رغم هزائمه الفادحة... «داعش» لا يزال ملهماً لعمليات إرهاب عالمية

مسؤولون أميركيون: خسارة الرقة والموصل لا تعني بالضرورة قرب نهايته

الهروب الكبير من الموصل بعد تدمير مسجد النوري  (نيويورك تايمز)
الهروب الكبير من الموصل بعد تدمير مسجد النوري (نيويورك تايمز)
TT

رغم هزائمه الفادحة... «داعش» لا يزال ملهماً لعمليات إرهاب عالمية

الهروب الكبير من الموصل بعد تدمير مسجد النوري  (نيويورك تايمز)
الهروب الكبير من الموصل بعد تدمير مسجد النوري (نيويورك تايمز)

منذ ثلاثة أعوام صعد رجل دين يتشح بالسواد يدعى أبو بكر البغدادي منبر أحد مساجد مدينة الموصل العراقية وخاطب العالم باعتباره زعيم دولة إرهابية جديدة.
وشكّل الإعلان عن الخلافة المزعومة نقطة الذروة لمقاتلي «داعش» المتطرفين. وساعدت أعمال العنف المروعة التي اقترفوها والآيديولوجية التدميرية التي يتبعوها في سيطرتهم على مساحات واسعة من الأراضي داخل سوريا والعراق، واجتذاب أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب وإنشاء إدارة تضم موظفين بيروقراطيين ومحاكم وآبار بترول.
داخل سوريا، حاصرت ميليشيات مدعومة من الولايات المتحدة الرقة، عاصمة «داعش»، بينما عبر الحدود سيطرت القوات العراقية على أطلال مسجد الموصل الذي ظهر به البغدادي وحاصروا الأعداد المتبقية من المتطرفين الآخذة في الانكماش داخل المدينة.
ومع ذلك، فإن خسارة المدينتين الكبريين للتنظيم لا يعني بالضرورة قرب نهايته، تبعاً لما أفاد به محللون ومسؤولون أميركيون وشرق أوسطيون. الملاحظ أن التنظيم عاد بالفعل إلى جذوره جماعةً متمردةً، لكنها تتميز في الوقت ذاته بنفوذ عالمي وآيديولوجية لا تزال تجتذب أنصاراً وتحرض على هجمات بمختلف أرجاء العالم.
في هذا الصدد، قال حسن حسن، الزميل البارز لدى معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن، الذي شارك في تأليف كتاب حول التنظيم: «من الواضح أن تلك تمثل ضربات موجعة لـ(داعش)، لأنها تعني نهاية مشروع التنظيم لبناء دولة، فلم تعد هناك (خلافة)، الأمر الذي سيقلص بدوره الدعم الذي يحظى به التنظيم وأعداد المجندين الجدد بصفوفه.ومع ذلك، فإن «داعش» اليوم يعدّ تنظيماً دولياً، ولا يزال يملك قيادة وقدرة على النمو.
الملاحظ أن «داعش» نجح في التفوق على التنظيمات السابقة له مثل «القاعدة» من خلال عدم قصره اهتمامه على السيطرة على مناطق فحسب، وإنما أيضاً إدارة مدن على امتداد فترات ممتدة، الأمر الذي أكسبه مصداقية على الصعيد العسكري وسمح له ببناء تنظيم معقد.
وعليه، فإنه في الوقت الذي ترتخي فيه قبضته الفعلية، فإن كوادره الباقية على قيد الحياة - من أصحاب الرتب الوسطى وفنيي الأسلحة والمعنيين بجهود الدعاية وعملاء آخرين - سيعمدون إلى استثمار خبرتهم في عمليات مستقبلية لحساب التنظيم.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه سيطرة التنظيم على مراكز حضرية محورية، فإن هذا لم يجعل من «داعش» تنظيماً بلا مأوى، ذلك أنه داخل العراق لا يزال التنظيم يسيطر على تلعفر والحويجة وعدد من المدن الأخرى داخل محافظة الأنبار.
وفي سوريا، فرّ غالبية كبار عملاء التنظيم من الرقة على مدار الشهور الست الأخيرة إلى مدن أخرى لا تزال تحت سيطرة «داعش» داخل وادي نهر الفرات، تبعاً لما ذكره مسؤولون أميركيون وغربيون معنيون بمكافحة الإرهاب بناءً على معلومات استخبارية اطلعوا عليها.
وقد عاود كثيرون التمركز داخل الميادين، مدينة تقع على بعد 110 ميلاً جنوب شرقي الرقة قرب منشآت نفطية وخطوط أنابيب في الصحراء المحيطة.
وحمل هؤلاء معهم أهم مهام التجنيد والتمويل والدعاية والعمليات الخارجية التابعة للتنظيم، حسبما ذكر مسؤولون أميركيون.
وجرى نقل قيادات أخرى من الرقة عبر شبكة موثوق بها من المعاونين من خلال سلسلة من المدن من دير الزور إلى أبو كمال.
وكانت القوات الأميركية قد استهدفت هذه المنطقة بكثافة عبر طائرات «ريبر» المسلحة دون طيار، وأخرى قتالية، ما ألحق أضراراً بسلسلة قيادة التنظيم وقدرته على تنفيذ هجمات.
ومع هذا، فإنه لا يزال من الممكن استمرار معركة الرقة لشهور مقبلة.
بوجه عام، يمكن وصف ما يجري حالياً بأنه فصل جديد في تاريخ تنظيم يضرب بجذوره في فترة الغزو الأميركي للعراق عام 2003. الملاحَظ أن المسلحين السنّة قاتلوا في ظل أسماء وقيادات متنوعة تطورت حتى وصلت إلى «داعش» الذي قتل الكثير من العراقيين والأميركيين قبل أن يتمكن مقاتلون قبليون سنة تولت واشنطن تمويلهم سحقهم، ودفع الباقين منهم على قيد الحياة نحو الاختباء بحلول وقت انسحاب الولايات المتحدة من العراق عام 2011.
إلا أن الصراعات الجديدة أمدَّت التنظيم بفرص جديدة، فبعد اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، بعث التنظيم عملاءً له لبناء القوة التي سيطرت لاحقاً على شرق البلاد، بما في ذلك الرقة، التي أصبحت العاصمة الإدارية للتنظيم.
بعد ذلك، عاود التنظيم توجيه أنظاره نحو العراق، وسيطر على الموصل عام 2014، حيث أوضح البغدادي ما يميز أتباعه عن «القاعدة»: «إنهم ليسوا متمردين فحسب، وإنما أيضاً ساعون لبناء دولة تجسد آيديولوجيتهم المتطرفة».
اليوم، يشير مسؤولون أميركيون بمجالي الاستخبارات ومكافحة الإرهاب إلى أن أكثر عن 60 ألف مقاتل لقوا حتفهم منذ يونيو 2014، بما في ذلك كثير من قيادات التنظيم، وأن الأخير فقد قرابة ثلثي الأراضي التي سبق أن سيطر عليها في ذروة تمدده.
في الوقت ذاته، يقر هؤلاء المسؤولون، بما في ذلك لفتنانت جنرال مايكل كيه. ناغاتا، أحد كبار قوات العمليات الخاصة الأميركية، أن «داعش» لا يزال محتفظاً بجزء كبير من قدرته على إلهام وتمكين وتوجيه هجمات إرهابية.
وخلال مقابلة أُجرِيَت معه أخيراً من قبل مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، قال جنرال ناغاتا: «عندما أفكر في حجم الخسائر التي كبدناهم إياها، ومع ذلك نجد أنهم لا يزالون قادرين على العمل رغم ذلك وتنفيذ هجمات، مثل تلك الأخيرة التي عايناها على الساحة الدولية، أجد نفسي مدفوعاً نحو نتيجة مفادها أننا لا نعلم بعد على وجه اليقين حجم وقوة هذا التنظيم».
من ناحية أخرى، تكشف الأرقام أن «داعش» نفذ نحو 1500 هجوم داخل 16 مدينة بمختلف أرجاء العراق وسوريا بعد تحريرهم من سيطرة التنظيم، ما يكشف ارتداد التنظيم إلى جذوره المتمردة ويسلط الضوء على تهديدات أمنية على المدى البعيد، تبعاً لدراسة نشرها مركز «ويست بوينت». دولياً، تمكن التنظيم من تعويض خسائره في الداخل جزئياً من خلال تشجيع العناصر الموالية له بالخارج - في ليبيا ومصر واليمن وأفغانستان ونيجيريا والفلبين - وتنشيط عملائه بدول أخرى. ومن المعتقد أنه خلال الفترة بين أواخر 2014 ومنتصف 2016، جرى تهريب ما بين 100 و250 مقاتلاً أجنبياً يتبعون فكر «داعش» إلى داخل أوروبا، عبروا جميعاً تقريباً عبر الأراضي التركية، حسبما أفاد به مسؤولون استخباراتيون أوروبيون.
ومع هذا، فإن هؤلاء ربما لا يشكلون التهديد الأكبر أمام السلطات الأوروبية طالما ظلت آيديولوجية «داعش» تحفز هجمات بالخارج.
تجدر الإشارة إلى أن دراسة أصدرها أخيراً برنامج مكافحة التطرق التابع لجامعة جورج واشنطن والمركز الدولي لمكافحة الإرهاب، تفحصت 51 هجوماً ناجحاً في أوروبا وأميركا الشمالية ما بين يونيو 2014، في أعقاب إعلان الخلافة، ويونيو 2017، خلصت إلى أن 18 في المائة فقط من بين إجمالي 65 مهاجماً سبق لهم القتال داخل العراق أو سوريا.

* خدمة «نيويورك تايمز»



انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
TT

انهيار معيشي يسلب اليمنيين بهجة العيد في مناطق سيطرة الحوثيين

أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)
أطفال ونساء مصطفّون أمام جمعية في صنعاء للحصول على طعام (إ.ب.أ)

مع نهاية شهر رمضان وحلول عيد الفطر، تبدو مظاهر الفرح باهتة في شوارع وأسواق العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث يعيش ملايين السكان الخاضعين للحوثيين تحت وطأة أزمة معيشية خانقة، انعكست بشكل مباشر على قدرتهم على استقبال المناسبة التي لطالما ارتبطت بالبهجة والتكافل الاجتماعي.

وبينما كانت الأسواق في صنعاء وبقية مناطق سيطرة الحوثيين تعج بالمتسوقين في مثل هذه الأيام، قبل انقلاب الجماعة المتحالفة مع إيران، باتت اليوم شبه خالية، في مشهد يعكس عمق التدهور الاقتصادي الذي تعانيه مناطق سيطرة الجماعة.

وكشفت جولات ميدانية لـ«الشرق الأوسط» وشهادات سكان وتجار عن حالة ركود غير مسبوقة، بالتوازي مع ارتفاع الأسعار، وانعدام مصادر الدخل، واستمرار انقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين الحكوميين منذ سنوات، ما دفع كثيراً من الأسر إلى إعادة ترتيب أولوياتها المعيشية، على حساب مظاهر العيد وطقوسه.

في الأحياء الشعبية وأزقة صنعاء، تراجعت بشكل ملحوظ مظاهر الاستعداد للعيد، إذ طغت هموم الحياة اليومية على تقاليد الفرح التي كانت تميز هذه المناسبة. ويؤكد سكان أن شراء ملابس جديدة للأطفال أو تجهيز الحلويات والمكسرات لم يعد أمراً متاحاً كما في السابق، بل تحول إلى عبء يفوق قدراتهم المالية.

الأسواق اليمنية بمناطق سيطرة الحوثيين تشهد مزيداً من الركود (أ.ف.ب)

ويقول موظفون حكوميون إن نصف الرواتب التي تُصرف بشكل متقطع (كل ثلاثة أشهر) لا تكفي لتغطية الاحتياجات الأساسية، في ظل ارتفاع أسعار السلع إلى مستويات قياسية. ويضيف أحدهم، وهو أب لخمسة أطفال، أن العيد الذي كان يمثل فرحة سنوية لأسرته، أصبح اليوم مناسبة يواجه فيها عجزاً عن توفير أبسط المتطلبات.

وتشير شهادات ربات منازل إلى أن كثيراً من الأسر لجأت إلى إصلاح الملابس القديمة لأطفالها، أو الاستغناء عن بعض العادات المرتبطة بالعيد، في محاولة للحفاظ على الحد الأدنى من الشعور بهذه المناسبة.

ركود الأسواق

يؤكد تجار في صنعاء أن حركة البيع والشراء شهدت تراجعاً كبيراً مقارنة بالأعوام الماضية، حيث يكتفي كثير من الزبائن بالسؤال عن الأسعار قبل مغادرة المحال دون شراء. ويعزو هؤلاء هذا التراجع إلى ضعف القدرة الشرائية نتيجة تدهور الأوضاع الاقتصادية وغياب مصادر الدخل.

ويرى خبراء اقتصاديون أن هذا الركود يعكس حالة انكماش حاد في النشاط التجاري، بفعل استمرار الصراع، وتراجع الدورة الاقتصادية، وفرض جبايات وإتاوات متعددة على التجار، ما أدى إلى ارتفاع الأسعار وتقليص هامش الربح، وبالتالي فقدان أحد أهم المواسم التجارية السنوية.

ويحذر هؤلاء من أن استمرار هذه الظروف قد يؤدي إلى إغلاق مزيد من المحال التجارية، خصوصاً الصغيرة منها، ما يزيد معدلات البطالة ويعمق الأزمة الاقتصادية.

يمني تخرج في الجامعة يعمل في بيع الملابس بصنعاء (الشرق الأوسط)

وشهدت صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الحوثيين خلال الأسابيع الأخيرة موجة جديدة من ارتفاع أسعار السلع الغذائية والاستهلاكية، شملت مواد أساسية مثل الدقيق والأرز والسكر، إضافة إلى منتجات أخرى ضرورية للحياة اليومية.

ويؤكد السكان أن هذه الزيادات تأتي في ظل غياب أي تحسن في مستوى الدخل، واستمرار انقطاع الرواتب، وانتشار البطالة، ما يجعل القدرة على تلبية الاحتياجات الأساسية أمراً بالغ الصعوبة. كما يشيرون إلى وجود تفاوت ملحوظ في الأسعار بين منطقة وأخرى، في ظل غياب الرقابة الفاعلة على الأسواق.

ويربط اقتصاديون هذا الارتفاع بالتطورات الإقليمية حيث الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، ما ينعكس على تكاليف الاستيراد والنقل والتأمين، ويؤدي إلى تحميل المستهلك النهائي هذه الأعباء.

آثار اقتصادية

لم تقتصر تداعيات الأزمة على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى النسيج الاجتماعي، حيث اضطرت أسر كثيرة إلى تقليص استهلاكها الغذائي، أو الاستغناء عن خدمات أساسية مثل التعليم والرعاية الصحية.

وتؤكد شهادات ميدانية أن بعض الأسر باتت تعتمد على الديون أو المساعدات من الأقارب لتأمين احتياجاتها اليومية، فيما لجأت أخرى إلى شراء سلع أقل جودة أو تقليل عدد الوجبات اليومية، في محاولة للتكيف مع الواقع الصعب.

ويحذر مراقبون من أن استمرار هذا الوضع قد يؤدي إلى تفكك اجتماعي كبير، نتيجة الضغوط الاقتصادية والنفسية التي تواجهها الأسر، خصوصاً مع غياب أي حلول قريبة للأزمة.

3 محافظات يمنية تحت سيطرة الحوثيين تواجه حالة طوارئ غذائية (الأمم المتحدة)

تأتي هذه التطورات في وقت يشهد فيه اليمن تراجعاً في حجم المساعدات الإنسانية الدولية، بسبب قيود الحوثيين على أنشطة الإغاثة ونقص التمويل وتغير أولويات المانحين، ما أدى إلى تقليص برامج الغذاء والدعم النقدي.

وتشير تقارير أممية إلى أن أكثر من 18 مليون يمني يعانون من انعدام الأمن الغذائي، في ظل توقعات بزيادة هذا العدد مع استمرار الضغوط الاقتصادية. كما حذرت منظمات دولية من أن تقليص المساعدات قد يدفع مزيداً من الأسر إلى حافة المجاعة، خصوصاً في المناطق الأكثر تضرراً.

ويؤكد سكان أن هذه المساعدات كانت تمثل شريان حياة بالنسبة لهم، وأن تراجعها تركهم في مواجهة مباشرة مع موجة الغلاء، دون أي بدائل حقيقية.

في موازاة ذلك، يشكو تجار من تصاعد الإتاوات الحوثية غير القانونية بما في ذلك إجبار بعضهم على تقديم بضائع مجانية، مثل كسوة العيد لعناصر الجماعة، تحت تهديد الإغلاق أو فرض غرامات.

ويؤكد هؤلاء أن هذه الممارسات تزيد من الأعباء التي يتحملها القطاع التجاري، الذي يعاني أصلاً من ركود السوق، ما يدفع بعض التجار إلى تقليص نشاطهم أو التفكير في الإغلاق.


«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
TT

«الأمم المتحدة» تحذر من وضع إنساني حرج في اليمن

المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)
المنظمات الإغاثية تُواصل توزيع المساعدات في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية (إعلام محلي)

تتجه الأزمة الإنسانية في اليمن نحو مزيد من التعقيد، في ظل تحذيرات من اتساع رقعة الاحتياجات وتراجع التمويل، حيث دعت «الأمم المتحدة» إلى توفير 2.6 مليار دولار لتغطية الاحتياجات الإنسانية، مؤكدة أن البلاد تقف عند مفترق طرق حرِج مع ازدياد أعداد المحتاجين إلى مستويات غير مسبوقة.

ووفق خطة الاستجابة الإنسانية، يحتاج نحو 22.3 مليون شخص إلى المساعدة الإنسانية وخدمات الحماية، بزيادة تصل إلى 3 ملايين شخص، مقارنة بالعام الماضي، وهو ما يعكس عمق التدهور الذي تعيشه البلاد نتيجة الصراع الممتد منذ أكثر من عقد، وما رافقه من انهيار اقتصادي ونزوح واسع وتراجع الخدمات الأساسية.

وتشير التقديرات الأممية إلى أن نحو 18.3 مليون يمني يعانون انعدام الأمن الغذائي الحاد، في وقتٍ يواجه فيه أكثر من 2.2 مليون طفل دون سن الخامسة سوء تغذية حاداً، بينهم أكثر من نصف مليون في حالة حرجة تهدد حياتهم. وتؤكد هذه الأرقام أن الأزمة لم تعد مجرد تحدٍّ إنساني مؤقت، بل تحولت إلى حالة هيكلية مزمنة تتطلب استجابة طويلة الأمد.

الحوثيون يَحرمون ملايين اليمنيين من توزيع المساعدات الإغاثية (الأمم المتحدة)

وفي قطاع الخدمات، تبدو الصورة أكثر قتامة، إذ يعمل نحو 40 في المائة فقط من المرافق الصحية بشكل جزئي، في حين يواجه الباقي خطر التوقف الكامل، نتيجة نقص التمويل وشح الموارد. كما يحتاج نحو 14.4 مليون شخص إلى خدمات المياه والصرف الصحي، ما يفاقم مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة في بيئة هشة أصلاً.

وتعكس هذه المؤشرات حجم الضغوط التي تتعرض لها البنية التحتية، والتي تقترب، في بعض المناطق، من نقطة الانهيار، في ظل محدودية التدخلات الدولية وتراجع الدعم الخارجي.

فجوة تمويلية

وعلى الرغم من الحاجة إلى 2.6 مليار دولار، تسعى «الأمم المتحدة» وشركاؤها للحصول على 2.16 مليار دولار فقط لتقديم المساعدات المُنقذة للحياة لنحو 12 مليون شخص، وهو ما يمثل أقل من نصف إجمالي المحتاجين، ما يكشف عن فجوة تمويلية كبيرة قد تَحرم ملايين اليمنيين من الدعم الأساسي.

وتُعطي الخطة الأولوية لنحو 9.4 مليون شخص في المناطق الأكثر تضرراً، إلا أن محدودية الموارد تفرض خيارات صعبة على الجهات الإنسانية التي تجد نفسها مضطرة لتقليص نطاق تدخلاتها والتركيز على الحالات الأكثر إلحاحاً.

إلى جانب ذلك، تبرز تحديات الوصول الإنساني كأحد أبرز العوائق، حيث تواجه المنظمات الإغاثية قيوداً متزايدة تعرقل قدرتها على إيصال المساعدات، سواء بسبب الظروف الأمنية أم القيود المفروضة على عملها، وخصوصاً في مناطق سيطرة الحوثيين، ما يزيد تعقيد الاستجابة ويحدّ من فاعليتها.

3 ملايين يمني انضموا إلى قائمة المحتاجين للمساعدات (إعلام محلي)

وفي مناطق الجماعة الحوثية، تزداد التحديات تعقيداً مع استمرار التدخلات في عمل المنظمات الإنسانية وفي صدارتها الوكالات الأممية، بما في ذلك مداهمة مكاتبها واعتقال العاملين فيها، ما أدى إلى تعليق أو تقليص عدد من الأنشطة الإغاثية منذ سبتمبر (أيلول) الماضي.

وتسعى «الأمم المتحدة» إلى إيجاد بدائل لضمان استمرار تدفق المساعدات، من خلال الاعتماد على منظمات دولية لا تزال تعمل بتلك المناطق، إلا أن المخاطر الأمنية التي تهدد العاملين في المجال الإنساني تظل عائقاً رئيسياً أمام تنفيذ هذه الخطط.

وتُحذر مصادر إغاثية من أن استمرار هذه الانتهاكات قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، وحرمان ملايين الأشخاص من المساعدات الضرورية، خصوصاً في المناطق التي تقترب فيها مستويات انعدام الأمن الغذائي من حافة المجاعة.

دعوات لتحرك دولي

في ظل هذه المعطيات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن الاستجابة الفعالة تتطلب تمويلاً مستداماً ومرناً، إلى جانب ضمان وصول المساعدات دون عوائق، مشددة على أن أي تأخير في التحرك قد يؤدي إلى عواقب كارثية على ملايين اليمنيين.

كما دعت إلى ضرورة معالجة الأسباب الجذرية للأزمة، بما في ذلك دعم الاقتصاد وتعزيز الاستقرار، إلى جانب الاستمرار في تقديم المساعدات الإنسانية العاجلة، بما يضمن تقليل الاعتماد على الإغاثة مستقبلاً.

وتبقى الأزمة اليمنية واحدة من كبرى الأزمات الإنسانية في العالم، حيث تتداخل فيها الأبعاد السياسية والاقتصادية والإنسانية، ما يجعل معالجتها تتطلب جهداً دولياً منسقاً يتجاوز الحلول المؤقتة نحو استراتيجيات شاملة ومستدامة.

The extension has been updated. Please reload page to enable spell and grammar checking.


سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
TT

سوريا تكشف عن خطة للتخلص من أسلحة الأسد الكيماوية

 سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)
سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي متحدثاً خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي في نيويورك اليوم (إ.ب.أ)

أطلقت سوريا، اليوم الأربعاء، ‌خطة تدعمها واشنطن لتخليص البلاد من مخزون الأسلحة الكيماوية القديمة التي استخدمتها قوات تابعة للرئيس السابق بشار الأسد ضد السوريين.

وأدار الأسد على مدى عقود ​برنامجاً واسع النطاق للأسلحة الكيماوية التي أدى استخدامها إلى سقوط آلاف القتلى والجرحى خلال الحرب الأهلية الطويلة في سوريا.

وعلى الرغم من انضمام دمشق إلى اتفاق حظر الأسلحة الكيماوية في عام 2013 وإعلانها امتلاك مخزون يبلغ 1300 طن، استمر استخدام الأسلحة المحظورة، بينما لا يزال حجم البرنامج غير واضح.

وقال سفير سوريا لدى الأمم المتحدة إبراهيم عُلبي في مقابلة إن فريق عمل ‌دولياً تدعمه الولايات ‌المتحدة وألمانيا وبريطانيا وكندا وفرنسا، من ​بين ‌دول ⁠أخرى، سيتعقب ​جميع ⁠العناصر المتبقية من البرنامج ويدمرها تحت إشراف منظمة حظر الأسلحة الكيماوية.

وقال خبراء المنظمة إن هناك حاجة إلى تفتيش ما يصل إلى 100 موقع في سوريا لتحديد الذخائر السامة المتبقية وكيفية تدميرها.

وستتطلب عملية منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في منطقة تعج بالصراعات والاضطرابات السياسية وقتاً طويلاً وتكاليف باهظة. وقال مسؤولون إن اتساع الحرب ⁠الأميركية الإسرائيلية على إيران والمخاوف الأمنية الأوسع نطاقاً بالمنطقة ‌ستجعل تحديد توقيت للمهمة أمراً ‌صعباً لكنها ستصبح أكثر ضرورة لمنع استخدامها ​في المستقبل.

الحكومة تتعهد ‌بالسماح بتفتيش المواقع

أطيح بالأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024، ‌وتعهدت الحكومة الجديدة بقيادة الرئيس السوري أحمد الشرع بفتح صفحة جديدة والقضاء على الأسلحة الكيماوية المحظورة ومنح المفتشين حرية الوصول الكاملة إلى المواقع المراد دخولها.

وقال عُلبي إن هذه الخطوة تظهر أن سوريا تحولت من دولة ‌كانت تخفي استخدام الأسلحة الكيماوية في الماضي إلى دولة «تقود العزم» على التخلص منها.

وخلصت عدة تحقيقات دولية ⁠إلى أن ⁠نظام الأسد استخدم غاز الأعصاب السارين، وكذلك غاز الكلور وغاز الخردل، لكنها لم تكشف أبداً عن المدى الكامل لهذا البرنامج السري.

وقال عُلبي: «لا نعرف (تحديداً) ما الذي تبقى، فقد كان برنامجاً سرياً». وأضاف: «المهمة تقع على عاتق سوريا للبحث في هذه الأمور ثم إعلانها».

وقال مصدر دبلوماسي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لحساسية الأمر، إن المواقع المائة قد تشمل أماكن بدءاً من القواعد العسكرية ووصولاً إلى المختبرات أو المكاتب.

وأضاف المصدر: «من المحتمل أن يستغرق هذا الأمر شهوراً طويلة، إن لم يكن سنوات، لإنجازه. وقطعاً لا يساعد ​الوضع الحالي في الشرق الأوسط ​على المضي قدماً في عملية التدمير الفعلي لأي بقايا لبرنامج أسلحة الأسد الكيماوية».