مصريون يتغلبون على ارتفاع الأسعار بـ«التقسيط»

حتى الأغنياء لجأوا إليه لتلبية حاجاتهم منذ بدء برنامج الإصلاح الاقتصادي

بائع فواكه يسير بعربته في أحد اسواق القاهرة (رويترز)
بائع فواكه يسير بعربته في أحد اسواق القاهرة (رويترز)
TT

مصريون يتغلبون على ارتفاع الأسعار بـ«التقسيط»

بائع فواكه يسير بعربته في أحد اسواق القاهرة (رويترز)
بائع فواكه يسير بعربته في أحد اسواق القاهرة (رويترز)

غيرت ارتفاعات الأسعار الجنونية في مصر خطط كثير من الشباب؛ خصوصاً المقبلين منهم على الزواج، الذين يمثلون النسبة الكبرى في فئة السكان، في بلد يتخطى تعداده السكاني 92 مليون نسمة، وذلك لزيادة التكاليف الرئيسية في هذا المشروع الذي يصفونه في القاهرة بأنه «نُص الدين».
«ممكن أدفعهم مقدمة وأشتري كل الأجهزة وأقسط الباقي... هو دا الحل الوحيد علشان أعرف أكمل الجواز». بعين تكاد تدمع وحسرة توضحها نبرات صوته، يحاول رامي كميل المقبل على الزواج خلال أشهر، أن يجد مخرج لأزمته بعد ارتفاعات متتالية في الأسعار، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي طبقته القاهرة منذ 2014.
إلا أن كميل، انتقد البرنامج الإصلاحي بوضوح، ويقول إنه «عطّل آلاف مشاريع الزواج للشباب المصري... وإذا كان أي برنامج إصلاحي لا يراعي الأغلبية (يقصد الشباب) في المجتمع، فإنه من المؤكد برنامج فاشل».
وتحاول الدولة توفير وحدات إسكان اجتماعي بأسعار مدعمة تصل إلى 180 ألف جنيه لوحدة مساحتها 90 متراً، وهذه الأسعار تعد جيدة مقارنة بأسعار السوق. لكن الحكومة تعتزم زيادتها بعد الارتفاعات الأخيرة.
ورفعت الحكومة المصرية في 29 يونيو (حزيران) الماضي، أسعار الوقود بنسب تصل إلى مائة في المائة في بعض المنتجات في إطار خطتها لإعادة هيكلة دعم المواد البترولية.
وهذه هي المرة الثانية التي ترفع فيها الحكومة أسعار الوقود خلال 8 أشهر بعدما رفعتها في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، بنسب تراوحت بين 30 و47 في المائة في إطار خطة لإلغاء الدعم بحلول 2018 – 2019، وفقا لبرنامج متفق عليه مع صندوق النقد الدولي تحصل بموجبه القاهرة على قرض قيمته الإجمالية 12 مليار دولار.
وشملت الزيادات أيضاً أسعار بيع الغاز الطبيعي المضغوط إلى المنازل لترتفع بنسب تراوحت بين 12.5 في المائة و33 في المائة، كما رفعت سعر السولار نحو 55 في المائة للتر، بالإضافة إلى ارتفاع أسعار الكهرباء بنسب تصل إلى 40 في المائة.
وتقول الحكومة المصرية إن رفع الدعم سيوفر آلاف فرص العمل والمشاريع، فضلاً عن تحسين مستوى المعيشة. إلا أن رامي كميل، الشاب المصري الذي يبلغ من العمر 32 عاماً، ومن مثله، لهم آراء معارضة للحكومة يبررها وضعهم الاقتصادي الصعب، وبناء عليه يقول كميل: «البرنامج الإصلاحي الاقتصادي يقف عائقاً أمام تحقيق أحلامي ومسيرة حياتي الطبيعية».
ومن كان يدخر 10 آلاف جنيه للزواج في مصر، لشراء السلع الاستهلاكية (ثلاجة وبوتاجاز وسخان وتلفزيون وغسالة)، فعليه دفع هذا المبلغ في واحد أو اثنين فقط من هذه الأجهزة، وهو ما فتح الطريق إلى «التقسيط»؛ أي دفع مقدم وباقي المبلغ يتم دفعه على عدد أشهر متفق عليه بنسبة فائدة محددة.
ونظام التقسيط معروف ومتداول بين المصريين منذ زمن بعيد، على نطاق ضيق، إلا أن ارتفاعات الأسعار بشكل جنوني، مع عدم إعادة النظر في الحد الأدنى للأجور، أدى إلى انتشاره على نطاق واسع وبين مختلف فئات المصريين.
وانفعل الرئيس عبد الفتاح السيسي على نائب في مجلس النواب، في آخر شهر مايو (أيار) الماضي عندما طلب منه الأخير رفع الحد الأدنى للأجور أو تأجيل زيادة الأسعار قليلاً. فقال له: «انت مين؟... انت دارس الموضوع اللي بتتكلم فيه... انت عايز دولة تقوم ولا تفضل ميتة» بتهجم وغضب شديدين أسكتا النائب عن الحديث. وتتخطى نسبة الفقر في مصر 30 في المائة، بحسب آخر إحصائية رسمية في عام 2015؛ أي قبل الارتفاعات المتتالية في الأسعار، مع حالة ركود في الأسواق.
وبلغ التضخم السنوي الأساسي، الذي لا يتضمن سلعا مثل الفاكهة والخضراوات بسبب التقلبات الحادة في أسعارها، 30.57 في المائة في مايو الماضي انخفاضا من 32.06 في المائة في أبريل (نيسان) الماضي، وسط توقعات رسمية بارتفاع معدل التضخم بنحو 3 - 4.5 في المائة وفقاً لتقديرات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء.
ورفع البنك المركزي المصري يوم الخميس أسعار الفائدة 200 نقطة أساس، لتصبح 18.75 في المائة على الإيداع و19.75 في المائة على الإقراض، وهو ما يزيد الضغوط على مناخ الاستثمار ومجتمع الأعمال، ويضر الفئة الأكبر من الشباب نظراً لتأثر الشركات والمصانع سلباً بهذه الإجراءات، بينما يبرر «المركزي» تحركه بمحاولة كبح التضخم.
وأقرت الحكومة حزمة تشريعات للضمان الاجتماعي تستهدف تقليل الضغوط على محدودي الدخل، كان أبرزها زيادة الدعم المخصص لبطاقات التموين بنسبة تتعدى 100 في المائة، وصرف علاوة غلاء استثنائية للعاملين بالدولة من غير المخاطبين بقانون الخدمة المدنية، بنسبة 10 في المائة من الأجر الأساسي. وزيادة المعاشات بنسبة 15 في المائة.
وخلال استقصاء لـ«الشرق الأوسط» في قطاع التجزئة المصري، اتفقت معظم الشركات على وجود حالة شبة ركود في السوق، خصوصا بعد زيادة الأسعار الأخيرة، مما زاد التعامل بنظام «التقسيط».
محمد خطاب، مدير المشروعات الاستراتيجية في «بي تك»، إحدى كبرى الشركات العاملة في قطاع التجزئة بنظام التقسيط في مصر، قال إن «أكثر من نصف مليون عميل في قاعدة بيانات الشركة يتعاملون بنظام التقسيط لدينا»، وبالدراسة «وجدنا أن مَن منهم في سن الشباب يستحوذون على النسبة الأكبر في الإقبال على نظام التقسيط... الأمر الذي جعلنا نطور نظام تقسيط إلكترونياً».
وأوضح خطاب أن «نسبة نمو نظام التقسيط الإلكتروني بلغت 30 في المائة شهرياً» وذلك منذ إنشائه في يوليو (تموز) العام الماضي، مما يوضح أن حجم الإقبال على التقسيط من الشباب، باعتبار أن غالبية المتعاملين، إن لم يكن جميعهم، من فئة الشباب، ينمو سنوياً بنسبة تصل إلى 360 في المائة. وبجانب التقسيط، ابتكرت شركة «إلكترولكس مصر»، نظام «باندل» الذي يتيح للشباب الحصول على سلع مجانبة عند شرائه سلعة استهلاكية محددة، وذلك للتغلب على الركود في قطاع التجزئة.
وحول المحافظات أو المدن الأكثر تعاملاً بنظام التقسيط، فاجأنا خطاب بوجود مدن وأحياء تصنّف بأنها «راقية»؛ إذ تمثل الفئة الغالبة من سكانها رجال أعمال ومشاهير ووزراء سابقين، مثل القاهرة الجديدة، التي تتضمن حي التجمع الخامس ذا الفيلات والشقق الفاخرة، شرق العاصمة، قائلاً: «دخلت مؤخراً نظام التقسيط».
وتابع خطاب: «الفئات العالية (الأغنياء) بدأوا التقسيط بعد زيادة الأسعار وثباتها على العالي (بعد استقرار الدولار نسبيا)... لكن عند تذبذب الأسعار يفضلون الكاش، نظراً لتخوفاتهم من ارتفاعات لاحقة».
وتتأرجح قيمة الجنيه حالياً بين 18 جنيها للدولار الواحد، مع زيادتها وتراجعها قليلاً عن هذا المستوى، بحسب حجم العرض والطلب والتدفقات المالية في أذون الخزانة وحجم الاحتياطي النقدي، فضلاً عن المضاربات والتحركات المصطنعة، وسط توقعات بصعود الجنيه إلى 16.5 جنيه للدولار مع نهاية العام الحالي.
ورفعت الحكومة المصرية حد الإعفاء على ضريبة الدخل من 6500 جنيه إلى 7200 جنيه سنوياً، أما الشريحة الثانية التي تبدأ من أكثر من 7200 جنيه وحتى 30 ألف جنيه فتم فرض ضريبة 10 في المائة، و15 في المائة للشريحة الثالثة من الدخل حتى 45 ألف جنيه، في حين تبلغ الضريبة 20 في المائة على الشريحة الرابعة التي تتراوح بين ما يزيد على 45 ألف جنيه وحتى 200 ألف جنيه، وما يزيد على ذلك يتحمل ضريبة 22.5 في المائة.
وأوضح خطاب أن نسبة الفوائد على التقسيط تختلف من ماركة لأخرى ومن نظام لآخر، مع الأخذ في الاعتبار المرتب الأساسي للعميل، إلا أنه أوضح أن ارتفاع الفوائد البنكية يرفع الفوائد على نظام التقسيط أيضاً... لكن مع توفير تقسيط كل متطلبات منزل الزواج من أجهزة وموبيليا، فإن الشباب يفضلون عادة دفع مقدمة وتقسيط الباقي، خصوصا مع علمهم بأن قيمة الجنيه ستختلف لا محالة على مدار سنوات التقسيط.
من جانبه، قال الدكتور حاتم مصطفى، العضو المنتدب بشركة «إلكترولكس مصر»، إن الإدارة رأت بعد دراسة الأوضاع الحالية، الاتفاق مع عدد من البنوك المصرية، لتوفير نظام تقسيط ومن دون فوائد، لمن يمتلك «كارت ائتمان». و«إلكترولكس» شركة سويدية تعمل في تصنيع الأجهزة المنزلية، وتبيع 60 مليون وحدة سنوياً في 150 سوقا حول العالم.
وعن النسبة المقرر زيادتها على الأجهزة بعد ارتفاع الأسعار، أوضح مصطفى أن التأثير المباشر على الأسعار لن يتحدد حالياً، موضحاً أنه «ما دام لدينا إنتاج بالأسعار القديمة، فسيتم بيعه بتلك الأسعار»، على أن تتم دراسة الزيادة فيما بعد مع ظهور التأثيرات المباشرة وغير المباشرة. ونصح العضو المنتدب بالشركة، الشباب ممن يفكرون في الشراء، بأن يقبلوا على «الشراء الآن قبل منتصف الشهر الحالي، بالأسعار القديمة».



«العدل الأميركية» تستدعي أكبر البنوك للتحقيق في إغلاق حسابات بدوافع سياسية

المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
TT

«العدل الأميركية» تستدعي أكبر البنوك للتحقيق في إغلاق حسابات بدوافع سياسية

المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)
المقر الرئيسي لـ«جي بي مورغان تشيس» في 270 بارك أفينيو بنيويورك (رويترز)

كشفت صحيفة «وول ستريت» عن أن وزارة العدل الأميركية وجّهت مذكرات استدعاء واسعة النطاق إلى عدد من أكبر المصارف في الولايات المتحدة، وفي مقدمتها «جي بي مورغان تشيس» و«بنك أوف أميركا» و«ويلز فارغو»؛ لطلب معلومات تفصيلية حول ما إذا كانت هذه المؤسسات قد مارست عمداً سياسة «إلغاء الحسابات المصرفية» لعملائها، أو أغلقت حسابات مصرفية بشكل غير قانوني لدوافع سياسية.

وتأتي هذه التحركات الصادرة عن مكتب المدعي العام الأميركي في واشنطن، تحت قيادة المدعية العامة جينين بيرو، لتشكّل تصعيداً كبيراً في الحملة التي يقودها الرئيس الأميركي دونالد ترمب لاستئصال ما يصفه بـ«الأدلة على تمييز البنوك ضد المحافظين والصناعات المثيرة للجدل سياسياً»، بما في ذلك الحسابات التابعة لعائلته الشخصية وشركاته.

وتعود جذور الأزمة إلى العام الماضي، عندما أعلن ترمب أنه تم عزله مصرفياً وحُرم من فتح حسابات جديدة لدى «جي بي مورغان» و«بنك أوف أميركا» عقب انتهاء ولايته الأولى، والتي تزامنت مع أعمال الشغب العنيفة في مبنى الكابيتول، وفق الصحيفة الأميركية.

وفي أغسطس (آب) الماضي، وقّع ترمب أمراً تنفيذياً يوجّه المنظمين المصرفيين بالتحقيق في ارتكاب المؤسسات المالية ممارسات «إلغاء حسابات مسيّسة أو غير قانونية»، وتفويضهم بفرض عقوبات مالية مشددة. ورغم إرسال البنوك كميات هائلة من البيانات للمنظمين، فإن مكتب بيرو يطالب الآن بمعلومات أكثر عمقاً وحساسية تشمل قوائم الأشخاص المتضررين ومبررات الإغلاق.

دفاع المصارف

في المقابل، تدافع البنوك الكبرى عن موقفها مؤكدة أنها لا تغلق الحسابات لأسباب دينية أو سياسية؛ بل تشير إلى أن قرارات تجنب صناعات أو عملاء معينين تأتي امتثالاً للقوانين الصارمة التي تلزمها بفحص الأنشطة الإجرامية ومكافحة غسل الأموال، أو استجابة لضغوط رقابية أخرى تهدف إلى حماية النظام المصرفي والمالي.

وكانت هذه التحقيقات تدار حتى الآن بموجب تفويض من «مكتب مراقب العملة»، وهو مكتب تابع لوزارة الخزانة يشرف على أكبر البنوك. ومع ذلك، فإن الأمر التنفيذي لترمب سمح للمنظمين بإحالة القضايا إلى المدعي العام، ورغم أن «مكتب مراقب العملة» لم يرسل إحالات رسمية بعد، فإن مكتب المدعية جينين بيرو فتح تحقيقاته بشكل مستقل بالتنسيق مع مكتب المراقبة.

البحث عن مخرج قانوني

وتواجه النيابة العامة والمنظمون تحدياً قانونياً يتمثل في تحديد القوانين الدقيقة التي خرقتها البنوك بقطع علاقاتها مع عملاء تصنفهم «عالي المخاطر»؛ ففي حين تحظر قوانين الحقوق المدنية التمييز في الإقراض والتمويل، تتمتع الشركات والمصارف بصلاحيات تقديرية واسعة النطاق في اختيار من تقدم له خدماتها المصرفية اليومية.

ولمواجهة هذا التحدي، يدرس مكتب بيرو ما إذا كانت تصرفات البنوك قد انتهكت «قانون إصلاح المؤسسات المالية والتعافي والإنفاذ لعام 1989» (FIRREA)، وهو تشريع فضفاض استُخدم تقليدياً لمقاضاة الاحتيال المصرفي، واستعانت به وزارة العدل بعد أزمة 2008 لملاحقة المصارف التي ضللت الأسواق بشأن جودة الأوراق المالية المدعومة بالرهن العقاري.

معارك قضائية موازية و«أدلة أولية»

وكان «مكتب مراقب العملة» قد أصدر في ديسمبر (كانون الأول) الماضي تقريراً أولياً أفاد بوجود «أدلة مبكرة» على ممارسات إلغاء الحسابات من قِبل أكبر تسعة بنوك في البلاد. وأشار التقرير إلى أن الصناعات المتأثرة شملت: النفط والغاز، والفحم، ومصنعي الأسلحة النارية وقطاع الترفيه للبالغين، بربطها بمساعي البنوك للوفاء بالتزاماتها البيئية والاجتماعية وحرب المناخ.

يذكر أن ترمب أقام دعوى قضائية شخصية في يناير الماضي على بنك «جيه بي مورغان» ورئيسه التنفيذي جيمي ديمون، متهماً إياهما بإغلاق حساباته بدوافع سياسية، كما أقامت عائلة ترمب دعوى مماثلة العام الماضي على «كابيتال وان» لإغلاقه أكثر من 300 حساب لشركات تابعة للمجموعة منذ عام 2021.


صندوق النقد يخفّض توقعات نمو منطقة اليورو مجدداً ويرفع تقديرات التضخم

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
TT

صندوق النقد يخفّض توقعات نمو منطقة اليورو مجدداً ويرفع تقديرات التضخم

مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)
مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا غورغييفا تتحدث إلى مراسلين اقتصاديين في بروكسل حول آفاق منطقة اليورو (إكس)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الخميس، من أن صدمة أسعار الطاقة الناجمة عن حرب إيران الدائرة حالياً في شهرها الرابع، ستؤدي إلى سحب نمو منطقة اليورو نحو مستويات أدنى مما كان متوقعاً في السابق، بالتوازي مع دفع معدلات التضخم إلى مزيد من الارتفاع.

وأوضح الصندوق أنه حتى لو كانت قفزات أسعار النفط والغاز «مؤقتة»، فإن ثقة المستهلكين ستشهد ضعفاً ملحوظاً وسط الاضطرابات المستمرة في أسواق الطاقة، مما يرفع من مخاطر تراجع الإنفاق الاستهلاكي.

وبناءً على هذه المعطيات، خفّض صندوق النقد الدولي توقعاته لنمو منطقة اليورو خلال هذا العام ليصل إلى 0.9 في المائة، تراجعاً من تقديراته السابقة في أبريل (نيسان) البالغة 1.1 في المائة، قبل أن يرتد صعوداً إلى 1.2 في المائة في عام 2027.

وعلى الجانب الآخر، توقع الصندوق أن يصل التضخم في منطقة اليورو إلى 2.8 في المائة هذا العام، وهو أعلى من توقعات أبريل البالغة 2.6 في المائة. ويمثل هذا الرقم زيادة قدرها 0.8 نقطة مئوية مقارنة بالمستويات التي سبقت الهجمات الأميركية الإسرائيلية ضد إيران في أواخر فبراير (شباط) الماضي.

اختناقات مضيق هرمز تزيد الضغوط

وتسببت الحرب بفعالية في إغلاق مضيق هرمز أمام شحنات النفط والغاز الخليجية المنقولة بحراً. وأفاد مسؤولون بأن الأضرار التي لحقت ببعض منشآت الإنتاج قد تسفر عن استمرار قيود الإمدادات لعدة أشهر قادمة.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن «حدوث صدمة طاقة أكثر استمراراً قد يدفع التضخم وتوقعاته نحو الأعلى، حتى في الوقت الذي قد يؤدي فيه تراجع الثقة أو الضغوط المالية إلى إضعاف مستويات الطلب».

ولفت التقرير إلى حجم التحدي الكبير الذي يواجه البنك المركزي الأوروبي، والذي تحرك بالفعل برفع سعر الفائدة القياسي إلى 2.25 في المائة، محاولاً الحد من الضربة الاقتصادية، وكبح جماح التضخم في آنٍ واحد.

وكان المركزي الأوروبي قد خفّض بدوره توقعاته للنمو لعام 2026 إلى 0.8 في المائة (من 0.9 في المائة)، في حين رفع تقديراته للتضخم إلى 3 في المائة، وهو ما يتجاوز بكثير مستهدفه الرسمي البالغ 2 في المائة.

وأكد صندوق النقد الدولي أن «الأولوية الفورية للحكومات هي إبقاء توقعات التضخم مقيدة، وتخفيف تأثير الصدمة ضمن المساحة المالية المتاحة، تلافياً لأي إنفاق حكومي مفرط قد يزيد من عجز الموازنة العامة».

ورغم قرار رفع الفائدة الصادر، يتوقع الصندوق أن يُقدم البنك المركزي الأوروبي على زيادة إضافية بمقدار ربع نقطة مئوية (25 نقطة أساس) في سعره القياسي بحلول نهاية هذا العام.


تذبذب الأسعار عالمياً يربك الأسواق في مصر بعد أدنى مستوى خلال 6 أشهر

تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)
تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)
TT

تذبذب الأسعار عالمياً يربك الأسواق في مصر بعد أدنى مستوى خلال 6 أشهر

تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)
تذبذب أسعار الذهب يربك الأسواق في مصر (شعبة الذهب بالغرفة التجارية بمصر)

أربك التذبذب المفاجئ لأسعار الذهب الأسواق المصرية مجدداً؛ إذ عاود المعدن الأصفر الارتفاع الطفيف بعد موجة هبوط حادة دفعته إلى أدنى مستوياته خلال ستة أشهر، ما خلق حالة من الترقب والحذر المتبادل بين التجار والمستهلكين حول المسار المستقبلي للسوق المحلية.

وشهدت تعاملات يوم الخميس ارتداداً صعودياً طفيفاً في الأسعار العالمية، انعكس سريعاً على حركة الصاغة في مصر التي تعيش ارتباكاً واضحاً عقب فترة انخفاضات متتالية.

وبحسب تقارير صحافية محلية، ارتفعت الأسعار بنسب تراوحت ما بين 25 إلى 60 جنيهاً في الغرام الواحد، (في وقت يسجل فيه الدولار نحو 52 جنيهاً في البنوك الرسمية).

وسجلت أسعار الأعيرة المختلفة في الأسواق المصرية المستويات التالية:

  • عيار 24: بلغ نحو 7000 جنيه للغرام.
  • عيار 21 (الأكثر تداولاً): سجل 6125 جنيهاً.
  • عيار 18: وصل إلى 5250 جنيهاً.
  • الجنيه الذهب (8 غرامات عيار 21): استقر عند 49000 جنيه.

هذا الارتفاع المحدود، الذي أعقب نصف عام من الهبوط، فاقم من حالة الضبابية؛ إلا أن مسؤولين في قطاع الذهب يقرأون المشهد بزاوية مختلفة. ووفقاً للاستدلال الذي قدمه نائب رئيس الشعبة العامة للذهب والمجوهرات بالاتحاد العام للغرفة التجارية، لطفي منيب، لـ«الشرق الأوسط»، فإنه «لا يمكن تصنيف ما حدث مؤخراً كارتفاع بمفهومه الواسع، بل هو مؤشر وبداية لاستقرار محتمل يُنهي موجة الانخفاض السابقة».

ووصف منيب التقلبات التي سادت طوال الأشهر الستة الماضية بأنها كانت «تحركات سعرية رأسية»، وهي تقلبات حادة ومفاجئة تؤدي طبيعياً إلى إرباك قوى العرض والطلب. وأوضح أن «الزيادة الطفيفة الحالية تنبئ بالتحول نحو تحركات سعرية عرضية (أفقية)، وهو الوضع الطبيعي والصحي للسوق، حيث تنحصر التغيرات صعوداً أو هبوطاً ضمن نسب طبيعية ومتوقعة».

المدخرون يرفضون البيع

ولم يتوقف الارتباك عند حدود تسعير الشاشات، بل امتد ليعيد صياغة سلوك المواطنين الذين ينظرون إلى الذهب كـ«وعاء ادخاري آمن» لحفظ القيمة المشتراة.

وقبل نحو عام، قامت السيدة سلوى محمود، المقيمة بحي عابدين وسط القاهرة، بشراء بضعة غرامات كوسيلة للادخار. ورغم مرورها بضائقة مالية حادة خلال الأيام الماضية، لكنها رفضت تماماً خيار تسييل مدخراتها الذهبية حالياً، قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «رغم حاجتي الماسة للمال لإدارة بعض الشؤون الخاصة، لكنني فضلت التمسك بالذهب وعدم البيع وسط هذه الأجواء غير المستقرة، أملاً في معاودة الأسعار الارتفاع لتعويض الفارق في الفترات المقبلة».

ارتفاع طفيف في سعر الذهب بعد أدنى مستوى انخفاض (شعبة الذهب بالغرفة التجارية ب مصر)

ويعتقد منيب أنه «من السابق لأوانه التنبؤ بما قد يحدث في الأسعار خلال الفترة المقبلة، وهو ما يزيد الارتباك بالأسواق»؛ إلا أنه يقول: «إذا استمرت الحركة العرضية للأسعار، فسيعاود المصريون الإقبال على الشراء، بما ينشط حركة البيع، فالوضع الآن (لا بيع ولا شراء) بل ترقب لما ستسفر عنه الساعات أو الأيام المقبلة».

ويشير إلى أن «كثيراً من محال بيع الذهب تعرضت خلال الفترة الماضية لخسائر كبيرة نتيجة الارتباك وعدم الاستقرار، حيث لم تتمكن من مواكبة تقلب الأسعار التي تتغير باستمرار، فعدم الاستقرار يضر التجار والمواطنين».

وكان رئيس شعبة الذهب والمجوهرات باتحاد الغرف التجارية، هاني ميلاد، قد توقع أن «يعاود الذهب الارتفاع»، وقال في تصريحات متلفزة، الاثنين الماضي، إن «هناك مؤشرات قد تدعم عودة الذهب إلى الارتفاع خلال الفترة المقبلة، خاصة في حال استمرار الاضطرابات العالمية أو تغير توجهات المستثمرين والبنوك»، لافتاً إلى أن «أسعار الذهب تتأثر إيجاباً وسلباً بالتغيرات والأحداث الجيوسياسية حول العالم».

مصريون يترقبون استقرار الأسعار لاتخاذ قرارات البيع أو الشراء (شعبة الذهب بالغرفة التجارية في مصر)

من جهته، تحدث إبراهيم حسين، الذي يعمل فني صيانة تكييف في إحدى الشركات الخاصة، ويقيم بحي شبرا شرق القاهرة، عن جانب آخر من الارتباك، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أنوي شراء غرامات من الذهب خلال الفترة الماضية بسبب انخفاض الأسعار؛ لكني ترددت وقررت أن أنتظر».

أما الخبير الاقتصادي، الدكتور وائل النحاس، فيرى أن الذهب «لا يزال وعاءً ادخارياً بالنسبة لقطاعات واسعة من المصريين»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «التقلبات التي تشهدها سوق الذهب عالمياً سببت ارتباكاً بالسوق المصرية، لكن ما زال الاتجاه في مصر يميل إلى الشراء»، لكن بحسب النحاس «هذه الفترة تشهد ترقباً حذراً من الناس انتظاراً لاستقرار الأسعار».