حكاية «داعش»: نهاية «دولة الخرافة»

بلغ التنظيم في عام 2014 قمة قوته... ونهايته في الباديتين العراقية والسورية

حكاية «داعش»: نهاية «دولة الخرافة»
TT

حكاية «داعش»: نهاية «دولة الخرافة»

حكاية «داعش»: نهاية «دولة الخرافة»

أتى تدمير تنظيم «داعش» للجامع النوري الكبير في مدينة الموصل، قاعدة شمال العراق، قبل وصول القوات العراقية إليه، ليعلن رسمياً نهاية «دولة» التنظيم التي كان أعلن عنها من على منبر الجامع نفسه في التوقيت ذاته تقريباً من عام 2014. إذ استطاع النفاذ من التعقيدات الدولية المحيطة بالمنطقة لينطلق في مغامرة «الدولة» التي سماها خصومه «دولة الخرافة» السائرة «عكس السير»، وذلك قبل أن يفرض المنطق نفسه، ويعود إلى مرحلة التنظيم، تمهيداً للاختباء تحت الأرض في منطق «حرب العصابات»... و«الذئاب المنفردة».
تشير كل المعطيات إلى أن تنظيم داعش المتطرف دخل في أطواره الأخيرة، كقوة ذات تأثير. إذ إن تمويله الهائل يكاد ينضب جراء التضييق الدولي والإقليمي عليه، وكذلك قدرته على استقطاب المقاتلين واستثمار الموارد الطبيعية، جراء الحملات العسكرية التي يشنها عليه أكثر من طرف دولي وإقليمي ومحلي. وبالتالي، بات مصطلح «دولة الخرافة» أقرب إلى الواقع الذي عاشه التنظيم خلال السنوات الثلاث الأخيرة.
ويرى الباحث في شؤون الجماعات المتشددة، عبد الرحمن الحاج أن قدرة «داعش» على استقطاب الأجانب ضعفت إلى حد كبير، مشيراً إلى أن قدراته العسكرية تراجعت وموارده المالية أيضاً، كما قتل عدد من قادته العسكريين الذين لعبوا دوراً في تمدده. ويوضح الحاج لـ«الشرق الأوسط» أن أبرز الخيارات التي يلجأ إليها التنظيم اليوم تتمثل في «الانكفاء نحو المناطق الحيوية بالنسبة للتنظيم، ومحاولة تأخير الانكسار الكامل، ولهذا لن يدافع بشراسة عن مناطق ليست مهمة له كمدينة الرقة، فيما قد يستميت في بعض المناطق الأخرى، كالعراق الذي يعتبره حاضنة»، لأن قيادييه السياسيين من العراق. أما الخيار اللاحق فهو الذهاب نحو البادية، كما حصل سابقاً في العراق، حيث تكون ملاحقة قيادييه أكثر صعوبة في المناطق الصحراوية، كما فعل في العراق في وقت سابق.

إعادة تموضع شاملة
التنظيم بدأ فعلياً في إعادة تموضع شاملة، ففي سوريا، أخلى مناطق واسعة في جنوب شرقي سوريا والقلمون الشرقي، موجهاً قواته باتجاه البادية السورية، حيث تخوض قوات المعارضة معارك ضده، بموازاة استكمال انسحاباته من قرى ريف محافظة حلب الشرقي، حيث يخوض النظام هجمات ضده. وهو ما يشير إلى أن التنظيم ينفذ «إعادة تموضع» في سوريا، بالنظر إلى أن بعض المناطق التي انسحب منها، لم تشهد عمليات عسكرية عليه، وتطرح أسئلة عن مرحلة «ما بعد الرقة».
ويحول التنظيم المتطرف قواته باتجاه البادية السورية التي تمتد من جنوب الرقة شمالاً، باتجاه ريف محافظة حماة الشرقي وريف محافظة حمص الشرقي وشرق محافظة ريف دمشق وريف محافظة دير الزور المتصل بالحدود العراقية، وأيضاً المنطقة الصحراوية العراقية. ويقوم النظام السوري بملاحقته في تلك المنطقة الخالية، إذ انسحب التنظيم من أكثر من 7 آلاف كيلومتر مربع إثر المعارك مع النظام وحلفائه.
و«إعادة التموضع» في العلم العسكري، تعني أن الوضع الميداني والعملياتي لم يعد لصالح القوة العسكرية، فتجبر على إعادة تموضع لخوض معركة دفاعية، وانتشار جديد. ويؤكد خبراء أن استعادة الرقة السورية وتلعفر والموصل في العراق «لا تعني عسكرياً انتهاء التنظيم عسكرياً، بالنظر إلى أنه سيكون قد هُزم، لكنه سيعود إلى تطبيق الاستراتيجية المفضلة له وهي (سمكة الصحراء)، أي أنه سيذوب في بادية الشام وصحراء الأنبار ويستغل الطبيعة القاسية للمنطقة تحضيراً لشن حرب عصابات على كل من يعاديه».
وحقاً، انحسر نفوذ «داعش» في سوريا إلى أقل من ربع المساحة الجغرافية للبلاد، إثر الهجمات المتواصلة ضده التي أبعدته عن معظم المدن والمراكز الحيوية إلى البادية السورية، بينما يتواصل تراجعه إثر المعارك المتواصلة ضده في معقله في الرقة، وفي البادية، تحت غطاء جوي دولي. ويقول مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» رامي عبد الرحمن لـ«الشرق الأوسط»، إن مواقع سيطرة «داعش» في سوريا تراجعت إلى نسبة تتراوح بين 22 و25 في المائة من مساحتها، وتتركز في معظمها في مناطق خالية في البادية. ويشير إلى أن التنظيم «خسر كثيراً من مناطق نفوذه إثر إغلاق الحدود التركية بعد حادثة شارلي إيبدو في فرنسا، وافتقاده إلى المقاتلين الأجانب الذين شكلوا رأس الحربة في عديد التنظيم العسكري، فضلاً عن الإنشاءات الحيوية التي كانت توفر له المال، إضافة إلى الضربات الجوية الأميركية والروسية التي استنزفته، وأفقدته السيطرة على شريط حدودي حيوي في تل أبيض وغيرها من المواقع الجغرافية الحيوية».

تضعضع في صفوفه
وإثر الضربات، يعاني التنظيم من «تضعضع» في صفوفه، وفقدان السيطرة على قواته الموجودة في الميدان العسكري، إثر انقطاع تواصلهم مع القيادة. وحسب كلام مصدر سوري معارض في شرق سوريا لـ«الشرق الأوسط»، فإن «داعش»، ومنذ اغتيال قيادييه الكبار، «فقد السيطرة بين القيادة المركزية والقادة الميدانيين، وخسر كثيراً من نقاط القوة العسكرية والإعلامية، وهو ما أدى إلى فقدانه ميزة أساسية امتاز بها في البداية وأسهمت في توسيع سيطرته».
ووفق المصدر نفسه، فإن التنظيم «تمدد في خواصر رخوة حين كانت القوات المتحاربة في سوريا تتقاتل، وبدأ ينحسر بفعل الهدنات والاتفاقات التي حيدت المعارك الجانبية ودفعت الأطراف لتركيز جهودها على التنظيم»، لافتاً إلى أن الدعم الدولي من التحالف لميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد)، والدعم الروسي للنظام السوري «أسهما في إضعافه بشكل كبير في الميدان».
ويذكر أن التنظيم استطاع عام 2014 تشكيل 8 ولايات توزعت على 9 محافظات سورية هي دمشق وحمص وحلب والرقة ودير الزور وحماة والحسكة وريف دمشق والسويداء، بالإضافة لوجود جيش مبايع له في حوض اليرموك بريف محافظة درعا الغربي، ووصلت مساحة سيطرته لنحو 90 ألف كيلومتر مربع من الأراضي السورية بنسبة نحو 50 في المائة من مساحة البلاد. إلا أنه عاد في العام الثالث ليخسر مساحات واسعة من المناطق التي كانت خاضعة لسيطرته تبلغ عشرات آلاف الكيلومترات، حيث خسر آخر منافذه مع العالم الخارجي، بعد دخول تركيا في عملية «درع الفرات»، وعشرات القرى والبلدات والمدن من ريفي حلب الشرقي والشمالي الشرقي لحلب، ولم يتبقّ له سوى قرى متناثرة في ريف حلب الجنوبي الشرقي، بالقرب من طريق حلب - خناصر - أثريا.
كذلك خسر المساحة الممتدة من معبر تل كوجر على الحدود السورية - العراقية في مثلث الحدود السورية - العراقية - التركية، وصولاً إلى ريف الشدادي الجنوبي وإلى الغرب من منطقة مركدة، وصولاً إلى ضفاف الفرات الشرقية، فضلاً عن مساحات واسعة من ريف الرقة الجنوبي الغربي وكامل الريف الغربي للرقة ومساحات واسعة من البادية السورية بما فيها منطقة اللجاه بريف درعا الشمالي الشرقي، مروراً بتدمر والقريتين والبادية السورية، وصولاً إلى جنوب محطة «التي تو» بريف دير الزور الجنوبي الشرقي، إضافة لخسارته كامل وجوده في محافظة حلب باستثناء وجوده في ريف حلب الجنوبي الشرقي.

وضعه في العراق
أما في العراق، فلم يعد «داعش» يسيطر سوى على 6.8 في المائة من مساحة العراق بعدما كان استولى على 40 في المائة من البلاد عام 2014. ووفق العميد يحيى رسول المتحدث باسم قيادة العمليات المشتركة في مؤتمر صحافي في بغداد، فإن «المساحة المسيطر عليها (من التنظيم) لغاية 31 مارس (آذار) 2017 تبلغ 6.8 بالعشرة من مساحة العراق بعدما كانت تبلغ 108.405 ألف كلم مربع، أي 40 في المائة من مساحة العراق بعد تمدده في العاشر من يونيو (حزيران) 2014». ويرى الحاج أن انكسار التنظيم في العراق وسوريا «سيؤثر عليه بالتأكيد، لكن أي انتصار قد يحققه في المناطق الأخرى قد يفتح له باب التجنيد مجدداً»، مشيراً إلى أن العمليات التي يقوم بها في الغرب تهدف إلى التأثير على المضطهدين اجتماعياً واستقطابهم إلى دائرته. ولا يسقط احتمال انتقال التنظيم إلى دول أخرى مثل إيران ومصر وليبيا، لافتاً إلى أن العملية الأخيرة التي نفذها في طهران «توضح وجود مسار في هذا الاتجاه يهدف إلى تجنيد السنة الإيرانيين المضطهدين من النظام الإيراني، وعملية طهران تشي بأنه بدأ التواصل مع هؤلاء».
ويرى الباحث في شؤون الجماعات المتشددة حسن أبو هنية أن «داعش» سيتجه لتطبيق الاستراتيجية التي طبقها تنظيم القاعدة في العراق في عام 2008. ويقول: «هناك نموذج سابق في العراق 2008، حيث نفذ تنظيم القاعدة خيارين؛ أولهما هو العودة إلى حرب العصابات وإعادة التموضع في الصحراء والقرى البعيدة، بينما يتمثل الخيار الثاني في إعادة التموضع في المدن المكتظة من خلال الوجود الأمني على شكل خلايا نائمة، وهو ما سهل اقتحام الموصل في عام 2014 لدى إعلان دولته المزعومة في العراق والشام».
ويشير أبو هنية إلى أن عودة «القاعدة» في ذلك الوقت إلى الصحراء «قلصت العمليات الانتحارية، لكن لم تلغها، رغم انخفاضها للنصف، ذلك أن القدرة التشغيلية للتنظيم حافظت على مستوى عملياتي لها، حيث تواصلت الاغتيالات والتفجيرات العمليات الانتحارية والانتقامية». ويضيف: «انطلاقاً من تلك التجربة، فإن خيارات (داعش) اليوم واضحة، مثل خيارات (القاعدة)، وقد أعلن عنها في وقت سابق المتحدث باسم (داعش) أبو محمد العدناني في آخر خطاب له قبل مقتله، حين أشار إلى أن التنظيم جاء من الصحراء، وسيعود إليها». ويؤكد أبو هنية أن «داعش» عراقي في الأساس «مر في تجربة بناء قامت على يد أبو مصعب الزرقاوي، وكانت تلك تجربة استثنائية، لكن اليوم باتت له نواة صلبة في قلب المنشأ في العراق»، مشدداً على أن «البنية الصلبة له هي البنية العراقية، بينما استخدم قضية الخلافة بهدف التحشيد واستقطاب 35 ألف مقاتل أجنبي إليه».

لا حروب مدنية
وعن الاستراتيجية التي سيتبعها التنظيم، يتوقع أبو هنية أن التنظيم «سيتخلى عن حروبه المدنية، لأنها باتت مكلفة عليها، وسيستعيض عنها بحرب العصابات والحروب الهجينة. لكنه في هذا الوقت سينتظر خللاً آخر، كما حصل إبان حكومة المالكي، وسينتظر تفكك التحالفات السياسية لإعادة استنهاض نفسه»، لافتاً إلى أن «المنطقة حبلى بالخلل، وأسباب استنهاض التشدد ذلك أن مرحلة ما بعد (داعش) ستكون أسوأ من مرحلة ما قبله على صعيد البنية التحليلية المسببة لقيامه، ومنها التهميش».
ويضيف أبو هنية: «الأمور معقدة. يشكل (داعش) الآن نوعاً من الفضيلة بالنسبة للأقطاب السياسية التي اتفقت على محاربته، فهو يحصر الصراعات والعداءات به. وإذا اختفى، ستنفجر كلها دفعة واحدة»، لافتاً إلى أن هناك أسباباً كثيرة «من بينها وجود الحشد الشعبي بعد مرحلة القضاء على (داعش)، في وقت لا توجد فيه حلول حقيقية في سوريا، وهناك تنازع، مما يعني أن الظروف الموضوعية لاستنهاض نفسه في سوريا والعراق لا تزال حاضرة وتزداد سوءاً». ويتابع الخبير الأردني: «أميركا خلقت مناخاً معقداً بعد غزو العراق في 2003، أسهم إلى حد كبير في نشوء التطرف، وباتت الجهادية العالمية جزءاً من بنية العراق بعد الغزو، حيث يستثمر المتطرفون بخطاب المظلومية السنية لجلب المقاتلين». ومع ذلك، يؤكد أبو هنية أن «التنظيم عراقي، وستبقى قيادته عراقية في إعادة تموضعه الجديد، حتى لو لم يبقَ أبو البغدادي زعيماً له». ويرى عبد الرحمن الحاج أن التنظيمات المتشددة الأخرى تنظيمات «نخبوية»، فيما أن التنظيم حاول أن ينقل نفسه من منطق النخبة إلى الشعبوية، لأنه لم يكن يشترط إيماناً معقداً، بل مجرد الولاء.

«داعش»... صعود وهبوط
أسس أول أشكال التنظيم المتطرف في عام 2004، عندما أنشأ الأردني «أبو مصعب الزرقاوي» تنظيم «قاعدة الجهاد في بلاد الرافدين»، وقاد حملة دموية ضد الحكومة العراقية والقوات الأميركية، نفذت سلسلة من التفجيرات الانتحارية بواسطة شاحنات محملة بالمتفجرات أدت لمقتل الآلاف.
وفي يونيو 2006، قتل الزرقاوي في غارة جوية أميركية قرب بعقوبة عاصمة محافظة ديالى شمال بغداد، وحل مكانه في قيادة التنظيم «أبو أيوب المصري» الذي أعلن تأسيس «الدولة الإسلامية في العراق» في محاولة لاسترضاء سنّة العراق الذين بدأوا في ملاحقة عناصر «القاعدة» في العراق من خلال «الصحوات» التي ساعد الأميركيون في تشكيلها. لكن «المصري» قتل في أبريل (نيسان) 2010 عندما فجر حزاماً ناسفاً كان يرتديه بعد وقوعه في كمين نصبته القوات الأميركية والعراقية، وتولى قيادة التنظيم من بعده العراقي «أبو بكر البغدادي».
ودخل التنظيم بقوة على ملف الأزمة السورية، مستغلاً حالة الفوضى القائمة في المنطقة، فأعلن في 9 مايو (أيار) 2013 عن اندماج «الدولة الإسلامية في العراق» وفرع القاعدة في سوريا «جبهة النصرة» لتشكيل «داعش» (الدولة الإسلامية في العراق والشام).
كان عام 2014 فترة ذهبية للتنظيم، فقد احتل في 4 يناير (كانون الثاني) مدينة الفلوجة التي تقع على بعد 43 ميلاً إلى الغرب من العاصمة العراقية بغداد بعد عدة أيام من القتال. وفي المقابل استولى التنظيم في 14 يناير على مدينة الرقة السورية بعد معارك مع جماعات سورية معارضة أخرى وتحولت المدينة إلى مقر قيادة التنظيم.
ومع اتضاح خطورة المشروع، طردت المعارضة السورية في 20 يناير التنظيم من مدينة حلب وريف حلب الغربي. وبعدها انفصلت «النصرة» عن التنظيم. وأعلن زعيم تنظيم القاعدة أيمن الظواهري في 3 فبراير (شباط) فك الارتباط بـ«داعش» وأن لا صلة للقاعدة بهذه الجماعة ولم تستشر القاعدة في تأسيسها.
وفي 10 يونيو، احتل التنظيم مدينة الموصل بعد فرار آلاف الجنود العراقيين منها. وفي اليوم التالي احتل التنظيم مدينة تكريت، مسقط رأس الرئيس العراقي السابق صدام حسين وفر نحو 50 ألف مدني من المدينة.
منتشياً بانتصاراته هذه، خرج البغدادي من مخبئه، وأعلن تسجيلاً مصوراً للناطق باسم التنظيم «أبو محمد العدناني» في 29 يونيو إقامة «الخلافة الإسلامية» وتنصيب البغدادي «خليفة للمسلمين» وحذف كلمتي العراق والشام من اسمها وإلغاء الحدود بين العراق وسوريا. وفي 4 يوليو (تموز)، ظهر البغدادي علناً لأول مرة ملقياً خطبة في الجامع النوري في الموصل للإعلان الرسمي.
بعدها بدا الحراك لوقف زحف التنظيم الذي «كسر الحدود» بين العراق وسوريا، فأعطى الرئيس الأميركي باراك أوباما في 7 أغسطس (آب) الإذن بشن غارات جوية لوقف زحف التنظيم إلى مدينة أربيل، عاصمة إقليم كردستان العراق، ولكسر الحصار الذي فرضه مسلحو التنظيم على جبل سنجار الذي فر إليه آلاف الإيزيديين هرباً من عمليات القتل الجماعي. وتكرر الأمر نفسه في 19 سبتمبر (أيلول) لوقف زحف التنظيم نحو بلدة عين العرب (كوباني) السورية الشمالية التي حاصرها لمدة 4 أشهر وكانت فيهما بداية نهايته العسكرية.

مرحلة القصف الجوي
في 22 سبتمبر 2015 بدأت الولايات المتحدة ودول عربية في مقدمتها المملكة العربية السعودية والإمارات والأردن والبحرين بحملة قصف جوي على أهداف التنظيم في سوريا، كانت أولى نتائجها فك الحصار عن مدينة عين العرب وتراجع التنظيم فيها. لكن التنظيم لم يعترف بتراجعه، فباشر حملة ذبح واسعة النطاق للرهائن الغربيين والعرب.
ويذكر أنه في 17 مايو 2015 سقطت مدينة الرمادي، مركز محافظة الأنبار العراقية في يد التنظيم رغم تدخل الطيران الأميركي ومشاركته في المعارك إلى جانب القوات العراقية. وفي 21 مايو سقطت مدينة تدمر السورية الأثرية بيد التنظيم بعد معارك مع النظام السوري، وهكذا بات التنظيم يسيطر على نصف مساحة سوريا بما في ذلك كل الحدود بين سوريا والعراق بعد الاستيلاء على معبر التنف بين البلدين. وفي اليوم التالي، 22 مايو سجل أول هجوم انتحاري للتنظيم في السعودية أدى إلى سقوط أكثر من 20 شخصاً خلال صلاة الجمعة.
في المقابل، يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 استعاد مسلحو البيشمركة الأكراد مدينة سنجار بشمال العراق من قبضة التنظيم بمساعدة طيران التحالف، وشهدت العاصمة الفرنسية باريس هجمات دامية أسفرت عن مقتل 129 شخصاً وتبناها التنظيم. ويوم 28 ديسمبر (كانون الأول) استعادت القوات العراقية مدينة الرمادي من قبضة التنظيم ورفعت العلم العراقي فوقها.
كعادته مع كل ضربة يتعرض لها، بدأ التنظيم بالمشاغبة، فدمر في 20 يناير 2016 دير مار إيليا، أقدم دير بالعراق، ويوم 22 مارس نفذ سلسلة هجمات في العاصمة البلجيكية بروكسل أسفرت عن مقتل 30 شخصاً.
وتواصل مسلسل الهزائم الداعشية، ففي 26 يونيو، أعلن الجيش العراقي استعادة مدينة الفلوجة وتحريرها بالكامل. ثم في 8 أغسطس طردت ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» التي يشكل المقاتلون الأكراد عمودها الفقري التنظيم من مدينة منبج بعد معارك استمرت 73 يوماً. ويوم 25 أغسطس دخلت تركيا على خط وراثة مناطق نفوذ التنظيم، فأطلقت عملية عسكرية باسم «درع الفرات» ودخلت مدينة جرابلس الحدودية وطردت التنظيم منها بسرعة.
وفي 30 أغسطس من العام نفسه، تلقى التنظيم ضربة موجعة، إذ قتل الناطق باسم التنظيم «أبو محمد العدناني» في غارة جوية أميركية قرب مدينة الباب السورية، وبعدها بأسبوعين قتل «خليفته» وائل عادل سليمان الملقب بـ«أبو محمد فرقان»، مسؤول الدعاية في التنظيم وإنتاج الأفلام الدعائية بغارة أخرى.
كان عام 2017 الأسوأ على التنظيم، حيث بانت نقاط ضعفه، وعزل عن الحدود التركية. وفي 23 فبراير منه أعلنت تركيا السيطرة على مدينة الباب وطرد التنظيم منها بعد معارك دامية قتل فيها عشرات الجنود الأتراك. وفي 14 أبريل، قتل «مفتي» التنظيم في غارة جوية بالموصل. ويوم 21 يونيو، فجر «داعش» الجامع النوري في الموصل ومئذنته «الحدباء» الشهيرة، إيذاناً بدخول القوات العراقية آخر معاقله فيها.



الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
TT

الحرب الإيرانية تعمّق أزمات الاقتصاد المصري

مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)
مبنى البنك المركزي المصري (أ.ب)

بينما كانت الحكومة المصرية تستعد لما تعهدت به من جني ثمار الإصلاح وتخفيضات غير مسبوقة في قيمة الديون، جاءت الحرب الإيرانية لتعمّق أزمات الاقتصاد المصري، وتعيق مسار الإصلاح والتنمية، مع محاولات لم تكتمل للتعافي والتقاط الأنفاس من صدمات جيوسياسية متلاحقة عصفت باقتصاد البلاد منذ جائحة «كوفيد - 19». وهكذا وجدت القاهرة نفسها في مواجهة أزمة طاقة عالمية دفعتها لإجراءات استثنائية، آملة أن تنجح في امتصاص الصدمة. لقد اندلعت الحرب الإيرانية بينما كانت مصر تعوّل على تدفقات استثمارية مستقرة، وموسم سياحي قوي، لا سيما مع تحقيق السياحة معدلات «غير مسبوقة»، باستقبالها نحو 19 مليون سائح خلال العام الماضي، بمعدل نمو بلغ 21 في المائة، مقارنة بالعام السابق له، ومع استقرار ملحوظ في قيمة العملة المحلية في مقابل الدولار تحت حاجز الخمسين جنيهاً. لكن حالة الاستقرار والتفاؤل التي دفعت رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في وقت سابق للتعهد بتخفيض الديون بنسب غير مسبوقة، تبدّلت مع أولى شرارات الحرب، لتتوالى التحذيرات الرسمية من تداعيات وخيمة للتصعيد على الأوضاع الاقتصادية. ولمواجهة الأزمة فعّلت الحكومة المصرية «غرفة الأزمات التابعة لمجلس الوزراء» بهدف ضمان استقرار شبكة الطاقة الكهربائية وأرصدة السلع الغذائية.

التحذيرات الرسمية المصرية من تداعيات وخيمة للتصعيد الحربي على الأوضاع الاقتصادية تزامنت مع ارتفاعات قياسية للعملة الأميركية لتقترب من حاجز الـ55 جنيهاً للدولار الواحد قبل أن يسترد الجنيه جزءاً من قيمته مع الإعلان عن وقف العمليات العسكرية لمدة أسبوعين (الدولار بـ53.15 جنيه). وكذلك استمر تراجع عائدات قناة السويس مع إعلان شركات شحن كبرى وقف العبور في الممر الملاحي.

الغاز في مقدمة الصدمات

مع بداية الحرب، أعلنت إسرائيل إغلاقاً مؤقتاً لبعض حقول الغاز كإجراء أمني، فأكدت وزارة البترول والثروة المعدنية المصرية تنفيذ حزمة من الخطوات الاستباقية، مستهدفة تأمين إمدادات الطاقة للسوق المحلية من الغاز الطبيعي والمنتجات البترولية.

وتبعت ذلك قرارات وصفت بـ«الاستثنائية» لرفع أسعار المحروقات بنسب تتراوح بين 14 و30 في المائة، تزامناً مع إجراءات موازية لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، ورفع أسعار تذاكر القطارات والكهرباء.

وحقاً، «تعرّضت مصر لضغوط قوية نتيجة ارتفاع أسعار النفط والغاز الطبيعي المُسال، حيث تعتمد مصر على الاستيراد لتغطية نحو ثلث احتياجاتها من الغاز الطبيعي، وتأتي نصف الواردات من إسرائيل»، بحسب ديفيد باتر، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في «تشاتام هاوس» - وهي مؤسسة فكرية بحثية بريطانية - كما أشار، في تقرير نشر أخيراً.

في تقريره الصادر في الأول من أبريل (نيسان)، أفاد «المجلس الوطني المصري للتنافسية» بأن «الحرب تحوّلت بالفعل إلى صدمة اقتصادية ذات طابع نظامي، تتمحور حول الطاقة، والشحن، والتأمين، والتضخم، وانتقال أثر الثقة، وليس مجرد مواجهة عسكرية إقليمية». وأضاف المجلس أن التقديرات تشير إلى احتياج مصر إلى نحو 3.75 مليار دولار لمشتريات طارئة من الغاز الطبيعي المسال، وأن كل زيادة قدرها 10 دولارات في سعر النفط قد تُفاقم عجز الحساب الجاري بنحو 2.5 مليار دولار.

بدوره، قال الدكتور نبيل زكي، أستاذ الاقتصاد الدولي والتمويل في جامعة نيويورك بالولايات المتحدة، لـ«الشرق الأوسط»، إن «حالة عدم اليقين بشأن الأوضاع الإقليمية تهدد أي انفراجة اقتصادية»، لافتاً إلى ما وصفه بـ«سوء الحظ»، لكون حرب إيران جاءت بعد شهور من الاستقرار الاقتصادي النسبي في مصر لتعصف بالأوضاع وتوقف التقدم والنمو قبل اكتماله.

وأردف زكي أن «فاتورة استيراد الغاز والمنتجات البترولية في مصر بلغت نحو 20 مليار دولار في موازنة العام الماضي التي قدّرت سعر برميل النفط بـ69 دولاراً، ما يعني زيادة الفاتورة بنسبة كبيرة مع اقتراب سعره من 100 دولار للبرميل».

من جهته، صرّح الدكتور عبد النبي عبد المطلب، الخبير الاقتصادي ووكيل وزارة التجارة المصرية للبحوث الاقتصادية سابقاً، لـ«الشرق الأوسط»، بأن «أزمة الغاز ومشاكل الطاقة ليست جديدة في مصر، لكنها تبدو أكثر وضوحاً في ظل الأزمات... وثمة ضرورة للتعامل معها عبر خطة طويلة الأمد بعيداً عن سياق معالجة الأزمة». واقترح «التوسع في استخدام الطاقة الشمسية، جنباً إلى جنب مع السير في مسار استكشاف حقول غاز جديدة».

حقل نفطي مصري في الصحراء الغربية (آجنزيا نوفا)

اقتصاد مصر ليس معزولاً عن العالم

من جهة ثانية، وفقاً لتصريحات رئيس البنك الدولي أجاي ‌بانجا، الأسبوع الماضي، فإن «الحرب ستؤدي إلى تباطؤ نمو الاقتصاد العالمي وارتفاع التضخم بغض النظر عن سرعة انتهائها». والأمر ذاته أكدته مديرة صندوق النقد الدولي كريستالينا جورجييفا في تصريحات لـ«رويترز»، الأسبوع الماضي، موضحة أن «الحرب في الشرق الأوسط ستؤدي إلى ارتفاع التضخم وتباطؤ النمو العالمي».

صدمات متتالية

الواقع أنه دائماً ما تُرجع مصر أزماتها الاقتصادية إلى ظروف جيوسياسية، وهنا، يوضح الخبير الاقتصادي الدكتور مصطفى بدرة لـ«الشرق الأوسط»، أن حرب إيران «فاقمت أزمات مصر الاقتصادية... وأن مصر منذ عام 2020 واجهت صدمات متكررة بدأت بجائحة (كوفيد – 19) التي أدت إلى تباطؤ النمو الاقتصادي في العالم، ما أثر على حركة الاستثمار. وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الجائحة جاءت الحرب الروسية - الأوكرانية لتؤثر على السياحة وعلى فاتورة استيراد القمح».

ويضيف بدرة: «لقد تراكمت الأضرار الاقتصادية للأزمات الجيوسياسية حتى جاءت حرب غزة وأثرت على إيرادات قناة السويس، وقبل أن تتعافى مصر من تداعيات الأزمات المتتالية جاءت حرب إيران لتزيد من أزمات اقتصاد مصر».

عودة إلى الدكتور نبيل زكي، الذي أوضح أن «مصر شهدت أزمات متتالية منذ عام 2016 لتبدأ مسار إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي ركز على أسعار الصرف، وضبط أوضاع المالية العامة، مع محدودية التوسع في القدرة الإنتاجية، ما يفسر استمرار مصر في مواجهة أزمات سيولة متكررة واللجوء المتكرر إلى برامج الدعم المالي الدولي». واستطرد شارحاً أن «هيكل إيرادات مصر يعتمد بشكل كبير على مجموعة محدودة من مصادر الدخل الحساسة للعوامل الخارجية، بما يجعل اقتصادها عرضة للصدمات الخارجية، وحساساً للمخاطر الجيوسياسية، من بينها الأموال الساخنة والسياحة وقناة السويس».

جدير بالذكر هنا أن تقرير باتر تطرّق إلى «سحب استثمارات بقيمة 6 مليارات الدولار من سوق محافظ الاستثمار الأجنبية». وتعد «الأموال الساخنة» من مصادر التمويل التي تعتمد عليها مصر، وكان العملاء الأجانب يمتلكون نحو 45.7 مليار دولار من أذون الخزانة بالجنيه المصري في نهاية سبتمبر (أيلول)، بحسب النشرة الإحصائية الشهرية للبنك المركزي.

وفي نهاية الأسبوع الأول من مارس (آذار)، أعلنت البورصة المصرية بيع مستثمرين عرب وأجانب أذون خزانة محلية بقيمة 2.2 مليار دولار، في إطار اتجاه للمستثمرين الأجانب إلى الخروج من الأسواق الناشئة، ومن بينها مصر، بسبب استمرار حرب إيران.

لترشيد الاستهلاك بدأت الحكومة سلسلة إجراءات منها تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية التاسعة ليلاً

إجراءات حكومية

لترشيد الاستهلاك، بدأت الحكومة المصرية بنهاية الشهر الماضي تطبيق قرار إغلاق المحال والمطاعم والمراكز التجارية في الساعة التاسعة مساءً يومياً، باستثناء يومي الخميس والجمعة في الـ10مساءً، ما عدا المخابز ومحال البقالة والصيدليات، إضافة إلى المحال العامة والمنشآت السياحية في بعض المحافظات.

أيضاً، قررت تطبيق نظام العمل عن بُعد، يوم الأحد، بدءاً من أبريل الحالي لمدة شهر مع استثناء المصانع والمصالح الخدمية. وقال الدكتور عبد المطلب إن «هذه الإجراءات، وإن كانت قد وفرت في الاستهلاك اليومي للكهرباء ما نسبته 10 في المائة من واقع التصريحات الرسمية، فإن لها تداعيات سلبية تتمثل في تراجع الدخول والتأثير على القوة الشرائية والطلب الفعال». وتابع أن «حالة عدم اليقين بشأن التوترات الإقليمية تشكل عوامل ضغط على الاقتصاد وعلى إيرادات السياحة وقناة السويس».

وهنا نذكّر بأنه سبق للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن حذّر مراراً من تداعيات التوتر الإقليمي على الملاحة بمنطقة البحر الأحمر. وأعلن، مطلع مارس الماضي، أن مصر «خسرت نحو 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس إثر الحرب في غزة». وبالفعل، سجلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة لتحقق 3.9 مليار دولار مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023. وثمة تخوّفات الآن من تراجع عائدات السياحة التي سجّلت قفزة كبيرة في معدلات الإقبال والإشغال العام الماضي.

سبل التعافي

رغم ذلك، أشار صندوق النقد الدولي إلى أن «مرونة سعر الصرف سمحت للعملة بأداء دور ممتص للصدمات لاحتواء جزء من الضغوط الخارجية، إلى جانب الحفاظ على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي».

وأعلن البنك المركزي المصري، خلال الأسبوع الماضي، ارتفاع صافي ‌احتياطات البلاد من النقد الأجنبي إلى 52.831 مليار ‌دولار ‌في مارس من ‌52.746 مليار ‌خلال فبراير (شباط) الذي سبقه.

وبحسب «المجلس الوطني المصري للتنافسية»، فإن الاقتصاد المصري من أكثر الاقتصادات تضرراً في المنطقة، بسبب «ضغط عدة قنوات معاً؛ وهي تكلفة الطاقة المستوردة، تضخم الغذاء، هشاشة إيرادات قناة السويس، حساسية السياحة، ضغوط سعر الصرف، وتشدد شروط التمويل السيادي».

وخلص «المجلس» إلى أن «الخطر الأكبر على مصر لا يتمثل في صدمة منفردة، بل في تراكم عدة ضغوط تتحول مجتمعة إلى مشكلة أوسع في الاقتصاد الكلي وبيئة الأعمال والتنافسية».

هذا، وقد أكد الدكتور زكي أن «التعافي سيستغرق وقتاً يتجاوز الشهور الأربعة بعد توقف العمليات العسكرية تماماً»، وقال الدكتور بدرة إن «التعافي ليس سهلاً، وله آليات ومؤشرات من بينها تحسن قيمة العملة وعودة السياحة والتصدير والاستثمارات وتقليل التضخم وعجز الموازنة، وهذه أمور يتطلب تحقيقها قدراً من الاستقرار واليقين».

وبالتوازي، بينما تعوّل الحكومة على إجراءاتها الاستثنائية لمواجهة تداعيات الحرب واستكمال الإصلاح، يظل ملف الديون الخارجية أحد عوامل الضغط الرئيسة، حيث من المفترض أن تسدد مصر نحو 50.8 مليار دولار من ديونها الخارجية بنهاية سبتمبر المقبل، بحسب البنك الدولي، الذي أشار إلى ارتفاع الدين الخارجي بنحو 2.48 مليار دولار خلال الربع الثالث من 2025 ليسجل 163.7 مليار دولار.

الأزمات السياسية والجنيه المصري

على صعيد آخر، منذ أحداث يناير (كانون الثاني) عام 2011، نذكر أن مصر تعرّضت لتقلبات سياسية وأزمات داخلية وخارجية، انعكست على حال الاقتصاد والظروف المعيشية للمواطنين، وواكبتها رحلة تراجع للجنيه المصري أمام الدولار بلغت ذروتها مع أزمة «شح الدولار»، بخروج نحو 20 مليار دولار بين يناير وسبتمبر 2022.

واليوم تتزايد أهمية «العملة الصعبة» بوصفها مؤشراً على الاقتصاد، مع اعتماد مصر على الاستيراد، حيث تجاوزت فاتورة الواردات في العام المالي 2024 - 2025 ما قيمته 91 مليار دولار، بارتفاع نسبته 29 في المائة عن العام المالي السابق، بحسب الإحصائيات الرسمية.

وتعرّضت العملة المحلية لصدمات عدة بدأت من حالة اللااستقرار التي أعقبت أحداث 2011، مروراً بالحرب على الإرهاب التي تجاوزت تكلفتها 120 مليار جنيه خلال عشر سنوات، وفق التقديرات الرسمية المصرية، ثم جائحة «كوفيد - 19» والحرب الروسية الأوكرانية و«حرب غزة»... وأخيراً الحرب الإيرانية.

أيضاً، سجلت الفترة اللاحقة لأحداث يناير 2011 بداية تراجع سعر صرف العملة المحلية، ليبلغ سعر الدولار 6.5 جنيه مقابل 5.8 في السنوات الخمس السابقة، لتبدأ رحلة صعود الدولار بنسب محدودة مع محاولات الحكومة تثبيت سعره الرسمي تحت الثمانية جنيهات للدولار الواحد. واستمرّ الحال كذلك حتى نهاية عام 2016 التي شهدت أول قرارات تحرير سعر الصرف. ففي نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قرر البنك المركزي «تعويم الجنيه»، ضمن برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي. وهكذا، قفز الدولار من 7.8 جنيه إلى 18.7 جنيه، قبل أن يستقر ما بين 15 و16 جنيهاً.

وفي أكتوبر (تشرين الأول) 2021، أصدر البنك المركزي قراراً بالانتقال إلى سعر صرف مرن، لتتراجع قيمة الجنيه بشكل متسارع، ويتجاوز الدولار في يناير 2022 نحو 27 جنيهاً، قبل أن يرتفع مرة أخرى في مارس من العام نفسه. ويستقر سعره الرسمي في البنوك عند 30.85 جنيه للدولار الواحد، وإن ظل سعره يرتفع في السوق الموازية مع نقص النقد الأجنبي حتى تجاوز حاجز الـ70 جنيهاً للدولار.

وفي مارس 2024، أعلن البنك المركزي المصري «تحرير» سعر صرف الجنيه، والسماح بتحديده وفقاً لآليات السوق، ليتم تخفيض قيمة الجنيه مرة أخرى وتقترب قيمته من حاجز الـ50 جنيهاً للدولار، وتراجع العام الماضي إلى نحو 47 جنيهاً قبل أن ترتفع قيمة الدولار مرة أخرى جراء الحرب الإيرانية وتبلغ قيمة الدولار الواحد نحو 53.15.

صندوق النقد الدولي أفاد في تقرير صدر أخيراً، بأنه «يجب استكمال مرونة سعر الصرف في مصر بإطار أقوى للتدخل في سوق النقد الأجنبي، وبرنامج قائم على آليات السوق لتراكم الاحتياطيات بما يعزز كفايتها بشكل عام». وحقاً، تنخرط مصر حالياً في تنفيذ برنامج إصلاح اقتصادي مع صندوق النقد الدولي تم الاتفاق عليه في نهاية 2022، بقيمة ثلاثة مليارات دولار، قبل أن تزيد قيمته في مارس الماضي إلى ثمانية مليارات دولار، وتلتزم مصر في إطار البرنامج بخفض دعم الوقود والكهرباء.


صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
TT

صلاح الدين السالمي... معلّم من أرياف القيروان إلى قيادة أكبر النقابات في تونس

تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة
تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً بل بصفته رجل ملفات وتوازنات وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة

لم يصل صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لـ«الاتحاد العام التونسي للشغل» على إيقاع المفاجأة، ولا كأنه نتاج لحظة عابرة فرضتها موازين المؤتمر «السابق لأوانه» الذي عقده مئات النقابيين التونسيين أخيراً في المنطقة السياحية بمدينة المنستير، موطن الرئيس التونسي الأسبق الحبيب بورقيبة وعدد كبير من كوادر الدولة التونسية الحديثة. بل جاء صعوده إلى الموقع الأول في واحدة من أكبر النقابات والأطراف السياسية التونسية والعربية وزناً وتأثيراً، ثمرة مسار طويل من التدرج داخل العمل النقابي، وتتويجاً لاحتكاك طويل بروّاد الحراك السياسي والنقابي في أكثر مستوياته التصاقاً بالقاعدة: المدرسة، والجهة، والقطاع، والمستوى المحلي، ثم القيادة الجهوية، وصولاً إلى المكتب التنفيذي الوطني، قبل أن ينتهي به المطاف إلى المقر المركزي، حيث تفاعل مبكراً مع «الجيل الثاني للرموز الثقيلة للاتحاد»، تلاميذ الزعيم النقابي السابق الحبيب عاشور، مثل عبد السلام جراد وعلي بن رمضان ومحمد بن سعد ثم نور الدين الطبوبي وفريقه.

لا يبدو صلاح الدين السالمي طارئاً على «الاتحاد العام التونسي للشغل» على الرغم مما عرف عنه من استقلالية عن الأحزاب العلنية والتنظيمات «السرّيّة» الماركسية والقومية والإسلامية، التي ازداد تأثيرها نقابياً منذ تسعينات القرن الماضي، بل هو ابن صريح من أبنائه التقليديين. إنه من صنف النقابيين الذين لا تصنعهم الأضواء بقدر ما تصنعهم الممرّات الداخلية، وتفاصيل اللوائح، والاشتباك الطويل مع الهياكل، والصبر على التراكم.

وهو ليس رجل اقتحام خاطف، بل هو رجل مسار؛ وليس ابن لحظة إعلامية، بل ابن مدرسة نقابية قديمة لا تزال تؤمن بأن الشرعية تُبنى من الأسفل إلى الأعلى، لا من القمة إلى القاعدة.

من منطقة قبائل أرياف القيروان

ينحدر السالمي من أرياف مدينة القيروان، العاصمة العربية الإسلامية الأولى لكامل شمال أفريقيا (170 كلم جنوب العاصمة تونس)، وتحديداً من منزل المهيري بمعتمدية نصر الله، وهذه خلفية ليست تفصيلاً جغرافياً في سيرته بقدر ما هي مفتاح أول لفهم صورته العامة. فالرجل يأتي من منطقة قبائل «الجلاص» الأمازيغية - العربية في «الداخل» التونسي، أي في المجال حيث ظل «الاتحاد العام التونسي للشغل» لعقود، منذ مرحلة بدء بناء الدولة الحديثة قبل 70 سنة، أكثر من مجرد منظمة نقابية. إذ لعب دور القناة النادرة للتعبير الاجتماعي، وللترقي الرمزي، وللدفاع عن الفئات التي لا تملك دائماً منفذاً مباشراً إلى المركز.

ولد السالمي يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 1959، وحصل على شهادة البكالوريا في شعبة الرياضيات التقنية عام 1980، ثم التحق بالتدريس عام 1981، وفي عام 1982 انخرط في «الاتحاد»، ليبدأ بذلك علاقة لا تنقطع باتت ما يشبه القدر الشخصي.

محنة السجن والطرد

لم تكن بداياته سهلة، ولا محايدة. فالسالمي ينتمي إلى جيل من النقابيين الذين عرفوا مبكراً أن العمل النقابي في تونس لم يكن مجرد نشاط مطلبي محدود التكلفة، بل قد يتحول إلى سبب مباشر في السجن والطرد والتضييق. بالذات، في خضم أزمة الاتحاد مع السلطة إبان الصراعات القوية حول خلافة الحبيب بورقيبة منتصف الثمانينات.

وحقاً، سُجن النقابي والمعلم الشاب ستة أشهر بداية من نوفمبر (تشرين الثاني) 1985، كما طُرد من عمله بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يعود إليه عام 1988 بعد إقالة بورقيبة وإعلان الرئيس التونسي الجديد زين العابدين بن علي عفواً عاماً على كل السجناء السياسيين والنقابيين السابقين. وهذا المُعطى، في سيرة الرجل، ليس مجرد تفصيل بطولي يضاف إلى السرد، بل هو عنصر تأسيسي في تكوينه: فقبل أن يصبح مسؤولاً في الهياكل، اختبر بنفسه معنى أن يدفع النقابي ثمن موقعه، وأن تتحول القناعة إلى عبء يومي لا إلى شعار.

التدرج داخل المدرسة النقابية

من هناك بدأ صعود السالمي، ففي يناير (كانون الثاني) 1990 تولّى أول مسؤولية نقابية له عند تأسيس النقابة الأساسية للتعليم الابتدائي في موطنه بمدينة نصر الله الصغيرة التابعة لمحافظة القيروان.

ثم توالت المحطات على نحو يكشف طبيعة تكوينه العميق داخل المدرسة التنظيمية للاتحاد: بعضو في هياكل نقابية جهوية، فكاتب عام نقابة جهوية للتعليم الابتدائي، ثم كاتب عام للاتحاد المحلي للشغل في منطقة نصر الله وبوحجلة والشراردة، قبل أن ينتخب عام 2009 كاتباً عاماً للاتحاد الجهوي للشغل بالقيروان، وهو المنصب الذي شغله قبله أستاذه في الدراسة وداخل «التيار اليساري القومي الوحدوي المعتدل» الناصر العجيلي. وكذلك سبقه إليه زميله السابق في قطاع التربية والتعليم حسين العباسي الذي تولّى ما بين 2011 و2011 منصب أمين عام وطني لاتحاد النقابات.

من «الجهوي» إلى المكتب الوطني

عام 2017 دخل صلاح الدين السالمي القيادة الوطنية لأول مرة خلال مؤتمر عقد في قمرت - قرطاج، بالضواحي الشمالية لتونس العاصمة، حيث انتخب عضواً بالمكتب التنفيذي الوطني مسؤولاً عن قسم الدواوين والمنشآت العمومية، أي المؤسسات الاقتصادية الكبرى التابعة للدولة. ثم جُددت له الثقة في الخطة نفسها خلال مؤتمر صفاقس عام 2022، وهذه المسؤولية أهلته للإشراف على عشرات آلاف العمال والموظفين الذين تمر مؤسّساتهم بصعوبات اقتصادية اجتماعية وأزمات.

هذه التجربة، أيضاً، وضعت السالمي بمواجهة واحدة من أعقد الملفات في الاقتصاد التونسي: المؤسسات العمومية، والمنشآت الوطنية المفلسة، والملفات التي تتقاطع فيها المطالب الاجتماعية مع حسابات الدولة والمالية العمومية والقرار السياسي. وفي هذه المنطقة تحديداً، تشكلت صورة السالمي على المستوى الوطني: ليس بصفته خطيباً نقابياً صاخباً، بل بصفته رجل ملفات وتوازنات، وشخصية قادرة على إدارة المفاوضات مع السلطة ورجال الأعمال ومتابعة القضايا الثقيلة في منطقة التماس بين الاتحاد والدولة.

مناخ فكري سياسي خاص

لكن مسار السالمي لا يمكن فهمه على نحو كامل إذا اقتصرنا على تسلسل المناصب. فالرجل لم يتشكل فقط داخل الهياكل، بل داخل مناخ فكري ونقابي وسياسي خاص بجهة القيروان، وفي قلب هذا المناخ يبرز اسم الناصر العجيلي بوصفه أحد أبرز الوجوه التي تركت أثراً عميقاً في أجيال من النقابيين واليساريين والقوميين العرب في الجهة ثم على الجانب الوطني.

هنا بالذات يكتسب الحديث عن «تتلمذ» السالمي على العجيلي معناه الأعمق: لا بصفته علاقة مدرسية ضيقة، بل بصفته انتماءً إلى مدرسة كاملة في النظر إلى النقابة ودورها ووظيفتها الوطنية.

الناصر العجيلي كان بالنسبة للسالمي والعباسي وجيل من الحقوقيين والسياسيين والنقابيين أكثر من أستاذ في المعهد الثانوي أو مسؤول نقابي جهوي. بل كان شخصية مركّبة تجمع بين النقابي والسياسي والحقوقي والثقافي الفكري، وتختصر سيرة جيل كامل من المناضلين الذين مرّوا من التعليم إلى الاتحاد، ومن الاتحاد إلى المجال العام الواسع.

وكان العجيلي الذي ولد عام 1939، ودرس بين القيروان وتونس، تابع تعليمه العالي في سوريا مثل مجموعة من مثقفي تونس ونخبها وقتها، وحصل على الإجازة فيها. ولقد تأثر السالمي وزملاؤه بأستاذهم العجيلي، خصوصاً بعد تعرضه لمضايقات ثم سجنه لمدة ثمانية أشهر بسبب نشاطه النقابي، قبل أن يبرز وطنياً بأنشطته داخل «الاتحاد العام التونسي للشغل» وفي الفضاء السياسي اليساري والعروبي الوحدوي.

مدرسة كاملة لا مجرد اسم

في مدينة القيروان، وفي هذا المناخ السياسي الحقوقي، تشكل النقابي صلاح الدين السالمي وعدد من رموز النخبة المحلية والجهوية التي ستلعب لاحقاً دوراً وطنياً.

من بين الأسماء التي يلتقي عندها هذا الخيط القيرواني بوضوح، يبرز زميل قديم لصلاح الدين السالمي هو حسين العباسي، الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشغل بين 2011 و2017، وأحد أبرز الوجوه النقابية في تونس المعاصرة.

العباسي، هو الآخر، خرج من الفضاء النقابي القيرواني نفسه، وصعد من الجهة إلى المركز، حتى أصبح في مرحلة ما بعد الثورة من أبرز شخصيات النقابية والسياسية في البلاد.

كما يسجل أن وصول صلاح الدين السالمي إلى الأمانة العامة لم يكن مجرد تتويج لسيرة شخصية، بل جاء أيضاً في سياق صراعات معقدة مع السلطات وأخرى داخلية بين المستقلين و«اليساريين الراديكاليين» الذين نظموا آلاف الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات في القطاعين العام والخاص خاصة منذ يناير 2011.

واستفحلت هذه الأزمات خلال السنوات القليلة الماضية وإعلان نوع من «القطيعة» بين السلطات وقيادة النقابات بزعامة نور الدين الطبوبي ونائبيه سامي الطاهري وسمير الشفي.

وتطورت هذه الأزمات إلى خلافات داخلية شلت عمل اتحاد الشغل خلال العامين الماضيين، فبرز اسم صلاح الدين السالمي ضمن ما عرف بـ«مجموعة الخمسة». وهي المجموعة «المعارضة» التي دفعت باتجاه التعجيل بعقد مؤتمر وطني في مارس (آذار) 2026، عوض يوليو (تموز) 2027. ورفع السالمي وأنصاره شعار إصلاح المنظمة وتحديثها، في مواجهة اتجاهات أخرى كانت تميل إلى التأجيل وإدارة الأزمة بالتمديد والتسويف. ومع تصاعد الخلافات، تحول السالمي من شخصية تنظيمية ثقيلة داخل الجهاز إلى أحد وجوه المعركة على مستقبل «الاتحاد» نفسه. لم يعد مجرد أمين عام مساعد يتحرّك في حدود اختصاصه، بل صار فاعلاً مباشراً في الصراع حول هوية المنظمة، وأولوياتها، وطبيعة قيادتها المقبلة.

شرعية تنظيمية بدل «الكاريزما» الصاخبة

وحين انتخب أميناً عاماً، لم يصل السالمي بصفته زعيماً شعبوياً يراهن على البلاغة العالية، بل بصفته رجلاً تراه الهياكل قادراً على الإمساك بالمنظمة من الداخل. وهنا بالتحديد تكمن خصوصيته. فالسالمي لا يبدو في صورته العامة كاريزمياً بالمعنى الذي تستسيغه الشاشات، لكنه يبدو صاحب ما هو أكثر أهمية داخل جهاز مثل الاتحاد: الشرعية التنظيمية، والخبرة الهادئة، والمعرفة الدقيقة بالجهات، والقدرة على التحرك داخل التعقيد دون استعراض.

ومع ذلك، فإن ما قد يمثل مصدر قوته قد يتحول أيضاً إلى امتحانه الأصعب. فالرجل يتولى القيادة في واحدة من أكثر اللحظات تعقيداً في تاريخ البلاد و«الاتحاد». ووسط أزمة ثقة داخلية، تراجعت صورة العمل النقابي لدى جزء من الرأي العام، واضطربت العلاقة مع السلطة مثقلة بملفات اجتماعية صعبة، وأوضاع اقتصادية شديدة الهشاشة.


قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)
TT

قيادة جديدة بعد مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل»

مقر "الاتحاد" (رويترز)
مقر "الاتحاد" (رويترز)

أسفر مؤتمر «الاتحاد العام التونسي للشغل» عن فوز كبير لقائمة «الثبات والتحدّي» بقيادة صلاح الدين السالمي، التي حصدت المقاعد الـ15 كاملة داخل المكتب التنفيذي الجديد. وهذه نتيجة عكست في ظاهرها حسماً انتخابياً واضحاً، لكنها في عمقها كشفت عن إعادة تركيب موازين القوى داخل «الاتحاد»، وعن سعي واسع إلى إنتاج تسوية داخلية جديدة، تستوعب جزءاً مهماً من معارضي القيادة السابقة، وتعيد ترتيب العلاقة بين أنصار الأمين العام السابق نور الدين الطبوبي وخصومه، من دون أن تنهي تماماً التناقضات الحادة التي ظلت تتفاعل داخل المنظمة خلال السنوات الأخيرة.

النتيجة هذه لم تكن تفصيلاً عابراً. فهي تعني، أولاً، أن جزءاً مهماً من النقابيين اختار تجاوز منطق الصدام المفتوح داخل البيت النقابي، وفضّل الذهاب نحو تسوية تنظيمية واسعة تضمن الاستمرارية وتمنع الانقسام. وكذلك تعني أن «الاتحاد»، وهو يدخل مرحلة جديدة، قرر أن يعيد بناء مركز قيادته على أسس أكثر مرونة وأقل ارتهاناً للاستقطابات الآيديولوجية الحادة التي حكمت بعض مفاصله في السنوات الماضية.

مع هذا، كشف المؤتمر أيضاً عن عمليات إقصاء وإعادة فرز داخلية، لا سيما مع فشل القائمة المنافسة التي قادها «اليسار الراديكالي» بزعامة فاروق العياري، والتي كانت مدعومة من شخصيات نقابية بارزة قاطعت المؤتمر، مثل سامي الطاهري وسمير الشفي، وهما من أبرز الوجوه التي مثّلت تيارات اليسار الراديكالي والقومية العربية المتشددة في الاتحاد والبلاد خلال العقود الماضية.

نور الدين الطبوبي (رويترز)

لقد بدا واضحاً أن مؤتمر المنستير لم يكن فقط مناسبة لانتخاب قيادة جديدة، بل كان أيضاً مناسبة لإعادة تعريف «الكتلة المهيمنة» داخل «الاتحاد». فالمكتب التنفيذي الجديد يضم غالبية من النقابيين المستقلين عن الأحزاب، إلى جانب شخصيات من اليسار النقابي المعتدل، كما يضم وجوهاً محسوبة على اتجاهات سياسية متباينة، من بينها نقابي قريب من التيار الإسلامي المحافظ ومن حركة النهضة، وآخر عُرف بقربه سابقاً من شبكات الحزب الحاكم في العهد السابق ثم من محيط حزب «نداء تونس» لاحقاً. وهذا التنوع لا يعكس انفتاحاً آيديولوجياً بالمعنى النظري فقط، بل يشير أيضاً إلى أن الاتحاد اتجه، تحت ضغط أزماته الداخلية وأزمات البلاد، نحو منطق «براغماتي» في بناء القيادة يقوم على جمع شبكات النفوذ القطاعية والجهوية والتنظيمية في «سلة واحدة»، أكثر مما يقوم على التجانس الفكري أو السياسي الصارم.

هنا تتجاوز أهمية المؤتمر مسألة الأسماء والأرقام. إذ تكمن المسألة الجوهرية في طبيعة المرحلة التي جاء فيها هذا التحوّل. وتونس اليوم ليست بصدد أزمة عابرة في ملف الأجور أو مفاوضات دورية بين الحكومة والنقابات، بل تعيش أزمة مركبة تمس بنية الاقتصاد، ووظائف الدولة، وتوازنات النظام السياسي، وثقة المجتمع في النخب والمؤسسات.