تركيا تستعيد ذكرى فشل الانقلاب بـ«حراسة الديمقراطية» وغياب المعارضة

مشاركات مكوكية لإردوغان في المراسم والمسيرات بين أنقرة واسطنبول

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلوح لمقاتلة (إف -16) ترافق طائرة الرئاسة خلال رحلة أمس من أنقرة إلى إسطنبول (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلوح لمقاتلة (إف -16) ترافق طائرة الرئاسة خلال رحلة أمس من أنقرة إلى إسطنبول (أ.ف.ب)
TT

تركيا تستعيد ذكرى فشل الانقلاب بـ«حراسة الديمقراطية» وغياب المعارضة

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلوح لمقاتلة (إف -16) ترافق طائرة الرئاسة خلال رحلة أمس من أنقرة إلى إسطنبول (أ.ف.ب)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان يلوح لمقاتلة (إف -16) ترافق طائرة الرئاسة خلال رحلة أمس من أنقرة إلى إسطنبول (أ.ف.ب)

أحيت تركيا أمس السبت ذكرى مرور عام على محاولة الانقلاب الفاشلة التي نفذها فصيل من الجيش ليلة الخامس عشر من يوليو (تموز) العام الماضي واتهمت السلطات الداعية فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة منذ العام 1999 بتدبيره الإطاحة بحليفه السابق الرئيس رجب طيب إردوغان. وأعلنت الحكومة يوم 15 يوليو عطلة رسمية للاحتفال بيوم انتصار الديمقراطية والوحدة الوطنية، إلا أن المظهر العام للاحتفالات طغى عليه غياب ملمح الوحدة الوطنية، وظهر أن حالة الاستقطاب السياسي والاجتماعي في تركيا لا تزال حاضرة بقوة ومسيطرة، بين سعي الحكومة إلى إظهار أنها حققت انتصارا بإحباط هذه المحاولة «الخائنة» وانتقادات المعارضة وشكواها من محاولات تشويه دورها ودور ضباط وطنيين في الجيش.
وأظهر البرنامج الرسمي للاحتفالات تكريسا لهذا الانقسام فقد أقيمت احتفالات رمزية في البرلمان بحضور الرئيس رجب طيب إردوغان في جلسة استثنائية تحدث فيها كل من زعماء الأحزاب الأربعة الممثلة في البرلمان لمدة 10 دقائق فقط. وتحدث رئيس الوزراء بن علي يلدريم بدلا عن إردوغان الذي أعيد انتخابه مرة أخرى رئيسا للحزب في مايو (أيار) الماضي.
وبعد ذلك أقيم البرنامج الأساسي لإحياء الذكرى بالقصر الرئاسي في أنقرة بمشاركة جمهور من أنصار حزب العدالة والتنمية الحاكم ومسؤوليه وممثلين لحزب الحركة القومية المعارض المتحالف مع الحزب الحاكم، مع استبعاد ممثلي حزبي الشعب الجمهوري، أكبر أحزاب المعارضة، والشعوب الديمقراطية (المؤيد للأكراد).
وانتقد نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري بولنت تيزجان هذا التوجه من جانب الحكومة قائلا: «محاولات الحكومة تسييس المهرجان الشعبي في هذه المناسبة أمر خطير وغير مقبول».
ويصر حزب الشعب الجمهوري على أن أحداث ليلة 15 يوليو 2016 كانت انقلابا تحت سيطرة الحكومة بعدما علِمت أجهزتها بحصوله من دون أن تتدخل لمنعه حتى تستفيد منه في القيام بأكبر عملية تطهير للمعارضة. ووصف رئيس الحزب كمال كليتشدار أوغلو إعلان حالة الطوارئ عقب محاولة الانقلاب بأنه انقلاب مدني بقيادة إردوغان لا يزال مستمرا حتى الآن ليتهمه إردوغان والحكومة بدعم الانقلابيين وبأنه يقوم بمسرحية بعد أن هرب ليلة الانقلاب من مطار أتاتورك الدولي بمساعدة بعض الانقلابيين وبقي يتابع الموقف من منزل رئيس بلدية بكير كوي في إسطنبول.
وفي كلمته في الجلسة الاستثنائية في البرلمان أمس كرر كليتشدار أوغلو انتقاداته لجهاز المخابرات التركي لتقصيره في القيام بما يجب والإبلاغ بما لديه من معلومات عن محاولة الانقلاب قبل وقوعها بوقت كاف لتجنب ما حدث في ليلة 15 يوليو، لافتا إلى أن عدم إفادة رئيس المخابرات هاكان فيدان ورئيس أركان الجيش خلوصي أكار بإفادتهما أمام لجنة تقصي الحقائق البرلمانية جعل عمل اللجنة بلا فائدة، وطالب مجددا بالكشف عن التفاصيل المتعلقة بتلك الليلة من أجل تجنب وقوع أحداث مماثلة.
في المقابل، أكد رئيس البرلمان التركي إسماعيل كهرمان أن تركيا لن تشهد بعد اليوم إطاحة بالحكومات بفضل النظام الجديد (في إشارة إلى النظام الرئاسي الذي أقر في الاستفتاء على تعديل الدستور في 16 أبريل (نيسان) الماضي ووسع من صلاحيات رئيس الجمهورية وألغى منصب رئيس الوزراء وحد من صلاحيات البرلمان) وتبني مجتمعا للديمقراطية، قائلا إن «زمن الانقلابات قد ولى».
من جانبه، قال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم، في كلمته خلال الجلسة، إن الجيش التركي أصبح اليوم أقوى مما كان عليه قبل الانقلاب الفاشل الذي شهدته تركيا العام الماضي، وإنه بات جيشا للشعب التركي، منوها بشجاعة النواب الأتراك من الأحزاب السياسية الأربعة ليلة الانقلاب الفاشل، حيث رفضوا مغادرة البرلمان لحماية الديمقراطية وإرادة الشعب وسيادته.
وفي رسالة بالمناسبة تعهد رئيس هيئة أركان الجيش خلوصي أكار بأن مكافحة ما سماه «منظمة غولن الإرهابية» (في إشارة إلى حركة الخدمة بزعامة غولن) ستتواصل حتى «تطهير القوات المسلحة من آخر خائن» مشيرا إلى قيام من وصفهم بـ«الخونة من أتباع غولن» المتغلغلين في الجيش بمحاولة انقلابية شنيعة غير مسبوقة في تاريخ البلاد، قبل عام.
من جانبه، أصدر الداعية فتح الله غولن (79 عاما) المقيم في بنسلفانيا بالولايات المتحدة بيانا ندد فيه بما وصفه بـ«الاضطهاد غير المسبوق» ضد حركته (الخدمة) قائلا: «للأسف، في أعقاب هذه المأساة (محاولة الانقلاب) تم إلحاق الأذى بكثير من الأبرياء. فقد تم تسريحهم بشكل غير شرعي وتوقيفهم وسجنهم وحتى تعذيبهم. وكل ذلك بأمر الحكومة».
واعتقلت السلطات التركية أكثر من 50 ألفا وحققت مع 169 ألفا وأوقفت أكثر من 150 ألفا عن العمل أو أقالتهم بشكل نهائي من مختلف مؤسسات الدولة منذ محاولة الانقلاب الفاشلة في إطار حملة تطهير تستهدف أنصار غولن وتوسعت لتشمل معارضين آخرين، لا تزال مستمرة حتى اليوم.
وفي أحدث حلقة من «حملة التطهير الموسعة» أصدرت السلطات في تركيا، الليلة قبل الماضية، أوامر بفصل أكثر من 7348 موظفا حكوميا في عدد من قطاعات الدولة بعضهم من الجيش والشرطة ووزارتي التعليم والخارجية وغيرها من القطاعات. ومن بين من صدرت الأوامر بفصلهم 2303 من الشرطة و546 من الجيش وما يزيد عن 3000 في وزارة الخارجية، والداخلية، والعدل والصحة والتعليم، بجانب 302 من الأساتذة الجامعيين.
وطالب السفير التركي في واشنطن سردار كليج السلطات الأميركية بالبحث في أي اتصالات تم اعتراضها لفتح الله غولن للحصول على أدلة تدعم اتهام تركيا له بتدبير محاولة الانقلاب العام الماضي وأعرب عن خيبة أمله إزاء الرد الأميركي على طلب تسليم غولن، وحث واشنطن على استخدام قدراتها على جمع المعلومات للمساعدة في إثبات الاتهامات التي توجهها أنقرة ضده.
من جانبه، ذكر ألب أصلان دوغان المستشار الإعلامي لغولن أنه لا يملك هاتفا محمولا، وأن الهاتف الأرضي في المجمع الذي يعيش فيه يرد عليه العاملون، وأنه لا يستخدم البريد الإلكتروني؛ ما يشير إلى أن أي محاولة للتفتيش في اتصالات غولن قد لا تحقق شيئا يذكر.
وأضاف أيضاً أنه لا يرى أي مؤشرات على أن إدارة ترمب تعطي قضية تسليم غولن أولوية أكبر، لافتا إلى أن اعترافات مدبري الانقلاب التي تشير بأصابع الاتهام إلى غولن محل شك؛ نظرا لوجود اتهامات بأن شهادتهم تم الحصول عليها بالإكراه وفي بعض الأحيان تحت التعذيب.
وقد امتلأت شوارع إسطنبول بلافتات ضخمة تضم لوحات توثق الأحداث الرئيسية التي وقعت ليلة المحاولة الانقلابية، بما في ذلك استسلام الجنود الانقلابيين، تحت شعار «ملحمة 15 يوليو».
وأعلن مجلس بلدية إسطنبول، عن مجانية خدمات النقل عبر كافة وسائل النقل العامة في المدينة، لمدة يومين، بدءا من صباح أمس السبت، وعلقت لافتات مضيئة ضد الانقلاب بين مآذن بعض أكبر مساجد إسطنبول.
وشارك الرئيس رجب طيب إردوغان في مسيرة شعبية على الجسر الذي يعبر فوق مضيق البوسفور وشهد معارك دامية قبل عام وبات يسمى بـ«جسر شهداء 15 يوليو» وكان يحمل من قبل اسم جسر البسفور.
وفي المناسبة نفسها، أصدر سفير خادم الحرمين الشريفين في أنقرة وليد بن عبد الكريم الخريجي بيانا أكد فيه أن السعودية تعد من أوائل الدول التي تحرص على توثيق علاقتها بالجمهورية التركية، وأن العالم الإسلامي يتضامن مع الشعب التركي بمناسبة الذكرى السنوية الأولى لمحاولة الانقلاب الفاشلة مشيدا بقدرة ووعي الشعب التركي على الوقوف بجانب قيادته والتصدي لكل ما يستهدف أمنه واستقراره.



مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
TT

مصدر باكستاني: إيران أبلغتنا بمطالبها وتحفظاتها إزاء المواقف الأميركية

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي يلتقي رئيس أركان الجيش الباكستاني المشير عاصم منير في إسلام آباد (رويترز)

كشف مصدر ‌باكستاني مشارِك ‌في ​المحادثات ‌لوكالة «رويترز»، ⁠اليوم (​السبت)، عن أن ⁠وزير الخارجية الإيراني، عباس ⁠عراقجي، ‌أبلغ ‌المسؤولين ​الباكستانيين ‌بمطالب ‌طهران في المفاوضات، ‌وكذلك تحفظاتها على المطالب ⁠الأميركية، ⁠وذلك خلال زيارته إلى إسلام آباد.

والتقى عراقجي، اليوم قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير، في ظلِّ مساعٍ متجددة لإحياء محادثات السلام المتوقفة بين الولايات المتحدة وإيران، وإعادة الجانبين إلى طاولة المفاوضات.

وقال مسؤولون إن وفداً إيرانياً برئاسة عراقجي التقى المشير عاصم منير، بحضور وزير الداخلية الباكستاني ومستشار الأمن القومي.

وأكدت مصادر أمنية باكستانية أن عراقجي جاء ومعه رد على المقترحات الأميركية التي تمَّ نقلها خلال زيارة منير لطهران، التي استمرَّت 3 أيام، الأسبوع الماضي.


إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
TT

إسلام آباد في إغلاق شبه تام قبل بدء محادثات لإنهاء حرب إيران

شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)
شوارع إسلام آباد شهدت تكثيفاً للإجراءات الأمنية (أ.ب.أ)

بدت العاصمة الباكستانية إسلام آباد كأنها في إغلاق شبه تام صباح اليوم (السبت)، بعد ساعات من وصول وزير خارجية إيران عباس عراقجي، مع ترقب وصول الوفد الأميركي في وقت لاحق، في زيارة تحظى بمتابعة من كثب، فيما تحاول باكستان تخفيف التوترات بين الولايات المتحدة وإيران.

وعرقلت القيود الأمنية التي تستمر على مدى أسبوع، الحياة اليومية، حيث يواجه مئات الآلاف من السكان صعوبات في التنقل حتى لمسافات قصيرة.

وأصبحت نقاط التفتيش وإغلاق الطرق وتحويل حركة المرور مشاهد روتينية، لا سيما حول المناطق الحساسة.

وبدت الطرق الرئيسية التي عادة ما تكون مزدحمة والمؤدية إلى المطار والمنطقة الحمراء شديدة التحصين، شبه خالية في وقت مبكر من صباح اليوم (السبت)، حيث تم فرض قيود على الحركة بشكل صارم.

وانتشر الجنود والشرطة في تقاطعات رئيسية، بينما حلقت المروحيات في الأجواء.

وتم تشديد الإجراءات خلال الساعات الـ24 الماضية في ضواحي المدينة، حيث انتشرت قوات إضافية على طول طرق رئيسية مؤدية إلى المطار.

وشوهد جنود على أسطح المباني التي تطل على طرق رئيسية مؤدية إلى المطار، لا سيما القريبة منه، حيث وصل الوفد الإيراني في وقت متأخر من أمس (الجمعة).


بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
TT

بين القانون الدولي ومنطق القوّة: أيّ عالم يتشكّل؟

مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)
مقر الأمم المتحدة في نيويورك... أعلام ودول وخلافات لا تنتهي (رويترز)

«فضحت» التطوّرات الأخيرة في الشرق الأوسط، وما رافقها من صدمات جيوسياسية، ومتاعب اقتصادية، هشاشة البنية التي حكمت العلاقات الدولية لعقود. فالأزمات لم تعد منفصلة، أو قابلة للاحتواء بطرق تقليدية، بل أصبحت متداخلة على نحو يُنتج تداعيات متصلة، ومتسلسلة تتجاوز حدود الجغرافيا لتطال النظام العالمي بأسره. وفي هذا السياق، يتزايد الاعتقاد بأننا أمام مرحلة تفكّك لنظام حسبناه متعدد الأقطاب، وتمنّيناه متعدد الأطراف، وبداية حقبة يسودها مقدار أكبر من الاضطراب، وعدم الانتظام، وربما في وقت قريب فوضى شاملة.

في خضمّ هذا التحوّل، لا مفر من الحديث عن مفهوم «تعدّد الأقطاب» وتفسيره، فهل هو مجرّد إطار نظري لديناميكيات العلاقات الدولية، أم إنه أداة صالحة لتحقيق نظام دولي أكثر عدالة؟ والواقع أنّ غياب تعريف موحّد لهذا المفهوم، حتى بين الدول التي تتبنّاه، يدلّ على تباين عميق في الرؤى، والمصالح.

سفينة شحن في مضيق هرمز... ممر مائي مسرح لصراع آخر (رويترز)

فالولايات المتحدة التي احتلت طويلاً مقعد القطب الوحيد منذ انهيار الاتحاد السوفياتي في عام 1991 تنظر تقليدياً إلى تعدّد الأقطاب باعتباره تهديداً لمكانتها الاستراتيجية، في حين ترى فيه كلّ من روسيا والصين أداة لموازنة النفوذ الأميركي، مع اختلاف في النهج بين تحوّل سريع تسعى إليه موسكو، وتحوّل تدريجي تفضّل بكين سلوك دروبه. أما قوى أخرى، مثل الهند، والبرازيل، وجنوب أفريقيا، فترى في التعددية فرصة لتوسيع هامش حركتها في السياسة الخارجية، ولبناء تصوّرات إصلاحية للنظام الدولي من داخله.

في المقابل، تجد أوروبا نفسها أمام ضرورة إعادة تقييم هذا المفهوم بدل رفضه، أو اختزاله في كونه أداة لإضعاف النفوذ الأميركي، خصوصاً بعد التباينات، بل الخلافات، التي ظهرت بين ضفّتي المحيط الأطلسي في السنوات الأخيرة في شأن العلاقات التجارية، وبالطبع حرب أوكرانيا التي تجاوز عمرها أربع سنوات.

*بين النظريات والخطوات العملية

قد يشكّل تعدّد الأقطاب إطاراً مشتركاً لفهم التحوّلات الجارية واجتراح طرق للتعامل معها، لكنه في الوقت نفسه محمّل بشحنات سياسية، وأهداف اقتصادية متباينة، الأمر الذي يجعل مساراته ومآلاته محفوفة بالأخطار.

لذلك لا يكفي الانخراط في الجدل النظري، بل تبرز الحاجة إلى خطوات عملية لإصلاح النظام الدولي في مجالات حيوية كالتجارة، والصحة، والطاقة، والمناخ. كما ينبغي النظر إلى الرفض الواسع لأحادية القطب، والدعوات المتزايدة لقيام نظام عالمي تعدّدي كدلالة على الحاجة إلى إصلاحات عميقة تستدعي إطلاق آليات تفاوض جديدة بين الدول. غير أنّ تحقيق ذلك يتطلّب أولاً بلورة رؤية واضحة لمستقبل العالم، بما يمكّن من تحديد الشركاء المستعدّين للتعاون في بناء مؤسسات قادرة على التعامل مع عالم يتّسم بتعقيد غير مسبوق يعود في المقام الأول إلى تهافت المجتمعات الثرية على تكديس الثروات في مقابل كفاح المجتمعات الفقيرة للحصول على ما يتيح لها الاستمرار، وبين الفئتين تقف مجتمعات متوسطة عينُها على صعود السّلم في موازاة التخوّف من الانزلاق، والانضمام إلى الفئة الأدنى.

دمار في دنيبرو الأوكرانية بعد ضربة روسية... حرب مستمرة منذ أربعة أعوام (رويترز)

ولا يسعنا إلا أن نلاحظ أن صُنّاع القرار متوافقون على أنّ العالم يشهد تحوّلات متسارعة وعميقة مدفوعة في المقام الأول بتطوّر التكنولوجيا. غير أن الرؤى تختلف بشأن طبيعة المرحلة الراهنة: فبينما ترى بعض الدول أنّ العالم قد دخل بالفعل طور تعدّد الأقطاب، تفترض أخرى أنّه يتّجه تدريجياً نحو هذا الشكل، في حين تنظر أطرافٌ ثالثة إلى الوضع القائم باعتباره مرحلة انتقالية مفتوحة تتّسم بالغموض، وعدم الاستقرار. وبالتالي هناك خلافٌ آخر حول ما إذا كانت هذه التغيّرات تحمل في طيّاتها فرصاً إيجابية، أم تنذر بأخطار متزايدة، ومتعاظمة.

*مقاربات ورؤى

في هذا السياق توظّف كلٌّ من روسيا والصين مفهوم تعدّد الأقطاب أداة لتغيير المعادلات، وإعادة تشكيل موازين القوة العالمية، وتحدّي الهيمنة الأميركية. فالنخب السياسية في بكين ترى أنّ النظام الدولي يشهد انتقالاً تدريجياً من أحادية أميركية إلى عالم أكثر تعددية. ويُختصر هذا التصوّر في العبارة المتداولة داخل الخطاب الرسمي الصيني: «إنّ العالم يمرّ بتغيّرات عميقة لم يشهدها منذ قرن»، وهي مقولة باتت جزءاً من الإطار الفكري الذي يطبع صعود الصين كقوة عالمية. ويرتبط هذا التصوّر، من المنظور الصيني، بتراجع النفوذ الأميركي، وما يرافقه من فرص وتحدّيات يولّدها انتقال النظام الدولي نحو صيغة أكثر توازناً.

أما روسيا فتنظر إلى التحوّل الجاري بطريقة جذرية، إذ لا يقتصر في رؤيتها على نهاية «الاحتكار» الأميركي، بل يمتدّ ليشمل تآكل البنية الغربية برمّتها. وترى موسكو أنّ هذا المسار بدأ منذ نهاية الحرب الباردة مطلع تسعينات القرن الماضي، وتسارع مع صعود قوى كالصين، والهند، ما أدّى إلى إضعاف الهيمنة الأميركية، وفتح الطريق أمام نظام متعدد الأقطاب. وتؤكد موسكو أن رفض الغرب التحلّي بالواقعية، والتخلّي عن موقعه المهيمن يُعدّ عاملاً رئيساً في تفجّر النزاعات، والصراعات الدولية.

في المقابل، نادراً ما يظهر مصطلح تعدّد الأقطاب بوضوح في الخطاب الرسمي الأميركي، ففي واشنطن يُفضَّل الحديث عن «القيادة»، أو «الأسبقية» بدلاً من توصيف النظام العالمي بالأحادي. ورغم إقرار بعض المسؤولين الأميركيين بأنّ العالم يتّجه نحو مزيد من التعددية، فإنّ هذا التحوّل لم يُعالَج داخل الأطر الرسمية، بل ظلّ حاضراً بشكل متقطّع في النقاشات الأكاديمية، والمؤسسات البحثية.

نزوح وجوع في الصومال (أ.ف.ب)

في ضوء هذه الرؤى المتباينة، يتّضح أنّ العالم لا يشهد تحوّلاً في موازين القوة فحسب، بل يشهد أيضاً صراعاً على تفسير هذا التحوّل، وتحديد معناه. ومن هنا فإنّ مستقبل النظام الدولي لن يتوقّف على طبيعة هذه التغيّرات فحسب، بل على الطريقة التي تختار بها الدول فهمها، والتفاعل معها، في غياب السردية الواحدة، والمرجع الواحد.

*اللحظة الحاسمة

يعيش المجتمع البشري بملياراته الثمانية لحظة حاسمة. فالنظام الدولي الذي تشكّل عقب الحرب العالمية الثانية، والقائم على فكرة تحقيق السلام المستدام، يفقد تماسكه على نحو مطّرد.

لا يُنكر أحد أن بعض الدول سعت منذ العام 1945 إلى بناء منظومة دولية ترتكز على احترام القانون الدولي (المؤلّف من مجموعة معاهدات ومواثيق وأعراف ومبادئ عامة)، بهدف منع الحروب، والحدّ من تركّز السلطة والثروة في يد قلة. وكان هذا النظام، لو احتُرم، ليضمن قيام عالم تسوده العدالة والمساواة، وتُصان فيه الحقوق بدل أن تُنتهك.

والواقع أنّ السنوات الأخيرة، خصوصاً المرحلة الراهنة، تشير إلى تدهور متسارع: فلم يعد القانون الدولي يُنتهك فحسب، بل صار موضع تحدٍّ علني من قوى تسعى إلى المضيّ في تشكيل العالم وفق منطق الهيمنة المطلقة، والتوسّع اللامحدود. وتُظهر النزاعات الجارية، من أوكرانيا إلى الشرق الأوسط، حجم الضغوط التي يتعرّض لها هذا الإطار القانوني، حتى باتت المؤسسات التي تجسّده مهدّدة بفقدان فاعليتها، بل علّة وجودها.

يثير هذا الواقع أسئلة جوهرية: لماذا أصبح القانون الدولي هدفاً مباشراً للهجوم؟ وما الذي تخشاه القوى الكبرى منه؟ ولماذا تزداد الحاجة إلى الدفاع عنه في هذه اللحظة بالذات؟

جفاف في ولاية كولورادو الأميركية (أ.ب)

الجواب واضح: القانون الدولي يشكّل قيداً على منطق القوة المجردة؛ فهو يضع حدوداً للتوسّع، ويمنع الاستحواذ غير المشروع على الموارد، ويمنح أدوات للمساءلة، حتى وإن كانت غير مكتملة، أو متفاوتة التطبيق.

على الرغم من ذلك، يمكن القول إن القانون الدولي لا يزال حيّاً، بل إنه لم يكن قَطّ حاضراً في النقاشات العالمية كما هو اليوم. ففي «حضرة» كل المآسي والانتهاكات، تعلو الأصوات المطالبة باحترام القانون الدولي، ولا سيما الإعلان العالمي لحقوق الإنسان الذي صدر عام 1948. فالمطلوب بإلحاح بثّ الروح في النصوص المعنية لتكون أهم الحواجز التي تحول دون الانزلاق إلى عالم تحكمه الفوضى المطلقة، أو شريعة الأقوى.

ولا شك في أن الانطلاق من التمسك بالقانون الدولي لا يكفي إذا لم يتبعه عمل دؤوب لإقامة نظام عالمي، بل عالم جديد. وإذا لم يحصل ذلك، فسنبقى أسرى عالم تتآكل فيه القواعد، وتُختزل فيه السياسة إلى صراع مفتوح بلا ضوابط، مع التذكير بأننا في «مرمى» تسع دول تملك أسلحة نووية...

تقول آنييس كالامار، سيدة القانون الفرنسية التي أمضت عقوداً تدافع عن حقوق الإنسان من مواقع مختلفة، وتتولى حالياً الأمانة العامة لمنظمة العفو الدولية: «في حين أنه لا يمكن إنكار أن هذا النظام (الدولي) لم يفِ بوعوده حتى الآن، فإنه ليس من حق أولئك الذين ينكثون بالوعود أن يزعموا أنه وهمي»...

يبقى أن المطلوب المثالي ليس عالماً متعدد الأقطاب فحسب، بل متعدد الأطراف، حيث يكون لكل دولة، أيّاً كان حجمها، الحق في الوجود الآمن، والتمتع بخيرات أراضيها...

لا بأس بقليل من «يوتوبيا» توماس مور...