معضلة سيناء مع الإرهاب

تجاوزت إطار الحرب المحلية

معضلة سيناء مع الإرهاب
TT

معضلة سيناء مع الإرهاب

معضلة سيناء مع الإرهاب

تعيش شبه جزيرة سيناء معضلة حقيقية منذ عدة سنوات، كان أكثرها صعوبة في الأعوام التي أعقبت عزل الجيش المصري للرئيس الأسبق محمد مرسي، على خلفية مظاهرات شعبية عارمة ضد حكمه في صيف 2013. ومنذ ذلك الوقت، تغيرت كثير من الأمور، منها ما هو ظاهر، مثل مواجهات يسقط فيها ضحايا من رجال الجيش والشرطة ومن أبناء سيناء كما حدث في منطقة البرث، قبل أسبوع، وكذلك ما يرتبط بمسارات الطرق المرصوفة والدروب الترابية وحدود البلدات الصغيرة وتركيبة القبائل التي تعيش فيها. ومنها ما هو خفي ويتعلق أساساً بتحولات جارية في منطقة الشرق الأوسط... من ضمنها علاقة مصر بحركة المقاومة الإسلامية (حماس) المهيمنة على قطاع غزة المجاور... وما يخص تحولات على الأرض تتعلق ببنود اتفاقية «كامب ديفيد» بين القاهرة وتل أبيب، الموقعة منذ أواخر سبعينات القرن الماضي، وما تتضمنه من حظر لوجود الجيش المصري في المنطقة «ج» على حدود إسرائيل.
بينما يضع البعضُ في العمليات الإرهابية التي تشهدها شبه جزيرة سيناء، في شمال شرقي مصر، اللوم على حركات راديكالية مصرية وفلسطينية، وعلى قبائل في سيناء، وعلى ظروف إقليمية ودولية أصبحت شديدة التعقيد، يقول أشرف الحفني، أحد القيادات الشعبية في العريش، لـ«الشرق الأوسط»: «مشكلات سيناء تكمن في كامب ديفيد». بينما يقول محمد العزبي، الباحث السياسي والاستراتيجي في المركز العربي الأفريقي، لـ«الشرق الأوسط» جازماً: «مما لا شك فيه أن أطرافاً إقليمية تحاول ابتزاز الحكومة المصرية من خلال دعم المتطرفين في سيناء. هذا يحدث منذ سنين عديدة، ويزداد حسب الظروف».
قبل أكثر من سنتين توصلت القاهرة إلى تفاهمات مع الجانب الإسرائيلي، تعطيها الحق في دخول الجيش المصري، وليس قوات الشرطة فقط، إلى داخل المنطقة «ج» من أجل ملاحقة «الجماعات التكفيرية»، كما تصفها بيانات المتحدث الرسمي للقوات المسلحة المصرية، العقيد أركان حرب، تامر الرفاعي.
ووفقاً لما أصدره الرفاعي، من مئات البيانات التي تتعلق بسير عمليات الجيش في سيناء، فقد تم القضاء على معظم العناصر «التكفيرية»، وأغلقت غالبية الأنفاق التي تمر من تحت الأرض بين جانبي سيناء وغزة. وتدمير آليات ومصادرة أسلحة وغيرها، إلى جانب مد يد العون للسكان المحليين في المدن والقرى المبعثرة في صحراء سيناء.
لكن رغم كل هذه الجهود، ورغم كسر شوكة الجماعات المتطرفة، ومقتل وهروب أعداد كبيرة من سيناء، فإنه، مع ذلك، يبدو أن المشكلة لا تريد أن تنتهي.
ويقول اللواء محمد قشقوش، المستشار في أكاديمية ناصر العسكرية العليا في القاهرة، لـ«الشرق الأوسط»، موضحاً: «لا شك أن الوضع في سيناء معقد للغاية... معقد جغرافياً وقبلياً. الأمر يتعلق أيضاً بخلفيات لم تكن طيبة تخص تعامل بعض من رجال الشرطة مع أبناء سيناء إبان نُظم الحكم السابقة».

محافظتا شبه الجزيرة
تنقسم شبه جزيرة سيناء الواقعة شمال شرقي مصر، إلى محافظتين... محافظة جنوب سيناء، وهي قليلة السكان، وتزخر بالمنتجعات السياحية، وأشهرها شرم الشيخ على البحر الأحمر. ومحافظة شمال سيناء، الأكثر سكاناً، وتقع على ساحل البحر المتوسط، وأشهر مدنها رفح الملاصقة لغزة والشيخ زويد، ثم العريش. وحسب اللواء قشقوش: «اليوم، المشكلة هنا... في الجزء الملاصق لغزة في محافظة شمال سيناء. هذه مساحة وعرة تضاريسيا، وتغطي نحو ألف كيلومتر مربع».
ومنذ وقت مبكر - أي بداية من عام 2004 - انطلقت من محافظة شمال سيناء عمليات إرهابية بسيارات مفخخة ضد مواقع سياحية في محافظة جنوب سيناء. ومع أن خطط التنمية لشبه الجزيرة عموماً كانت تسير على قدم وساق، فإنها كانت واضحة المعالم في الجنوب أكثر من الشمال، لدرجة أن الرئيس الأسبق حسني مبارك، اعتاد إقامة المؤتمرات الدولية واستقبال ضيوفه الكبار في منتجع شرم الشيخ.

مصطلح الإرهاب
ويتذكر مصدر قبلي يعمل مع السلطات الأمنية في العريش، تلك الأيام، ويقول: «منذ تفجيرات 2004 بدأنا نتعرف على مصطلح الإرهاب هنا. لم تكن مسؤولية مطاردة العناصر المتطرفة، تقع على عاتق الجيش، كما يحدث الآن، ولكن على رجال الشرطة».
وقعت مواجهات كثيرة. وردَّ الإرهابيون بتنفيذ تفجيرات وأعمال تخريبية أخرى في 2005 و2006 و2007. ويقول العزبي: «وقتذاك فازت حماس في الانتخابات، وانفردت بحكم غزة، وأرادت إدارة المعبر الوحيد لها مع العالم وهو معبر رفح. لقد انقلبت الأمور رأساً على عقب. كان لهذا تأثير سلبي كبير على الاستقرار في سيناء. كانت حماس تتحرش بمصر من خلال إقامتها شبكة من الأنفاق عبر الحدود». ويضيف: «انفراد حماس بغزة، كان له تأثير في تغذية الجماعات المتطرفة في سيناء. معروف أن حماس هي الذراع العسكرية لجماعة الإخوان. وبالتالي كان هناك دعم لوجيستي للشباب التكفيريين والخارجين من عباءة الجماعة، لاستخدمهم ورقة ضغط على الحكومة المصرية، وذلك من خلال تنفيذ عمليات مثل ما حدث في السابق في شرم الشيخ ودهب وطابا».
وعلى أثر ذلك زادت الشرطة المصرية من نشاطها في سيناء. لقد كان عدد الغرباء يتزايد في رفح والشيخ زويد والعريش. وجرت أكبر محاولة لاقتحام الحدود المصرية حين دفعت حماس بألوف الفلسطينيين إلى الأسوار الفاصلة بين جانبي رفح. وتم احتجاز ومحاكمة عدد من أبناء سيناء، وعدد من أعضاء حركة حماس، وكذلك خلية لحزب الله اللبناني كانت تنشط ما بين القاهرة وسيناء.
ويقول أحد القيادات القبلية في العريش: «وقتها بدأت العائلات هنا تعرف أسماء السجون من أجل زيارة المحبوسين... سجن الإسماعيلية، وسجن طرة، وسجن برج العرب، وغيرها». ويعلق اللواء قشقوش قائلاً: «كانت فترة صعبة تعامل فيها بعض رجال الشرطة بقسوة مع المواطنين. هذا ما زالت له آثار السلبية مستمرة حتى اليوم».

غزة بعد 2007
مصدر أمني مصري يقول إن حماس امتلكت زمام السلطة في غزة بعد 2007، لكنها تسببت في «فوضى في تركيبة الحركات الراديكالية في القطاع... تم طرد رجال الحرس الرئاسي (التابعين للرئيس الفلسطيني) من غزة إلى رام الله، والتنكيل بمعارضي حماس. واستغل المتطرفون كل هذه الثغرات للنمو والتكاثر على جانبي الحدود، خصوصاً في سيناء». واستمر الحال على هذا المنوال، إلى أن وقعت «ثورة 25 يناير 2011».
خلال السنوات السبع التي سبقت الإطاحة بمبارك، كانت هناك محاولات حثيثة لفرض الاستقرار في شمال سيناء، ووأد أي محاولة لتمدد المتطرفين، أو الوصول إلى منتجعات البحر الأحمر مرة أخرى، أو باقي المدن المصرية. ومن مقر إقامته في العريش يوضح، الحفني، وهو منسق اللجنة الإدارية للحركة الاشتراكية (يناير)، أن عدم تحقيق كثير من المطالب التي تخص سيناء، منذ وقت مبكر، أدى لاستمرار أزمة التنظيمات المتطرفة إلى أن وصلنا إلى تنظيم داعش.
بينما يقول المصدر القبلي المشار إليه: «حينذاك (في السنوات الأخيرة من حكم مبارك) ثار غضب قطاعات كثيرة من المواطنين، ممن تعارضت مصالحهم مع حملات الشرطة، ومع تدقيق رجال القانون».
أضف إلى ذلك الغضب من مداهمة البيوت، والاحتجاز لفترات طويلة. كان من ضمن مجالات العمل التي يمتهنها بعض أبناء سيناء، في تلك الفترة، تهريب المهاجرين غير الشرعيين القادمين من القارة الأفريقية ويسعون الوصول إلى إسرائيل، وكذلك تهريب الأسلحة والسلع عبر الأنفاق إلى غزة.
ويتابع: «في ظل تلك الظروف استمرت الشرطة في الضغط علينا (أي على شيوخ القبائل) لمنع الشباب من الانخراط في الأعمال غير القانونية من تهريب وتسلل وغيره، ولأنه لا توجد فرص عمل، بدأت سلطة شيوخ القبائل تتراجع رويداً رويداً طوال سنوات».

أخطاء الماضي
خلال السنوات السبع التي سبقت سقوط مبارك، أيضاً، وبين جدران السجون، التقى أصحاب الفكر المتطرف من أبناء سيناء، وكان بينهم قيادات، بالمئات من المحتجزين السيناويين، وغير السيناويين، ممن لم يكن لديهم أي أفكار متشددة في السابق. ويقول أحمد الزملوط، ابن العريش الذي يدير مؤسسة تنموية في شبه الجزيرة الصحراوية: «أخطاء الماضي، لم تعالج في حينه... اليوم يمكن أن ترى النتائج. أعتقد أنك إذا أردت أن تصحح أمراً ما، بعد فوات الأوان، فستكون عملية مكلفة. هذا ما يحدث عادة».
وظهرت أولى الهجمات الكبرى التي نفذها متطرفون من سيناء، بالأسلحة الثقيلة، قبل يومين من اندلاع «ثورة 2011». ووفقاً لمحاضر للشرطة، اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، وتعود لأيام 23 يناير، وما بعدها، فقد انطلقت العشرات من سيارات الدفع الرباعي المزودة بالقذائف الصاروخية، واجتاحت الكمائن الأمنية، في طريقها لاحتلال أقسام الشرطة في رفح والشيخ زويد، ومبنى مديرية الأمن في عاصمة المحافظة. ووفق وصف الزملوط: «كان الأمر، برمته، مخيفاً».
كانت نقطة انطلاق غالبية المتطرفين المهاجمين، حينذاك، من قرى قريبة من غزة، أشهرها قرية المهدية، التابعة لمدينة الشيخ زويد. وانهارت الشرطة في عموم مصر، وانسحبت يوم 28 يناير من الشوارع، وتوقفت عن التعامل مع الفوضى التي ضربت البلاد، بما في ذلك الوضع في سيناء. وفر من السجون ألوف من المحكومين في قضايا إرهابية وجنائية، بمن في ذلك المحكومين من خلايا حماس وحزب الله.

«الإخوان» في السلطة
ومع هيمنة جماعة الإخوان على السلطة في مصر، من خلال البرلمان أولاً، ثم رئاسة محمد مرسي للدولة، عاد المئات من المتشددين المصريين من خارج البلاد. وتمَّ كذلك إخراج زرافات ممن تبقى من المتطرفين، من السجون المصرية، ليس من متطرفي سيناء فقط، بل من معتنقي الأفكار المتشددة من باقي المحافظات المصرية أيضاً. وفرّ غالبية هؤلاء إلى سيناء عقب الإطاحة بمرسي. وبدأت دوامة العنف تتخذ طابعاً أكثر حدة، ما اضطر دبابات الجيش لاجتياز قناة السويس والدخول إلى سيناء، بما في ذلك المنطقة «ج». ودكت الطائرات حصون «التكفيريين» في رفح والشيخ زويد وفي جبل الحلال الوعر. ولكن، كما يتساءل اللواء قشقوش: «لماذا لم تتوقف عمليات المتطرفين حتى الآن؟».
قد يكون السؤال الشائع أيضاً: «لماذا يتكرّر العمل بهذا الأسلوب؟». الإجابة ليست سهلة. أولاً: لا يمكن تفتيش كل مواطن وكل سيارة في سيناء. «الحياة ستتوقف» كما يقول قشقوش. ومن المشكلات التي تواجه السلطات الأمنية في سيناء، صعوبة الكشف عن المواد المتفجرة المتقدمة، والمقصود بها «تلك التي لا تعطي مؤشرات ولا إنذاراً للأجهزة الإلكترونية». ويستخدم المتطرفون أسلحة نوعية، تم العثور على نماذج منها عقب هجوم البرث الذي خلف نحو 26 قتيلاً وجريحاً.
ورغم التقدم الذي أحرزه الجيش المصري في تطهير سيناء من «التكفيريين»، خلال الشهور الأخيرة، فإن هناك مفردات تجعل الحرب على الإرهاب هنا ليست مسألة سهلة، ومنها الطبيعة الجغرافية الوعرة، حيث تكثر الأحراش والمزارع والأنفاق. وحسب قشقوش... «هذه المنطقة تشهد عمليات ضد الجيش وتعد معضلة رئيسية، وتبلغ مساحتها نحو ألف كيلومتر مربع... هي بيئة حاضنة ممتازة، تشبه تقريباً بيئة فيتنام مع الأميركيين، التي كان يغلب عليها الكثافة السكانية في قرى صغيرة قزمية منتشرة في مناطق فيها مستنقعات، وفيها مناطق شجرية وغابات، فكان التعامل الأميركي معها صعباً للغاية».
ويشير إلى أن الوضع في سيناء أكثر تعقيداً حتى من مدينة الموصل التي تحصن فيها تنظيم داعش قبل هزيمته أمام القوات العراقية أخيراً. ومع ذلك يؤكد: «قضينا على نسبة كبيرة من خطر الإرهاب في سيناء، لكن الحرب معه ما زالت طويلة المدى».

إلى سوريا والعراق
مذ تضييق الجيش الخناق على المتطرفين في سيناء، فرّ المئات منهم إلى سوريا والعراق ودول أخرى، إلا أن هناك رحلة عكسية لهذه العناصر الخطرة، إلى ليبيا، ومن ثمَّ إلى مصر مجدداً، وذلك بعد الضربات التي تلقاها تنظيم داعش في الموصل والرقة. العزبي يقول إنه «من المستحيل عبور أي جهادي من ليبيا إلى سيناء... لكن من الممكن أن يكون هناك بعض الدعم اللوجيستي للموجودين في الداخل، لأن الجيش أحكم سيطرته على كل المنافذ المؤدية إلى سيناء، سواء نفق الشهيد أحمد حمدي، الواصل بين سيناء وغرب مصر، أو المعدِّيات التي تعبر بين ضفتي قناة السويس، أو كوبري السلام».
غير أن العزبي لا يستبعد دخول «تكفيريين» إلى سيناء من خلال معابر أخرى، إذ يقول: «عودة المتطرفين إلى سيناء، في الفترة الأخيرة، ممكن عن طريق البحر، أو الأنفاق مع غزة... توجد تقنيات لحفر نفق مخصص فقط لعبور الإرهابيين لتنفيذ عمليات، والعودة، ثم تفجير النفق بعد ذلك، لإخفاء معالمه، وهو ما يزيد من معضلة الوضع في سيناء أمام السلطات».
ويشير إلى أن استخدام المتطرفين للضغط على الحكومة المصرية لا يقتصر على حماس فقط، ولكن هناك دولاً في المنطقة تفعل ذلك أيضاً. ويقول إنه، على سبيل المثال: «لا يمكن أن نتوقع ترحيباً إسرائيلياً بوجود قوات مصرية ضخمة من الجيش قرب حدودها، خصوصاً في المنطقة (ج). فرغم موافقة الحكومة في تل أبيب على ذلك، هناك أطراف في إسرائيل تنظر بحظر للأمر، وأعتقد أنها متورطة في إقلاق الجيش في تلك المنطقة».
ويستطرد العزبي قائلاً إن «الإحداثيات التي يملكها الإرهابيون لتحديد مواقع القوات الأمنية من الجيش والشرطة، إحداثيات لا تملكها إلا أجهزة مخابرات دول. نحن نعلم أن قطر تقدم دعماً لوجيستياً لهؤلاء المتطرفين، لكن تميّز الجماعات الإرهابية في العمل الاستخباراتي وتحديد مواقع رجال الأمن، وتحركاتهم، يتم عبر أجهزة مخابرات لديها الهدف ذاته، وهو محاولة إنهاك الدولة المصرية، ليس من خلال تنفيذ عمليات إرهابية في سيناء فقط، ولكن في عموم البلاد».

التعويل على القبائل
وتعول السلطات المصرية في الفترة الأخيرة على تضامن وتعاون قبائل سيناء في مواجهة المتطرفين، وفي حرمانهم من أي بيئة حاضنة، أو أي مجالات للحركة، خصوصاً بعدما هاجم تنظيم داعش عدداً من أبناء هذه القبائل، وأقدم على قتلهم والتمثيل بجثثهم. ومنها قبائل السواركة والترابين. ووفق قشقوش: «يمكن أن نقول إن التعاون ضد الأغراب وضد الإرهابيين ازداد حين أضيرت هذه القبائل في عدد من أبنائها. لكن لو حدث تعاون أكبر بين الدولة والقبائل، في سيناء، سيكون المردود المعلوماتي أفضل». ويضيف أن «الحرب ضد الإرهاب في مثل هذه المناطق، تعتمد بنسبة 99 في المائة على المعلومات، وبنسبة 1 في المائة على العمل العسكري، وما أسهله... نحتاج لفيض من المعلومات الدقيقة بشكل مستمر»، مشيراً إلى أن الهجوم على أفراد الجيش في منطقة البرث يوم الجمعة قبل الماضي، سببه الرئيسي نقص في المعلومات... «في اعتقادي، لو كانت الشبكة المعلوماتية موجودة لتغير الأمر.. الدقائق تُحدث فرقاً كبيراً في مثل هذه الأحداث. الطرف الآخر يعتمد على المفاجأة».
ثم إن من نفذوا عملية يوم الجمعة قبل الماضي، ليسوا بالعدد القليل... فقد قتل الجيش نحو 40 منهم، وبالتالي فإن من كانوا يقفون وراء العملية، وفقاً لرأي قشقوش، لا يقلون عن 70 أو 80 فرداً أو أكثر... ويتساءل مجدداً: «أين اجتمعوا، وأين خططوا... لا بد أن يكونوا قد اجتمعوا في مكان معين... حتى لو تكلموا في التليفونات، فهي مراقبة. وهناك نسبة من التنصت، ولا يحدث عمل بمثل هذا الحجم إلا إذا حدث اجتماع كبير، أو أكثر من اجتماع كبير. لو كانت لديك هذه المعلومة، لكان لديك القدرة على إحباط العمل قبل أن يتم».
أخيراً، يبدو من نشاط «التكفيريين» في سيناء خلال الشهور الأخيرة أنه يوجد نقص في المتفجرات المتقدمة، إذ جرى اكتشاف عملية خلط، يقوم بها المتطرفون للمواد المحلية، من المتفجرات التي تعود إلى مخلفات الحرب العالمية الثانية، مع مواد حديثة شديدة التدمير. ويذكر مصدر عسكري في سيناء أنهم «يطوعون خامات محلية.. يخلطونها بمواد جرى تهريبها من ليبيا أو من قطاع غزة... يستخدمون كميات قليلة من الرصيد الشديد التفجير، كي لا ينضب، ويضعونه مع بعض المواد المحلية القابلة للانفجار. الفرق كبير جدا... تفجير 20 عبوة من المادة المحلية، مثل تفجير عبوتين من المواد المتقدمة. انفجار البرث كان ضخماً للغاية».



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.