأميركيون عن رغبتهم في تصعيد الوجود العسكري هناك.
وصرّح القائد الأميركي في أفغانستان الجنرال جون نيكولسون أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي، في فبراير (شباط)، بأن حركة «طالبان» و«شبكة حقاني» على وجه الخصوص تشكلان «أكبر التهديدات للأمن في أفغانستان»، وأن قادتهم يحظون بحرية كبيرة في الحركة والعمل داخل الملاذات الباكستانية الآمنة. ولقد أدرجت الجماعة على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية من قبل إدارة الرئيس السابق باراك أوباما اعتبارا من عام 2012.
ونفت باكستان مرارا وتكرارا أنها توفر المأوى أو المساعدات لشبكة حقاني، وقالت إن أفراد الشبكة غادروا منطقة القبائل الحدودية في شمال وزيرستان، إلى جانب جماعات متمردة أخرى، إثر حملة لمكافحة الإرهاب شنها الجيش الباكستاني في الفترة بين عامي 2014 و2015.
وأعلن الناطق الرسمي باسم الخارجية الباكستانية الشهر الماضي قائلا: «ليس هناك وجود لشبكة حقاني في باكستان. والجماعة تعمل بالكامل انطلاقا من الأراضي الأفغانية». وقال إن الحكومة الأفغانية وحلفاءها الأجانب يوجهون اللوم إلى باكستان عن فشلهم وإخفاقهم، وأردف المسؤول الباكستاني يقول: «الإرهابيون لا يزالون يعملون، ولقد استقروا في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة في أفغانستان».
وقال ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم حركة طالبان الأفغانية، في مقابلة هاتفية، إنه في حين أن بعض عائلات قادة طالبان لا تزل تعيش داخل باكستان كجزء من جالية اللاجئين الأفغان هناك، فلا أصل للمزاعم التي تقول بأن أي عنصر من «طالبان»، بما في ذلك «شبكة حقاني»، يتلقى الدعم من حكومة باكستان أو يعيش بحرية هناك.
وفي أوائل يونيو (حزيران)، نشر سراج الدين حقاني، الذي يصعب العثور على موقعه الحقيقي، تسجيلا صوتيا مطولا باللغة البشتونية الأفغانية على عنوان حركة طالبان عبر تطبيق «واتساب». ولقد أدان خلال التسجيل الصوتي عملية التفجير الأخيرة وقال إن رجاله لديهم أوامر محددة بتجنب شن الهجمات في الأماكن العامة، حيث يوجد «المدنيون الأبرياء» واحتمال أن تلحق بهم الأضرار جراء العمليات هناك.
ومع ذلك، فإنه وجّه الاتهامات إلى حلفاء أفغانستان بمحاولة «احتلال أراضينا والقضاء على النظام الإسلامي في أفغانستان. فكيف نغمض أعيننا عن ذلك؟»، كما قال. وأضاف، أن «هدفنا هو تحرير أفغانستان من سيطرتهم ونفوذهم، وفرض العمل بالشريعة. لقد فقدنا آلاف الأرواح، وصارت لدينا الآلاف من الأرامل والأيتام في هذا الجهاد. ولسوف نمضي به إلى نهايته المنطقية المحتمة».
ويعتقد أن سراج الدين حقاني في العقد الرابع من عمره، ولقد ظل بعيدا عن الأنظار منذ توليه قيادة الجماعة خلفا لوالده. ومع مكافأة 5 ملايين دولار التي تضعها الولايات المتحدة لمن يساعد في القبض عليه، وتاريخ من غارات الطائرات العسكرية المسيّرة التي استهدفت رجاله ومساعديه، يعتقد بأنه من الشخصيات التي تواصل التحرك والانتقال بشكل مستمر. وقال أنصار محليون للجماعة في باكستان إنهم لم يروه منذ عامين كاملين.
ولكن تعتبر منطقة جنوب شرقي أفغانستان، لا سيما إقليم خوست على طول الحدود الباكستانية - الأفغانية، منطقة الراحة الخاصة بجماعة حقاني في زمن الحرب الدائرة هناك. ويتزعم سراج الدين قوة من المتمردين لا تقل عن 5 آلاف من المقاتلين الموالين. وقال أحد الأتباع المدنيين إنه التقى أيضا مع جنود من الجيش والشرطة الأفغانية الذين ساعدوا شبكة حقاني على تنفيذ هجمات إرهابية ضد أماكن عالية الحساسية في البلاد.
ورفض الناطق باسم شبكة حقاني في باكستان الرد على الأسئلة عبر الهاتف بهذا الخصوص. ويقول المؤيدون والمحللون إن الشبكة لا تزال تحتفظ بعلاقات قوية مع أجهزة الاستخبارات الباكستانية منذ تعاونهم الأول إبان الحقبة السوفياتية السابقة، ولكنهم لا يحظون بسيطرة فاعلة في الوقت الراهن بسبب الضغوط الأميركية المتزايدة. ويقول محمد إسرار مدني، الباحث الإسلامي من باكستان: «لم تعد باكستان الملاذ الآمن كما كانت بالنسبة إلى حركة طالبان الأفغانية. بعض من أعضاء الحركة حصلوا على بطاقات هوية شخصية باكستانية، ولكن الحكومة تعمل الآن على منع إقامتهم في البلاد. ولا أنكر وجود عناصر طالبان الأفغان وشبكة حقاني، وأنهم ما زالوا يعيشون في باكستان، ولكن الأمور أصبحت صعبة للغاية الآن عليهم للعيش في حرية وسلام داخل البلاد».
ويقول مولانا سميع الحق، رجل الدين الذي تخرج في مدرسته الدينية بالقرب من بيشاور كثير من مقاتلي طالبان الأفغان: «لا تزال شبكة حقاني الأكثر نشاطا ورعبا في حركة طالبان، ولكن النفوذ الباكستاني عليهم أصبح ضعيفا للغاية بسبب الضغوط الأميركية». وأضاف أن كبار المسؤولين العسكريين في باكستان كانوا يرحبون بهم فيما سبق، ولكنهم صاروا يتجنبون الآن الاجتماع معهم.
ومع ذلك، ورغم جهود إسلام آباد للنأي بنفسها بعيدا عن شبكة حقاني، فإن بعضا من مؤيدي الشبكة على اقتناع بأن هذا الموقف الباكستاني ليس سوى تراجع تكتيكي في حملة باكستان طويلة الأمد للهيمنة على أفغانستان وإضعافها. وقال أحد رجال الدين من القبائل ومن المقربين من «شبكة حقاني» إن سراج الدين «هو الأمل الأخير، ولن تغامر باكستان بفقدانه».
ومن داخل مخابئهم الحدودية الغامضة، من المعروف عن عناصر شبكة حقاني اختطافهم للرعايا الأجانب واتخاذهم رهائن. وظلت إحدى العائلات الكندية الأميركية رهن الاحتجاز لديهم منذ عام 2012. عندما اختطفتهم عناصر الشبكة من إحدى الرحلات الجبلية. وفي شريط فيديو نشرته الشبكة في ديسمبر (كانون الأول)، طلبت الأم الأميركية المختطفة من الرئيس المنتخب دونالد ترمب التدخل لإنقاذهم من كابوسهم المريع.
ولقد طلبت شبكة حقاني إطلاق سراح أحد أشقاء سراج الدين حقاني، والمسجون في كابول انتظارا لتنفيذ حكم الإعدام بحقه. وإذا تم تنفيذ الحكم، كما قالت الشبكة، فسيقتلون أفراد العائلة الأجنبية بالكامل.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ{الشرق الأوسط}



الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».


وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
TT

وزير خارجية ألمانيا: أميركا وإيران على اتصال غير مباشر وتخططان للقاء

وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)
وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول يصل لحضور اجتماع وزراء خارجية مجموعة السبع في فرنسا - 26 مارس 2026 (د.ب.أ)

قال وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول، الجمعة، إن الولايات المتحدة وإيران أجرتا مفاوضات غير مباشرة، وإن ممثلين للجانبين يعتزمون الاجتماع قريباً في باكستان.

وقال لإذاعة «دويتشلاند فونك»: «بناءً على المعلومات التي لدي، جرت اتصالات غير مباشرة، وهناك استعدادات للقاء مباشر. ويبدو أن ذلك سيتم قريباً جداً في باكستان».

إلى ذلك، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه سيمدد مهلة لإيران حتى السادس من أبريل (نيسان) للتوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب قبل تدمير منشآت الطاقة فيها، مشيراً إلى أن المحادثات تسير «بشكل جيد جداً»، لكن طهران رفضت الاقتراح الأميركي ووصفته بأنه غير عادل.