خبراء في منتدى أصيلة يدعون لمواجهة التأثيرات السلبية لـ«الشعبوية»

بوطيب: الاحتجاجات في الريف مرتبطة بقبيلة واحدة فقط وليس بالمنطقة كلها

جانب من ندوة «الشعبوية ونموذج الديمقراطية التمثيلية»
جانب من ندوة «الشعبوية ونموذج الديمقراطية التمثيلية»
TT

خبراء في منتدى أصيلة يدعون لمواجهة التأثيرات السلبية لـ«الشعبوية»

جانب من ندوة «الشعبوية ونموذج الديمقراطية التمثيلية»
جانب من ندوة «الشعبوية ونموذج الديمقراطية التمثيلية»

دعا المشاركون في الندوة الثانية لمنتدى أصيلة الـ39 «الشعبوية والخطاب الغربي حول الحكامة الديمقراطية»، إلى مواجهة التأثيرات «السلبية» لخطاب الشعبوية عبر ترسيخ قيم الديمقراطية والحكامة الجيدة واحترام حقوق الإنسان.
وقال جيم غاما، رئيس التجمع الجمهوري البرتغالي السابق ووزير الخارجية الأسبق خلال مشاركته في محور «الشعبوية ونموذج الديمقراطية التمثيلية»، إن الشعبوية حاليا ليست في ذروة نجاحها، وربما أصبحت خطابا غير جديد، وتفصح عن سلبيات أكثر من الإيجابيات، ودائما ما يتم استخدامها لإمالة كفة الميزان لجهة أكثر من الأخرى، لكن بسبب الخلل في النظام الأمني أصبح لها تبعات، ولذلك، يضيف غاما، «نرى أن هناك بيئة جديدة بادئة في خلق نزاعات وأقطاب مختلفة على مستوى السياسة»، مشيرا إلى أنه عندما احتاج السياسيون إلى التجديد في خطاباتهم كان التوجه الشعبوي هو الحل لاستقطاب الناخبين.
من جهته، قال حسن عبد الله جوهر، أستاذ ورئيس قسم العلوم السياسية بجامعة الكويت، إن موضوع الشعبوية ليس موضوعا طارئا بل له جذور، سواء كانت آيديولوجية أو فكرية أو سياسية، وكانت موجودة على مر التاريخ، حيث يتبين أن بدايات وجذور الشعبوية بدأت في صدر الإسلام مع عهد الدولة الأموية، وتقوت أكثر في العصر العباسي، مضيفا أن الشعبوية أخذت لها امتدادات ليس فقط آيديولوجية، ولكن ترجمت على شكل ثقافة وأدب وفن، مشيرا إلى أن أول من بدأ بترسيخ الجذور الفكرية والثقافية للشعبوية هو المفكر الإسلامي المشهور الجاحظ من خلال شعره وكتاباته القصصية وإعادة كتابة التاريخ، حيث جعل فيها نوعا من المزية لغير العرب وخاصة الحضارة الفارسية، التي كان لها دور كبير في نشر هذا المفهوم، وما يؤكد أن الشعبوية ظاهرة إنسانية فكرية وموجودة في الذات البشرية والإحساس بالتفوق على الآخرين، أن هذه الظاهرة أيضا ولدت من جديد في نهايات القرن الـ19. وكانت أكثر تحركا على الميدان السياسي. ومن هنا، يقول جوهر، ولدت فكرة وجود تعريف الشعبوية بأنها قضية التقاء مجموعة من البشر على خصوصيات محددة، تمنحهم نوعا من الالتفاف على بعضهم في مقاومة ما هو جديد، وقد يؤدي إلى الإضرار بمصالحهم، فتأتي الشعبوية الجديدة باعتبارها امتدادا لهذا المسار التاريخي؛ لأن من يتأذى عادة بالشعبوية، يوضح جوهر هم البسطاء من الناس، وبالتالي يمكن استغلالهم سريعا عن طريق العاطفة من أجل الوصول إلى السلطة، إذ هناك علاقة وطيدة بين الشعبوية والطموح إلى السلطة السياسية.
من جهتها، قالت إناستاسيا ليخاشيفا المديرة المساعدة لمركز الدراسات الأوروبية والدولية والأستاذة في العلاقات الدولية، إن الشعبوي اليوم يحاول إلصاق الفشل والأزمات والتحديات الأمنية بالمهاجرين، لأن النخبة لم ترتق إلى مستوى الإجابة عن أسئلة المواطنين، فكان تصاعد خطاب الشعبوية حلا مثاليا لها بعد أن فقد المواطنون الثقة في الطبقة السياسية، مشيرة إلى أن ثمن تحقيق الرفاهية للمواطن هو صعود أشخاص شعبويين للسلطة، وزيادة تصاعد هذا النوع من الخطاب في عدد من دول العالم، مضيفة أن الأحزاب السياسية التي تعتمد على خطاب الشعبوية فازت بحصة الأسد في الانتخابات بسبب تحميل المهاجرين عبء الأوضاع المزرية على أساس أنهم عبء على الدولة ويأخذون ما هو حق للمواطن الأصلي، وهذا الخطاب يؤدي للعزلة والرفض، فالشعبوية سواء من طرف الأحزاب اليمينية المتطرفة أو اليسارية المتطرفة، تستمد قوتها من عدم رضا المواطن من الأزمات الاقتصادية وانعدام العدالة الاجتماعية.
في السياق نفسه، يرى حسن عبد الرحمن السفير الفلسطيني السابق ونائب رئيس والمدير العام لمجلس علاقات العالم العربي مع أميركا اللاتينية، أن الشعبوية ليس لها تعريف واحد، وليست حكرا على آيديولوجية معينة، بل هي نمط من أنماط التحرك، لكنها تختلف من مكان لآخر.
وفي الحالة الفلسطينية، قال عبد الرحمن، إن الخطاب الشعبوي كان ضروريا في مرحلة بناء الحركة الوطنية الفلسطينية، خاصة في ظل التشرد والتشتت الذي ساد الوضع الفلسطيني بعد إقامة دولة إسرائيل عام 1948، وتوزيع الشعب الفلسطيني على عدد من البلدان العربية، وبالتالي كان من الضروري مخاطبة الوجدان والعواطف الفلسطينية من قبل القيادة الفلسطينية التي حاولت أن تخاطب الكرامة والحرية والاستقلال، والكثير من الشعارات، التي كانت ضرورية جدا لتجميع الفلسطينيين حول هذه القيادة، فكان الخطاب الشعبوي ضروريا حينها، وهذا يعني أنه ليس سلبيا بالضرورة وليس بالضرورة إيجابيا.
بدوره، يرى المختار بنعبدلاوي، أستاذ الفلسفة الحديثة ومدير مركز الدراسات والأبحاث الإنسانية، أن إشكالية الشعبوية أنها تشتت المشروعية، فهي تجعل مشروعية السلطة السياسية القائمة تتآكل، ولكنها لا تقدم أو تقترح مشروعية أخرى بديلة، ذلك أن لها القدرة على قلب الطاولة، ولكن ليس لها القدرة على إعادة ترتيبها، وهذه الخصائص، يرى بنعبدلاوي، أنها يجب ألا «تجعلنا ننظر إلى كل الشعبويات على أنها سلبية، فعندما تنخرط حركات شعبوية صغيرة وغير مؤثرة داخل تكتل واسع له رؤية فيمكن أن يكون أثرها إيجابيا».
في السياق ذاته، قال مصطفى نعمان، الكاتب الصحافي اليمني والسفير السابق لدى إسبانيا، إن كل الحكومات والدول الديمقراطية هي حكومات شعبوية وخطابها شعبوي لأنها تريد أن تحصل على أصوات الناخبين، وهذا لا يتأتى لها إلا بأن تعلن عن سياسة تستهويهم، والمسألة ليس لها علاقة بأحزاب الديمقراطية أو غير ديمقراطية، فالفرق بالخطاب الشعبوي في الدول الديمقراطية أنه في النهاية هناك مؤسسات تستطيع أن تعدل النواقص والأضرار التي تظهر بعد فترة، لكن المشكلة في الدول غير الديمقراطية التي تمارس هذا الخطاب، أنها لا تمارس خطابا شعبويا سياسيا، بل تمارس خطابا شعبويا اقتصاديا، بمعنى أنها تتوجه بإجراءات اقتصادية لا تمارس على جميع المواطنين، بل على المقيمين المهاجرين فقط، في حين المواطن الأصلي لا يتأثر بها.
أما الإعلامي العراقي جاسم العزاوي، فقال إن خطاب الشعبوية لا يخاطب العقل والمنطق، وهو ما يلاحظ في خطابات الرئيس ترمب، لكن المهم أنه يستقطب ناخبين جددا. واستغرب العزاوي صعود ترمب إلى الرئاسة لأنه قدم برنامجا حتى لو لم يكن يستجيب للعقل والمنطق، إلا أنه وجد له مكانا في عقلية الناخبين.
وأوضح العزاوي أن الوطنية أصبحت هي الملاذ للأحزاب، مشيرا إلى أنها فقدت التواصل مع المواطنين لإعادة لفت انتباههم، والشخص الشعبوي، في رأي الغزاوي، هو بحاجة دائما إلى جمهور متلق يقبل الخطاب، وإذا لم يتوفر هذا العنصر فلا يمكن للشخص الشعبوي أن ينجح.
من جهة ثانية، قال أنطوني بورغ، المفوض الأوروبي سابقا ونائب رئيس الوزراء ووزير الخارجية الأسبق بمالطا، إن الشعبوية «وجدت مناطق خصبة للتحرك فيها، ولا يمكن الإنكار أنها وجدت آذانا صاغية لها من الفئات الفقيرة من الناس، فنجد في وقت الأزمات أن هناك أشخاصا يجدون الحلول والوصفات السحرية البديلة التي تدغدغ مشاعر المواطنين، لكن في الوقت نفسه هناك اقتصاديات بصحة جيدة، لكن مع ذلك توجه الناخبون إلى الخطاب الشعبوي»، وقال إن «الفكرة هي عدم الرغبة في مشاركة الآخر لثروة البلد، وأعطى مثالا باقتصاد بريطانيا الذي لا يعاني من أي مشكل، لكن الخطاب الشعبوي آخذ في التصاعد، وغالبا ما يتم استخدام المهاجرين تهديدا لطريقة العيش والاقتصاد، وتهديد حرية الأشخاص وخلق فرص العمل، وهو أمر خاطئ، فالفكرة هي حماية الحدود مما أدى إلى استفتاء».
وقال رودرونيل غوش، صحافي وناشر هندي، إن تصاعد الشعبوية «له دوافع متعددة، أهمها النفاق الذي وصم به الحزب اليساري، وفي الوقت الذي ينتقد الكثيرون خطاب ترمب الشعبوي يجب أولا الرجوع إلى الخلف لنرى كيف وصل العالم لهذا الوضع»، مشيرا إلى أن النخبة الليبرالية هي التي خلقت هذه الفرصة بعدم المساواة، فرغم أن هناك كثيرا من الأشخاص المتأثرين بالخطاب الاجتماعي، لكن التوجه نحو خلق مزيد من الأقطاب الأخرى وعدم إتاحة الفرصة للأحزاب الموجودة التي لم تجد لها مكانا في الساحة، خلقا لبساً لدى المواطنين مما منح فرصة للأشخاص الذين استفادوا من الفجوة السياسية التي ساعدت في تصاعد خطاب الشعبوية، والأمر هنا لا يمكن أن ينتهي عند ترمب.
ومن جهته، وصف عبد السلام بوطيب، رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم بمكناس، الشعبوية على أنها ليست وصفا قدحيا بل هو وصفي، فالشعبوية والمحلية لها كل الحسنات والسيئات الموجودة في العالم، كما تطرق بوطيب إلى موضوع الاحتجاجات في الريف المغربي، متسائلا إن كان للأمر علاقة بالشعبوية أم لا؟، مشيرا إلى أن الاحتجاجات مرتبطة بقبيلة واحدة فقط وليس بمنطقة الريف، وليست متعلقة أيضا بمدينة الحسيمة، موضحا خطورة غياب التأطير الفكري لما يحدث، وهو نتيجة للخوف من المستقبل من خلال التمترس وراء زعيم وراية أخرى في الوقت الذي يعيش فيه المغرب على إيقاع المصالحة الوطنية.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.