ألمانيا ولوحة التحالفات التجريدية المقبلة

6 كتل سياسية ستتمثل في البوندستاغ للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية

ألمانيا ولوحة التحالفات التجريدية المقبلة
TT

ألمانيا ولوحة التحالفات التجريدية المقبلة

ألمانيا ولوحة التحالفات التجريدية المقبلة

قبل شهرين فقط من الانتخابات العامة، تبدو خريطة التحالفات السياسية المقبلة في ألمانيا مثل لوحة تجريدية يمكن للناخب أن ينظر إليها من عدة جهات. ويبقى التحالف المسيحي، بين الحزب الديمقراطي المسيحي وشقيقه البافاري، الاتحاد الاجتماعي المسيحي، أكبر القوى السياسية في ألمانيا بحسب استطلاعات الرأي الأخيرة، لكن الشكوك تدور حول إمكانية تشكيله أكثرية حاكمة مع حليفه التقليدي الحزب الليبرالي.
لأول مرة ينشر معهدان شهيران نتائج استطلاعاتهما لهذا الشهر في يوم واحد وبفارق في النتائج يصل إلى 2 في المائة. ويكفي هذا الفارق بالطبع لتغيير الألوان في لوحة التحالفات الحكومية الممكنة بشكل حاسم. وهذا هو أول اختلاف من نوعه في تقديرات المعهدين منذ عقود، لكنه يكشف عن صعوبة التحالفات المقبلة في برلمان تشير جميع التقديرات إلى أنه سيتألف من 6 كتل برلمانية (المحافظون، والاشتراكيون، والليبراليون، والخضر، واليسار، وحزب البديل لألمانيا) لأول مرة في تاريخ ألمانيا منذ الحرب العالمية الثانية.
وتكشف نتائج استطلاعات الرأي من معهد «فورسا»، لصالح مجلة «شتيرن» وتلفزيون «آر تي إل»، عن أن تحالف المحافظين مع الليبرالين سينجح في تشكيل حكومة أغلبية، وأن الاشتراكيين بلا أمل، في حين تظهر نتائج استطلاع معهد «اللينزباخ» أن قدرة هذا التحالف على تشكيل الحكومة المقبلة تقف على حافة سكين، بعد أن حقق الاشتراكيون تقدماً بنقطتين.
وبالأرقام ظهر من استطلاع فورسا أن التحالف المسيحي سيحقق بمفرده نسبة 40 في المائة تاركاً للاشتراكيين نسبة 22 في المائة وللليبراليين نسبة 8 في المائة، ولليسار نسبة 9 في المائة والخضر نسبة 8 في المائة، ولحزب البديل لألمانيا نسبة 7 في المائة. وعلى هذا الأساس يحقق تحالف المحافظين نسبة 48 في المائة مقابل 46 في المائة لجميع القوى الأخرى. وقال مانفريد غولنر، رئيس معهد فورسا، إن الاشتراكيين لن يفوزوا إلا «بمعجزة»، وإنهم تقريباً بلا حظ ولن يتمكنوا من تقليص الفارق خلال شهرين فقط.
من ناحية أخرى، يمنح معهد اللينزباخ المحافظين نسبة 39.5 في المائة (أي بأقل 0.5 في المائة عن الشهر الماضي)، ويمنح الليبراليين نسبة 9 في المائة. وتعود النتائج السلبية في هذا المعسكر إلى خسارة الليبراليين لـ2.5 نقطة وفق هذا الاستطلاع. لكن استطلاع المعهد الأخير منح الاشتراكيين نسبة 25 في المائة أي بزيادة 2 في المائة عن الشهر الماضي، بمعنى أنه قلص الفارق مع المسيحيين إلى 14 في المائة فقط. وينال اليسار نسبة 9 في المائة بحسب هذا الاستطلاع ويبقى ثالث أقوى كتلة برلمانية في البرلمان (البوندستاغ)، وينال الخضر7 في المائة، وحزب البديل لألمانيا 7 في المائة.
وعلى هذا الأساس يحقق تحالف المحافظين والليبراليين نسبة 48.5 في المائة مقابل نسبة 48 في المائة للآخرين. ولما كان المعهد يقدر الفارق المحتمل عن نتائج الانتخابات المقبلة بـ(زائد ناقص) 2.5 في المائة، فإن حكومة الغالبية المحافظة - الليبرالية قد لا تتحقق، وربما يضطر الجميع إلى دراسة خريطة التحالفات من جديد.
ومعروف أن الألمان يمنحون التحالف المسيحي اللون الأسود، وللاشتراكيين اللون الأحمر، وللخضر لونهم التقليدي، ولليبراليين اللون الأصفر، ولليسار الأحمر القرمزي، ويتركون اللون البني للأحزاب الشعبوية القريبة من النازية مثل حزب البديل لألمانيا. ويمنحون على هذا الأساس تحالف المحافظين مع الليبراليين والخضر اسم «تحالف جامايكا» (علم جامايكا في البحر الكاريبي)، ويمنحون تحالف الاشتراكيين والليبراليين والخضر اسم «تحالف إشارات المرور»، وتحالف الاشتراكيين واليسار والخضر اسم تحالف «الأحمر - الأحمر - الأخضر». وفي ظل رفض الجميع التحالف مع حزب البديل لألمانيا، ورفض المحافظين ومعظم الاشتراكيين التحالف مع اليسار، لا يبقى أمام الحزبين الكبيرين سوى بدائل قليلة. ربما يتكرر نموذج التحالف الكبير بين المحافظين والاشتراكيين مجدداً، لكن تحالف «جامايكا» بين المحافظين والليبراليين والخضر غير مستبعد، خصوصا أن ألمانيا شهدت تشكيل حكومات محلية في الولايات بين المحافظين الخضر. وربما أصبحت شوارع الانتخابات الألمانية مزدحمة جداً ولا تتحمل تشكيل حكومة «تحالف إشارات المرور» بين الاشتراكيين والليبراليين والخضر، كما أنها لن تتحمل انضمام لون آخر هو الأحمر القرمزي. لأن النسب التي ينالها تحالف أضواء المرور لن تكفي بأي حال لتشكيل حكومة أغلبية دون مشاركة حزب اليسار.
ولا تبدو إمكانية التحالف «الأحمر - الأحمر - الأخضر» واقعية، خصوصا أن مثل هذا التحالف بحاجة فعلاً إلى «معجزة» كي يتحقق. وربما يحقق المرشح الاشتراكي مارتن شولتز معجزة ويحصل على أصوات من لم يقرروا أمرهم بعد، وهؤلاء يشكلون 23 في المائة من الألمان بحسب معظم استطلاعات الرأي، خصوصا أن أصحاب الدخل المحدود والعاطلين عن العمل يشكلون الجزء الأكبر من أصوات من لم يحسموا أمرهم بعد، بحسب معهد الدراسات الاقتصادية الألماني. ونشر المعهد دراسة تقول إن معظم ضعيفي الدخول هم من ناخبي حزب اليسار والحزب الديمقراطي الاشتراكي.
وعلى أي حال، تكشف دراسة معهد الدراسات الاقتصادية الألماني المذكورة عن أسباب تراجع الحزب الديمقراطي الاشتراكي في السنوات الأخيرة. وهي دراسة قرأت التغيرات في خريطة ناخبي الأحزاب الألمانية خلال السنين الـ16 المنصرمة. وتظهر الدراسة أن السبب الرئيسي وراء تراجع ناخبي الحزب هو فقدانه دعم النقابات العمالية، حيث صار حزب اليسار ينافسه فيها. ويتركز ناخبو الاشتراكيين اليوم في صفوف المتقاعدين والموظفين.
والجديد هنا هو دخول ذوي الدخول العالية في لوحة ناخبي حزب الخضر إلى جانب عمال قطاع الخدمات. وإذ يفضل الفقراء والعاطلون انتخاب حزب اليسار، ينفرد حزب الخضر بحقيقة أن أغلبية ناخبيه من النساء.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended