إسرائيل تحول القدس إلى ثكنة عسكرية... والسلطة تحذر من تدهور الأوضاع

مدير الأقصى: استمرار إغلاق المسجد دعوة للعنف * أبو الغيط: الأمور قد تصل إلى حافة الانفجار * حماس: هذه الجريمة عدوان على حقوق المسلمين

قوات الأمن الإسرائيلية تراقب هويات الفلسطينيين في إطار خطتها لتكثيف الإجراءات الأمنية بعد عملية القدس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية تراقب هويات الفلسطينيين في إطار خطتها لتكثيف الإجراءات الأمنية بعد عملية القدس (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل تحول القدس إلى ثكنة عسكرية... والسلطة تحذر من تدهور الأوضاع

قوات الأمن الإسرائيلية تراقب هويات الفلسطينيين في إطار خطتها لتكثيف الإجراءات الأمنية بعد عملية القدس (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية تراقب هويات الفلسطينيين في إطار خطتها لتكثيف الإجراءات الأمنية بعد عملية القدس (أ.ف.ب)

واصلت القوات الإسرائيلية، أمس، إغلاق المسجد الأقصى وحصار البلدة القديمة من القدس لليوم الثاني على التوالي، وكثفت من وجودها على أبواب المسجد الأقصى، وفي الطرقات المؤدية إليه، ومنعت المصلين من الوصول إليه. كما منعت تجار البلدة القديمة وشارعي السلطان سليمان وصلاح الدين قُبالة سور القدس التاريخي من فتح محالهم، وحولت وسط القدس إلى ثكنة عسكرية تغيب عنها كل مظاهر الحياة المدنية الطبيعية، وتطغى عليها المشاهد والمظاهر العسكرية.
وانتشرت القوات الإسرائيلية ودورياتها الراجلة والمحمولة والخيالة في الشوارع القريبة من سور القدس، وأخرى راجلة داخل البلدة القديمة، فضلاً عن نصب متاريس وحواجز في معظم الشوارع والطرقات، وعلى بوابات البلدة القديمة والمسجد الأقصى. كما أمر رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالإبقاء على إغلاق باحة الأقصى حتى غد الأحد على الأقل، بينما تقوم السلطات بتقييم الوضع الأمني.كما تحدث عن تكثيف الإجراءات الأمنية عند مداخل الموقع المقدس لدى إعادة فتحه، في خطوة من المرجح أن تثير الجدل.
وتم السماح أمس للفلسطينيين بالدخول من بوابة دمشق، التي تعتبر المدخل الرئيسي الذي يستخدمه الفلسطينيون للدخول إلى البلدة القديمة، إلا أن دخولهم كان مقيداً، حيث لم يتم السماح بالدخول سوى للسكان الذين يحملون هويات. ووقف نحو 20 فلسطينياً عند حاجز تفتيش أقامته الشرطة عند بوابة دمشق بانتظار السماح لهم بالدخول.
وقال الشيخ عمر الكسواني، مدير المسجد الأقصى، إن إبقاء إغلاق الأقصى لفترة أطول سيكون بمثابة دعوة للعنف في المنطقة والعالم، مضيفاً أن «إسرائيل تعيد احتلال المسجد، ولأول مرة منذ 1967 يُمنَع رفع الآذان وإقامة الصلوات بما في ذلك صلاة الجمعة... ونحن ننظر بعين الخطورة لما يجري، ونحمل إسرائيل المسؤولية الكاملة عما يجري الآن داخل المسجد وعن تبعات ذلك». واتهم الكسواني إسرائيل بضرب كل المواثيق الدولية والشرائع السماوية والأنظمة والقوانين عرض الحائط، وقال إنها لا تلقي بالاً لأي بعد ديني أو سياسي وتواصل انتهاك حرمات المسجد.
ووصف عدد من سكان القدس أمس الوضع في المدينة كأنه «فرض نظام حظر تجول» غير معلن. ولليوم الثاني لم يُرفَع أي آذان من الأقصى، ولم يصلِّ أي شخص في المسجد الذي يعد أحد أهم الأماكن المقدسة بالنسبة للمسلمين.
وأضاف كسواني أن قوات إسرائيلية خاصة تواصل إجراء تفتيشات داخل الأقصى دون أن يعرف أحد ماذا يجري بالضبط. ومن غير المعروف إلى متى سيستمر إغلاق الأقصى، لكن جلسة تقييم أمنية تعقدها الحكومة الإسرائيلية اليوم الأحد يمكن أن تنهي حصاره. وبهذا الخصوص قال أوفير جندلمان، المتحدث باسم رئيس الوزراء الإسرائيلي، في تغريدة باللغة العربية على «تويتر»: «وفقاً لجلسة لتقييم الموقف التي ستعقد يوم الأحد سيتم افتتاح جبل الهيكل (الحرم الشريف) مجدداً وتدريجياً أمام المصلين والزوار».
وأحدث القرار الإسرائيلي غير المعهود غضباً كبيراً لدى عموم المسلمين، ولدى السلطة الفلسطينية، كما تسبب في أزمة بين إسرائيل والمملكة الأردنية، حيث طالب الأردن بإعادة فتح المسجد الأقصى بشكل فوري للصلاة، وحذَّر من محاولات تغيير الوضع القانوني والتاريخي في القدس، متعهدًا بالتصدي لذلك، باعتبار العاهل الأردني هو الوصي على المقدسات الإسلامية والمسيحية في القدس، لكن إسرائيل ردت برفض البيان الأردني جملة وتفصيلاً، بحسب ما جاء على لسان مقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي، الذين أكدوا أنه «بدلاً من أن يستنكر ويشجب العملية الإرهابية، يهتم الأردن بمهاجمة إسرائيل التي تحمي المصلين وتحافظ على حرية ممارسة الشعائر الدينية في المكان... ومن المفضل أن تحافظ كل الأطراف المرتبطة، ومنها الأردن، على ضبط النفس وتمتنع عن إلهاب وتأجيج الأرواح».
من جهتها، كثفت السلطة الفلسطينية أمس اتصالاتها مع جهات عربية ودولية، ومن بينها الأردن، من أجل احتواء أي تصعيد في المدينة المقدسة، إذ قالت مصادر فلسطينية وإسرائيلية متطابقة إن ثمة تفاهماً ضمنياً بين إسرائيل والسلطة والأردن على ضرورة احتواء الموقف وعدم التصعيد.
وطالبت الحكومة الفلسطينية أمس بوقف الإجراءات غير المسبوقة التي فرضتها حكومة الاحتلال الإسرائيلي على المسجد الأقصى، وعلى مدينة القدس بشكل عام، إذ قال المتحدث الرسمي باسم الحكومة يوسف المحمود إنه يجب فوراً فتح المسجد الأقصى المبارك وعدم المساس بقدسيته، موضحاً أن «الحكومة تتابع بقلق شديد الإجراءات الاحتلالية التي من شأنها المساس بالوضع التاريخي القائم في المسجد الأقصى وفي مدينة القدس العربية المحتلة، والتي من شأنها دفع الأوضاع إلى مزيد من التدهور».
كما طالب المحمود المجتمع الدولي بأسره وجميع المنظمات والمؤسسات الدولية وحكومات ودوّل العالمين العربي والإسلامي بالتحرك العاجل والسريع، والعمل على كل المستويات من أجل وقف الإجراءات الاحتلالية التي تشكل مساساً خطيراً بأماكن العبادة وبأحد أقدس مقدسات العرب والمسلمين، إضافة إلى ما تمثله من انتهاك صارخ وخطير لكل القوانين والشرائع الدولية».
وتتعامل السلطة مع إغلاق الأقصى كجريمة حرب وعقوبات جماعية. وبهذا الخصوص قال وزير العدل علي أبو دياك إن قرار حكومة إسرائيل إغلاق المسجد الأقصى المبارك، ومنع إقامة الصلاة فيه يعد سابقة جرمية خطيرة، تأتي في إطار العقوبات الجماعية والانتهاكات الصارخة لحرية العبادة والعقيدة، وحرية الوصول إلى الأماكن المقدسة ودور العبادة، وحق ممارسة الشعائر الدينية التي تكفلها كل المواثيق والاتفاقيات الدولية.
ووصف أبو دياك: «كل الجرائم التي يرتكبها الاحتلال بحق أبناء شعبنا وأرضنا ومقدساتنا هي جريمة منظمة وإرهاب دولة»، مضيفا أن «الاحتلال لا يمكنه أن يبرر جرائمه وعقوباته الجماعية وعدوانه على شعبنا ومقدساتنا بالذرائع الأمنية... والسلام لن يتحقق إلا بإنهاء جريمة الاحتلال والظلم والإجحاف والقهر الواقع على شعبنا، والاحتلال هو المسؤول عن خلق بيئة التوتر والعنف والاحتقان».
ويخشى الفلسطينيون والأردنيون من محاولة إسرائيل تغيير الوضع القائم منذ حرب 1967، الذي يسمح للمسلمين بدخول الحرم القدسي في أي وقت، في حين لا يسمح لليهود بذلك إلا في أوقات محددة ومن دون الصلاة هناك. ويتضمن هذا الوضع أن تكون الأوقاف الإسلامية التابعة للملكة الأردنية هي المسؤولة عن المسجد الأقصى.
لكن الأوقاف أعلنت أمس أنها فقدت السيطرة على المسجد، إذ قال الشيخ عبد العظيم سلهب، رئيس مجلس الأوقاف في مؤتمر صحافي أمس إنه «لا توجد أي سيطرة لإدارة الأوقاف الإسلامية خلال اليومين الماضيين على المسجد الأقصى... وقد أبعدت سلطات الاحتلال إدارة الأوقاف كليا عن المسجد وتسيطر عليه بالكامل... وهذا لم يحدث منذ عام 1967، حيث لا يسمح لأي شخص بالدخول إليه»
من جانبها، حذرت وزارة الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية الأردنية، أمس (السبت)، من تمادي سلطات الاحتلال الإسرائيلي في انتهاكاتها غير المسبوقة لحرمة المسجد الأقصى المبارك بحجة احتواء العنف والتوتر، إذ قال وزير الأوقاف الأردني وائل عربيات في بيان أمس إن سلطات الاحتلال الإسرائيلي تتحمل مسؤولية تزايد التوتر والعنف في القدس الشريف بسبب تصعيد الانتهاكات التي ارتكبتها، وكذلك ارتكبها المتطرفون اليهود بحق المسجد الأقصى أخيراً، مشدداً على أن الأردن يرفض إغلاق المسجد الأقصى المبارك ومنع إقامة صلاة الجمعة فيه تحت أي ظرف، مشدداً على أن هذا الأمر يشكل حدثاً خطيراً وغير مسبوق، وهو في الوقت ذاته اعتداء على حرية إقامة الشعائر، ويتنافى مع مبادئ التعايش الديني والسلام العالمي والسلم المجتمعي الذي تُعد الحريات الدينية أحد أهم دعائمه
ومن جهتها، حملت حركة حماس حكومة الاحتلال الإسرائيلي المسؤولية الكاملة عن جميع تداعيات ما يجري في المسجد الأقصى من انتهاكات، وقالت إنها «تنظر بخطورة بالغة إلى إقدام حكومة الاحتلال على إغلاق المسجد الأقصى المبارك ومنع الأذان والصلاة فيه»، ودعت الفلسطينيين إلى «تصعيد انتفاضة القدس المباركة والاشتباك مع الاحتلال وقطعان المستوطنين على محاور التماس كافة، والدفاع عن الأقصى وكسر كل معادلات الكيان الصهيوني مهما بلغت التضحيات».
وأوضحت حماس أن «هذه الجريمة تأتي استمراراً للحرب الدينية التي يستهدف بها العدو شعبنا وأرضنا ومقدساتنا، وعدواناً غير مسبوق على حقوق العرب والمسلمين في القدس والمسجد الأقصى المبارك تمهيداً لفرض وقائع جديدة وتقسيم المسجد الأقصى».
من جانبه، حذر قاضي قضاة فلسطين محمود الهباش من إشعال حرب دينية بعد إغلاق الأقصى، واصفاً إغلاق المسجد، بأنه «تصعيد خطير وجريمة وعدوان على العقيدة وعدوان على الدين، وسيجر المنطقة إلى صراع ديني وحرب دينية لا رحمة فيها وسيخسر منها الجميع ولن ترحم أحداً».
بدوره، أدان أحمد أبو الغيط، الأمين العام لجامعة الدول العربية قيام إسرائيل بإغلاق المسجد الأقصى أمام المصلين، مشيراً إلى أن مثل هذا السلوك من شأنه إذكاء التطرف وتصعيد التوتر في الأراضي الفلسطينية المحتلة، خصوصاً في القدس الشرقية.
وأكد أحمد أبو الغيط بأن الأماكن المقدسة تنطوي على حساسية كبيرة، ويتعين ألا يتم التعامل معها بمثل هذه الرعونة، وانتقد التعامل الإسرائيلي مع الفلسطينيين في القدس الشرقية، الذين يتعرضون لسياسات التضييق والتمييز والقهر، داعياً إلى وضع حد للممارسات الإسرائيلية التي قد توصل الأمور في المدينة المقدسة إلى حافة الانفجار.
بدورها، أكدت رابطة العالم الإسلامي والهيئة العالمية للعلماء المسلمين المنبثقة عنها، أن قيام سلطات الاحتلال الإسرائيلي بإغلاق المسجد الأقصى في وجوه المصلين، من شأنه أن يعيق جهود ومساعي السلام، معربة عن إدانتها لهذا الإجراء الذي قالت عنه إنه يمس قدسية المسجد الأقصى والشعور الإسلامي العام، واصفاً إياه بأنه يستهدف الحريات الدينية في حقها المشروع.



«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«اتفاق غزة»... الوسطاء أمام «فرص محدودة» بعد تحفّظات «اجتماعات القاهرة»

فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون وسط أنقاض المباني المدمرة في مخيم جباليا للاجئين شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحفظات أبدتها «حماس» على مسار نزع سلاحها في اجتماعات القاهرة، تزامنت مع تشدد إسرائيل في عدم تقديم تنازلات بشأن انسحابها قبل تنفيذ الحركة ذلك المسار أولاً، في ظل تعثر اتفاق وقف إطلاق النار منذ اندلاع حرب إيران نهاية فبراير (شباط) الماضي.

تلك التحفظات التي أكدتها مصادر لـ«الشرق الأوسط»، يراها خبراء تشي بأن الحركة وإسرائيل باتتا على قناعة بشراء الوقت وعدم تنفيذ بنود الاتفاق والابتعاد عن التزام نزع السلاح أو بدء الانسحاب، خاصة في ظل عام انتخابي إسرائيلي سيسعى فيه رئيس الحكومة بنيامين نتنياهو لكسب أصوات انتخابية.

ويشير الخبراء في أحاديث لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن الفرص محدودة أمام الوسطاء لإحياء الاتفاق وعدم الذهاب لحالة جمود جديدة أو تعثر، وسط سيناريوهات ثلاثة؛ هي بقاء الأوضاع على ما هي عليه، أو التصعيد العسكري الإسرائيلي، أو الدفع بقوات الاستقرار الدولية والقوات الشرطية ودخول لجنة إدارة غزة لبدء عملها، وفرض تغييرات على الأرض لدفع طرفي الحرب للالتزام ببنود الاتفاق.

مفاوضات متعثرة

وتعثرت المفاوضات التي شهدتها القاهرة، بحسب تصريحات سابقة لمصادر تحدثت لـ«الشرق الأوسط»، حيث تتشبث «حماس» والفصائل بتنفيذ التزامات إسرائيل في المرحلة الأولى من اتفاق وقف النار، المتعلقة بالأعمال الإغاثية وإدخال الشاحنات إلى القطاع قبل مطالبتها بأي التزامات، بينما تضغط إسرائيل والولايات المتحدة باتجاه المضي الفوري إلى أبرز بنود المرحلة الثانية، وهو «نزع السلاح».

ولم يسفر لقاء القاهرة، بين رئيس فريق «حماس» المفاوض، خليل الحية، والدبلوماسي الأميركي آرييه لايتستون، الذي يعمل حالياً ضمن كبار مستشاري «مجلس السلام»، عن جديد يذكر، بحسب المصادر ذاتها.

وبحسب صحيفة «جيروزاليم بوست»، الخميس، رفضت «حماس» خطة نزع السلاح التي طرحها «مجلس السلام» بقيادة الولايات المتحدة، مطالبةً بإدخال تعديلات عليها، خلال اجتماعات القاهرة.

وقال نتنياهو خلال اجتماع للكابينت، إن الرئيس الأميركي دونالد ترمب يفهم أن ائتلافاً أجنبياً لن ينجح في نزع سلاح حركة «حماس»، مضيفاً أننا «سنضطر نحن إلى فعل ذلك»، وفق ما أوردته القناتان «14» و«آي نيوز 24» الإسرائيليتان، الاثنين الماضي.

وإزاء تلك التعقيدات، يرى المحلل السياسي الفلسطيني الدكتور عبد المهدي مطاوع، أن التحفظات التي شهدتها اجتماعات القاهرة، لا سيما من «حماس»، هي نتيجة فقدان الثقة بين طرفي الحرب، وعدم سهولة تنفيذ الحركة بند نزع السلاح، فضلاً عن انشغال أميركي بملف إيران وعدم تركيزها في ملف الوساطة، ومن ثمّ لا ضغوط حقيقية على إسرائيل حتى الآن.

ويعتقد مطاوع، أن أولويات الوضع الداخلي لنتنياهو لا تسمح له بتقديم أي تنازلات فيما يتعلق بقطاع غزة مع قرب حدوث انتخابات، وبالتالي هذا الوضع المتعثر لاتفاق غزة مريح له في ظل توتر جبهتي إيران وغزة وعدم الاضطرار لدفع أثمان سياسية كالانسحاب وغيره، بخلاف أنه سيكون مريحاً أيضاً «لحماس»، لعدم رغبتها في تقديم قرارات حاسمة بشأن نزع السلاح.

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في خان يونس بجنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

ويرى أستاذ العلوم السياسية المتخصص في الشأنين الفلسطيني والإسرائيلي، الدكتور طارق فهمي، أنه على الرغم من الجهد الكبير الذي يبذله المفاوض المصري، عبر اللقاءات التي استضافتها القاهرة، فلا تزال هناك تحفظات، والمشكلة الأساسية تكمن في التحركات الإسرائيلية المناوئة التي أدت إلى مزيد من التوتر، حيث يعمل الإسرائيليون حالياً على تنفيذ مخطط لنقاط ارتكاز رئيسية في عمق غزة، وهو ما سيؤدي بالضرورة إلى إفشال المفاوضات، خاصة أن هذا التوجه يعني إعادة تموضع وليس انسحاباً.

وأشار فهمي إلى أن «حماس»، تنتظر ما سيسفر عنه ملف (إيران - إسرائيل - أميركا) من نتائج، وإسرائيل تؤجل ملف غزة لوقت لاحق، وهي لا تريد الاصطدام بالجميع، ودليل ذلك فتح المعابر ودخول الشاحنات، لكنها في الوقت ذاته تراهن على بقاء حركة «حماس» في الجانب الآخر لتكريس استراتيجية الأمر الواقع.

مساعٍ مستمرة للوسطاء

وتحدثت مصادر عدة في «حماس» والفصائل الفلسطينية في تصريحات سابقة لـ«الشرق الأوسط»، عن محاولات يقوم بها الوسطاء للبدء الفوري في تنفيذ ما تبقى من خطوات المرحلة الأولى، بالتوازي مع إجراء مباحثات حول المرحلة الثانية، على ألا يُنفذ أي جزء من هذه المرحلة قبل استكمال إسرائيل التزاماتها الإنسانية وغيرها ضمن المرحلة الأولى.

وأضاف أحد المصادر: «يسعى الوسطاء إلى جسر الهوة من خلال طرح يقضي بأن يكون العمل في المرحلة الثانية، و(تحديداً مسألة نزع السلاح)، تدريجياً ومشروطاً بالتنفيذ الكامل للمرحلة الأولى».

ويتوقع فهمي أن يبقى المشهد كما هو بحيث لا تقوم إسرائيل بعمل عسكري كامل أو احتلال القطاع، بينما تواصل «حماس» المناورة في المساحة التي توجد فيها لإعادة تدوير دورها، سواء في الملفات التي لم تحل مثل الجهاز الإداري، والسلاح، والشرطة.

وبالتالي سيكون المشهد حسب فهمي أمام مرحلة انتقالية قد تطول، حيث سيطرح كل طرف ترتيباته دون حسم، لتبقى إدارة الأوضاع في غزة هي المطروحة حالياً لأي مساعٍ لتغيير الجمود الحالي.

وفي هذا الصدد، يرى مطاوع أن الفرص محدودة أمام الوسطاء، لإحياء الاتفاق في ضوء موقف الطرفين، ولذا يتوقع أولاً أن يبقى الوضع على ما هو عليه مع إبقاء كل طرف على تحفظاته وشراء الوقت دون تصعيد كبير، في مقابل احتمال عودة الحرب بهدف رفع نتنياهو أسهمه في عام الانتخابات، حال لم يحصد مكاسب داخلية من جبهتي إيران ولبنان.

ويرى أن السيناريو الثالث يتمثل في نشر القوات الدولية والشرطة الفلسطينية، وعمل لجنة قطاع غزة لإيجاد مسار مختلف وواقعي يلزم «حماس» وإسرائيل بإجراءات عملية.


«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
TT

«الجامعة العربية»: تعيين سفير لإسرائيل بأرض الصومال «خطوة باطلة»

الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)
الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط (الصفحة الرسمية للجامعة)

اعتبر الأمين العام لجامعة الدول العربية، أحمد أبو الغيط، قيام إسرائيل بتعيين سفير فيما يسمى «أرض الصومال»، وهو إقليم الشمال الغربي لجمهورية الصومال الفيدرالية، «خطوة باطلة»، وأعرب عن إدانته البالغة للقرار الذي جاء بعد أربعة أشهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم الانفصالي كدولة مستقلة.

وأشار أبو الغيط، في بيان صادر عن «الجامعة العربية»، الجمعة، إلى أن الإجراء الإسرائيلي «خطوة باطلة وغير قانونية وتمثّل تصعيداً خطيراً وانتهاكاً صارخاً لسيادة جمهورية الصومال ووحدة أراضيها، ومخالفة صريحة لميثاق الأمم المتحدة وقواعد القانون الدولي، وإجراء لا يترتب عليه أي أثر قانوني».

وأكد المتحدث باسم الأمين العام للجامعة، جمال رشدي، على «الموقف العربي الحازم الذي عبر عنه مجلس جامعة الدول العربية، في اجتماعه غير العادي بتاريخ 28 من شهر ديسمبر (كانون الأول) الماضي، والذي رفض بشكل قاطع أي شكل من أشكال الاعتراف أو التعامل مع الإقليم خارج إطار السيادة الصومالية».

ولفت إلى أن «التحركات الإسرائيلية تمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي العربي وللسلم والأمن في البحر الأحمر وخليج عدن والقرن الأفريقي، ومحاولة خطيرة لإعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية في المنطقة بما يهدد حرية الملاحة والتجارة الدولية».

ويأتي الإعلان عن تعيين سفير إسرائيلي في إقليم «أرض الصومال» وسط تسريبات ببدء تدشين قاعدة إسرائيلية هناك بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وفي التاسع من أبريل (نيسان) الحالي، كشفت صحيفة «لوموند» الفرنسية أن قاعدة عسكرية تُبنى بهدوء في بربرة بـ«أرض الصومال»، في خطوة تعكس تغييرات استراتيجية لافتة، وترسخ موضع قدم للإسرائيليين في منطقة القرن الأفريقي، والبحر الأحمر.

وقالت الخارجية الإسرائيلية في بيان، مساء الأربعاء، إنه تم تعيين ميخائيل لوتيم، الذي يشغل حالياً منصب «السفير الاقتصادي المتنقل» في قارة أفريقيا، والسفير السابق لدى كل من كينيا، وأذربيجان، وكازاخستان، «سفيراً غير مقيم لدى أرض الصومال».

وجاء هذا بعد شهرين من إعلان الإقليم الانفصالي في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي أول سفير له لدى إسرائيل.

وكانت إسرائيل قد اعترفت في ديسمبر 2025 بالإقليم الانفصالي، الذي يقع في بقعة استراتيجية مطلة على البحر الأحمر بالقرب من باب المندب، كدولة مستقلة. وأعقب ذلك زيارة قام بها وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر للإقليم في يناير (كانون الثاني) الماضي.

وقبل الاعتراف الإسرائيلي، لم يحظ الإقليم منذ إعلانه الانفصال عن الصومال عام 1991 بأي اعتراف رسمي، رغم أنه كان يتصرف وكأنه كيان مستقل إدارياً، وسياسياً، وأمنياً.


الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تعزّز الشراكات الدولية لدعم الاقتصاد والخدمات

الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)
الحكومة اليمنية تركز على الإصلاحات الاقتصادية وتحسين الخدمات (سبأ)

في تحرك يعكس توجهاً لتعزيز مسار التعافي الشامل، كثّفت الحكومة اليمنية خلال مشاركتها في اجتماعات الربيع 2026 لمجموعة البنك الدولي وصندوق النقد الدولي في واشنطن، جهودها لتوسيع الشراكات الدولية، مع التركيز على ثلاثة مسارات رئيسية، هي: تمكين السلطات المحلية، دعم الإصلاحات الاقتصادية، معالجة أزمة المياه المتفاقمة، خصوصاً في مدينة عدن.

وتُظهر هذه التحركات، التي قادها عدد من الوزراء والمسؤولين الاقتصاديين، محاولة لإعادة بناء الثقة مع المؤسسات المالية الدولية، واستقطاب الدعم الفني والمالي اللازمين لمواجهة التحديات المتراكمة التي خلفتها سنوات الحرب، إلى جانب تداعيات التوترات الإقليمية على الاقتصاد اليمني الهش.

وتصدر ملف تمكين السلطات المحلية جدول أعمال اللقاءات مع البنك الدولي، حيث ناقشت وزيرة التخطيط والتعاون الدولي أفراح الزوبة، مع فريق البنك سبل دعم الحكومة في تطوير العلاقة بين المركز والمحافظات، بما يعزز تقديم الخدمات والتنمية الاقتصادية على المستوى المحلي.

وأكد وزير الإدارة المحلية، بدر سلمة، أن هذا الملف يحظى بأولوية لدى مجلس القيادة الرئاسي، مشيراً إلى اعتماد نهج تدريجي يقوم على تأهيل السلطات المحلية أولاً، ثم تطبيق نماذج اللامركزية في عدد محدود من المحافظات قبل التوسع.

ويهدف هذا التوجه، حسب المسؤولين، إلى تقليل المخاطر المرتبطة بالتحول السريع، والاستفادة من التجارب التطبيقية، بما يضمن بناء نموذج مستدام للحكم المحلي، قادر على الاستجابة لاحتياجات المواطنين.

من جانبها، شددت أفراح الزوبة على أن تمكين السلطات المحلية يمثل ركيزة أساسية في بناء «عقد اجتماعي جديد» بين الدولة والمواطن، معتبرة أن هذا المسار يسهم في تعزيز الاستقرار المؤسسي وتهيئة بيئة مواتية للتنمية.

وأبدى البنك الدولي استعداده للعب دور الشريك التقني، عبر تقديم الدعم الفني والاستفادة من التجارب الدولية المقارنة، فيما اتفق الجانبان على تشكيل فريق فني مشترك لمتابعة هذا الملف، والتحضير لمؤتمر دولي مرتقب في يونيو (حزيران) المقبل.

أزمة المياه في عدن

في موازاة ذلك، برز ملف المياه بوصفه من أكثر القضايا إلحاحاً، خصوصاً في مدينة عدن التي تواجه أزمة حادة نتيجة تراجع الموارد المائية وتداخل مياه البحر مع الخزانات الجوفية.

وخلال لقاء جمع وزير المياه والبيئة، توفيق الشرجبي، مع مسؤولي البنك الدولي، جرى استعراض واقع الأزمة، حيث تعتمد المدينة بشكل رئيسي على خزان دلتا تُبن الذي يشهد انخفاضاً مستمراً في منسوب المياه.

وتسعى الحكومة إلى إطلاق مشروع استراتيجي لتحلية مياه البحر، بوصفه حلاً طويل الأمد لأزمة المياه، ضمن برنامج متعدد المراحل يمتد لعشر سنوات، ويُعد الأول من نوعه في اليمن.

اجتماعات يمنية في واشنطن لاستجلاب الدعم الدولي (سبأ)

ويتضمن البرنامج ثلاث مراحل رئيسية، تبدأ بإدارة الموارد المائية وتحسين خدمات المياه والصرف الصحي، إلى جانب تجريب محطات تحلية صغيرة تعمل بالطاقة الشمسية، قبل الانتقال إلى إنشاء محطة تحلية كبرى لعدن، ثم التوسع إلى مناطق أخرى.

وأكدت وزيرة التخطيط أهمية إشراك القطاع الخاص ومؤسسات التمويل الدولية منذ المراحل الأولى، بما يعزز فرص الاستثمار ويضمن استدامة المشاريع، في ظل توجه حكومي لتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص.

كما اتفق الجانبان على تشكيل لجنة فنية مشتركة للتحضير لمشروع محطة التحلية الكبرى، واستكمال متطلبات عرض المرحلة الأولى على مجلس إدارة البنك الدولي خلال مايو (أيار) المقبل، مع التحضير المبكر للمراحل اللاحقة.

استئناف الحوار مع صندوق النقد

على صعيد الإصلاحات الاقتصادية، شهدت اجتماعات واشنطن تقدماً في استئناف مشاورات المادة الرابعة بين اليمن وصندوق النقد الدولي، بعد انقطاع دام سنوات، في خطوة تعكس رغبة الحكومة في إعادة الانخراط في مسار الإصلاحات الاقتصادية.

وخلال لقاء جمع محافظ البنك المركزي اليمني ووزير المالية مع مسؤولين في الصندوق، جرى بحث الخيارات المتاحة لدعم المرحلة المقبلة، بما يشمل معالجة الاختلالات في السياسات المالية والنقدية.

ويُنظر إلى هذه المشاورات بوصفها مدخلاً أساسياً للاستفادة من برامج التمويل التي يقدمها الصندوق، إلى جانب تعزيز الثقة الدولية بالاقتصاد اليمني.

الإصلاحات التي تقودها الحكومة اليمنية تحظى بدعم دولي (سبأ)

وأكد المسؤولون اليمنيون التزامهم بمواصلة تنفيذ الإصلاحات اللازمة لتحقيق الاستقرار الاقتصادي الكلي، في وقت يواجه فيه الاقتصاد ضغوطاً متزايدة نتيجة ارتفاع تكاليف الشحن والتأمين وأسعار السلع والطاقة.

كما تناولت اللقاءات تداعيات التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط، وتأثيره على الاقتصادات الهشة، بما في ذلك اليمن، حيث تسببت هذه التطورات في زيادة الأعباء على المالية العامة وميزان المدفوعات.

في سياق موازٍ، بحث وزير المالية ومحافظ البنك المركزي مع رئيس صندوق النقد العربي تنفيذ برنامج الإصلاحات الشاملة، مع التركيز على البيانات المالية ومستوى التقدم في تنفيذ مصفوفة الإصلاحات.

وأكدت الحكومة التزامها بمواصلة الإصلاحات في المجالات المالية والنقدية، بما يسهم في تعزيز الموارد العامة، ومكافحة الفساد، وترسيخ مبادئ الشفافية والحوكمة.

وأشاد المسؤولون بالدعم المقدم من السعودية وصندوق النقد العربي، معتبرين أنه يشكل ركيزة أساسية لجهود التعافي الاقتصادي.

من جانبه، جدد صندوق النقد العربي تأكيده على مواصلة دعم الحكومة اليمنية، بما يعزز الاستقرار الاقتصادي ويحسن الأوضاع العامة في البلاد.