انتخابات لبنان على إيقاع «الديمقراطية التوافقية»

تجرى لأول مرة منذ 90 سنة وفق نظام اقتراع نسبي «هجين»

انتخابات لبنان على إيقاع «الديمقراطية التوافقية»
TT

انتخابات لبنان على إيقاع «الديمقراطية التوافقية»

انتخابات لبنان على إيقاع «الديمقراطية التوافقية»

يتأهب اللبنانيون هذه الأيام لانتخابين فرعيين لشغل مقعدين شاغرين في مجلس النواب، وسيكون هذان الانتخابان الباكورة، بعدما أبصر النور خلال الشهر الماضي قانون الانتخابات اللبناني الجديد. ويُذكر أن الأفرقاء اللبنانيين لم يتوصلوا إلى القانون الجديد إلا بعد انعقاد عشرات الجولات من اللقاءات التي امتدت على مدى خمس سنوات، ودرست عدة طروحات أنتجت قانوناً يعتمد الاقتراع وفق النظام النسبي، وهو النظام الذي يعتمد لأول مرة في لبنان منذ إعلان دولة لبنان الكبير.
ورغم ضبابية التقديرات حول نتائج هذا القانون، فإن الثابت أن هذا القانون هو «نتاج التوافق الذي حصل بعد فترة طويلة من النقاشات والمداولات»، كونه يكرس المعادلة اللبنانية القائمة على التوافق، ويثبت أن لبنان لا يمكن أن يتخطى موازين الديمقراطية التوافقية التي تنظم مسار العملية السياسية في البلاد. ولعل هذه المعادلة هي التي حكمت جلسات المباحثات المتواصلة كي «لا يُلغي القانون أحداً» من جهة، ويثبت التوازنات المعمول بها منذ عام 2005، ويضبط التباينات وتمثيل الأقطاب في البرلمان.

لقي قانون الانتخاب الجديد في لبنان ترحيباً سياسياً واسعاً، ولكن بوصفه «أفضل الممكن»؛ ذلك أنه في المقابل، رفع منتقدون له السقف بوصفه قانوناً لا يمتلك القدرة على قلب الموازين، و«يعيد تكريس السلطة بوجوهها الحالية». هذا، إلى جانب مخاوف لدى خصوم «حزب الله» الذين يعتبرون أن قانوناً مشابهاً سيتيح لحلفاء الحزب زيادة حصتهم في البرلمان، وهو الأمر الذي قد ينعكس على تشريع وجود الجناح العسكري للحزب إلى جانب الجيش اللبناني في مراحل متقدمة، ربطاً بالمتغيرات التي تحصل في المنطقة، والدعوات لتشريع «الحشد الشعبي» في العراق، وميليشيات «الدفاع الوطني» في سوريا.

توافق... وطوائف
لا يتعارض إقرار القانون النسبي مع الديمقراطية التوافقية التي تحكم المسار الدستوري للتجربة اللبنانية، فالمادة 24 من الدستور تنص على تقسيم البرلمان نسبياً بين الطوائف والمناطق، وهو أمر يطبق في قانون الانتخاب الأكثري أو النسبي على حد سواء. وكما سبقت الإشارة، استغرقت النقاشات للتوصل إلى هذا القانون وقتاً طويلاً قبل التوصل إلى هذا القانون الذي يعتبر «قانوناً نسبياً بمفعول أكثري». ولكن مسار إقراره ليس جديداً في لبنان، كون القاعدة معمول بها في مختلف القضايا، الاجتماعية منها والسياسية، ولو أن مسألة قانون الانتخاب تعد أكثر حساسية، كون «التجاذب» على مقعد انتخابي من شأنه أن يضاعف حصة فريق، أو يرسم التحالفات بين الأقطاب، ويمهد للحكم في حال الحصول على أكثرية نيابية تساهم حكماً في فرض الحصص الوزارية لدى تشكيل الحكومة.
ويندرج القانون الجديد في إطار سلسلة التسويات السياسية التي يشهدها لبنان منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2016، تاريخ انتخاب ميشال عون رئيساً للجمهورية، بعد سنتين ونصف السنة من الفراغ في منصب الرئاسة. وجاءت التسوية أيضاً بسعد الحريري، خصم عون السابق، رئيساً للحكومة.
غير أن إقرار القانون ينهي فترة تسع سنوات من تمديد مجلس النواب لنفسه، إذ جرت آخر انتخابات نيابية في لبنان عام 2009، ذلك أن البرلمان الذي كان يفترض أن تنتهي ولايته في يونيو (حزيران) 2013 مدّد لنفسه مرتين. ويعود سبب التمديد إلى فشل الأفرقاء السياسيين في التوصل إلى قانون انتخاب جديد تجري على أساسه الانتخابات التشريعية، وسعي كل فريق إلى فرض قانون يوصله إلى مجلس النواب بحصة أكبر من حصة خصمه، أو قادرة على إلغاء خصمه.
وتعززت جهود التوصل إلى اتفاق خلال الأشهر الماضية، مع اقتراب انتهاء ولاية البرلمان في الـ19 من الشهر الماضي، إلى أن تم التوافق على القانون النسبي، في تسوية جديدة بين القوى السياسية اللبنانية.

قانون الانتخابات
الحكومة اللبنانية وافقت، بعد جدل سياسي طال لسنوات، على قانون جديد للانتخابات التشريعية يقوم على التمثيل النسبي بدلاً من نظام الاقتراع الأكثري، ما من شأنه أن يمهد الطريق أمام إجراء انتخابات تشريعية ستكون الأولى منذ تسع سنوات. ودعم قانون التمثيل النسبي التيار الوطني الحر، حزب رئيس الجمهورية، وحليفاه «حزب الله» وحركة أمل. ويشكل إقرار هذا القانون نقلة نوعية مهمة في مسيرة الحياة السياسية، وتحولاً إلى النسبية بعد 91 سنة من أنظمة تقوم على الأكثرية، إذ إن القانون الأكثري اعتمد منذ عام 1926، كما قال الرئيس اللبناني منتصف الأسبوع الحالي.

لبنان 15 دائرة
ويقوم هذا القانون على تقسيم لبنان إلى 15 دائرة، ويحل مكان القانون الأكثري الذي أقر في عام 1960، ويحمل اسم «قانون الستين» (وهو عام إقراره 1960). ويؤسس القانون، الذي وافقت عليه الأحزاب اللبنانية المتنافسة - ولو اضطراراً - لنظام التمثيل النسبي بالبرلمان، ويغيّر عدد الدوائر الانتخابية. كما ينص القانون الجديد على تمديد ولاية البرلمان الحالي لمدة عام تقريباً، حتى مايو (أيار) المقبل، لتتفادى البلاد فراغاً تشريعياً.
ويتيح القانون لجميع الناخبين الاقتراع في الدائرة الانتخابية، على اختلاف طوائفهم، للمرشحين عن تلك الدائرة. أما لجهة فرز الأصوات، فتُدمج اللوائح في الفرز، ويتم ترتيب المرشحين في اللائحة على أساس نسبة الصوت التفضيلي في القضاء. وأقر القانون زيادة 6 مقاعد للاغتراب في الانتخابات المقبلة، على أن تشكل هذه المقاعد دائرة انتخابية واحدة. وفي الانتخابات التي تليها، أي بعد 8 سنوات، يُنقص 6 مقاعد من الـ128، لتُخصّص للمغتربين.

النسبية للمرة الأولى
لم يعرف لبنان قانوناً نسبياً في السابق. فمنذ إعلان «دولة لبنان الكبير»، مر إنشاء مجلس النواب بعدة مراحل ولجان في زمن الانتداب الفرنسي، وكان المجلس في معظمه معيناً، إلى أن أصبح مجلس الشيوخ من 24 مايو 1926. وكان عدد المقاعد 16، أي بانخفاض 14 مقعداً عن المجلس التمثيلي. ومن ثم، أصبح مجلس النواب الأول في نوفمبر (تشرين الثاني) 1928، وبلغ عدد مقاعده 46. وحتى عام 1939، كانت كل مجالس النواب مختلطة، أي عدد من النواب كان منتخباً، والعدد الآخر كان معيناً. وفي عام 1947، انتخب أول مجلس نيابي بكامل أعضائه، وفق نظام التصويت الأكثري.

البرلمان الـ23
يحمل مجلس النواب المزمع انتخابه يوم 6 مايو 2018 الرقم 23. ويرى المراقبون والسياسيون اللبنانيون، على حد سواء، أن إقرار قانون نسبي للانتخابات يشكل تمهيداً عملياً للوصول إلى قانون وطني غير طائفي، كونه سيساهم في إيصال المرشحين بحسب حجمهم ضمن طائفتهم وضمن مناطقهم، وكذلك يتيح لأطراف لم يكن تمثيلها ممكناً في السابق أن تصل إلى الندوة البرلمانية، وفق القانون النسبي، استناداً إلى حجم انتشارها وتمثيلها.
الباحث الدستوري الدكتور وسيم منصوري علّق لـ«الشرق الأوسط» موضحاً: «مجرد الاتفاق على إقرار قانون نسبي في مجلس النواب أمر إيجابي (...) وهو تجربة جيدة يمكن البناء عليها في المستقبل، كونها تساهم في تعبيد الطريق أمام إقرار قانون انتخابي يتميز بإطاره الوطني الأعمّ خارج الحسابات الطائفية»، مثل النسبية في لبنان دائرة واحدة، أو تكبير الدوائر الانتخابية واعتماد دوائر محدودة.
وأشار منصوري إلى أنه «مهما كانت السيئات التي تعتري القانون الذي أقره البرلمان اللبناني الأسبوع الماضي، فإن إقراره أمر جيد للخروج من القانون الأكثري المعمول به منذ 90 سنة، ويظهر أن هناك توافقاً عاماً على الانتقال باتجاه النسبية، رغم التناقضات بين الأقطاب والأطراف»، ثم أضاف: «البناء على هذه التجربة يعني الانتقال في المراحل الثانية إلى تكبير حجم الدائرة الانتخابية، ذلك أن الدوائر الصغيرة تقرب عملية الانتخاب أكثر باتجاه النظام الأكثري. أما الدوائر الكبيرة، فإنها تساهم في الابتعاد عن التمثيل الطائفي، وهي مسألة تساهم في رفع نسبة تمثيل المجتمع المدني في البرلمان لأنها تتيح له تنظيم نفسه أكثر».

حسنات المشروع وسيئاته
من ناحية أخرى، سجلت حسنات لهذا المشروع، أبرزها ما سجلته «الجمعية اللبنانية لديمقراطية الانتخابات» (لادي)، التي اعتبرت أن من حسناته «اعتماد قسيمة الاقتراع الرسمية الموحدة»، و«اعتماد مبدأ النظام النسبي عوضاً عن النظام الأكثري»، و«ديمومة عمل هيئة الإشراف على الحملة الانتخابية، واستقلاليتها الجزئية عن وزير الداخلية والبلديات»، و«وجود ممثل عن المجتمع المدني بين أعضاء هيئة الإشراف على الانتخابات».
وفي المقابل، سجلت الجمعية بعض السيئات، أبرزها ما سمته «تشويه النسبية، وتحويلها إلى نظام أكثري يضعف دينامية التغيير بحدها الأدنى»، وأوضحت أن اعتماد الدوائر الصغيرة والمتوسطة، أيضاً اعتماد العتبة الانتخابية المرتفعة، إضافة إلى الآلية المعتمدة في احتساب الأصوات، مع إمكانية تشكيل لوائح غير مكتملة؛ عناصر من شأنها أن يؤدي جميعها إلى فقدان النسبية معناها الحقيقي. ومن ثم، العودة إلى مفاعيل النظام الأكثري، مما يضعف دينامية التغيير بالحد الأدنى.

اعتراضات على القانون
وخلافاً لأركان السلطة الذين شاركوا في مفاوضات قانون الانتخابات بفاعلية، يواجه القانون بقدر كبير من الانتقادات والاعتراضات، إذ قال الباحث السياسي الدكتور توفيق الهندي لـ«الشرق الأوسط» إن هذا القانون «جاء نتيجة مفاوضات بين أطراف السلطة، الذين تحاوروا فيما بينهم، وتوصلوا إلى هذه النتيجة»، وأردف: «هذه المفاوضات بينهم أظهرت أن هؤلاء ليسوا أطرافاً متناقضة، بل شركاء في السلطة (...) قاموا بعملية محاصصة، حيث كان معيار كل طرف حجم عائداته من قانون الانتخاب».
وبالتالي، وصف الهندي القانون بأنه «هجين»، مضيفاً: «ظن المفاوضون أنهم تقاسموا المقاعد إثر إنجاز القانون، لكنهم اليوم في مأزق، وهم يسألون كيف يمكن أن يتصرفوا، ويعقدوا تحالفات، ويشكلوا لوائح، لأن الجميع لا يستطيع التقدير عملياً لميزان الربح والخسارة».
وحقاً، غياب الحسم بالترجيحات ينسحب أيضاً على نتائج الانتخابات عند المسيحيين، بعدما كان الهدف من مباحثات قانون الانتخابات، المستمرة منذ 4 سنوات، ما كان يوصف بـ«استرجاع حقوق المسيحيين»، وانتخاب ممثلي المسيحيين بأصوات المسيحيين. وهنا شرح الهندي أن «النتائج المتوقعة من الانتخابات لا تكرّس المناصفة الحقيقية التي ينادي بها بعض الأقطاب المسيحيين المشاركين في إعداد قانون الانتخابات؛ ذلك أن تقسيم الدوائر يشبه إلى حد بعيد تقسيم الدوائر في قانون الستين. وبدل تحسين الوضع المسيحي، سيبقى كل شيء على ما هو عليه». واتهم المفاوضين في قانون الانتخاب بأنهم «لا تهمهم المبادئ، بل الشراكة في السلطة»، وأن ما قاموا به «لا يراعي المعيار الوطني، بل المعيار الشخصي». كما أشار إلى أن القانون «لا يراعي العيش المشترك؛ كونه قسّم بيروت إلى شرقية وغربية، وظهرت بعض الدوائر مسيحية بشكل كامل، في مقابل دوائر إسلامية بشكل كامل، وهو ما يناقض العيش المشترك في لبنان».
وتتوسّع الانتقادات التي تطال القانون إلى إطار سياسي أعمّ، وأكثر شمولية، مرتبط بالحسابات السياسية وخريطة النفوذ بين الأقطاب في لبنان. وحسب الهندي: «إذا حصلت الانتخابات في ظل ميزان القوى الحالي، فإن (حزب الله) سيفوز بأغلبية في البرلمان عبر حلفائه، إذ سيفوز حلفاؤه، مثل حركة أمل والتيار الوطني الحر (التيار العوني) والحزب السوري القومي الاجتماعي وتيار المردة».
ووفق الهندي، فإن «الخطورة» في فوز حلفاء الحزب، والمحوَر الذي ينتمي إليه في البرلمان، تتمثل في «المطالبة بتشريع (حزب الله) كمنظمة عسكرية مستقلة إلى جانب الجيش اللبناني، تؤكد رؤية رئيس الجمهورية للحزب، التي سبق أن أعلن عنها عندما قال إن الحزب أقوى من الجيش، والمقاومة ضرورة، وهناك تكامل في الجيش والمقاومة»، واستطرد: «اليوم، يتحول ما حولنا باتجاه تشريع الفصائل العسكرية الموازية للجيش، مثل الحرس الثوري الإيراني والحشد الشعبي، في العراق وسوريا».
أيضاً قال الدكتور الهندي إن ما حصل في مناقشات قانون الانتخاب «يظهر أن الجميع كانوا ينظرون إلى المصلحة الشخصية ووهم السلطة، بينما السلطة الفعلية ستكون بيد الحزب، والجميع سيشتغل تحت مظلته»، وأردف: «لا أمانع تأجيل الانتخابات في مايو 2018، في حال بقيت موازين القوى على حالها، لأن تأجيلها سيعود بنتائج أفضل؛ ذلك أن موازين القوى العالمية تتغير الآن، في ظل التغير في السياسة الأميركية، واستراتيجية ترمب المختلفة عن استراتيجية أوباما».

«الثنائي الشيعي» الرابح الأكبر
وفي هذا السياق، تشير تقديرات الخبراء في قوانين الانتخابات إلى أن «حزب الله» وحركة أمل يعتبران، فعلاً، أبرز الرابحين، لجهة الحفاظ على كتلتهما النيابية، إذ ستحافظ «أمل» على كتلتها، بينما يتيح القانون لـ«حزب الله» إدخال حلفائه إلى الندوة البرلمانية، لا سيما من المسلمين السنّة. كذلك يتوقع أن تتمثل أحزاب صغيرة وتجمّعات مدنية في البرلمان عبر خروق يمكن أن تحصل في بيروت وقضاء البقاع الغربي.
كذلك سيتيح القانون زيادة عدد مقاعد التحالف المسيحي، المتمثل بـ«التيار الوطني الحر» الذي يترأسه وزير الخارجية جبران باسيل، وحزب «القوات اللبنانية» الذي يترأسه الدكتور سمير جعجع، بينما يتوقع أن يخسر «تيار المستقبل» الذي يترأسه رئيس الحكومة سعد الحريري بعضاً من نوابه. كما يتوقع أن تخسر كتلة «اللقاء الديمقراطي» التي يترأسها النائب وليد جنبلاط نائبين منها.

5 انتخابات بعد نهاية الحرب

> أجرى لبنان 5 انتخابات بعد نهاية الحرب (1975 - 1990)، وشهد عام 1992 إجراء أول انتخابات نيابية بعد «اتفاق الطائف»، وبرزت فيه المقاطعة المسيحية للانتخابات. وارتفع فيها عدد النواب من 99 إلى 128 نائباً، موزّعين على 12 دائرة، هي دائرة واحدة في كل من محافظات بيروت والشمال والجنوب والنبطية، و3 دوائر في محافظة البقاع، و6 دوائر (وهي الأقضية) في محافظة جبل لبنان.
أما انتخابات عام 1996، فقد قسمت فيها الدوائر إلى 10 دوائر انتخابية، هي دائرة في كل من محافظات بيروت والشمال والجنوب والنبطية والبقاع، بينما اعتمد القضاء دائرة انتخابية في محافظة جبل لبنان، أي 6 دوائر انتخابية في جبل لبنان.
وفي انتخابات عام 2000، انتخب النواب في 13 دائرة، وهي: 3 دوائر في بيروت، ودائرة واحدة في محافظتي الجنوب والنبطية، و3 دوائر في محافظة البقاع، و4 دوائر في محافظة جبل لبنان، ودائرتان في محافظة الشمال. وتكرر الأمر أيضاً في انتخابات عام 2005، الذي عرف باسم «قانون غازي كنعان».
أما انتخابات عام 2009، فقد اعتمد فيها القانون الذي أقرّ في عام 1960، الذي يقوم على أساس اعتماد القضاء دائرة انتخابية واحدة، وذلك بعد إدخال تعديل في توزيع مناطق بيروت على 3 دوائر. وقسّمت بيروت إلى 3 دوائر، بينما قسمت محافظة الشمال إلى 7 دوائر. أما الجنوب، فقسم إلى 7 دوائر، كما قسم جبل لبنان إلى 6 دوائر، بينما قسم البقاع إلى 3 دوائر انتخابية.

الدوائر الانتخابية في القانون الجديد
1 - دائرة بيروت الأولى: وتضم أحياء المدوّر والرميل والصيفي والمرفأ والأشرفية. ويُنتخب أبناء بيروت في هذه الدائرة 8 نواب: 3 أرمن أرثوذكس، وواحد لكل من الأرمن الكاثوليك والموارنة والأرثوذكس والكاثوليك والأقليات (كاللاتين والسريان والكلدان).
2 - دائرة بيروت الثانية: وتضم أحياء المزرعة والمصيطبة ورأس بيروت وعين المريسة وميناء الحصن وزقاق البلاط والباشورة. ويُنتخب في هذه الدائرة 11 نائباً، منهم 6 من السنّة، و2 من الشيعة، ودرزي وأرثوذكسي وإنجيلي (بروتستانتي).
3 - دائرة صور والزهراني وبنت جبيل: خُصص لها 7 نواب، 6 منهم شيعة، ونائب كاثوليكي.
4 - دائرة صيدا وجزين: خُصص لها 5 نواب: 2 من الموارنة، و2 من السنّة، وكاثوليكي واحد.
5 - دائرة حاصبيا - مرجعيون - النبطية: خصص لها 11 نائباً، 8 شيعة، وأرثوذكسي وسنّي ودرزي.
6 - دائرة الشوف وعاليه: خصص لها 13 نائباً، 5 موارنة، و4 دروز، و2 سنّة، وكاثوليكي وأرثوذكسي.
7 - دائرة بعبدا: خصص لها 6 نواب، 3 موارنة، و2 شيعة، ودرزي واحد.
8 - دائرة المتن: خصص لها 8 نوّاب، 4 موارنة، و2 أرثوذكس، وواحد لكل من الروم الكاثوليك والأرمن الأرثوذكس.
9 - دائرة كسروان وجبيل: خصص لها 8 نواب، سبعة منهم موارنة، وشيعي واحد.
10 - دائرة البترون - بشرّي - الكورة - زغرتا: خصص لها 10 نوّاب، 7 منهم موارنة، و3 أرثوذكس.
11 - دائرة طرابلس - المنية - الضنّية: خصص لها 11 نائباً، منهم 8 سنّة، ونائب ماروني، وآخر أرثوذكسي، ونائب علوي.
12 - دائرة عكار: خصص لها 7 نواب، 3 للسنّة، و2 للأرثوذكس، وواحد لكل من الموارنة والعلويين.
13 - دائرة بعلبك - الهرمل: خصص لها 10 نواب، منهم 6 للشيعة، و2 للسنّة، وواحد لكل من الموارنة والكاثوليك.
14 - دائرة زحلة: خصص لها 6 نواب، منهم 2 للكاثوليك، وواحد لكل من الشيعة والسنّة والأرثوذكس والأرمن الأرثوذكس.
15 - دائرة البقاع الغربي - راشيا: خصص لها 6 نواب، 2 للسنّة، ونائب واحد لكل من الأرثوذكس والدروز والشيعة والموارنة.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».