فرع «طالبان» الأكثر قسوة يتصدر مسببات التوتر الأميركي ـ الباكستاني

«شبكة حقاني» مسؤولة عن سلسلة هجمات مروعة وفائقة الدقة في كابل

جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)
جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)
TT

فرع «طالبان» الأكثر قسوة يتصدر مسببات التوتر الأميركي ـ الباكستاني

جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)
جنود حكوميون يرفعون العلم الأفغاني في ساحة مديرية نوى بإقليم هلمند بعد معارك دامت يومين ضد مقاتلي حركة طالبان (إ.ب.أ)

عندما سلكت شاحنة صهريج كبيرة، تحمل 3 آلاف رطل من المتفجرات، طريقها إلى إحدى المناطق شديدة الحراسة في العاصمة الأفغانية كابول يوم 30 مايو (أيار) الماضي، لتنفجر هناك فيما يشبه القنبلة الضخمة الهائلة التي أسفرت عن مقتل 150 شخصا وإصابة أكثر من 400 مواطن آخرين، لم تعلن أي من الجماعات الإرهابية مسؤوليتها عن الحادثة المروعة. ولكن على الفور بدأت الإشاعات في السريان والانتشار.
إنها شبكة حقاني. لا بد أن تكون شبكة حقاني، كما يقول الناس. فليس بمقدور أحد هناك غيرهم أن يرتكب جريمة إرهابية بمثل هذه الدقة والضخامة. وسرعان ما وجّهت أجهزة الأمن والاستخبارات الأفغانية أصابع الاتهام نحوهم أيضاً، مشيرة إلى تلقيهم قدرا من المساعدة عبر جهاز الاستخبارات الباكستاني. وبعد مرور ستة أسابيع، لم تعلن أي جهة مسؤوليتها عن الحادثة، ولا تزال العاصمة الأفغانية تعاني آثارها حتى اليوم.
من المفترض، وبحكم الأمر الواقع، أن جماعة حقاني قد عفا عليها الزمن منذ فترة. فعلى مدى سنوات، ظلت هذه الجماعة العشائرية المتفرعة عن حركة طالبان الإرهابية على رأس أولويات قوات الأمن الأفغانية وحلفائها تحت قيادة الولايات المتحدة الأميركية.
ويُعتقد أن مؤسس تلك الجماعة، القائد البارز جلال الدين حقاني، قد سقط صريع المرض منذ فترة طويلة، كما أن كبار قادة الجماعة وأغلب أبنائه إما أنهم قد قتلوا وإما سجنوا في مختلف غارات قوات الأمن على الجماعة الإرهابية. وتزعم باكستان، التي سمحت أول الأمر لجماعة حقاني بالسيطرة على دويلة خاصة في المنطقة القبلية الحدودية بين البلدين، أنها قد دفعت بهم إلى الخروج منها ومغادرتها.
فلماذا لا يزال اسم «شبكة حقاني» يتردد صداه ويثير مثل هذا الرعب والفزع الآن؟ ولماذا لا تزال تلك الجماعة التي تضم بضعة آلاف من المقاتلين تحتل مركز الصراع في حرب الـ16 عاما الأفغانية؟ ولماذا تحولت مواقعهم بعيدة المنال إلى احتلال موقع الصدارة لدى من يدّعون أن إدارة الرئيس ترمب لا بد أن تعاقب باكستان، الحليف الأمني والعسكري طويل الأمد، على توفير المأوى والملاذ لأولئك الإرهابيين؟
تتعلق الإجابات عن تلك التساؤلات بالسمات التي أورثها جلال الدين حقاني، الوزير السابق في حكومة طالبان والصديق الشخصي لأسامة بن لادن، في قلوب رجاله، وانتقلت من بعده إلى نجله وخليفته سراج الدين حقاني. وتضم هذه السمات الروابط العائلية القوية والآيديولوجيات الدينية الراسخة، والانضباط الصارم، والتخطيط الدقيق، والمقدرة المستمرة على استمالة الأتباع، سواء كانوا من الشباب المتدربين على تنفيذ العمليات الانتحارية، أو الداعمين الأثرياء الأسخياء من أبناء منطقة الشرق الأوسط.
ومزيج الأصول المشار إليه قد ساعد شبكة حقاني على تنفيذ قائمة ممتدة من الهجمات المروعة وفائقة الدقة في كابل خلال السنوات العشر الماضية، بما في ذلك الهجوم على السفارة الهندية، والهجوم الآخر الذي شهده فندق سيرينا الأشبه بالحصن المنيع. ويقال إن تلك الشبكة، الأقرب صلة بتنظيم القاعدة الإرهابي، كانت أول من استحدث أسلوب التفجيرات الانتحارية في الصراع الأفغاني، وكان تفجير 30 مايو من أبرزها وأخطرها.
ووجه كثير من المسؤولين الأميركيين الاتهامات نحو باكستان لإيواء شبكة حقاني، واستخدامهم «وكيلا للقتال» في الوقت الذي يزعمون فيه السعي نحو السلام في المنطقة. ولقد زادت حدة هذه الاتهامات مع تصاعد اهتمامات إدارة الرئيس ترمب بشأن السياسات اللازم اتخاذها حيال الصراع المستمر في هذه المنطقة. وأعرب المسؤولون العسكريون الأميركيون عن رغبتهم في تصعيد الوجود العسكري هناك.
وصرّح القائد الأميركي في أفغانستان الجنرال جون نيكولسون أمام لجنة بمجلس الشيوخ الأميركي، في فبراير (شباط)، بأن حركة «طالبان» و«شبكة حقاني» على وجه الخصوص تشكلان «أكبر التهديدات للأمن في أفغانستان»، وأن قادتهم يحظون بحرية كبيرة في الحركة والعمل داخل الملاذات الباكستانية الآمنة. ولقد أدرجت الجماعة على قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية من قبل إدارة الرئيس السابق باراك أوباما اعتبارا من عام 2012.
ونفت باكستان مرارا وتكرارا أنها توفر المأوى أو المساعدات لشبكة حقاني، وقالت إن أفراد الشبكة غادروا منطقة القبائل الحدودية في شمال وزيرستان، إلى جانب جماعات متمردة أخرى، إثر حملة لمكافحة الإرهاب شنها الجيش الباكستاني في الفترة بين عامي 2014 و2015.
وأعلن الناطق الرسمي باسم الخارجية الباكستانية الشهر الماضي قائلا: «ليس هناك وجود لشبكة حقاني في باكستان. والجماعة تعمل بالكامل انطلاقا من الأراضي الأفغانية». وقال إن الحكومة الأفغانية وحلفاءها الأجانب يوجهون اللوم إلى باكستان عن فشلهم وإخفاقهم، وأردف المسؤول الباكستاني يقول: «الإرهابيون لا يزالون يعملون، ولقد استقروا في المناطق غير الخاضعة لسيطرة الحكومة في أفغانستان».
وقال ذبيح الله مجاهد، المتحدث باسم حركة طالبان الأفغانية، في مقابلة هاتفية، إنه في حين أن بعض عائلات قادة طالبان لا تزل تعيش داخل باكستان كجزء من جالية اللاجئين الأفغان هناك، فلا أصل للمزاعم التي تقول بأن أي عنصر من «طالبان»، بما في ذلك «شبكة حقاني»، يتلقى الدعم من حكومة باكستان أو يعيش بحرية هناك.
وفي أوائل يونيو (حزيران)، نشر سراج الدين حقاني، الذي يصعب العثور على موقعه الحقيقي، تسجيلا صوتيا مطولا باللغة البشتونية الأفغانية على عنوان حركة طالبان عبر تطبيق «واتساب». ولقد أدان خلال التسجيل الصوتي عملية التفجير الأخيرة وقال إن رجاله لديهم أوامر محددة بتجنب شن الهجمات في الأماكن العامة، حيث يوجد «المدنيون الأبرياء» واحتمال أن تلحق بهم الأضرار جراء العمليات هناك.
ومع ذلك، فإنه وجّه الاتهامات إلى حلفاء أفغانستان بمحاولة «احتلال أراضينا والقضاء على النظام الإسلامي في أفغانستان. فكيف نغمض أعيننا عن ذلك؟»، كما قال. وأضاف، أن «هدفنا هو تحرير أفغانستان من سيطرتهم ونفوذهم، وفرض العمل بالشريعة. لقد فقدنا آلاف الأرواح، وصارت لدينا الآلاف من الأرامل والأيتام في هذا الجهاد. ولسوف نمضي به إلى نهايته المنطقية المحتمة».
ويعتقد أن سراج الدين حقاني في العقد الرابع من عمره، ولقد ظل بعيدا عن الأنظار منذ توليه قيادة الجماعة خلفا لوالده. ومع مكافأة 5 ملايين دولار التي تضعها الولايات المتحدة لمن يساعد في القبض عليه، وتاريخ من غارات الطائرات العسكرية المسيّرة التي استهدفت رجاله ومساعديه، يعتقد بأنه من الشخصيات التي تواصل التحرك والانتقال بشكل مستمر. وقال أنصار محليون للجماعة في باكستان إنهم لم يروه منذ عامين كاملين.
ولكن تعتبر منطقة جنوب شرقي أفغانستان، لا سيما إقليم خوست على طول الحدود الباكستانية - الأفغانية، منطقة الراحة الخاصة بجماعة حقاني في زمن الحرب الدائرة هناك. ويتزعم سراج الدين قوة من المتمردين لا تقل عن 5 آلاف من المقاتلين الموالين. وقال أحد الأتباع المدنيين إنه التقى أيضا مع جنود من الجيش والشرطة الأفغانية الذين ساعدوا شبكة حقاني على تنفيذ هجمات إرهابية ضد أماكن عالية الحساسية في البلاد.
ورفض الناطق باسم شبكة حقاني في باكستان الرد على الأسئلة عبر الهاتف بهذا الخصوص. ويقول المؤيدون والمحللون إن الشبكة لا تزال تحتفظ بعلاقات قوية مع أجهزة الاستخبارات الباكستانية منذ تعاونهم الأول إبان الحقبة السوفياتية السابقة، ولكنهم لا يحظون بسيطرة فاعلة في الوقت الراهن بسبب الضغوط الأميركية المتزايدة. ويقول محمد إسرار مدني، الباحث الإسلامي من باكستان: «لم تعد باكستان الملاذ الآمن كما كانت بالنسبة إلى حركة طالبان الأفغانية. بعض من أعضاء الحركة حصلوا على بطاقات هوية شخصية باكستانية، ولكن الحكومة تعمل الآن على منع إقامتهم في البلاد. ولا أنكر وجود عناصر طالبان الأفغان وشبكة حقاني، وأنهم ما زالوا يعيشون في باكستان، ولكن الأمور أصبحت صعبة للغاية الآن عليهم للعيش في حرية وسلام داخل البلاد».
ويقول مولانا سميع الحق، رجل الدين الذي تخرج في مدرسته الدينية بالقرب من بيشاور كثير من مقاتلي طالبان الأفغان: «لا تزال شبكة حقاني الأكثر نشاطا ورعبا في حركة طالبان، ولكن النفوذ الباكستاني عليهم أصبح ضعيفا للغاية بسبب الضغوط الأميركية». وأضاف أن كبار المسؤولين العسكريين في باكستان كانوا يرحبون بهم فيما سبق، ولكنهم صاروا يتجنبون الآن الاجتماع معهم.
ومع ذلك، ورغم جهود إسلام آباد للنأي بنفسها بعيدا عن شبكة حقاني، فإن بعضا من مؤيدي الشبكة على اقتناع بأن هذا الموقف الباكستاني ليس سوى تراجع تكتيكي في حملة باكستان طويلة الأمد للهيمنة على أفغانستان وإضعافها. وقال أحد رجال الدين من القبائل ومن المقربين من «شبكة حقاني» إن سراج الدين «هو الأمل الأخير، ولن تغامر باكستان بفقدانه».
ومن داخل مخابئهم الحدودية الغامضة، من المعروف عن عناصر شبكة حقاني اختطافهم للرعايا الأجانب واتخاذهم رهائن. وظلت إحدى العائلات الكندية الأميركية رهن الاحتجاز لديهم منذ عام 2012. عندما اختطفتهم عناصر الشبكة من إحدى الرحلات الجبلية. وفي شريط فيديو نشرته الشبكة في ديسمبر (كانون الأول)، طلبت الأم الأميركية المختطفة من الرئيس المنتخب دونالد ترمب التدخل لإنقاذهم من كابوسهم المريع.
ولقد طلبت شبكة حقاني إطلاق سراح أحد أشقاء سراج الدين حقاني، والمسجون في كابول انتظارا لتنفيذ حكم الإعدام بحقه. وإذا تم تنفيذ الحكم، كما قالت الشبكة، فسيقتلون أفراد العائلة الأجنبية بالكامل.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ{الشرق الأوسط}



الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
TT

الهند تستدعي سفير إيران بعد تعرض سفينتين لإطلاق نار بمضيق هرمز

ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)
ناقلة متوقفة قبالة جزيرة قشم الإيرانية في مضيق هرمز (أ.ب)

أعلنت وزارة الخارجية الهندية، السبت، أنَّه جرى استدعاء سفير إيران لاجتماع مع الوزير مساء اليوم، بعد إطلاق النار على سفينتين ترفعان علم الهند في مضيق هرمز.

وأفاد بيان للحكومة الهندية، أن وزير الخارجية الهندي فيكرام ⁠ميسري، عبَّر خلال اجتماع مع السفير الإيراني، عن قلق ​الهند ‌البالغ إزاء ‌حادث إطلاق النار الذي وقع في وقت سابق اليوم، وشمل سفينتين ترفعان العلم الهندي في مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز».

وحثَّ وزير الخارجية الهندي سفير إيران على نقل وجهة نظر الهند إلى السلطات الإيرانية، واستئناف عملية تسهيل عبور السفن.

وكان مصدر حكومي هندي قد ذكر، في وقت سابق اليوم، أنَّ سفينة ترفع العلم الهندي وتحمل شحنةً من النفط الخام تعرَّضت لهجوم، اليوم (السبت)، في أثناء محاولتها عبور مضيق هرمز. وأضاف المصدر أنَّ اسم السفينة «سانمار هيرالد»، مشيراً إلى أنَّ السفينة وطاقمها بخير.

وذكرت «رويترز»، في وقت سابق اليوم، أن سفينتين تجاريتين على الأقل أبلغتا عن تعرُّضهما لإطلاق نار في أثناء محاولتهما عبور مضيق هرمز، اليوم (السبت).

وأوضح المصدر الحكومي الهندي أنَّ نيودلهي استدعت سفير إيران لدى الهند بشأن الواقعة ذاتها.

وقال الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس (الجمعة)، إنَّ إيران وافقت على فتح المضيق، بينما قال مسؤولون إيرانيون إنهم يريدون من الولايات المتحدة رفع الحصار المفروض على ناقلات النفط الإيرانية بشكل كامل.

وأظهرت بيانات شحن أنَّ أكثر من 12 ناقلة نفط، من بينها 3 سفن خاضعة لعقوبات، عبرت مضيق هرمز بعد رفع الحصار الذي ظلَّ مفروضاً عليه لمدة 50 يوماً أمس (الجمعة)، قبل أن تعيد إيران فرض قيود، اليوم (السبت)، وتطلق النار على بعض السفن.


متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
TT

متى يصبح السلام هو القاعدة لا الاستثناء؟

الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)
الأمم المتحدة تحتاج إلى إصلاح هيكليّ (رويترز)

صار مألوفاً بين المحللين القول إننا دخلنا نظاماً عالمياً جديداً، حلّ فيه منطق «حق القوة» بدل «قوة الحق»، وأفل نجم النظام الدولي القديم القائم على القواعد الراسخة. هكذا بتنا نرى أن العلاقات الدولية تُدار بمنطق القوة والنفوذ بدلاً من التوافق والتعددية. ولا شك في أن هذا النظام يتشكل من خلال إمبراطوريات متفاوتة الأحجام، تسعى إلى توسيع دوائر النفوذ ومصادر الثروة باستخدام القوة، بدلاً من الاعتماد على الاتفاقات الدولية التي تجمع بين الدول الكبرى والصغرى على أساس المساواة.

وغني عن القول أن الهدف الأول لأي نظام عالمي تشاركي هو البحث عن السلام المستدام. وعن ذلك قال الفيلسوف الهولندي (البرتغالي الأصل) باروخ سبينوزا (1632 - 1677)، إن «السلام فضيلة وحالة ذهنية تقوم على الإحسان والثقة والعدالة». فيما أكد ألبرت آينشتاين (1879 - 1955)، أن «السلام لا يمكن فرضه بالقوة؛ بل يتحقق بالتفاهم». ومنذ القدم، أدرك أفلاطون أن «إقامة السلام والصداقة هي أسمى واجبات المواطن والمشترع»، ورأى أرسطو أن «الانتصار في الحرب لا يكفي، بل الأهم هو إرساء السلام». أما غاندي (1869 - 1948)، فجزم بأن «السلام لا يولد من الصدام المسلّح؛ بل من عدالة تُمارَس حتى في وجه التحديات».

سلام الاستثناء

في مقابل هذه الرؤى الحكيمة، تكشف التجربة التاريخية أن السلام كان الاستثناء لا القاعدة؛ فخلال ما بين 3500 و5000 عام من التاريخ البشري المدوّن، لم يعرف العالم سوى نحو من 230 إلى 268 عاماً خالية تماماً من الحروب الكبرى؛ أي أقل من 10 في المائة من تاريخه. وهذا يعني أن الصراع هو السمة الغالبة على العلاقات الإنسانية على المستويين الفردي والجماعي.

مضيق هرمز مسرح لصراع كبير (رويترز)

ولا بدّ من التمييز في هذا السياق بين «النظام الدولي» و«النظام العالمي»؛ فالنظام الدولي يصف آليات «عمل» العالم من حيث الفاعلين والقوى والدوافع والقيود، بينما يُعدّ النظام العالمي بناءً سياسياً ومؤسساتياً وثقافياً يتشكّل عبر التفاوض أو التعاون أو حتى الإكراه (كما حصل بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية اللتين انتهى كل منهما بغالب ومغلوب). والنظام العالمي ليس معطًى ثابتاً؛ بل هو نتيجة خيارات واعية تتخذها القوى الفاعلة لتنظيم العالم وإدارته.

ومن المنصف القول إن النظام العالمي الذي تبلور بعد الحرب العالمية الثانية حقق نجاحات؛ إذ تراجعت احتمالات الحروب العالمية الشاملة، وانتهت الإمبراطوريات التقليدية ذات المدى الجغرافي الواسع، وازداد مستوى الرفاه والازدهار بشكل غير مسبوق، وأُرسيت دعائم السيادة الوطنية لدول عديدة بناءً على مفاهيم «صلح وستفاليا». غير أن هذا النظام لم يعد يلبّي متطلبات التحولات العميقة التي يشهدها العالم اليوم، وهو ما يفسر الإحساس المتزايد بالأزمة وذلك الشعور بالضيق العام على المستوى العالمي، والقلق الجدّي من نشوب حرب عالمية ثالثة محفوفة بأخطار «الجنون النووي».

 

تحوّلات ونماذج بديلة

 

في العقود الأخيرة، شهدنا إعادة توزيع للنفوذ في الكرة الأرضية، مع صعود قوى جديدة تتحدى الهيمنة الغربية التي قامت على الثروة المادية والتقدّم العلمي - التكنولوجي؛ مثل دول مجموعة «بريكس» التي باتت تؤدي دوراً متزايد التأثير اقتصادياً وسياسياً. ولا يقتصر هذا التحول على انتقال عناصر القوة؛ بل يمتد إلى تغيّرات فكرية وثقافية عميقة، مع سعي ملموس من الدول غير الغربية إلى تأكيد هوياتها الخاصة وتقديم نماذج بديلة للحكم والتنمية.

وتشهد هذه المرحلة، التي توصف أحياناً بـ«ما بعد الغرب»، تحديات كبرى وجودية للغرب نفسه ولمنافسيه، تتطلب تعاوناً دولياً أوسع، خصوصاً في مواجهة قضايا عابرة للحدود مثل التغير المناخي، والأمن السيبراني، والهجرة، والجريمة المنظمة، والإرهاب... غير أن هذا التحول لا يخلو من التوترات؛ إذ تسعى القوى الصاعدة إلى تعزيز مصالحها، الأمر الذي يؤدي إلى احتكاكات مع القوى التقليدية، خصوصاً في العلاقات التجارية وأحياناً في مواجهات ميدانية، ويعقّد المساعي إلى بناء توازن عالمي مستقر.

مصنع للسيارات الكهربائية في مدينة جينهوا الصينية... قوة صاعدة بسرعة كبيرة (رويترز)

ويُضاف إلى ذلك أن صعود النزعات القومية والشعبوية يشكّل سبباً آخر من أسباب الاضطراب، لأن هذه التيارات المتطرفة تنحو بطبيعتها المشكِّكة إلى تقويض التعاون الدولي وتغليب المصالح الضيقة، مما يضعف المؤسسات الدولية ويهدد الاستقرار العالمي. وتزيد النزاعات الإقليمية والتنافس بين القوى الكبرى؛ مثل التوترات بين الولايات المتحدة والصين، هذا التفكك حدةً.

ومن أبرز التحديات أيضاً ضرورة إيجاد توازن بين القيم العالمية والخصوصيات الوطنية؛ إذ لا يمكن فرض معايير دولية بشكل أحادي دون مراعاة التنوع الثقافي والسياسي. ولذلك، يصبح الحوار البنّاء والدبلوماسية الشبكية المرنة (لا الهرمية الجامدة) أمرين ضروريين لإيجاد أرض صلبة مشتركة لتشييد «مبنى» السلام.

 

امتحان التكيّف والتعاون

 

خلاصة القول؛ إن النظام الدولي الحالي يمرّ بمرحلة تحول عميقة، تتداخل فيها عوامل صعود قوى جديدة، وتراجع النفوذ الغربي، وتصاعد النزاعات، وتزايد التحديات العالمية، والسعي المحموم إلى الحصول على «غنائم» اقتصادية تعزّز الموقع وتحصّن السيادة. ويعتمد مستقبل هذا النظام على قدرة الفاعلين الدوليين على التكيف والتعاون، وبناء شراكات جديدة، والانفتاح على رؤى متعددة لفهم تعقيدات العالم.

وفي هذا السياق، لا يجوز النظر إلى بروز سرديات بديلة بوصفه تهديداً؛ بل فرصة لفهم أعمق لعالم متعدد الأقطاب. فالنظام الدولي الذي يتشكل اليوم يعكس انتقالاً تاريخياً مهماً، حيث لم يعد الغرب مركز القوة الوحيد؛ بل بات واحداً من عدة مراكز.

إن الطريق نحو نظام عالمي أكثر تعقيداً وتداخلاً، تتعايش فيه نماذج مختلفة من الحوكمة العالمية، ارتسم بالفعل. غير أن التعامل في هذا الواقع الجديد وسلوك دروبه الوعرة يتطلبان فكراً مبتكراً ومنفتحاً على التغيير، مع الحفاظ في الوقت ذاته، على ما أثبتت التجربة أهميته من هياكل ومؤسسات قائمة؛ في مقدّمتها الأمم المتحدة التي تحتاج إلى إصلاح هيكلي يجنبها التداعي والسقوط. وفي النهاية، يبقى بناء عالم أكثر عدلاً وسلاماً واستدامة مرهوناً بإرادة جماعية قادرة على التوفيق بين الاختلاف والتعاون.

اقرأ أيضاً


حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
TT

حرب إيران تكشف نقطة ضعف لترمب: الضغط الاقتصادي

الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب بعد وصوله إلى البيت الأبيض مساء الجمعة (أ.ب)

لم تفلح 7 أسابيع من الحرب في إسقاط حكام إيران، أو إجبارهم على تلبية جميع مطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، لكنها بالنسبة لخصوم الولايات المتحدة وحلفائها، كشفت واحدة من نقاط ضعفه الرئيسية؛ وهي الضغط الاقتصادي، وفق تحليل لوكالة «رويترز».

وحتى مع إعلان إيران أمس (الجمعة)، أنها ستعيد فتح مضيق هرمز أمام الملاحة، ​فقد كشفت أزمة الشرق الأوسط حدود استعداد ترمب لتحمل الألم الاقتصادي الداخلي.

وانضم ترمب إلى إسرائيل في مهاجمة إيران في 28 فبراير (شباط)، مستنداً إلى ما وصفه بتهديدات أمنية وشيكة، لا سيما بخصوص ما يتعلق ببرنامجها النووي. لكن الآن، ومع ارتفاع أسعار الوقود في الولايات المتحدة وتزايد التضخم وانخفاض شعبيته، يسابق ترمب الزمن لإبرام اتفاق دبلوماسي من شأنه أن يخفف من حدة التداعيات في الداخل.

ناقلة نفط ترفع علم مالطا تقترب من العراق بعد عبورها مضيق هرمز (رويترز)

ويقول محللون إن إيران تلقت ضربة عسكرية قاسية، لكنها أثبتت قدرتها على فرض تكاليف اقتصادية استخف بها ترمب ومساعدوه، مما أدى إلى أسوأ صدمة طاقة عالمية على الإطلاق.

* تكاليف الطاقة وخطر الركود

كثيراً ما تجاهل ترمب علناً المخاوف الاقتصادية المحلية الناجمة عن الحرب، خصوصاً أن الولايات المتحدة لا تعتمد على خُمس شحنات النفط العالمية التي حُجبت فعلياً بسبب سيطرة إيران على مضيق هرمز، غير أن ارتفاع أسعار الطاقة قد أثر سلباً على المستهلكين الأميركيين. ويزيد تحذير صندوق النقد الدولي من خطر حدوث ركود عالمي من حدة هذا الوضع القاتم.

وهكذا، تزايدت الضغوط لإيجاد مخرج من هذه الحرب التي لا تحظى بتأييد في الولايات المتحدة؛ إذ يدافع المنتمون إلى حزب ترمب الجمهوري، عن أغلبيتهم ‌الضئيلة بالكونغرس في ‌انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني).

ولا يخفى أي شيء من هذا عن قادة إيران الذين استغلوا السيطرة على مضيق ​هرمز ‌لدفع ⁠فريق ترمب ​إلى ⁠الجلوس على طاولة المفاوضات.

ويقول المحللون إن الصين وروسيا قد يستخلصان درساً مماثلاً؛ إذ إنه بينما أظهر ترمب رغبة في استخدام القوة العسكرية في ولايته الثانية، فإنه يبحث عن مخرج دبلوماسي بمجرد أن يصبح الوضع الاقتصادي مؤرقاً في الداخل.

وقال بريت بروين، وهو مستشار سابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس السابق باراك أوباما، ويترأس حالياً شركة «غلوبال سيتويشن روم» الاستشارية: «يشعر ترمب بالضائقة الاقتصادية، وهي نقطة ضعف في هذه الحرب».

وذكر المتحدث باسم البيت الأبيض كوش ديساي، أنه فيما تعمل الإدارة على التوصل إلى اتفاق مع إيران لحل مشاكل سوق الطاقة «المؤقتة»، فإنها «لم تفقد تركيزها أبداً على تنفيذ أجندة الرئيس المتعلقة بالقدرة على تحمل التكاليف والنمو».

* التحوّل

جاء تحول ترمب المفاجئ في 8 أبريل (نيسان)؛ من الغارات الجوية إلى الدبلوماسية، بعد ضغوط من الأسواق المالية وبعض المؤيدين لسياساته.

ويقع جزء من المعاناة الاقتصادية على عاتق المزارعين الأميركيين، وهم قاعدة انتخابية رئيسية لترمب، بسبب تعطل شحنات الأسمدة. وينعكس ذلك أيضاً في ارتفاع أسعار تذاكر الطيران نتيجة لزيادة أسعار وقود الطائرات.

ومع اقتراب انتهاء ⁠أسبوعَي وقف إطلاق النار، يبقى أن نرى ما إذا كان الرئيس الأميركي الذي يتبنى نهجاً لا يمكن توقعه، سيتوصل ‌إلى اتفاق يلبي أهدافه من الحرب، أو يمدد الهدنة إلى ما بعد 21 أبريل أو يجدد حملة القصف.

لكن أسعار ‌النفط العالمية انخفضت بشكل حاد في حين ازدهرت الأسواق المالية، التي غالباً ما يعدّها ترمب مقياساً لنجاحه، أمس (الجمعة)، ​بعد أن قالت إيران إن المضيق سيظل مفتوحاً للفترة المتبقية من هدنة منفصلة مدتها ‌10 أيام بين إسرائيل ولبنان بوساطة أميركية.

مزارعان يجهّزان أسمدة لاستخدامها في حقل قمح بمقاطعة هينان الصينية (رويترز)

وسارع ترمب إلى إعلان أن مضيق هرمز آمن، مشيداً باتفاق قيد الإعداد مع إيران قال إنه سيُبرم قريباً وبمعظم شروطه. لكن ‌مصادر إيرانية صرّحت لـ«رويترز»، بأن بعض الثغرات لا يزال بحاجة إلى حل.

وحذر خبراء من أنه حتى لو انتهت الحرب قريباً، فإن إزالة الأضرار الاقتصادية قد تستغرق أشهراً إن لم تكن سنوات.

ويبقى السؤال الرئيسي حول ما إذا كان أي اتفاق سيحقق الأهداف التي حددها ترمب، بما في ذلك إغلاق الطريق أمام إيران نحو امتلاك سلاح نووي، وهو ما تنفي طهران منذ فترة طويلة سعيها إليه.

وتمتلك إيران مخزوناً من اليورانيوم عالي التخصيب يُعتقد أنه دُفن بعد غارات أميركية إسرائيلية في يونيو (حزيران). وصرح ترمب لـ«رويترز» أمس (الجمعة)، بأن الاتفاق الذي يجري إعداده يدعو الولايات المتحدة إلى التعاون مع إيران لاستعادة هذه ‌المواد ونقلها إلى الولايات المتحدة. ونفت إيران الموافقة على نقل اليورانيوم إلى أي مكان في الخارج.

وقال مسؤول كبير في إدارة ترمب إن الولايات المتحدة تحافظ على «عدة خطوط حمراء» في المفاوضات مع إيران.

وفي الوقت نفسه، لم يلقَ النداء الذي وجهه ⁠ترمب في بداية الحرب للإيرانيين للإطاحة بحكومتهم، أي ⁠استجابة.

وفي البداية، صُدم حلفاء للولايات المتحدة من أوروبا إلى آسيا بقرار ترمب خوض الحرب دون استشارتهم، أو مراعاة الأخطار التي قد يتعرضون لها بسبب إغلاق إيران للمضيق.

وقال غريغوري بولينغ، خبير الشؤون الآسيوية في مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية في واشنطن: «جرس الإنذار الذي يدق للحلفاء الآن هو كيف أبرزت الحرب أن الإدارة (الأميركية) يمكن أن تتصرف بشكل غير منتظم، دون مراعاة كبيرة للعواقب».

وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022، كان الرئيس الأميركي السابق المنتمي للحزب الديمقراطي جو بايدن، حذراً في فرض عقوبات على قطاع الطاقة في موسكو خشية تقليل إمدادات النفط وتضخيم أسعار الغاز في الولايات المتحدة.

لكن ترمب، الذي تعهد عند الترشح لولاية ثانية بتوفير بنزين بتكلفة منخفضة وتقليل التضخم، أبدى أنه يتأثر بالاتهامات الموجهة إليه بأن سياساته ترفع الأسعار. ومن الأمثلة على ذلك خفض الرسوم الجمركية على الصين العام الماضي، بعد أن ردت على الرسوم المرتفعة بالمثل.

* أخطاء في التقدير

مثلما أخطأ ترمب في تقدير رد بكين في الحرب التجارية، يبدو أنه أخطأ في تقدير رد إيران اقتصادياً من خلال مهاجمة البنية التحتية للطاقة في المنطقة، وإغلاق الممر المائي الاستراتيجي في المنطقة.

رجل يملأ سيارته وقوداً في لوس أنجليس (أ.ب)

وقال مسؤولون أميركيون في مناقشات مغلقة، إن ترمب اعتقد خطأ أن الحرب ستكون عملية محدودة؛ مثل الغارة الخاطفة التي شنها على فنزويلا في 3 يناير (كانون الثاني)، والضربات التي استهدفت المواقع النووية الإيرانية في يونيو. لكن هذه المرة، جاءت التداعيات أوسع نطاقاً.

وقد تكون الرسالة الموجهة إلى الحلفاء الآسيويين؛ مثل اليابان وكوريا الجنوبية وتايوان، أنه من الممكن توقع أن يسعى ترمب، الذي يتطلع إلى علاقات أكثر وديةً مع الصين، ​إلى تحقيق أهدافه الإقليمية مع إيلاء اهتمام أقل بأمنهم الجيوسياسي والاقتصادي.

ويعتقد المحللون أن ​تلك الحكومات ستتكيف مع أي شيء يطرأ؛ مثل محاولة الصين الاستيلاء على تايوان، بدافع القلق إزاء مصداقية ترمب.

والأمر نفسه ينطبق على الشرق الأوسط؛ حيث يريد الجميع حلاً دبلوماسياً إنما مع ضمانات أمنية تحفظ استقرار المنطقة بشكل مستدام.