وزير خارجية اليابان: نرحب بخفض التصعيد في سوريا... والإعمار رهن الحل السياسي

أكد في حديث لـ «الشرق الأوسط» أهمية استمرار محاربة الإرهاب بعد تحرير الموصل والرقة من «داعش»

فوميو كيشيدا ({الشرق الأوسط})
فوميو كيشيدا ({الشرق الأوسط})
TT

وزير خارجية اليابان: نرحب بخفض التصعيد في سوريا... والإعمار رهن الحل السياسي

فوميو كيشيدا ({الشرق الأوسط})
فوميو كيشيدا ({الشرق الأوسط})

قال وزير الخارجية الياباني فوميو كيشيدا في حديث إلى «الشرق الأوسط» أمس إن بلاده ترحب بالجهود الأميركية - الروسية لـ«خفض التصعيد» في سوريا، لافتاً إلى أهمية إيجاد «حل سياسي» للأزمة السورية من أجل «إعادة الإعمار».
ونوه كيشيدا في حديث صحافي في طوكيو بـ«إعلان تحرير الموصل واقتراب تحرير الرقة» من تنظيم «داعش»، لافتاً إلى أن «الأزمات الإنسانية» ستستمر حتى ما بعد تحرير المدينتين لأسباب عدة بينها «خروج عدد هائل من سكان تلك المناطق». وقال: «من المتوقع أن تستمر مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في المجتمع الدولي برمته». وهنا نص الحديث الذي تحدث عن العلاقة مع السعودية وكونها «مفتاحاً لاستقرار الشرق الأوسط» وسعي طوكيو والرياض لإقامة «شراكة استراتيجية» والتعاون لتحقيق «رؤية 2030»:
* كيف ترى العلاقة مع السعودية حالياً؟‬‬‬‬
إن السعودية مفتاح لاستقرار الشرق الأوسط وازدهاره، كما تعتبر من أكبر أعمدة سياسة الأمن الاقتصادي لليابان. ومنذ تأسيس العلاقات الدبلوماسية بين اليابان والسعودية عام 1955، يتمتع البلدان بعلاقات جيدة في كل المجالات ومنها حسن العلاقة بين العائلة الإمبراطورية اليابانية والعائلة الملكية السعودية. وتعتبر اليابان السعودية شريكاً مهماً في مجال الأمن الاقتصادي، إضافة إلى المجال التجاري والثقافي والسياسي والأمني وغيرها.
* وجرى تبادل زيارات رفيعة المستوى في الفترة الأخيرة.
- نعم. في السنوات الأخيرة، تبادل المسؤولون في البلدين زيارات مكثفة، إذ إن خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز قام في مارس (آذار) 2017 بزيارة اليابان وكانت الأولى لملك السعودية منذ 46 عاماً. كما أن ولي العهد محمد بن سلمان، الذي كان ولي ولي العهد وقتذاك، زار اليابان في سبتمبر (أيلول) 2016.
* ماذا بحثتم؟
- أتيحت لي الفرصة لأقابل الملك سلمان خلال زيارته اليابان وأبلغني تطلعاته إلى تعزيز علاقات التعاون وعبرت بدوري له عن عزمنا على تعزيزها في مختلف المجالات، وفي مقدمها التعاون في تحقيق «رؤية السعودية 2030». اللقاء كان رائعاً حيث شعرت بالتفاؤل تجاه مستقبل العلاقات بين البلدين.
* وما هي مجالات التعاون؟
- لقد قابلت وزير الخارجية عادل الجبير ثلاث مرات خلال الجلسات العامة للأمم المتحدة وغيرها، وبحثنا بجدية في سبل تعميق العلاقات وناقشنا الأوضاع الحالية في الشرق الأوسط وآسيا. كما أود زيارة السعودية في يوم ما وأتمنى أن نجد وقتاً كافياً لتبادل وجهات النظر فيما بيننا. ونود تعزيز علاقات التعاون في كل المجالات مع السعودية التي تلعب دوراً مفصلياً للاستقرار في الشرق الأوسط ومنطقة الخليج، وإننا مستعدون للتعاون مع السعودية التي تتقدم من أجل بناء مستقبل جديد بقيادة الملك سلمان وولي العهد الجديد آخذين بعين الاعتبار التقاليد والعادات.
* أين وصلتم في تنفيذ الاتفاقات والوثائق التي وقعت بين البلدين؟
- في الاجتماع الذي جمع رئيس الوزراء الياباني والملك سلمان في اليابان، تم تأكيد تطوير العلاقات اليابانية - السعودية إلى «شراكة استراتيجية»، وتم الاتفاق على وثائق كثيرة لتكون بوصلةً توجه التعاون الثنائي نحو أفق جديد وأهمها «الرؤية اليابانية - السعودية 2030» التي تسعى إلى إحداث تآزر بين اتجاهات البلدين الإصلاحية التي تتمثل في «الرؤية السعودية 2030» الهادفة إلى الخروج من الاعتماد على النفط وتوفير الوظائف وغيرها و«الاستراتيجية التنموية» اليابانية، مما يمكننا من الإصلاح والتنمية معاً. وتشارك 41 وزارة ووكالة من اليابان والسعودية في «الرؤية اليابانية - السعودية 2030» وبدأت العمل على تحضير 31 مشروعاً استباقياً لتحقيق «الرؤية». * في أي مجالات؟
- أشير إلى أن مجالات التعاون بين البلدين كثيرة منها التجارة والاستثمار والسياحة والتعليم والبنى التحتية والتكنولوجيا والتبادل الثقافي. على سبيل المثال، أقيمت في أبريل (نيسان) الماضي أول حفلة موسيقية لمجموعة أوركسترا يابانية في السعودية، من أجل المساهمة في الجهود الإصلاحية التي يبذلها الجانب السعودي الذي أحد أهدافه الإصلاحية تطوير مجال الثقافة والترفيه. وكانت الحفلة ناجحة جداً وتلقينا كثيراً من أصوات التقدير والشكر، لذلك سنحاول فتح آفاق جديدة بالتعاون مع السعودية.
وبالنسبة إلى المجالات الأخرى، تم خلال زيارة الملك سلمان إلى اليابان إبرام مذكرة التفاهم في شأن التأشيرة المتعددة (فيزا) وأجور التأشيرة، ودخلت الاتفاقات الاستثمارية الثنائية حيز التنفيذ في أبريل الماضي. وأتمنى تعميق التعاون القائم بين البلدين من خلال هذه الاتفاقات. ونريد التعاون مع السعودية مستغلين مزايا كل من البلدين في مختلف المجالات من أجل بناء مستقبل أفضل لهما ومن أجل تنفيذ الإصلاحات.

كوريا الشمالية
* ماذا عن إدارة الرئيس دونالد ترمب؟ ما موقفها من التصعيد الأخير من كوريا الشمالية؟
- من الضروري أن نحافظ على القوة الرادعة الأميركية في وقت يشهد الوضع الأمني تصعيدا في المنطقة. ونحن في اليابان نقدر عاليا مواقف إدارة ترمب التي توضح بالأقوال والأفعال أن كل الخيارات موضوعة على الطاولة. وسنعزز القوة الرادعة الاستجابية التي يمتلكها التحالف الأميركي - الياباني. ولا بد من الإشارة إلى أن الحكومة الأميركية أبدت نيتها تشديد ممارسة الضغوط على كوريا الشمالية بالطرق الدبلوماسية والاقتصادية، ومطالبة الصين باستجابات فعالة. تتطابق فيها مواقف اليابان وأميركا فيما يخص ملف كوريا الشمالية.
* هل أدى هذا إلى تخفيف موقف بونيغ يانغ؟
- في الخامس من الشهر الحالي، أجريت اتصالا هاتفيا مع وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون واتفقنا فيه على تعزيز التنسيق بين البلدين وبين اليابان وأميركا وكوريا الجنوبية، إضافة إلى ممارسة الضغوط على الصين وروسيا كي تلعبا دورا أكثر فعالية، بغية اتخاذ قرارات أممية تشمل وضع عقوبات أكثر صرامة من أجل أخذ زمام المبادرة على تعزيز ممارسة الضغوط الدولية على كوريا الشمالية. وتم تأكيد هذه النقاط خلال الاجتماع الثلاثي الذي جمع بين رئيس الوزراء الياباني ورئيسي أميركا وكوريا الجنوبية في السادس من الشهر الحالي.
* للوصول إلى ماذا؟
- إننا في اليابان عازمون على مطالبة الأطراف المعنية بما فيها روسيا والصين بتشديد الضغوط واتخاذ إجراءات ملموسة من أجل حل الملفات العالقة من خلال الاستمرار في التنسيق المتين مع أميركا وكوريا الجنوبية وغيرها لا سيما اجتماعات الأمم المتحدة.

حل سياسي وإغاثة بعد خفض التصعيد
* بالنسبة إلى سوريا، ما هو تقييمكم للاتفاق الأميركي – الروسي للهدنة جنوب غربي سوريا؟ وماذا عن اتفاق آستانة ومناطق «خفض التصعيد»؟‬‬‬‬‬
- نفهم رعاية روسيا وتركيا وإيران اجتماعات آستانة التي تهدف إلى تعزيز وقف إطلاق النار ولعبهم دور الوسيط بين الحكومة السورية والمعارضة، ووصلت الأطراف إلى الاتفاق على مناطق «خفض التصعيد» في اجتماع آستانة الرابع الذي جرى في الرابع من مايو (أيار) الماضي. ثم في السابع من الشهر الحالي في الأردن، توصلت الولايات المتحدة وروسيا والأردن إلى اتفاق لوقف إطلاق النار جنوب غربي سوريا. اليابان ترحب بالجهود المبذولة لخفض العنف في سوريا الواضحة في مثل هذا الاتفاق.
* وماذا عن الحل السياسي؟
- أود أن الإشارة إلى أهمية التزام الأطراف المعنية بهذا الاتفاق والعمل على تحسين الوضع الإنساني اللذين سيؤديان إلى تقدم جوهري في العملية السياسية، وستستمر اليابان ببذل جهودها الدبلوماسية لتحسين الوضع السوري والإنساني خصوصا بالتعاون مع المجتمع الدولي.
* لكن كيف ترى طوكيو الحل في سوريا مستقبلاً؟ ‫‬‬‬‬
- نأسف لاستمرار الأزمة السورية التي سقط فيها مئات الآلاف من الضحايا التي (الأزمة) جعلت عددا هائلا من السوريين بما فيهم اللاجئون والنازحون في أشد الحاجة إلى المساعدات الإنسانية منذ اندلاع الأزمة في مارس عام 2011. إن اليابان قدمت منذ عام 2012 مساعدات تبلغ قيمتها نحو 1.9 مليار دولار أميركي إلى سوريا والعراق والدول المجاورة.
وفي هذه السنة أيضاً، قررت اليابان تقديم مساعدات إنسانية تصل قيمتها إلى 260 مليون دولار من خلال المنظمات الدولية والأهلية إلى الدول المذكورة أعلاه جزء منها وهو بقيمة 77 مليون دولار خُصصت لمساعدة اللاجئين السوريين وتأهيل البنية التحتية لقطاع الكهرباء من أجل الاستجابة للحاجات الإنسانية في سوريا، إضافة إلى المساعدة في بناء قدرات الكوادر البشرية من الشباب السوريين ومجال تمكين المرأة ومجالات أخرى من حيث أهمية استقرار المنطقة على المدى المتوسط والبعيد.
* هل تراهن اليابان على دور في إعادة إعمار سوريا؟
- إننا في اليابان نؤكد ضرورة إيجاد حل سياسي للأزمة من أجل إعادة إعمار سوريا وستستمر اليابان في تقديم المساعدات الإنسانية ودعم سير العمليات السياسية بالتعاون مع المجتمع الدولي.

مكافحة الإرهاب بعد الموصل والرقة
* ماذا عن التحالف الدولي ضد «داعش»؟ هل أنتم راضون عن التقدم في محاربة الإرهاب؟
- تشهد محاربة «داعش» تطورات مهمة منها إعلان تحرير الموصل واقتراب تحرير الرقة، لكننا ندرك أن الأزمات الإنسانية ستستمر حتى ما بعد تحرير المدينتين لأسباب عدة ومنها خروج عدد هائل من سكان تلك المناطق.
يُتوقع أن تستمر مكافحة الإرهاب والتطرف العنيف ليس في الشرق الأوسط فحسب، بل في المجتمع الدولي برمته. ومن منطلق رؤيتنا البعيدة المدى، إننا في اليابان مصممون على تقديم المساعدات الإنسانية ودعم استقرار الدول المذكورة أعلاه من كل النواحي كي تنتشر روح التسامح والتعاون في الشرق الأوسط التي تولد إحلال السلام والاستقرار.
* كيف؟
- يتجلى عزم اليابان الذي تطرقنا إليه في المساعدات الهادفة إلى الاستقرار في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بقيمة ستة مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات من عام 2016 إلى عام 2018 التي أعلنا عنها في قمة الدول السبع في ايسيشيما العام الماضي، وسنستمر في مساهمتنا في إحلال السلام والاستقرار في الشرق الأوسط من خلال مساعدات كتلك المذكورة أعلاه.



سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
TT

سيول: كوريا الشمالية تستعد لإرسال المزيد من القوات إلى روسيا

أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)
أجزاء من صاروخ تقول أوكرانيا إنه صُنع في كوريا الشمالية واستخدمته روسيا في غارة على مدينة خاركيف (رويترز)

ذكر مكتب أحد نواب البرلمان في كوريا الجنوبية أن وزارة الدفاع في سيول قالت إن كوريا الشمالية تواصل الاستعدادات لإرسال قوات إضافية إلى روسيا، لكن الوزارة لم ترصد أي مؤشرات على أن هذا النشر وشيك.

ووفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء، فقد جاء هذا التقييم بعد أن نفت كيم يو جونغ، شقيقة الزعيم الكوري الشمالي كيم جونغ أون، الأسبوع الماضي ما قاله الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي عن اعتزام بيونغ يانغ إرسال ما يصل إلى 50 ألف جندي إضافي إلى روسيا للقتال إلى جانب حليفتها.

وذكر المكتب أن وزارة الدفاع الكورية الجنوبية قالت، في بيان موجه إلى النائب يو يونغ-يون، إن كوريا الشمالية واصلت تزويد روسيا بأنظمة أسلحة، بما في ذلك صواريخ باليستية قصيرة المدى.

وعززت كوريا الشمالية وروسيا تعاونهما العسكري منذ غزو موسكو لأوكرانيا في عام 2022، إذ وردت بيونغ يانغ ذخيرة مدفعية وصواريخ منذ عام 2023 ونشرت قوات منذ عام 2024، وفقاً لتقييمات كورية جنوبية وأوكرانية وغربية.

ونقت موسكو وبيونغ يانغ في السابق عمليات نقل الأسلحة.


أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
TT

أستراليا تؤكد أول إصابة بإنفلونزا الطيور بين الثدييات

حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)
حقن بطريق بلقاح في محمية جزيرة فيليب في أستراليا بعد انتشار فيروس إنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» (أ.ف.ب)

أكدت أستراليا، اليوم الأحد، أول حالة إصابة بإنفلونزا الطيور من السلالة «إتش 5 إن 1» لدى ​حيوان محلي من الثدييات، حيث تأكدت إصابة فقمة فراء ذات أنف طويل بولاية جنوب أستراليا.

وتواجه أستراليا زيادة في حالات الإصابة بإنفلونزا الطيور شديدة العدوى منذ وصول الفيروس إلى البلاد في يونيو (حزيران)، وفقاً لوكالة «رويترز».

وأكَّدت سلطات جنوب ‌أستراليا اكتشاف ‌أول إصابة لحيوان ​ثديي في البلاد ‌بالفيروس، حيث ​تم العثور على الفقمة المصابة في بلدة بيتشبورت الساحلية، على بعد نحو 310 كيلومترات (192 ميلاً) جنوب أديليد عاصمة الولاية.

وقالت السلطات إن الفقمة، وهي واحدة من نحو 100 ألف فقمة في مياه الولاية، عُثر عليها نافقة دون ‌أي جروح. وذكرت ‌وزيرة الزراعة في الحكومة ​الاتحادية جولي كولينز، ‌في تصريحات نقلها التلفزيون، أنَّ نفوق ‌الفقمة «لا يبدو أنه مرتبط بثدييات بحرية مريضة أو نافقة أخرى».

وأضافت: «بمجرد أن ينتشر فيروس إنفلونزا الطيور (إتش 5) في البيئة الطبيعية، يصبح ‌من المستحيل تجنب خسائر كبيرة».

وسجَّلت أستراليا هذا الشهر أول حالة نفوق جماعي للطيور البحرية بسبب الفيروس، مما يشير إلى تفاقم في تفشي المرض الذي بدأ بعد اكتشاف الفيروس لأول مرة في الطيور البحرية المهاجرة قبل أن ينتشر إلى الأنواع المحلية.

ولم يظهر الفيروس بعد في قطاعي الدواجن أو الزراعة في أستراليا، وفقاً للحكومة الاتحادية التي ​ذكرت يوم ​الجمعة أنه تم حتى الآن تأكيد 297 حالة على مستوى البلاد.


شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
TT

شارل ديغول وجيرالد فورد... قصة يومين غيّرا مجرى التاريخ بـ«رصاصات فاشلة»

فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)
فورد أثناء إجلائه بواسطة الخدمة السرية الأميركية من موقع محاولة اغتياله عام 1975 في ساكرامنتو بكاليفورنيا (ويكيبيديا)

لم يكن الثاني والعشرون من أغسطس (آب) مجرد ورقة تُطوى في تقويم التاريخ المعاصر، بل كان خيطاً ناظماً لدراما سياسية حبست أنفاس العالم شرقه وغربه.

في هذا اليوم تحديداً، وعلى فترتين زمنيتين تباعدتا بـ13 عاماً، تقاطع مصير رئيسين من أبرز قادة المعسكر الغربي، الفرنسي شارل ديغول، والأميركي جيرالد فورد.

كان الموت يتربص بكليهما في وضح النهار، وبين تفاصيل الهجومين الفاشلين تتكشف حكايات من الصدفة المحضة، والشجاعة اللحظية، والتحولات السياسية الكبرى التي كادت تعصف بفرنسا والولايات المتحدة لو سارت الرصاصات في مساراتها المرسومة.

اعتداء «بوتي-كلامار»: عندما حمت «السيتروين» جنرال فرنسا

في صيف عام 1962، كانت الدولة الفرنسية تعيش مخاضاً عسيراً بعد توقيع اتفاقيات «إيفيان» التي منحت الجزائر استقلالها.

هذا القرار التاريخي الذي اتخذه مؤسس الجمهورية الخامسة، الجنرال شارل ديغول، أشعل غضب المتطرفين القوميين داخل الجيش واليمين الفرنسي، الذين انضووا تحت لواء «منظمة الجيش السري» (OAS).

سيارة «سيتروين DS» التي كان على متنها الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال محاولة اغتياله عام 1962 (ويكيبيديا)

اعتبر هؤلاء ديغول خائناً لفرنسا العظمى، وصار التخلص منه جسدياً هدفهم الأسمى.

في مساء 22 أغسطس 1962، غادر ديغول ومعه زوجته إيفون، وصهره الكولونيل ألان دي بواسيو، قصر الإليزيه متوجهين إلى مطار «فيلكوبلاي» العسكري في طريقهم إلى قريتهم الوادعة «كولومبي دو ليزيغليز».

تحرك الموكب الرئاسي غير المدرع، المكون من سيارتي «سيتروين DS»، دون حراسة مشددة كعادة الجنرال الذي كان يزدري الإجراءات الأمنية المبالغ فيها.

عند ضاحية «بوتي-كلامار» الباريسية، كان كمين محكم بانتظارهم.

قاد العملية اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو، جان ماري باستيان ثيري، وهو مهندس صواريخ لامع تحول إلى متمرد عقائدي.

اللفتنانت كولونيل في سلاح الجو جان ماري باستيان ثيري المتهم بمحاولة اغتيال الجنرال الفرنسي شارل ديغول (ويكيبيديا)

وزّع ثيري 12 مسلحاً مدججين بالأسلحة الرشاشة والقنابل على طول الطريق. ومع اقتراب السيارة الرئاسية في الغسق، أعطى ثيري الإشارة بجريدة صحافية.

انهمر الرصاص بغزارة، أكثر من 180 رصاصة أطلقت صوب السيارة، اخترقت عدة مقذوفات هيكل الـ«سيتروين» العادية وتطاير الزجاج المحطم داخل المقصورة.

الجنرال الفرنسي شارل ديغول خلال موكب رئاسي عام 1963 بعد عام على محاولة اغتياله (ويكيبيديا)

صرخ الصهر بواسيو: «انبطحوا!»، لكن ديغول رفض الانحناء بقامته الفارهة. ما أنقذ الموكب كان المهارة الفائقة للسائق العسكري، فرانسوا مارو، الذي حافظ على توازن السيارة رغم انفجار إطاريها، وضغط على دواسة الوقود لينجو بالرئيس وزوجته بأعجوبة.

نزل ديغول من السيارة ولم يقل سوى كلمته الشهيرة: «إنهم يطلقون النار كالأرانب!».

لاحقاً، تم القبض على باستيان ثيري وأُعدم في عام 1963، ليكون آخر من تنفذ فيه عقوبة الإعدام رمياً بالرصاص في فرنسا.

من باريس إلى ساكرامنتو: فورد في مرمى «عائلة مانسون»

دارت عجلة الزمن 13 عاماً، وانتقلت حمى الاغتيالات عبر المحيط الأطلسي إلى الولايات المتحدة التي كانت لا تزال تلملم جراحها بعد فضيحة «واترغيت» واستقالة ريتشارد نيكسون.

كان الرئيس الجديد، جيرالد فورد، يحاول إعادة الثقة إلى البيت الأبيض، لكن المجتمع الأميركي كان يغلي بالتيارات الفوضوية ومخلفات حرب فيتنام.

في صباح يوم 5 سبتمبر (أيلول) 1975، (الذي تلا نفس الذكرى السنوية لنجاة ديغول بأيام قليلة في ذات الحقبة الخريفية لعام 1975، التي شهدت محاولتين متتاليتين ضد فورد في شهر واحد)، كان الرئيس فورد يسير في حديقة «الكابيتول بارك» بمدينة ساكرامنتو بولاية كاليفورنيا، مصافحاً الحشود المتجمهرة.

الشرطة الأميركية خلال اعتقال لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس جيرالد فورد (ويكيبيديا)

من بين الجموع، برزت امرأة ترتدي رداءً أحمر قانياً. كانت تدعى لينيت فروم، وتُلقب بـ«سكيّكي»، وهي واحدة من أشد الأتباع إخلاصاً للمجرم الشهير تشارلز مانسون، زعيم الطائفة الدموية التي روّعت أميركا.

لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

اقتربت فروم من فورد حتى باتت على بعد خطوتين منه، وسحبت مسدساً من طراز «كولت عيار 45».

وجّهت فروم السلاح مباشرة نحو بطن الرئيس، سمع الحاضرون صوت «صدمة المعدن» (Click)، لكن الرصاصة لم تنطلق، إذ تبين لاحقاً أن مخزن السلاح كان يحتوي على الذخيرة، إلا أن فروم لم تقم بتلقيم الرصاصة في حجرة الانفجار (السبطانة).

السلاح الذي استعملته لينيت فروم الملقبة بـ«سكيّكي» خلال محاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

في أجزاء من الثانية، انقض عميل الخدمة السرية، لاري بوندورف، على المرأة وشلّ حركتها، بينما تم سحب فورد بسرعة إلى مكان آمن.

حكم على فروم بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها مشروطاً عام 2009، والمفارقة أن فورد نجا بعد 17 يوماً فقط من محاولة اغتيال ثانية وأكثر خطورة في سان فرانسيسكو.

وثيقة رسمية من المذكرات اليومية للبيت الأبيض توثق جدول أعمال الرئيس الأميركي جيرالد فورد يوم 5 سبتمبر 1975 وتتضمن تفاصيل الدقائق الحرجة لمحاولة اغتياله الفاشلة على يد «لينيت فروم» أثناء سيره نحو كابيتول ولاية كاليفورنيا

رصاصة «مور» القاتلة: المحاولة الثانية في سان فرانسيسكو

لم يكد الرئيس الأميركي جيرالد فورد يستوعب صدمة نجاة عنقه من مسدس لينيت فروم في ساكرامنتو، حتى عاد الموت ليتجسد له في سان فرانسيسكو بعد 17 يوماً فقط، وتحديداً في 22 سبتمبر (أيلول) 1975.

هذه المرة كانت المؤامرة أكثر خطورة وشراسة، إذ وقفت سارة جين مور، وهي امرأة ذات ميول يسارية راديكالية ومخبرة سابقة لمكتب التحقيقات الفيدرالي (FBI)، وسط الحشود خارج فندق «ستافورد بلاس».

سارة جين مور المتهمة بمحاولة اغتيال الرئيس الأميركي جيرالد فورد (ويكيبيديا)

أشهرت مور مسدساً من عيار 38، ووجّهته مباشرة نحو رأس الرئيس من مسافة لم تتجاوز 12 متراً.

أطلقت مور الرصاصة الأولى التي أخطأت رأس فورد ببضع سنتيمترات فقط بسبب خلل في ارتداد السلاح لم تحسب له حساباً.

وبينما كانت تحاول تدوير أسطوانة المسدس لإطلاق الرصاصة الثانية القاتلة، انقض عليها جندي سابق في مشاة البحرية الأميركية (المارينز) كان يقف بجوارها ويدعى أوليفر سيبيل، حيث أمسك بذراعها وحرّف مسار الرصاصة الثانية لتصيب جدار الفندق وتجرح أحد المارة.

فورد أثناء إجلائه من موقع محاولة اغتياله في سان فرانسيسكو (ويكيبيديا)

تم إجلاء فورد على عجل وسط حراسة مشددة، وأُلقي القبض على مور التي حُكم عليها بالسجن مدى الحياة قبل أن يفرج عنها بشروط عام 2007، لتدخل هذه المحاولة التاريخ بوصفها المرة الأقرب التي واجه فيها فورد الموت الحقيقي خلال أسابيع جنون الخريف الأميركي.

تلازم المصائر وفلسفة النجاة

تُظهر المقارنة التاريخية بين الحادثتين كيف يتشابه المشهد السياسي العالمي في لحظات جنونه. في كلتا الحالتين، واجه الرئيسان خصوماً من الأطراف الراديكالية، ديغول واجه اليمين العسكري القومي المتطرف، بينما واجه فورد إرث التمرد الطائفي والفوضوي لـ«الهبيز» في كاليفورنيا.

كما لعبت «التفاصيل الصغيرة» الدور الأكبر في صياغة التاريخ، فلو امتلك قناصة «بوتي-كلامار» تنسيقاً أفضل ثانية واحدة، أو لو قامت لينيت فروم بسحب أقسام مسدسها بشكل صحيح، لتغيرت خريطة السياسة الدولية.

كانت نجاة ديغول تعني استمرار بناء فرنسا الحديثة وصياغة استقلالها عن الهيمنة الأميركية، وكانت نجاة فورد تعني استقرار مؤسسة الرئاسة الأميركية في مرحلة حرجة من الحرب الباردة.

بقي الثاني والعشرون من أغسطس، وما تلاه من أيام في ذلك الخريف السياسي، شاهداً على أن مصائر الدول العظمى قد تتوقف أحياناً على مهارة سائق سيارة، أو خطأ تقني في بندقية مهاجم.