حكاية «داعش»: نهاية «دولة الخرافة»

بلغ التنظيم في عام 2014 قمة قوته... ونهايته في الباديتين العراقية والسورية

حكاية «داعش»: نهاية «دولة الخرافة»
TT

حكاية «داعش»: نهاية «دولة الخرافة»

حكاية «داعش»: نهاية «دولة الخرافة»

أتى تدمير تنظيم «داعش» للجامع النوري الكبير في مدينة الموصل، قاعدة شمال العراق، قبل وصول القوات العراقية إليه، ليعلن رسمياً نهاية «دولة» التنظيم التي كان أعلن عنها من على منبر الجامع نفسه في التوقيت ذاته تقريباً من عام 2014. إذ استطاع النفاذ من التعقيدات الدولية المحيطة بالمنطقة لينطلق في مغامرة «الدولة» التي سماها خصومه «دولة الخرافة» السائرة «عكس السير»، وذلك قبل أن يفرض المنطق نفسه، ويعود إلى مرحلة التنظيم، تمهيداً للاختباء تحت الأرض في منطق «حرب العصابات»... و«الذئاب المنفردة».
تشير كل المعطيات إلى أن تنظيم داعش المتطرف دخل في أطواره الأخيرة، كقوة ذات تأثير. إذ إن تمويله الهائل يكاد ينضب جراء التضييق الدولي والإقليمي عليه، وكذلك قدرته على استقطاب المقاتلين واستثمار الموارد الطبيعية، جراء الحملات العسكرية التي يشنها عليه أكثر من طرف دولي وإقليمي ومحلي. وبالتالي، بات مصطلح «دولة الخرافة» أقرب إلى الواقع الذي عاشه التنظيم خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
ويرى الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، عبد الرحمن الحاج أن قدرة «داعش» على استقطاب الأجانب ضعفت إلى حد كبير، مشيراً إلى أن قدراته العسكرية تراجعت وموارده المالية أيضاً، كما قتل عدد من قادته العسكريين الذين لعبوا دوراً في تمدده. ويوضح الحاج لـ«الشرق الأوسط» أن أبرز الخيارات التي يلجأ إليها التنظيم اليوم تتمثل في «الانكفاء نحو المناطق الحيوية بالنسبة للتنظيم، ومحاولة تأخير الانكسار الكامل، ولهذا لن يدافع بشراسة عن مناطق ليست مهمة له كمدينة الرقة، فيما قد يستميت في بعض المناطق الأخرى، كالعراق الذي يعتبره حاضنة»، لأن قيادييه السياسيين من العراق. أما الخيار اللاحق فهو الذهاب نحو البادية، كما حصل سابقاً في العراق، حيث تكون ملاحقة قيادييه أكثر صعوبة في المناطق الصحراوية، كما فعل في العراق في وقت سابق.

إعادة تموضع شاملة
التنظيم بدأ فعلياً في إعادة تموضع شاملة، ففي سوريا، أخلى مناطق واسعة في جنوب شرقي سوريا والقلمون الشرقي، موجهاً قواته باتجاه البادية السورية، حيث تخوض قوات المعارضة معارك ضده، بموازاة استكمال انسحاباته من قرى ريف محافظة حلب الشرقي، حيث يخوض النظام هجمات ضده. وهو ما يشير إلى أن التنظيم ينفذ «إعادة تموضع» في سوريا، بالنظر إلى أن بعض المناطق التي انسحب منها، لم تشهد عمليات عسكرية عليه، وتطرح أسئلة عن مرحلة «ما بعد الرقة».
ويحول التنظيم المتطرف قواته باتجاه البادية السورية التي تمتد من جنوب الرقة شمالاً، باتجاه ريف محافظة حماة الشرقي وريف محافظة حمص الشرقي وشرق محافظة ريف دمشق وريف محافظة دير الزور المتصل بالحدود العراقية، وأيضاً المنطقة الصحراوية العراقية. ويقوم النظام السوري بملاحقته في تلك المنطقة الخالية، إذ انسحب التنظيم من أكثر من 7 آلاف كيلومتر مربع إثر المعارك مع النظام وحلفائه.
و«إعادة التموضع» في العلم العسكري، تعني أن الوضع الميداني والعملياتي لم يعد لصالح القوة العسكرية، فتجبر على إعادة تموضع لخوض معركة دفاعية، وانتشار جديد. ويؤكد خبراء أن استعادة الرقة السورية وتلعفر والموصل في العراق «لا تعني عسكرياً انتهاء التنظيم عسكرياً، بالنظر إلى أنه سيكون قد هُزم، لكنه سيعود إلى تطبيق الاستراتيجية المفضلة له وهي (سمكة الصحراء)، أي أنه سيذوب في بادية الشام وصحراء الأنبار ويستغل الطبيعة القاسية للمنطقة تحضيراً لشن حرب عصابات على كل من يعاديه».
وحقاً، انحسر نفوذ «داعش» في سوريا إلى أقل من ربع المساحة الجغرافية للبلاد، إثر الهجمات المتواصلة ضده التي أبعدته عن معظم المدن والمراكز الحيوية إلى البادية السورية، بينما يتواصل تراجعه إثر المعارك المتواصلة ضده في معقله في الرقة، وفي البادية، تحت غطاء جوي دولي. ويقول مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»، إن مواقع سيطرة «داعش» في سوريا تراجعت إلى نسبة تتراوح بين 22 و25 في المائة من مساحتها، وتتركز في معظمها في مناطق خالية في البادية. ويشير إلى أن التنظيم «خسر كثيراً من مناطق نفوذه إثر إغلاق الحدود التركية بعد حادثة شارلي إيبدو في فرنسا، وافتقاده إلى المقاتلين الأجانب الذين شكلوا رأس الحربة في عديد التنظيم العسكري، فضلاً عن الإنشاءات الحيوية التي كانت توفر له المال، إضافة إلى الضربات الجوية الأميركية والروسية التي استنزفته، وأفقدته السيطرة على شريط حدودي حيوي في تل أبيض وغيرها من المواقع الجغرافية الحيوية».

تضعضع في صفوفه
وإثر الضربات، يعاني التنظيم من «تضعضع» في صفوفه، وفقدان السيطرة على قواته الموجودة في الميدان العسكري، إثر انقطاع تواصلهم مع القيادة. وحسب كلام مصدر سوري معارض في شرق سوريا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «داعش»، ومنذ اغتيال قيادييه الكبار، «فقد السيطرة بين القيادة المركزية والقادة الميدانيين، وخسر كثيراً من نقاط القوة العسكرية والإعلامية، وهو ما أدى إلى فقدانه ميزة أساسية امتاز بها في البداية وأسهمت في توسيع سيطرته».
ووفق المصدر نفسه، فإن التنظيم «تمدد في خواصر رخوة حين كانت القوات المتحاربة في سوريا تتقاتل، وبدأ ينحسر بفعل الهدنات والاتفاقات التي حيدت المعارك الجانبية ودفعت الأطراف لتركيز جهودها على التنظيم»، لافتاً إلى أن الدعم الدولي من التحالف لميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، والدعم الروسي للنظام السوري «أسهما في إضعافه بشكل كبير في الميدان».
ويذكر أن التنظيم استطاع عام 2014 تشكيل 8 ولايات توزعت على 9 محافظات سورية هي دمشق وحمص وحلب والرقة ودير الزور وحماة والحسكة وريف دمشق والسويداء، بالإضافة لوجود جيش مبايع له في حوض اليرموك بريف محافظة درعا الغربي، ووصلت مساحة سيطرته لنحو 90 ألف كيلومتر مربع من الأراضي السورية بنسبة نحو 50 في المائة من مساحة البلاد. إلا أنه عاد في العام الثالث ليخسر مساحات واسعة من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرته تبلغ عشرات آلاف الكيلومترات، حيث خسر آخر منافذه مع العالم الخارجي، بعد دخول تركيا في عملية «درع الفرات»، وعشرات القرى والبلدات والمدن من ريفي حلب الشرقي والشمالي الشرقي لحلب، ولم يتبقّ له سوى قرى متناثرة في ريف حلب الجنوبي الشرقي، بالقرب من طريق حلب - خناصر - أثريا.
كذلك خسر المساحة الممتدة من معبر تل كوجر على الحدود السورية - العراقية في مثلث الحدود السورية - العراقية - التركية، وصولاً إلى ريف الشدادي الجنوبي وإلى الغرب من منطقة مركدة، وصولاً إلى ضفاف الفرات الشرقية، فضلاً عن مساحات واسعة من ريف الرقة الجنوبي الغربي وكامل الريف الغربي للرقة ومساحات واسعة من البادية السورية بما فيها منطقة اللجاه بريف درعا الشمالي الشرقي، مروراً بتدمر والقريتين والبادية السورية، وصولاً إلى جنوب محطة «التي تو» بريف دير الزور الجنوبي الشرقي، إضافة لخسارته كامل وجوده في محافظة حلب باستثناء وجوده في ريف حلب الجنوبي الشرقي.

وضعه في العراق
أما في العراق، فلم يعد «داعش» يسيطر سوى على 6.8 في المائة من مساحة العراق بعدما كان استولى على 40 في المائة من البلاد عام 2014. ووفق العميد يحيى رسول المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة في مؤتمر صحافي في بغداد، فإن «المساحة المسيطر عليها (من التنظيم) لغاية 31 مارس (آذار) 2017 تبلغ 6.8 بالعشرة من مساحة العراق بعدما كانت تبلغ 108.405 ألف كلم مربع، أي 40 في المائة من مساحة العراق بعد تمدده في العاشر من يونيو (حزيران) 2014». ويرى الحاج أن انكسار التنظيم في العراق وسوريا «سيؤثر عليه بالتأكيد، لكن أي انتصار قد يحققه في المناطق الأخرى قد يفتح له باب التجنيد مجدداً»، مشيراً إلى أن العمليات التي يقوم بها في الغرب تهدف إلى التأثير على المضطهدين اجتماعياً واستقطابهم إلى دائرته. ولا يسقط احتمال انتقال التنظيم إلى دول أخرى مثل إيران ومصر وليبيا، لافتاً إلى أن العملية الأخيرة التي نفذها في طهران «توضح وجود مسار في هذا الاتجاه يهدف إلى تجنيد السنة الإيرانيين المضطهدين من النظام الإيراني، وعملية طهران تشي بأنه بدأ التواصل مع هؤلاء».
ويرى الباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسن أبو هنية أن «داعش» سيتجه لتطبيق الاستراتيجية التي طبقها تنظيم القاعدة في العراق في عام 2008. ويقول: «هناك نموذج سابق في العراق 2008، حيث نفذ تنظيم القاعدة خيارين؛ أولهما هو العودة إلى حرب العصابات وإعادة التموضع في الصحراء والقرى البعيدة، بينما يتمثل الخيار الثاني في إعادة التموضع في المدن المكتظة من خلال الوجود الأمني على شكل خلايا نائمة، وهو ما سهل اقتحام الموصل في عام 2014 لدى إعلان دولته المزعومة في العراق والشام».
ويشير أبو هنية إلى أن عودة «القاعدة» في ذلك الوقت إلى الصحراء «قلصت العمليات الانتحارية، لكن لم تلغها، رغم انخفاضها للنصف، ذلك أن القدرة التشغيلية للتنظيم حافظت على مستوى عملياتي لها، حيث تواصلت الاغتيالات والتفجيرات العمليات الانتحارية والانتقامية». ويضيف: «انطلاقاً من تلك التجربة، فإن خيارات (داعش) اليوم واضحة، مثل خيارات (القاعدة)، وقد أعلن عنها في وقت سابق المتحدث باسم (داعش) أبو محمد العدناني في آخر خطاب له قبل مقتله، حين أشار إلى أن التنظيم جاء من الصحراء، وسيعود إليها». ويؤكد أبو هنية أن «داعش» عراقي في الأساس «مر في تجربة بناء قامت على يد أبو مصعب الزرقاوي، وكانت تلك تجربة استثنائية، لكن اليوم باتت له نواة صلبة في قلب المنشأ في العراق»، مشدداً على أن «البنية الصلبة له هي البنية العراقية، بينما استخدم قضية الخلافة بهدف التحشيد واستقطاب 35 ألف مقاتل أجنبي إليه».

لا حروب مدنية
وعن الاستراتيجية التي سيتبعها التنظيم، يتوقع أبو هنية أن التنظيم «سيتخلى عن حروبه المدنية، لأنها باتت مكلفة عليها، وسيستعيض عنها بحرب العصابات والحروب الهجينة. لكنه في هذا الوقت سينتظر خللاً آخر، كما حصل إبان حكومة المالكي، وسينتظر تفكك التحالفات السياسية لإعادة استنهاض نفسه»، لافتاً إلى أن «المنطقة حبلى بالخلل، وأسباب استنهاض التشدد ذلك أن مرحلة ما بعد (داعش) ستكون أسوأ من مرحلة ما قبله على صعيد البنية التحليلية المسببة لقيامه، ومنها التهميش».
ويضيف أبو هنية: «الأمور معقدة. يشكل (داعش) الآن نوعاً من الفضيلة بالنسبة للأقطاب السياسية التي اتفقت على محاربته، فهو يحصر الصراعات والعداءات به. وإذا اختفى، ستنفجر كلها دفعة واحدة»، لافتاً إلى أن هناك أسباباً كثيرة «من بينها وجود الحشد الشعبي بعد مرحلة القضاء على (داعش)، في وقت لا توجد فيه حلول حقيقية في سوريا، وهناك تنازع، مما يعني أن الظروف الموضوعية لاستنهاض نفسه في سوريا والعراق لا تزال حاضرة وتزداد سوءاً». ويتابع الخبير الأردني: «أميركا خلقت مناخاً معقداً بعد غزو العراق في 2003، أسهم إلى حد كبير في نشوء التطرف، وباتت الجهادية العالمية جزءاً من بنية العراق بعد الغزو، حيث يستثمر المتطرفون بخطاب المظلومية السنية لجلب المقاتلين». ومع ذلك، يؤكد أبو هنية أن «التنظيم عراقي، وستبقى قيادته عراقية في إعادة تموضعه الجديد، حتى لو لم يبقَ أبو البغدادي زعيماً له». ويرى عبد الرحمن الحاج أن التنظيمات المتشددة الأخرى تنظيمات «نخبوية»، فيما أن التنظيم حاول أن ينقل نفسه من منطق النخبة إلى الشعبوية، لأنه لم يكن يشترط إيماناً معقداً، بل مجرد الولاء.

«داعش»... صعود وهبوط
أسس أول أشكال التنظيم المتطرف في عام 2004، عندما أنشأ الأردني «أبو مصعب الزرقاوي» تنظيم «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، وقاد حملة دموية ضد الحكومة العراقية والقوات الأميركية، نفذت سلسلة من التفجيرات الانتحارية بواسطة شاحنات محملة بالمتفجرات أدت لمقتل الآلاف.
وفي يونيو 2006، قتل الزرقاوي في غارة جوية أميركية قرب بعقوبة عاصمة محافظة ديالى شمال بغداد، وحل مكانه في قيادة التنظيم «أبو أيوب المصري» الذي أعلن تأسيس «الدولة الإسلامية في العراق» في محاولة لاسترضاء سنّة العراق الذين بدأوا في ملاحقة عناصر «القاعدة» في العراق من خلال «الصحوات» التي ساعد الأميركيون في تشكيلها. لكن «المصري» قتل في أبريل (نيسان) 2010 عندما فجر حزاماً ناسفاً كان يرتديه بعد وقوعه في كمين نصبته القوات الأميركية والعراقية، وتولى قيادة التنظيم من بعده العراقي «أبو بكر البغدادي».
ودخل التنظيم بقوة على ملف الأزمة السورية، مستغلاً حالة الفوضى القائمة في المنطقة، فأعلن في 9 مايو (أيار) 2013 عن اندماج «الدولة الإسلامية في العراق» وفرع القاعدة في سوريا «جبهة النصرة» لتشكيل «داعش» (الدولة الإسلامية في العراق والشام).
كان عام 2014 فترة ذهبية للتنظيم، فقد احتل في 4 يناير (كانون الثاني) مدينة الفلوجة التي تقع على بعد 43 ميلاً إلى الغرب من العاصمة العراقية بغداد بعد عدة أيام من القتال. وفي المقابل استولى التنظيم في 14 يناير على مدينة الرقة السورية بعد معارك مع جماعات سورية معارضة أخرى وتحولت المدينة إلى مقر قيادة التنظيم.
ومع اتضاح خطورة المشروع، طردت المعارضة السورية في 20 يناير التنظيم من مدينة حلب وريف حلب الغربي. وبعدها انفصلت «النصرة» عن التنظيم. وأعلن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في 3 فبراير (شباط) فك الارتباط بـ«داعش» وأن لا صلة للقاعدة بهذه الجماعة ولم تستشر القاعدة في تأسيسها.
وفي 10 يونيو، احتل التنظيم مدينة الموصل بعد فرار آلاف الجنود العراقيين منها. وفي اليوم التالي احتل التنظيم مدينة تكريت، مسقط رأس الرئيس العراقي السابق صدام حسين وفر نحو 50 ألف مدني من المدينة.
منتشياً بانتصاراته هذه، خرج البغدادي من مخبئه، وأعلن تسجيلاً مصوراً للناطق باسم التنظيم «أبو محمد العدناني» في 29 يونيو إقامة «الخلافة الإسلامية» وتنصيب البغدادي «خليفة للمسلمين» وحذف كلمتي العراق والشام من اسمها وإلغاء الحدود بين العراق وسوريا. وفي 4 يوليو (تموز)، ظهر البغدادي علناً لأول مرة ملقياً خطبة في الجامع النوري في الموصل للإعلان الرسمي.
بعدها بدا الحراك لوقف زحف التنظيم الذي «كسر الحدود» بين العراق وسوريا، فأعطى الرئيس الأميركي باراك أوباما في 7 أغسطس (آب) الإذن بشن غارات جوية لوقف زحف التنظيم إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، ولكسر الحصار الذي فرضه مسلحو التنظيم على جبل سنجار الذي فر إليه آلاف الإيزيديين هرباً من عمليات القتل الجماعي. وتكرر الأمر نفسه في 19 سبتمبر (أيلول) لوقف زحف التنظيم نحو بلدة عين العرب (كوباني) السورية الشمالية التي حاصرها لمدة 4 أشهر وكانت فيهما بداية نهايته العسكرية.

مرحلة القصف الجوي
في 22 سبتمبر 2015 بدأت الولايات المتحدة ودول عربية في مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات والأردن والبحرين بحملة قصف جوي على أهداف التنظيم في سوريا، كانت أولى نتائجها فك الحصار عن مدينة عين العرب وتراجع التنظيم فيها. لكن التنظيم لم يعترف بتراجعه، فباشر حملة ذبح واسعة النطاق للرهائن الغربيين والعرب.
ويذكر أنه في 17 مايو 2015 سقطت مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار العراقية في يد التنظيم رغم تدخل الطيران الأميركي ومشاركته في المعارك إلى جانب القوات العراقية. وفي 21 مايو سقطت مدينة تدمر السورية الأثرية بيد التنظيم بعد معارك مع النظام السوري، وهكذا بات التنظيم يسيطر على نصف مساحة سوريا بما في ذلك كل الحدود بين سوريا والعراق بعد الاستيلاء على معبر التنف بين البلدين. وفي اليوم التالي، 22 مايو سجل أول هجوم انتحاري للتنظيم في السعودية أدى إلى سقوط أكثر من 20 شخصاً خلال صلاة الجمعة.
في المقابل، يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 استعاد مسلحو البيشمركة الأكراد مدينة سنجار بشمال العراق من قبضة التنظيم بمساعدة طيران التحالف، وشهدت العاصمة الفرنسية باريس هجمات دامية أسفرت عن مقتل 129 شخصاً وتبناها التنظيم. ويوم 28 ديسمبر (كانون الأول) استعادت القوات العراقية مدينة الرمادي من قبضة التنظيم ورفعت العلم العراقي فوقها.
كعادته مع كل ضربة يتعرض لها، بدأ التنظيم بالمشاغبة، فدمر في 20 يناير 2016 دير مار إيليا، أقدم دير بالعراق، ويوم 22 مارس نفذ سلسلة هجمات في العاصمة البلجيكية بروكسل أسفرت عن مقتل 30 شخصاً.
وتواصل مسلسل الهزائم الداعشية، ففي 26 يونيو، أعلن الجيش العراقي استعادة مدينة الفلوجة وتحريرها بالكامل. ثم في 8 أغسطس طردت ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» التي يشكل المقاتلون الأكراد عمودها الفقري التنظيم من مدينة منبج بعد معارك استمرت 73 يوماً. ويوم 25 أغسطس دخلت تركيا على خط وراثة مناطق نفوذ التنظيم، فأطلقت عملية عسكرية باسم «درع الفرات» ودخلت مدينة جرابلس الحدودية وطردت التنظيم منها بسرعة.
وفي 30 أغسطس من العام نفسه، تلقى التنظيم ضربة موجعة، إذ قتل الناطق باسم التنظيم «أبو محمد العدناني» في غارة جوية أميركية قرب مدينة الباب السورية، وبعدها بأسبوعين قتل «خليفته» وائل عادل سليمان الملقب بـ«أبو محمد فرقان»، مسؤول الدعاية في التنظيم وإنتاج الأفلام الدعائية بغارة أخرى.
كان عام 2017 الأسوأ على التنظيم، حيث بانت نقاط ضعفه، وعزل عن الحدود التركية. وفي 23 فبراير منه أعلنت تركيا السيطرة على مدينة الباب وطرد التنظيم منها بعد معارك دامية قتل فيها عشرات الجنود الأتراك. وفي 14 أبريل، قتل «مفتي» التنظيم في غارة جوية بالموصل. ويوم 21 يونيو، فجر «داعش» الجامع النوري في الموصل ومئذنته «الحدباء» الشهيرة، إيذاناً بدخول القوات العراقية آخر معاقله فيها.



العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
TT

العراق... والحرب الأميركية ـ الإسرائيلية على إيران

اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)
اشتباكات عند «الجسر المعلّق» في بغداد (أ.ف.ب)

يصعب الفرز بين العقيدة والمصلحة عند بحث العلاقات العراقية-الإيرانية. وفي حين أن العقيدة عابرة للحدود، يظل مفهوم المصالح نسبياً. أما في إطار المصالح المتبادلة، فهي من جهة محكومة بالعلاقات الثنائية، ومن جهة ثانية تتأثر بالخرائط والجغرافيا، فضلاً عن امتدادات التاريخ، التي غالباً ما تزحف هنا وهناك لتخلق فرصاً، إما لمزيد من التفاهمات، أو لتتحول إلى أزمات تختلط فيها عوامل التاريخ، والجغرافيا، والعقائد، والأديان، والقوميات، والمذاهب. لهذا، تكاد العلاقات العراقية-الإيرانية تكون نموذجاً فريداً من نوعه في منطقة الشرق الأوسط، لجهتي التداخل العنيف بين الحدود الجغرافية وميوعة التاريخ بكل إرثه وإشكالاته، وأيضاً بتعقيدات الحاضر، وغموض المستقبل.

لقد استدعى العراق وإيران، على الأقل منذ ثمانينات القرن الماضي، حين تحارب البلدان لمدة ثماني سنوات، كل ما يملكانه من مخزون التاريخ، وبالأخص آلامه وأحزانه. هذا فضلاً عن حساسيات الجغرافيا، ولا سيما الخطوط الحدودية الإشكالية، والتداخلات والامتدادات الإنثروبولوجية الإثنية، ومنها حالات لمناطق كانت عربية وجزءاً من العراق، لكنها أصبحت جزءاً من إيران.

وبعد حرب السنوات الثماني، التي انتهت بتجرّع المرشد الإيراني السابق آية الله الخميني «كأس السم» إثر موافقته على وقف إطلاق النار فيما عرف بـ«حرب الخليج»، اختلفت المقاربة بعد أكثر من ثلاثة عقود. وتحوّل العراق مع إيران بالتالي إلى حليف مرة، ومساند مرة، ويحاول الحياد مرة.

لكن الفارق، بين الأمس واليوم، أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب لم يمنح المرشد -الخلف- علي خامنئي المجال لتجرع «كأس السمّ» في المواجهة الحالية، بل أقدم على قتله في أولى الضربات التي وجهتها «آلة الحرب الأميركية» إلى إيران. وهكذا، تُرك الباب مشرعاً أمام «حرب مفتوحة»... مرشحة أن تغدو حرباً وجودية تحكمها معادلة صفرية «أكون أو لا أكون».

بين المصلحة والعقيدة

الحكومة العراقية، التي هي حكومة «تصريف أمور يومية»، تحاول الآن العمل وفق حدود طبيعتها، بيد أن ما يجري حولها يفوق قدرة أي حكومة كاملة الصلاحيات، ولا سيما في غياب أي توازن في موازين القوى.

وبسبب الخلافات السياسية بين القوى الفائزة في الانتخابات البرلمانية العراقية الأخيرة، التي أجريت أواخر العام الماضي، تعذّر تشكيل حكومة جديدة نظراً للخلاف الكردي ـ الكردي على منصب رئيس الجمهورية، والخلاف الشيعي ـ الشيعي على منصب رئيس الوزراء.

ولكن في هذه الأثناء يستفيد رئيس الحكومة الحالية محمد شياع السوداني من الصلاحيات الممنوحة له بموجب الدستور كقائد عام للقوات المسلحة، فيسعى إلى الموازنة بين أمرين: الأول: الجهود المبذولة لحماية الجبهة الداخلية وسط الضربات المتبادلة بين الفصائل العراقية المسلحة الموالية عقائدياً لإيران.

والثاني: عمل ما يمكن عمله على الصعيد الدبلوماسي باتجاه خفض التصعيد في ضوء ضربات الفصائل التي استهدفت بعض دول الجوار الجغرافي للعراق.

بالتالي، ما يُذكر هنا أنه بينما كان العراق قد تمكن عملياً إبان حرب الـ12 يوماً في يونيو (حزيران) عام 2025 من النأي بنفسه عن المواجهة الإسرائيلية – الإيرانية، ما جنب العراق ضربات كانت مقرّرة، فإن الفصائل المسلحة اعتبرت الحرب الأخيرة حرباً وجودية يتطلب تكليفها الشرعي والعقائدي المشاركة فيها، بينما تميل بغداد للتعامل مع الحرب بلغة المصالح.

وحقاً، كرّر السوداني، رئيس الحكومة، في أكثر من موقف، منها اتصال هاتفي أجراه معه وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، رفض الحكومة أي تهديدات تنطلق من الأراضي العراقية. وطبقاً لبيان رسمي أكد السوداني: «لن نسمح بأي حال من الأحوال بأن تنطلق من الأراضي العراقية أي تهديدات تمس الجمهورية الإسلامية الإيرانية»، وشدد على التزام بغداد بحماية سيادتها، ومنع استخدام أراضيها في أي تصعيد إقليمي.

غير أن العراق، وفق عضو البرلمان العراقي السابق حيدر الملا، «يقع في هذه الحرب بين نارين». إذ قال الملا على منصة «إكس» إن «أغرب ما في الحرب الدائرة بالمنطقة هو وضع العراق... أميركا تقصف العراق بحجة استهداف الفصائل المسلحة، بينما تقصف إيران العراق بحجة الوجود الأميركي». وأضاف الملا أنه «أحياناً العراق يقصف نفسه كما حدث في استهداف أربيل».

وقفة على الجسر المعلق

من جهة أخرى، في حين ترابط الفصائل المسلحة العراقية، لليوم الخامس على التوالي، عند «الجسر المعلّق» القريب من مبنى السفارة الأميركية المطلّ على نهر دجلة، أدى مقتل قيادي بارز في «كتائب حزب الله» إلى إعلان الفصائل توسيعها عملياتها لتشمل أوروبا. وجاء هذا التطوّر بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار، ويهدد النواب الذين ينتمون إليها في البرلمان العراقي بإلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» التي وقعها العراق مع الولايات المتحدة عام 2009.

الفصائل، في بيان لها، عدّت أن «المشاركة الأوروبية تجعل تلك الدول عدواً لشعوبنا ومقدساتنا». وتابع البيان: «واشنطن وتل أبيب تحشدان حلفاءهما، وتسعيان إلى استقدام دعم أوروبي للانخراط في الحرب»، محذراً من أن أي تورّط أوروبي «سيقابل بتوسيع دائرة الأهداف».

من جانبه، أفاد مقداد الخفاجي، عضو البرلمان العراقي عن حركة «حقوق» -وهي الجناح السياسي لـ«كتائب حزب الله»- أن البرلمان العراقي سيناقش الأسبوع المقبل إمكانية إلغاء اتفاقية «الإطار الاستراتيجي» الموقعة مع واشنطن عام 2009.

وأردف الخفاجي أن «القوات الأميركية والإسرائيلية استهدفت العديد من مواقع القوات الأمنية والحشد الشعبي والفصائل في العراق... وهي العمليات التي أسفرت عن مقتل 19 شخصاً، وإصابة العشرات من عناصر الحشد الشعبي والقوات الأمنية». واستطرد أن «مجلس النواب سيطرح في الجلسة المقبلة مشروع إلغاء الاتفاقية الأمنية مع الجانب الأميركي لحماية الأجواء العراقية، وفي الوقت نفسه سيُستعان باتفاقية أخرى مع الدول العالمية كروسيا والصين... فالولايات المتحدة أثبتت تآمرها على الشعب والحكومة العراقية باستهداف مواقع أمنية تابعة للحشد، وكذلك مواقع مدنية، واستغلال أجواء العراق لضرب دول أخرى»، حسب تعبيره.

الفصائل المسلحة تعمل على توسيع عملياتها لتشمل أوروبا... بينما تحاول الدبلوماسية العراقية ترميم علاقات بغداد مع دول الجوار

حكومة منزوعة الصلاحيات

كما سبقت الإشارة، بعد نحو ثلاثة شهور على إجراء الانتخابات البرلمانية في البلاد، أخفقت القوى السياسية العراقية في التوافق على انتخاب رئيس جديد للجمهورية وترشيح رئيس جديد للوزراء. وهكذا تحوّلت الحكومة التي يترأسها السوداني بموجب الدستور إلى حكومة «تصريف أمور يومية» بعد انتخاب البرلمان الجديد، إلا أنها تواجه الآن تحدياً صعباً للغاية. وهو يتعلق بكيفية مواجهة تداعيات الحرب الحالية، سواءً في حال استمر غلق مضيق هرمز، أو مواصلة الفصائل المسلحة قصفها للمواقع الأميركية في العراق، مع التهديد بشن عمليات خارجية، وهو ما قد يعقّد موقف العراق عربياً ودولياً.

مع هذا، باشر السوداني رغم أجواء الحرب ممارسة صلاحياته كاملة كقائد عام للقوات المسلحة. هذا الوضع يمنحه مساحة للتحرك، بما في ذلك ضبط التوازنات بين المؤسسات الأمنية ومؤسسات الدولة الأخرى. وفي هذا السياق قد كان أكد أن «الدولة وحدها من يمتلك حق قرار الحرب والسِّلم»، وأن الحكومة ستقف بقوة تجاه أي طرف يحاول جرّ العراق للتورّط في الصراعات، مع التشديد على تحقيق المصالح العليا للشعب العراقي.

السوداني أكد في بيان شديد اللهجة التزام حكومته «بحماية سيادة العراق، وأجوائه ومياهه، ومنع توظيفها بأي شكل في الصراعات الجارية بالمنطقة». وتعهّد بأن «القوات المسلحة العراقية بكل تشكيلاتها وصنوفها ملتزمة بمهامها القانونية بحماية الممتلكات العامة والخاصة، والبعثات والسفارات الأجنبية». وبيّن أن الحكومة تولي أهمية كبيرة للعلاقات العراقية بالمحيط الإقليمي والدولي، من منطلق رئاسة العراق للقمة العربية تسعى إلى تنسيق المواقف بما يؤمن فرض الاستقرار، وإيقاف الأعمال العسكرية، ومنع حدوث المزيد من أسباب العنف. كذلك دعا رئيس الحكومة إلى «توحيد الخطاب بين القوى السياسية الوطنية، والعمل على مواجهة الشائعات، ووجّه الوزارات المعنية بمتابعة تأمين مفردات الأمن الغذائي، والجوانب الخدمية، والتصدّي لأي محاولة لاستغلال الأوضاع الراهنة للتلاعب بالأسعار».

ولكن، على الرغم من هذه المواقف، لم يكن الالتزام على الأرض دقيقاً. وبالإضافة إلى المظاهرات التي ينظمها ليلاً ونهاراً أنصار الفصائل المسلحة على «الجسر المعلّق»، القريب من القصر الحكومي والسفارة الأميركية، في محاولات للوصول إلى مبنى السفارة، فإن هذه الفصائل قصفت طوال الأيام الماضية عدة مواقع عراقية بينها مدينة أربيل، في إقليم كردستان، بحجة تسلّل جماعات كردية عراقية إلى داخل إيران بمساعدة الأحزاب الكردية الإيرانية التي تريد منها واشنطن أن تكون نواةً للغزو البرّي الأميركي انطلاقاً من المناطق الكردية بشمال غربي إيران بهدف إسقاط النظام الإيراني.

وللعلم، أعربت طهران عن قلقها بعد مكالمة هاتفية أجراها الرئيس ترمب مع الزعيمين الكرديين مسعود بارزاني زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني، وبافل طالباني زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني، بشأن ما عدّته تطوراً خطيراً في حال دخل كرد العراق طرفاً في حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران.

وكان علي باقري، نائب أمين عام مجلس الأمن القومي الإيراني، قد أبلغ قاسم الأعرجي مستشار الأمن القومي العراقي، وفق بيان للأخير «بقلق السلطات الإيرانية حيال ما يجري في المناطق الحدودية الكردية بين العراق وإيران». وطالب المسؤول الإيراني العراق باتخاذ الإجراءات اللازمة لمنع أي جماعات معارضة من اختراق الحدود بين البلدين، استناداً إلى الاتفاق الأمني الموقع بين بغداد وطهران.

وبدوره، أفاد الأعرجي بأن العراق يواصل جهوده الدبلوماسية مع مختلف الأطراف لاحتواء الأزمة، ووقف التصعيد، والعودة إلى مسار الحوار، والالتزام الكامل بالاتفاق الأمني بين البلدين، ومنع أي جماعات من التسلل، أو اختراق الحدود الإيرانية، أو تنفيذ أعمال إرهابية انطلاقاً من الأراضي العراقية. كذلك تطرّق الأعرجي إلى إرسال وزارة الداخلية في إقليم كردستان تعزيزات أمنية من قوات «البيشمركة» إلى الشريط الحدودي لتعزيز السيطرة على القاطع الحدودي من جهة أربيل. وجاء هذا بالتزامن مع ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء عن مصادر قولها إن «جماعات كردية إيرانية مسلحة في إقليم كردستان العراق أجرت مشاورات مع الولايات المتحدة خلال الأيام الماضية حول ما إذا كانت ستهاجم قوات الأمن الإيرانية».

كان العراق، من جهته، قد أعلن أواخر العام 2023 عن إخلاء مقار الجماعات والأحزاب الكردية الإيرانية المعارضة للنظام في طهران، والموجودة في أراضي إقليم كردستان بشكل نهائي، تمهيداً لاعتبارهم لاجئين، ضمن اتفاق أمني مبرم بين البلدين.

زيدان «يحل العقدة»

في سياق متّصل، تخلق الحرب الجارية الآن أوضاعاً سياسية واقتصادية غاية في الصعوبة للعراق بسبب غلق مضيق هرمز، وافتقار العراق لبدائل في حال توقف تصدير نفطه، وإعلان البنك المركزي العراقي انخفاض احتياطي العملات الأجنبية. ويفاقم الوضع استمرار الانسداد السياسي داخل القوى الشيعية بسبب رفض رئيس الوزراء الأسبق نوري المالكي التنازل عن ترشحه لمنصب رئيس الوزراء.

ما يذكر، أن المالكي الذي رشحه «الإطار التنسيقي» الشيعي بالغالبية إثر تنازل السوداني -الفائز الأول بالانتخابات- يواجه «فيتو» أميركي يحول دون تمكنه من تشكيل الحكومة. ومع أن دائرة الرافضين لتوليه المنصب بدأت تتسع داخل البيت الشيعي، فإنه، حتى بعد اندلاع الحرب، وحاجة العراق إلى حكومة كاملة الصلاحيات، ما زال يرفض التنازل إلا إذا كان ذلك بإجماع قادة «الإطار التنسيقي». غير أن العقدة لا تقف عند البيت الشيعي، فالبيت الكردي، هو الآخر، يواجه انشقاقاً حاداً يحول دون استكمال حكومة الإقليم رغم مرور أكثر من سنة على تأخر تشكيلها، كما يعوق قدرة الكرد على حسم مرشحهم لمنصب رئيس الجمهورية.

القاضي فائق زيدان، رئيس مجلس القضاء الأعلى، كان اقترح في مقال له نشره في «الشرق الأوسط» الثلاثاء الماضي تحت عنوان: «خطيئة التفسير الخاطئ للدستور» إجراء تعديل للدستور، أو لقانون مجلس النواب العراقي، لتحديد المقصود بـ«الكتلة الأكبر عدداً». وهذا الكتلة يقع على عاتقها تقديم مرشح لمنصب رئيس الحكومة بعد كل انتخابات تشريعية.

زيدان، في مقاله الذي أثار ردود فعل واسعة داخل العراق، أسهم في فك العقدة الخاصة بمفهوم «الكتلة الأكبر» التي هي طبقاً للدستور القائمة الفائزة بالانتخابات. وأيضاً مهد الطريق أمام القوى الشيعية لترشيح السوداني لولاية ثانية كونه هو الفائز الأول عبر كتلته «ائتلاف الإعمار والتنمية». ووفق زيدان، فإن «المادة (76) من دستور جمهورية العراق لسنة 2005 تُعد من أكثر النصوص الدستورية إثارة للجدل، نظراً لارتباطها المباشر بتشكيل السلطة التنفيذية. فقد نصّت على أن يقوم رئيس الجمهورية بتكليف مرشح (الكتلة النيابية الأكثر عدداً) بتشكيل مجلس الوزراء خلال مدة محددة». وأضاف: «غير أن الإشكال الدستوري ظهر في تفسير هذا المصطلح، وهو ما تصدت له المحكمة الاتحادية العليا، في قرارها الصادر بالعدد (25/اتحادية/2010) بتأريخ 2010/3/25 والذي ما زال محل جدل فقهي وسياسي»، مبيناً أن «الإشكال تمحور حول تحديد المقصود بـ«الكتلة النيابية الأكثر عدداً»: أهي الكتلة التي حصلت على أعلى عدد من المقاعد في الانتخابات؟ أم الكتلة التي تتشكل بعد إعلان النتائج من خلال تحالفات داخل مجلس النواب؟».


بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
TT

بيتر ثيل... «عقل» البيانات الذي نقل الحرب إلى زمن القرار الآلي

 تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة
تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة

قد يصعب فهم أثر بيتر ثيل مؤسس شركة «بالانتير» ورئيسها العام لأنظمة تشغيل البيانات في السياسة والحروب من دون العودة إلى الفكرة التي صاغت مساره بعد مشاركته في تأسيس شركة «باي بال». ذلك أنه إذا كانت مكافحة الاحتيال المالي تعني جمع إشارات متناثرة وتحويلها إلى «خريطة خطر» في الوقت الحقيقي، فلماذا لا تُنقل الفكرة إلى مكافحة الإرهاب والاستخبارات ثم إلى ساحة القتال؟ هكذا وُلدت «بالانتير» عام 2003، بوصفها شركة تبني «أنظمة تشغيل للبيانات» أكثر منها شركة برمجيات تقليدية، وتحوّل التراكم الهائل للمعلومات إلى معرفة قابلة للتنفيذ.

في السيرة العامة لبيتر ثيل، من ألمع شخصيات العالم وأخطرها اليوم، يتكرّر خيط واحد: الارتياب من الدولة حين تعجز، والارتياب منها أيضاً حين تتضخّم. لكن الرجل اختار أن يبني جسراً بين الطرفين: إذ يزوّد المؤسّسات الأمنية والعسكرية بأدوات تجعلها «أكثر قدرة»، مع إبقاء المساءلة الأخلاقية والسياسية معلّقة في الهواء. وهو اليوم الرئيس العام «بالانتير»، وشريك في منظومات استثمارية شكّلت ما يُعرف بـ«مافيا باي بال»، وامتدت من رأس المال المغامر إلى السياسة والإعلام.

سيرة ذاتية

وُلد بيتر أندرياس ثيل عام 1967 في مدينة فرنكفورت بألمانيا، لوالديه سوزان وكلاوس فريدريش ثيل اللذين هاجرا مع العائلة إلى الولايات المتحدة عندما كان بيتر في سنته الأولى. وعاشت العائلة في مدينة كليفلاند (بولاية أوهايو)، حيث عمل والده كلاوس مهندساً كيميائياً. ثم عمل في كثير من شركات التعدين، ما تسبب في تنقل بيتر وشقيقه الأصغر باتريك مايكل بكثرة. وللعلم، في حين حصلت والدته على الجنسية الأميركية فإن أباه لم يحصل عليها. وهذا الإحساس المبكّر بالتنقّل والهشاشة المؤسسية، كما يقرأه مقرّبون من مسار ثيل، ترك أثره على نظرته إلى الدولة والسلطة.

درس ثيل في جامعة ستانفورد الشهيرة وتخرّج فيها، وهناك جمع بين القانون والفلسفة وثقافة المناظرة، قبل أن يخوض تجارب قصيرة في عالم المحاماة والمال. ثم ينعطف إلى ما سيصبح «ديناً» لوادي السيليكون الجديد: تحويل الأفكار إلى منصّات تُعيد تعريف الأسواق.

بدايات الثروة والمغامرة

في أواخر التسعينات شارك ثيل في تأسيس «باي بال»، التجربة التي صاغت ثروته الأولى وشبكته الأوسع. وهناك تبلوَرت قناعته بأن الخطر الحقيقي ليس الحدث الظاهر، بل «النمط» المخفي خلف ملايين الإشارات الصغيرة، وأن القدرة على الربط بين بيانات - أو معطيات Data - متفرّقة يمكن أن تمنح المؤسسة، أي مؤسسة، تفوّقاً نوعياً.

وبعد بيع «باي بال» مطلع الألفية، تحوّل إلى مستثمر مبكّر وفاعل حين أسس شركة «فاوندر فند»، وصار اسمه يتردّد بصفته أحد أول المستثمرين الخارجيين في «فيسبوك»، في خطوة رسّخت صورته كمَن يقرأ التحوّلات قبل أن تصبح تياراً جارفاً.

وبالفعل، احتل بيتر ثيل، الذي يعيش في مدينة سان فرانسيسكو، المرتبة الـ293 في «فوربس 400» عام 2011، مع ثروة صافية تقدّر بـ1.5 مليار دولار منذ مارس (آذار) 2012، ثم احتل المرتبة الرابعة في قائمة «فوربس ميداس» لعام 2014 بـ2.2 مليار دولار.

«بالانتير»... واليمين السياسي المحافظ

إلا أن «بالانتير» بقيت مشروعه الأكثر تعبيراً عن شخصية الرجل... إنها شركة تقف على الحد الفاصل بين وادي السيليكون وأجهزة الأمن القومي، وبين هوَس الخصوصية العام وحاجة الدولة إلى أدوات أسرع في الرصد والتحليل. موقع ثيل كرئيس لمجلس إدارة الشركة لسنوات جعل حضوره يتجاوز التمويل إلى تشكيل السردية: التكنولوجيا ليست ترفاً، بل «بنية قوة» في زمن تُخاض فيه الحروب عبر البيانات قبل الصواريخ.

وسياسياً، تحوّل ثيل إلى أحد أبرز وجوه التقاطع بين رأس المال التقني والتيارات اليمينية الجديدة. وهنا لم يكن دعمه العلني لدونالد ترمب عام 2016، ولا خطابه في المؤتمر الجمهوري، مجرّد تفاصيل؛ بل جاء ذلك إعلاناً بأن المعركة على «شكل أميركا» تُدار أيضاً من داخل منظومات التقنية والتمويل. وفي الخلفية، أثارت رهاناته واستثماراته في شركات مرتبطة بالتعرّف إلى الوجوه وتحليلات المراقبة جدلاً متصاعداً حول الحدود الأخلاقية: متى تصبح أدوات «الأمن» شبكة تجسّس، ومتى يتحول «القرار المدعوم بالبيانات» إلى قرارٍ يتخفف من المساءلة؟

من هنا يصبح الخلاف الراهن بين إدارة ترمب و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، وفي طليعتها شركة «أنثروبيك»، امتداداً طبيعياً لعالم صنعه ثيل ورعاه. إنه عالم تتنافس فيه الدولة والشركات، لا على «الفكرة» بل على شروط تشغيلها. فالشركات تحاول وضع قيود أخلاقية وقانونية على نماذجها وخوارزمياتها، بينما تريد المؤسسات الأمنية هامشاً أوسع للاستخدام باسم الأمن الوطني.

وبين الطرفين، تقف منصّات مثل «بالانتير» بوصفها «بوابة الإدماج»... ليست النموذج نفسه، بل الطبقة التي تُدخل النماذج في قلب آلة الدولة، حيث يتحوّل التحليل إلى قرار، ثم إلى فعل... وتصبح معركة الشروط معركة على السيادة وعلى مسؤولية من يضغط الزّر.

«حصّاد البيانات» في ثوب منصة

تقدّم «بالانتير» منصتين أساسيتين، هما: «غوثام» الموجّهة للاستخبارات والدفاع والعمليات الأمنية، و«فاوندري» الموجّهة للحكومات المدنية والشركات.

الفكرة المركزية ليست «امتلاك البيانات» بقدر ما هي «وصل البيانات»، عبر ربط قواعد متفرقة، وتنظيفها، وبناء طبقة دلالية (من الشخص/الكيان؟ ما العلاقة؟ ما الحدث؟). ومن ثم تمكين فرق العمل من تتبّع الأنماط، وبناء سيناريوهات، وتوليد توصيات عمل. هذا ما يجعلها قابلة لأن تصبح «غرفة عمليات» رقمية... من مكافحة الاحتيال، إلى تتبّع الشبكات، إلى التخطيط اللوجيستي، ووصولاً إلى الاستهداف العسكري.

هنا تحديداً تتقاطع «تقنيات الرصد» مع «الحرب». فما كان يُنجَز عبر الاستعانة بفرق تحليل ضخمة تعمل لأيام، بات يمكن ضغطه إلى ساعات أو دقائق، شرط أن تكون خطوط البيانات مفتوحة، أي من خلال: أقمار اصطناعية، ومسيّرات، واتصالات، وسجلات مالية، ونقاط عبور، ومصادر مفتوحة، أي كل ما يوسّع صورة الميدان.

وفي برامج مثل منظومة «مايفن»، التابعة لـ«البنتاغون» (وزارة الحرب الأميركية)، تظهر «بالانتير» بوصفها مشغّلاً برمجياً يرفع «سقف السرعة» في تحويل الرصد إلى قرار. ولقد زادت وزارة الدفاع سقف عقود «مايفن» عبر تعديلات كبيرة، ما يعكس توسع الطلب العسكري على هذا النوع من القدرات.

من الرصد إلى «الضغط على الزناد»

في أحدث تجلّيات هذا التحوّل، تصف تقارير أميركية كيف أصبح الذكاء الاصطناعي، عبر شراكات وتكاملات داخل المنظومات العسكرية، جزءاً من دورة اختيار الأهداف وترتيب أولوياتها في عمليات ضد إيران، وسط جدل سياسي وأخلاقي حاد حول حدود الاستخدام، ومَن يتحمّل المسؤولية عند الخطأ.

واللافت أن «الخصومة» بين «البنتاغون» وبعض شركات الذكاء الاصطناعي لا تدور فقط حول الأسعار أو الملكية الفكرية، بل أيضاً حول شروط الاستخدام: فهل تسمح الشركة بتطبيق نماذجها في مراقبة داخلية واسعة؟ وهل تقبل أن تكون خوارزمياتها جزءاً من أنظمة قد تنزلق إلى «الاستقلال الذاتي» في القتل؟

في هذا المناخ، برزت قضية شركة «أنثروبيك» بوصفها نموذجاً للصدام. إذ إن الشركة تتمسّك بقيود أخلاقية، بينما يضغط مسؤولون في إدارة ترمب و«البنتاغون» لتوسيع نطاق الاستخدام في ملفات الأمن الوطني، وفق ما أوردته تقارير حديثة.

هنا أيضاً يظهر «معنى ثيل» تحديداً: فـ«بالانتير» ليست شركة نماذج لغوية فقط، بل شركة «بنية تحتية تشغيلية» تستطيع إدخال أي نموذج من أي جهة، إلى «خط الإنتاج العسكري»، أي إلى سلسلة الاستشعار، والتحليل، والتوصية، والقرار، والتنفيذ. ومن ثم تصبح المعركة بين الحكومة وشركات الذكاء الاصطناعي معركة على من يتحكم ببوابة الإدماج: النموذج؟ أم المنصة التي تضعه داخل آلة الدولة؟

«المسح الوجهي» والرصد الشخصي

حين يُذكر «المسح الوجهي» بوصفه سلاحاً جديداً، لا يعني هذا أن «بالانتير» شركة كاميرات أو خوارزميات تعرُّف وجوه بحد ذاتها؛ لكنها بحكم طبيعتها التكاملية قادرة على إدخال مُخرجات أنظمة التعرف إلى الوجوه ضمن لوحة واحدة تربط الهوية بالحركة بالاتصالات بالمعاملات.

ومن جهة ثيل، يظهر اسمه مباشرة في ملف الاستثمار المبكّر في شركة «كلير فيو إيه آي» المثيرة للجدل، التي عُرفت بقدرتها على مطابقة الوجوه مع قواعد صور ضخمة جُمعت من الإنترنت، وما أثاره ذلك من مخاوف حقوقية.

بهذا المعنى، يغدو ثيل جزءاً من مشهد أوسع، حيث التزاوج بين رأس مال وادي السيليكون، وشهية الدولة للأدوات السريعة، وتحوّل الخصم من «إرهابي» إلى «دولة» إلى «شبكة سيبرانية»، إلى هدفٍ لا يمكن التعامل معه من دون تفوق معلوماتي. وفي الحروب الحديثة، السيبرانية والتدميرية معاً، لا تعود المعركة على السلاح وحده، بل على «الزمن»، بالذات: من يختصر دورة القرار، ومن يربح ثانية واحدة إضافية في الرصد والتشويش والضرب.

أوكرانيا وإسرائيل... مختبر حرب البيانات

إبان حرب أوكرانيا، نُقل النقاش إلى العلن أكثر. إذ نقلت تقارير موثوقة عن مسؤولين وشركة «بالانتير» أن البرمجيات تُستخدم في مجالات تتّصل بالاستهداف، وتحليل بيانات الميدان، وحتى توثيق ملفات يُراد استخدامها في ملاحقات جرائم حرب.

وفي ملف إسرائيل، ظهرت حساسية أكبر بسبب الاتهامات الحقوقية، إلى حد أن مستثمراً مؤسّسياً نرويجياً أعلن التخارج من أسهم الشركة بسبب مخاوف مرتبطة بعملها هناك، وفق ما أوردته «رويترز».

هذه الأمثلة ليست هامشية في «بروفايل» ثيل، لأنها تشرح كيف انتقلت أدوات جمع البيانات من كونها «مساعدة» إلى كونها «محدِّدة لمسار الحرب». فحين تكون المنصة قادرة على ابتلاع تدفقات متعددة (صورة - إشارة - نص - إحداثيات) وإخراج «قائمة أولويات» في الوقت الحقيقي، يصبح النقاش السياسي والأخلاقي حول القيود أو غيابها، جزءاً من الأمن الوطني نفسه.

من «مايفن»... إلى «تيتان»

وفي السنوات الأخيرة، تقدّمت «بالانتير» خطوة إضافية هي الدخول إلى برامج عسكرية تُجسّد فكرة «المعركة الموصولة» مثل مشروع «تيتان» (عقدة الوصول إلى استهداف الاستخبارات التكتيكية) للجيش الأميركي. وهو نظام يهدف إلى استيعاب بيانات من الجو والبر والفضاء، وتحويلها إلى معلومات استهداف أسرع وأكثر دقة. هذا، وأُعلنت عقود التطوير والنمذجة بوضوح عبر قنوات رسمية وعلاقات مستثمرين، بما يعكس انتقال الشركة من «مزوّد برمجيات» إلى لاعب دفاعي مكتمل الأركان.

وهنا أيضاً، تكتسب قصة ثيل قيمة تفسيرية. ذلك أن الرجل الذي دافع طويلاً عن فكرة أن ليس على التكنولوجيا أن تخجل من الدفاع، يجد في «بالانتير» منصة تقول عملياً إن تفوق الدولة في الحروب المقبلة سيُقاس بقدرتها على «تنظيم البيانات» مثلما يُقاس بقدرتها على امتلاك الذخيرة.

والصدام الذي ظهر أخيراً بين الإدارة و«البنتاغون» من جهة، وبعض شركات الذكاء الاصطناعي من جهة أخرى، ليس تفصيلاً تقنياً. إنه صدام على «شكل القوة الأميركية»... فهل تُبنى على نماذج مغلقة بشروط أخلاقية صارمة تفرضها الشركات لحماية سمعتها؟ أم تُبنى على «منطق الدولة» الذي يريد حرية استخدام أوسع ما دام ذلك تحت عنوان الأمن القومي؟

تقارير حديثة عن التوتر مع «أنثروبيك»، وعن بحث جهات رسمية وشبه رسمية عن بدائل، تضع هذا السؤال في مركز السياسة الدفاعية.وفي هذا السياق، تبدو «بالانتير» ومعها إرث ثيل، أقرب إلى «حلقة الوصل» التي تقلق الجميع. فهي ليست مجرد نموذج ذكاء اصطناعي يمكن التوقف عن استخدامه، بل «بنية تشغيل» إذا استقرت داخل المؤسسات يصبح فِكاكها مكلفاً، وتصبح شروط استخدامها جزءاً من هندسة الدولة نفسها. وهذا ما يفسر لماذا يتحوّل الجدل حول «خوارزمية» إلى جدل حول السيادة، ولماذا تُقرأ الحروب الحديثة، من ساحات أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط، بوصفها حروباً على من يمتلك «منصة القرار» قبل أن يمتلك منصة الإطلاق.


«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
TT

«بالانتير»... صعود شركة تحوّلت من مقاول بيانات إلى لاعب دفاعي

أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)
أليكس كارب، الرئيس التنفيذي لـ"بالانتير" (غيتي)

تبدو شركة «بالانتير» اليوم مثالاً مكثّفاً على التحوّل الذي يعيشه الاقتصاد الأميركي. مثال شركات بدأت كبرمجيات «تحليل بيانات»، ثم اكتشفت أن الدولة، لا السوق الاستهلاكية، هي الزبون الذي يضمن النمو الطويل، وبخاصة مع عودة المنافسة بين القوى الكبرى، وتحوّل الحروب إلى صراعات تُدار بالاستشعار والخوارزميات.

أُسست الشركة عام 2003، واليوم تبلغ قيمتها السوقية نحو 433 مليار دولار (مارس/ آذار 2026). وبحسب تقريرها السنوي عن 2025، بلغ «الرصيد المتبقي من قيمة العقود» أكثر من 11 مليار دولار، بينها 6.8 مليار لزبائن تجاريين، و4.4 مليار لزبائن حكوميين.

وتوضح الشركة أن هذه الأرقام لا تشمل العقود الحكومية غير المموّلة بالكامل، التي يصل سقفها التعاقدي الإجمالي إلى نحو 12.3 مليار دولار. وعلى صعيد العقود الأميركية الكبرى، وقّع الجيش اتفاقاً مؤسّسياً لمدة 10 سنوات بسقف حتى 10 مليارات يدمج 75 عقداً. وأعلنت عقداً ثابت السعر حتى نحو 100 مليون دولار على 5 سنوات لبرنامج «مايفين» مع «البنتاغون»، وعقداً آخر بقيمة 480 مليون دولار لتطوير البرنامج نفسه عام 2024. كذلك أبرمت وزارة الأمن الداخلي اتفاق شراء بسقف حتى مليار دولار، وتشمل العقود الحكومية جهات أميركية وحكومات حليفة خارجياً.

في الخارج، ساهمت الحروب في تسويق «بالانتير» بوصفها «أداة حرب بيانات» بقدر ما هي شركة تقنية. ففي أوكرانيا، نُقل عن الشركة ورئيسها التنفيذي، أليكس كارب، أن البرمجيات تُستخدم في سياقات تتصل بالاستهداف وتحليل الميدان، وفي توثيق ملفات لادعاءات جرائم حرب. وفي إسرائيل، أثارت طبيعة العمل حساسية استثمارية وحقوقية وصلت إلى تخارج مستثمر مؤسسي كبير.

هذا التوسّع السريع لا ينفصل عن موجة «عسكرة الذكاء الاصطناعي» داخل الغرب. هنا الشركات لم تعد تُباع كبرمجيات مكتبية، بل كمنصات تشغيل للقرار. وحين تصبح المنصّة جزءاً من بنية الدولة، يصبح نموها أقرب إلى «قصة اعتماد» طويلة الأجل: عقود متعددة السنوات، وتراكم بيانات، وتكلفة عالية للاستبدال، وهو ما يفسّر كيف تحوّلت «بالانتير» من اسم جدلي في وادي السيليكون إلى عنوان دائم في سوق الدفاع والأمن.