رغم هزائمه الفادحة... «داعش» لا يزال ملهماً لعمليات إرهاب عالمية

مسؤولون أميركيون: خسارة الرقة والموصل لا تعني بالضرورة قرب نهايته

الهروب الكبير من الموصل بعد تدمير مسجد النوري  (نيويورك تايمز)
الهروب الكبير من الموصل بعد تدمير مسجد النوري (نيويورك تايمز)
TT

رغم هزائمه الفادحة... «داعش» لا يزال ملهماً لعمليات إرهاب عالمية

الهروب الكبير من الموصل بعد تدمير مسجد النوري  (نيويورك تايمز)
الهروب الكبير من الموصل بعد تدمير مسجد النوري (نيويورك تايمز)

منذ ثلاثة أعوام صعد رجل دين يتشح بالسواد يدعى أبو بكر البغدادي منبر أحد مساجد مدينة الموصل العراقية وخاطب العالم باعتباره زعيم دولة إرهابية جديدة.
وشكّل الإعلان عن الخلافة المزعومة نقطة الذروة لمقاتلي «داعش» المتطرفين. وساعدت أعمال العنف المروعة التي اقترفوها والآيديولوجية التدميرية التي يتبعوها في سيطرتهم على مساحات واسعة من الأراضي داخل سوريا والعراق، واجتذاب أعداد كبيرة من المقاتلين الأجانب وإنشاء إدارة تضم موظفين بيروقراطيين ومحاكم وآبار بترول.
داخل سوريا، حاصرت ميليشيات مدعومة من الولايات المتحدة الرقة، عاصمة «داعش»، بينما عبر الحدود سيطرت القوات العراقية على أطلال مسجد الموصل الذي ظهر به البغدادي وحاصروا الأعداد المتبقية من المتطرفين الآخذة في الانكماش داخل المدينة.
ومع ذلك، فإن خسارة المدينتين الكبريين للتنظيم لا يعني بالضرورة قرب نهايته، تبعاً لما أفاد به محللون ومسؤولون أميركيون وشرق أوسطيون. الملاحظ أن التنظيم عاد بالفعل إلى جذوره جماعةً متمردةً، لكنها تتميز في الوقت ذاته بنفوذ عالمي وآيديولوجية لا تزال تجتذب أنصاراً وتحرض على هجمات بمختلف أرجاء العالم.
في هذا الصدد، قال حسن حسن، الزميل البارز لدى معهد التحرير لسياسات الشرق الأوسط في واشنطن، الذي شارك في تأليف كتاب حول التنظيم: «من الواضح أن تلك تمثل ضربات موجعة لـ(داعش)، لأنها تعني نهاية مشروع التنظيم لبناء دولة، فلم تعد هناك (خلافة)، الأمر الذي سيقلص بدوره الدعم الذي يحظى به التنظيم وأعداد المجندين الجدد بصفوفه.ومع ذلك، فإن «داعش» اليوم يعدّ تنظيماً دولياً، ولا يزال يملك قيادة وقدرة على النمو.
الملاحظ أن «داعش» نجح في التفوق على التنظيمات السابقة له مثل «القاعدة» من خلال عدم قصره اهتمامه على السيطرة على مناطق فحسب، وإنما أيضاً إدارة مدن على امتداد فترات ممتدة، الأمر الذي أكسبه مصداقية على الصعيد العسكري وسمح له ببناء تنظيم معقد.
وعليه، فإنه في الوقت الذي ترتخي فيه قبضته الفعلية، فإن كوادره الباقية على قيد الحياة - من أصحاب الرتب الوسطى وفنيي الأسلحة والمعنيين بجهود الدعاية وعملاء آخرين - سيعمدون إلى استثمار خبرتهم في عمليات مستقبلية لحساب التنظيم.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه سيطرة التنظيم على مراكز حضرية محورية، فإن هذا لم يجعل من «داعش» تنظيماً بلا مأوى، ذلك أنه داخل العراق لا يزال التنظيم يسيطر على تلعفر والحويجة وعدد من المدن الأخرى داخل محافظة الأنبار.
وفي سوريا، فرّ غالبية كبار عملاء التنظيم من الرقة على مدار الشهور الست الأخيرة إلى مدن أخرى لا تزال تحت سيطرة «داعش» داخل وادي نهر الفرات، تبعاً لما ذكره مسؤولون أميركيون وغربيون معنيون بمكافحة الإرهاب بناءً على معلومات استخبارية اطلعوا عليها.
وقد عاود كثيرون التمركز داخل الميادين، مدينة تقع على بعد 110 ميلاً جنوب شرقي الرقة قرب منشآت نفطية وخطوط أنابيب في الصحراء المحيطة.
وحمل هؤلاء معهم أهم مهام التجنيد والتمويل والدعاية والعمليات الخارجية التابعة للتنظيم، حسبما ذكر مسؤولون أميركيون.
وجرى نقل قيادات أخرى من الرقة عبر شبكة موثوق بها من المعاونين من خلال سلسلة من المدن من دير الزور إلى أبو كمال.
وكانت القوات الأميركية قد استهدفت هذه المنطقة بكثافة عبر طائرات «ريبر» المسلحة دون طيار، وأخرى قتالية، ما ألحق أضراراً بسلسلة قيادة التنظيم وقدرته على تنفيذ هجمات.
ومع هذا، فإنه لا يزال من الممكن استمرار معركة الرقة لشهور مقبلة.
بوجه عام، يمكن وصف ما يجري حالياً بأنه فصل جديد في تاريخ تنظيم يضرب بجذوره في فترة الغزو الأميركي للعراق عام 2003. الملاحَظ أن المسلحين السنّة قاتلوا في ظل أسماء وقيادات متنوعة تطورت حتى وصلت إلى «داعش» الذي قتل الكثير من العراقيين والأميركيين قبل أن يتمكن مقاتلون قبليون سنة تولت واشنطن تمويلهم سحقهم، ودفع الباقين منهم على قيد الحياة نحو الاختباء بحلول وقت انسحاب الولايات المتحدة من العراق عام 2011.
إلا أن الصراعات الجديدة أمدَّت التنظيم بفرص جديدة، فبعد اندلاع الحرب الأهلية في سوريا عام 2011، بعث التنظيم عملاءً له لبناء القوة التي سيطرت لاحقاً على شرق البلاد، بما في ذلك الرقة، التي أصبحت العاصمة الإدارية للتنظيم.
بعد ذلك، عاود التنظيم توجيه أنظاره نحو العراق، وسيطر على الموصل عام 2014، حيث أوضح البغدادي ما يميز أتباعه عن «القاعدة»: «إنهم ليسوا متمردين فحسب، وإنما أيضاً ساعون لبناء دولة تجسد آيديولوجيتهم المتطرفة».
اليوم، يشير مسؤولون أميركيون بمجالي الاستخبارات ومكافحة الإرهاب إلى أن أكثر عن 60 ألف مقاتل لقوا حتفهم منذ يونيو 2014، بما في ذلك كثير من قيادات التنظيم، وأن الأخير فقد قرابة ثلثي الأراضي التي سبق أن سيطر عليها في ذروة تمدده.
في الوقت ذاته، يقر هؤلاء المسؤولون، بما في ذلك لفتنانت جنرال مايكل كيه. ناغاتا، أحد كبار قوات العمليات الخاصة الأميركية، أن «داعش» لا يزال محتفظاً بجزء كبير من قدرته على إلهام وتمكين وتوجيه هجمات إرهابية.
وخلال مقابلة أُجرِيَت معه أخيراً من قبل مركز مكافحة الإرهاب في ويست بوينت، قال جنرال ناغاتا: «عندما أفكر في حجم الخسائر التي كبدناهم إياها، ومع ذلك نجد أنهم لا يزالون قادرين على العمل رغم ذلك وتنفيذ هجمات، مثل تلك الأخيرة التي عايناها على الساحة الدولية، أجد نفسي مدفوعاً نحو نتيجة مفادها أننا لا نعلم بعد على وجه اليقين حجم وقوة هذا التنظيم».
من ناحية أخرى، تكشف الأرقام أن «داعش» نفذ نحو 1500 هجوم داخل 16 مدينة بمختلف أرجاء العراق وسوريا بعد تحريرهم من سيطرة التنظيم، ما يكشف ارتداد التنظيم إلى جذوره المتمردة ويسلط الضوء على تهديدات أمنية على المدى البعيد، تبعاً لدراسة نشرها مركز «ويست بوينت». دولياً، تمكن التنظيم من تعويض خسائره في الداخل جزئياً من خلال تشجيع العناصر الموالية له بالخارج - في ليبيا ومصر واليمن وأفغانستان ونيجيريا والفلبين - وتنشيط عملائه بدول أخرى. ومن المعتقد أنه خلال الفترة بين أواخر 2014 ومنتصف 2016، جرى تهريب ما بين 100 و250 مقاتلاً أجنبياً يتبعون فكر «داعش» إلى داخل أوروبا، عبروا جميعاً تقريباً عبر الأراضي التركية، حسبما أفاد به مسؤولون استخباراتيون أوروبيون.
ومع هذا، فإن هؤلاء ربما لا يشكلون التهديد الأكبر أمام السلطات الأوروبية طالما ظلت آيديولوجية «داعش» تحفز هجمات بالخارج.
تجدر الإشارة إلى أن دراسة أصدرها أخيراً برنامج مكافحة التطرق التابع لجامعة جورج واشنطن والمركز الدولي لمكافحة الإرهاب، تفحصت 51 هجوماً ناجحاً في أوروبا وأميركا الشمالية ما بين يونيو 2014، في أعقاب إعلان الخلافة، ويونيو 2017، خلصت إلى أن 18 في المائة فقط من بين إجمالي 65 مهاجماً سبق لهم القتال داخل العراق أو سوريا.

* خدمة «نيويورك تايمز»



مؤتمر عربي بالقاهرة يبحث تداعيات الحرب الإيرانية على سوق العمل

مؤتمر العمل العربي يبحث تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق المنطقة (وزارة العمل المصرية)
مؤتمر العمل العربي يبحث تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق المنطقة (وزارة العمل المصرية)
TT

مؤتمر عربي بالقاهرة يبحث تداعيات الحرب الإيرانية على سوق العمل

مؤتمر العمل العربي يبحث تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق المنطقة (وزارة العمل المصرية)
مؤتمر العمل العربي يبحث تداعيات الحرب الإيرانية على أسواق المنطقة (وزارة العمل المصرية)

انطلقت في القاهرة، الأحد، الدورة الثانية والخمسون لمؤتمر «العمل العربي»، بحضور 21 دولة، على أن تبحث ضمن فعالياتها تداعيات الحرب الإيرانية على سوق العمل بالمنطقة.

وخلال الجلسة الافتتاحية للمؤتمر، الذي يستمر حتى 20 سبتمبر (أيلول) الحالي، ناقش الحضور تقريراً لمجلس إدارة «منظمة العمل العربية»، حول تداعيات الحرب الإيرانية على المنطقة العربية وتأثيرها في منظمة العمل العربية وسوق العمل.

وبحسب بيان لوزارة العمل المصرية، أعدت «منظمة العمل العربية» دراسات معمقة تناولت «دور الحوار الاجتماعي في الحد من تداعيات الحرب الإقليمية على المنطقة العربية، والسلامة والصحة المهنية والدعم النفسي والاجتماعي للعاملين في القطاعات الحيوية خلال الأزمات»، و«الاستجابة المؤسسية لتداعيات الحرب الإقليمية في المنطقة العربية، وأثر تعطل سلاسل الإمداد الإقليمية على الاقتصادات العربية، وتداعيات الحرب الإقليمية الراهنة على أسواق العمل العربية».

وزير العمل المصري حسن رداد خلال كلمته بالجلسة الافتتاحية (وزارة العمل المصرية)

وقال وزير العمل المصري، رئيس مجلس إدارة «منظمة العمل العربية» حسن رداد، في كلمته أمام الجلسة الافتتاحية، إن المؤتمر يأتي بمشاركة أطراف الإنتاج الثلاثة (وزارات عمل ومنظمات أصحاب الأعمال والعمال) من 21 دولة عربية بحضور وزراء عمل ورؤساء وفود من ممثلي أصحاب الأعمال والعمال، إلى جانب ممثلي المنظمات والاتحادات العربية والإقليمية والدولية، مشيراً إلى «دعم مصر لكل جهد عربي مشترك يستهدف تحقيق التنمية، وتوفير فرص العمل للشباب، وحماية العمال».

وفي رأي الخبير الاقتصادي الدكتور وائل النحاس، فإن تأثيرات الحرب الإيرانية في سوق العمل بالمنطقة تشكل تحدياً كبيراً لجميع الدول، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «الحرب والتوترات الإقليمية أدت إلى انكماش اقتصاديات الكثير من دول المنطقة، وهو ما سيؤثر سلباً في سوق العمل مستقبلاً أكثر من التأثيرات الحالية، حيث سيقل الطلب تدريجياً على استقدام العمالة الوافدة لبعض الدول نتيجة تأثرها اقتصادياً، وقد تكتفي هذه الدول بالمهن التي لا يمكن لمواطنيها العمل فيها، أو لا تتوافر كثيراً في البلد».

وأكد النحاس أن أكثر القطاعات تأثراً بالحرب الإيرانية فيما يتعلق بسوق العمل هي «النقل وسلاسل الإمداد والتوريد التي تأثرت مباشرة بالتوترات، وقطاع الزراعة بسبب تراجع حجم كميات الأسمدة التي يتم استيرادها تأثراً بتوترات سلاسل الإمداد».

ويناقش المؤتمر عدداً من الملفات الرئيسية المرتبطة بمستقبل العمل والتنمية في المنطقة العربية، وفي مقدمتها النمو الاقتصادي المستدام والتنمية الاجتماعية الشاملة والعادلة، والتغيرات المناخية وتأثيراتها في بيئة العمل، وسبل تعزيز السلامة والصحة المهنية، والقدرة على التكيف مع المخاطر المناخية.

وبحسب وزارة العمل المصرية، يتناول المؤتمر أيضاً ملف المؤسسات الناشئة وفرصها الواعدة في ظل التحول الرقمي، وما تتيحه من آفاق جديدة لريادة الأعمال، وتوليد فرص العمل، إلى جانب تنمية المهارات ومواءمتها مع احتياجات أسواق العمل.

ويعتقد النحاس أن «استمرار الحرب سيؤدي إلى ارتفاع معدلات البطالة في كثير من دول المنطقة، كما ستتأثر قطاعات أكثر من غيرها، مثل السياحة والطيران، وأنشطة المطاعم والفنادق، وعمال قطاعات المشتقات البترولية، وقد تحتاج هذه إلى أكثر من عامين للتعافي بعد انتهاء الحرب، وأيضاً ستتأثر العمالة المصرية الموجودة في دول الخليج».

يشارك في مؤتمر «العمل العربي» 21 دولة (وزارة العمل المصرية)

ويبحث المؤتمر على مدار الأيام المقبلة «سبل تعزيز التعاون العربي في مجالات العمل والتشغيل، وتبادل الخبرات والتجارب الناجحة بين الدول العربية، بما يسهم في تطوير سياسات العمل، ورفع كفاءة القوى العاملة، وتحسين بيئات العمل، ودعم قدرة الاقتصادات العربية على خلق فرص عمل لائقة ومستدامة، بما يتواكب مع متطلبات المستقبل».

وتطرق الأمين العام لـ«اتحاد المستثمرين العرب» مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير جمال بيومي إلى جانب آخر من تأثر سوق العمل في المنطقة بالتوترات الإقليمية، مؤكداً أن «التأثيرات تتجاوز الحرب الإيرانية»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تأثر سوق العمل بدأ قبل الحرب الإيرانية، حيث وضح تأثير الحرب الروسية الأوكرانية، وحرب غزة، والحرب في السودان، واليمن، وجميع التوترات التي تعيشها المنطقة».

وبحسب بيومي، فإن «التأثيرات طالت معظم دول المنطقة، وبدأت ملامح تقلص سوق العمل في كثير من القطاعات، وهو ما يزيد مخاوف أن تضطر كثير من الدول بالمنطقة إلى الاستغناء عن جزء كبير من العمالة الوافدة نتيجة تراجع أو تقلص الاستثمارات الجديدة، وتأثر اقتصادها».


قوات طارق صالح تتهم «الحرس الثوري» بإدارة الهجوم على الساحل الغربي اليمني

قوات من الحكومة اليمنية تطلق النار على الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)
قوات من الحكومة اليمنية تطلق النار على الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)
TT

قوات طارق صالح تتهم «الحرس الثوري» بإدارة الهجوم على الساحل الغربي اليمني

قوات من الحكومة اليمنية تطلق النار على الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)
قوات من الحكومة اليمنية تطلق النار على الحوثيين غرب تعز (أ.ف.ب)

في أول بيان لها منذ خسارة مواقع واسعة في الساحل الغربي اليمني، كشفت «المقاومة الوطنية» الحكومية عن تكلفة المعارك التي خاضتها مع الحوثيين على مدى شهر، واتهمت إيران، عبر «الحرس الثوري» وحلفائه في المنطقة، بالإسناد المباشر وإدارة الهجوم الذي انتهى بسيطرة الجماعة على مواقع ومناطق واسعة على امتداد الساحل.

وأعلنت قوات «المقاومة الوطنية»، التي يقودها عضو «مجلس القيادة الرئاسي» اليمني طارق صالح، عن مقتل أكثر من 500 من عناصرها وإصابة نحو 1500 آخرين، مقابل أكثر من 1000 قتيل وآلاف الجرحى في صفوف الحوثيين، وفق ما أورده بيانها عن المعارك التي امتدت من 9 أغسطس (آب) إلى 10 سبتمبر (أيلول).

ويأتي البيان الذي بثّه إعلام القوات العسكرية عقب تحول ميداني كبير شهدته جبهات الساحل الغربي، مع تقدم الحوثيين وسيطرتهم على حيس والخوخة والمخا ومينائها، وامتداد سيطرتهم إلى باب المندب وجزيرة ميون وبقية الجزر اليمنية في جنوب البحر الأحمر.

عنصر حوثي يحمل قذيفة صاروخية خلال حشد تعبوي في صنعاء (أ.ف.ب)

ووصفت قوات «المقاومة الوطنية» المعارك بأنها واحدة من «أشرس المعارك» التي خاضتها ضد الحوثيين، وقالت إن الهجوم بدأ بقصف صاروخي مكثف وهجمات بالطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة، قبل أن يتوسع على محاور حيس والكدحة ومقبنة والبرح.

وأضافت أن الحوثيين دفعوا بأعداد كبيرة من المقاتلين والتعزيزات من محاور مختلفة، في محاولة لتغيير موازين القوى على الأرض ومحاصرة القوات المدافعة، في حين واجهت الهجوم «ألوية حراس الجمهورية» و«الألوية التهامية» التابعة لـ«المقاومة الوطنية».

وحسب البيان، أسفرت المواجهات عن مقتل أكثر من 500 من أفراد المقاومة، وإصابة نحو 1500، في حين تكبّد الحوثيون أكثر من 1000 قتيل وآلاف الجرحى. ولم يورد البيان تفاصيل مستقلة بشأن الخسائر التي أعلنها في صفوف الجماعة.

دور «الحرس الثوري»

وربطت قوات «المقاومة الوطنية» اليمنية في الساحل الغربي بين طبيعة الهجوم وقدرة الحوثيين على حشد القوات وتنفيذ عمليات متزامنة، وبين ما وصفته بإسناد مباشر من عناصر وخبرات «الحرس الثوري الإيراني» وحلفائه في المنطقة.

وقالت إن الهجوم أُعد مسبقاً لاستغلال طبيعة التضاريس والسيطرة النارية على عدد من المرتفعات الحاكمة، ومحاولة إطباق الحصار على القوات وتدمير قدرتها القتالية.

وعدّت أن مجريات المعارك كشفت، حسب تقديرها، عن طبيعة الدور الإيراني في دعم الحوثيين، متهمة الجماعة بتنفيذ مشروع يستهدف الأمن القومي العربي والممرات المائية الدولية.

دخان يتصاعد خلال معارك بين القوات الحكومية اليمنية والحوثيين (رويترز)

وأمام كثافة الهجوم وتتابع التعزيزات، قالت «المقاومة الوطنية» إن قيادتها قررت إعادة تمركز القوات في خطوط دفاعية جديدة، بهدف الحفاظ على «القوة الضاربة» وإفشال مخطط تطويقها وتدميرها.

ويعد الإعلان عن إعادة التموضع أبرز ما يكشفه البيان بشأن التعامل العسكري مع التطورات الأخيرة، إذ لم تقدم المقاومة الخطوة باعتبارها نهاية للمواجهة، وإنما بوصفها إجراءً للحفاظ على القوات، وإعادة ترتيب انتشارها بعد فقدان مواقع واسعة.

وأشاد البيان بالدعم السعودي، الذي قال إنه استمر حتى «آخر لحظة»، إلى جانب مشاركة وإسناد «ألوية العمالقة» و«درع الوطن» ومتطوعي القبائل، معتبراً ذلك تجسيداً لوحدة القوى المناهضة للحوثيين.

إعادة ترتيب

وأشار البيان إلى أن طارق صالح تابع تفاصيل المعركة وسير العمليات من مقر القيادة، رغم تعرض المقر للقصف، وفق ما ورد فيه.

ورأت «المقاومة الوطنية» أن ما حدث يؤكد الحاجة إلى تكامل الجبهات المناهضة للحوثيين وتحريكها بصورة متزامنة، بدلاً من الاعتماد على قطاع عسكري واحد، بهدف استعادة المبادرة وفرض واقع عسكري جديد.

تشكيلات القوات الحكومية اليمنية خاضت معارك ضارية ضد الحوثيين قبل خسارة الساحل الغربي (أ.ف.ب)

وفي محاولة لتجنب تحميل أطراف يمنية مسؤولية الخسارة، أكد البيان أن المقاومة ليست في وارد «تخوين أحد» أو الدخول في «تصفية حسابات أو مزايدات سياسية»، داعياً إلى قراءة التطورات بصورة موضوعية، واستخلاص الدروس، وإعادة ترتيب الأوراق للمرحلة المقبلة.

وأكدت المقاومة الوطنية استمرارها ضمن القوات المسلحة في مواجهة الحوثيين، مشددة على أن خسارة معركة «ليست نهاية المطاف»، وأنها ستواصل القتال مع بقية القوى المناهضة للجماعة.


القيادة اليمنية تتجه لتجاوز صدمة خسارة الساحل الغربي

نازح يمني في غرب تعز أقام مأوى له بين الأشجار بعد هروبه من تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
نازح يمني في غرب تعز أقام مأوى له بين الأشجار بعد هروبه من تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
TT

القيادة اليمنية تتجه لتجاوز صدمة خسارة الساحل الغربي

نازح يمني في غرب تعز أقام مأوى له بين الأشجار بعد هروبه من تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)
نازح يمني في غرب تعز أقام مأوى له بين الأشجار بعد هروبه من تصعيد الحوثيين (أ.ف.ب)

تتجه القيادة اليمنية إلى التعامل مع الخسارة التي لحقت بالقوات الحكومية في الساحل الغربي باعتبارها انتكاسة ميدانية مؤلمة، لكنها لا ينبغي أن تتحول إلى نقطة فاصلة في مسار المواجهة مع الجماعة الحوثية، في وقت تسعى فيه الحكومة ومجلس القيادة الرئاسي إلى إعادة ترتيب القوات واستعادة زمام المبادرة، بالتوازي مع احتواء التداعيات الإنسانية للنزوح وتأكيد استمرار مؤسسات الدولة في أداء وظائفها.

وفي أحدث تعبير عن هذا التوجه، قال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني ومحافظ مأرب، سلطان العرادة، إن ما حدث في الساحل «مؤلم ومؤسف»، لكنه يندرج، وفق وصفه، ضمن طبيعة الحروب التي تشهد الكر والفر والتقدم والتراجع، مؤكداً أن الواقعة لن تحرف البوصلة عن الهدف الرئيسي. وأضاف في تصريحات نقلها الإعلام الحكومي أن القوات التي انسحبت من الساحل تعيد ترتيب صفوفها، وأنها ستعود إلى المعركة «بشكل أو بآخر».

وكانت التطورات الميدانية الأخيرة في الساحل الغربي قد فرضت على القوات الحكومية إعادة الانتشار بعد خسارتها مواقع ومناطق كانت تمثل جزءاً من نطاق انتشارها هناك، في ظل تصعيد واسع للحوثيين. وأدت التطورات إلى موجات نزوح جديدة، فيما انتقلت أعداد من العسكريين إلى مأرب، حيث قال العرادة إن السلطات أعدت معسكراً لهم، واتخذت ترتيبات لاستقبال النازحين وتأمين احتياجاتهم.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني سلطان العرادة (إعلام حكومي)

وتكشف تصريحات العرَّادة أن القيادة اليمنية تحاول نقل التعامل مع خسارة الساحل من خانة الصدمة الميدانية إلى مسار إعادة التنظيم واستعادة القدرة على القتال. وهو توجه يتقاطع مع ما طرحه رئيس الوزراء شائع الزنداني خلال اجتماع مجلس الوزراء في عدن، حين شدد على أن التطورات الصعبة التي شهدتها الأيام الماضية لا ينبغي فهمها باعتبارها نهاية للمواجهة أو حسماً لمسارها.

وقال الزنداني إن المعارك لا تقاس بنتيجة يوم أو تغير في موقع، وإنما بقدرة الدولة على إعادة تنظيم جهودها وحشد مواردها ودعم قواتها والحفاظ على تماسك مؤسساتها واستعادة زمام المبادرة.

إعادة بناء القدرة العسكرية

يبدو أن أولوية القيادة اليمنية في المرحلة المقبلة تتمثل في إعادة ترتيب القوات التي انسحبت من الساحل وإدماجها مجدداً في مسار العمليات، مع رفع مستوى الإسناد الحكومي للقوات المسلحة والأمن. وأكد مجلس الوزراء أنه استمع إلى تقرير وزير الدفاع بشأن الأوضاع العسكرية في مختلف الجبهات، ومستوى الجاهزية والاحتياجات العملياتية، مشدداً على ضرورة تعزيز قدرة القوات على مواجهة التصعيد واستعادة زمام المبادرة.

وفي مأرب، أكَّد العرادة أن قوات المحافظة لا تفكر إلا في الانتصار ومساندة مختلف الجبهات، مشيراً إلى أن الهدف النهائي للجبهات، في مأرب وغيرها، يظل استعادة العاصمة صنعاء. وربط ذلك بما وصفه بالإرادة الشعبية، مؤكداً أن القوات والقيادات الموجودة في الميدان تتحمل مسؤولية تاريخية في الدفاع عن الدولة والكرامة الوطنية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني عثمان مجلي يزور جبهات صعدة شمالاً (إعلام حكومي)

وفي اتجاه آخر، حاولت القيادة السياسية إرسال رسائل إلى الجبهات الشمالية والغربية لتأكيد أن إعادة الانتشار لا تعني التخلي عن المواجهة. فقد زار عضو مجلس القيادة الرئاسي الشيخ عثمان مجلي قوات الفرقة الرابعة طوارئ في كتاف البقع بمحافظة صعدة، واطلع على جاهزيتها وانتشارها ومهامها الميدانية، بينما أكد القادة هناك استمرار الاستعداد لمواجهة الحوثيين.

وفي تعز، شدد وكيلا المحافظة لشؤون الدفاع والأمن والتنمية، خلال زيارة إلى صبر الموادم، على ضرورة رفع مستوى الاستعداد والحشد ورفد الجبهات، في إشارة إلى أن القيادة المحلية تسعى إلى الحفاظ على تماسك الجبهة الداخلية وعدم السماح للتطورات الأخيرة في الساحل بإضعاف المساندة الشعبية للقوات.

احتواء التداعيات الإنسانية

لا تقتصر محاولة تجاوز الخسارة على الجانب العسكري، إذ تواجه الحكومة اليمنية تداعيات إنسانية مباشرة نتيجة موجات النزوح من مناطق المواجهات. وأكد مجلس الوزراء أن حماية المدنيين والنازحين تمثل مسؤولية وطنية وإنسانية عاجلة، موجهاً الجهات الحكومية بحصر الاحتياجات وأعداد النازحين وتوفير المأوى والغذاء والمياه والرعاية الصحية والاحتياجات الأساسية.

وتحظى مأرب بموقع رئيسي في هذه الاستجابة، إذ قال العرادة إن القادمين من الساحل سيجدون في المحافظة بيئتهم وأهلهم، مؤكداً أن أبناء مأرب سيقفون إلى جانبهم باعتبارهم متساوين في الحقوق والواجبات. كما أشاد مجلس الوزراء بجهود السلطة المحلية في عدن في استقبال الأسر النازحة والتعامل مع تداعيات التصعيد.

قرويون في غرب اليمن يفرون رفقة أغنامهم جراء التصعيد الحوثي العسكري (أ.ف.ب)

وتسعى الحكومة، في الوقت نفسه، إلى منع التطورات العسكرية من التحول إلى اضطراب أوسع في مناطق سيطرتها. وقال الزنداني إن الحكومة تدير المرحلة من العاصمة المؤقتة عدن، وتتابع التطورات وتحدد الأولويات وتتخذ القرارات وفقاً لتطورات الميدان، مؤكداً أن التصعيد، على خطورته، لن يتحول إلى إرباك في عمل الدولة أو فراغ تستغله الجماعة الحوثية.

من السلام إلى استعادة الدولة

سياسياً، تمثل تصريحات العرادة إعلاناً أكثر وضوحاً عن انتقال القيادة اليمنية من أولوية مسار السلام الذي تبنته منذ عام 2022 إلى أولوية استعادة الدولة، بعد أن اعتبر أن الحوثيين أوصلوا مسار السلام إلى طريق مسدود وأعادوا فرض خيار الحرب.

وقال إن مجلس القيادة والحكومة قدما خلال السنوات الماضية تنازلات كبيرة سعياً إلى إنهاء الحرب وحقن الدماء، بدعم من السعودية وسلطنة عمان والأمم المتحدة ودول أخرى، لكن الحوثيين، بحسب روايته، رفضوا جهود السلام وأعادوا البلاد إلى مربع الحرب.

وتتزامن هذه المقاربة مع تأكيد حكومي على أن التصعيد الحوثي يتجاوز الساحة اليمنية، ويرتبط، وفق موقف الحكومة، بأجندة إيرانية تستخدم الموقع الاستراتيجي لليمن لتهديد أمن المنطقة والملاحة الدولية.

جانب من أحدث اجتماع للحكومة اليمنية في العاصمة المؤقتة عدن (إعلام حكومي)

كما ناقش مجلس الوزراء اليمني تداعيات التصعيد على الساحل الغربي وباب المندب وحركة التجارة الدولية، محذراً من مخاطر تهديد السفن وخطوط الإمداد.

وكانت الجماعة الحوثية شنَّت هجوماً عسكرياً برياً واسعاً بين 3 و11 سبتمبر (أيلول) الحالي بواسطة أنساق ضخمة من القوات البرية بالتزامن مع المسيَّرات والصواريخ على جبهات الساحل الغربي اليمني، وهو ما أدى إلى سيطرة الجماعة على حيس والخوخة والمخا وصولاً إلى باب المندب والجزر اليمنية في جنوب البحر الأحمر.