ودع زعماء من الولايات المتحدة وروسيا وأوروبا، أمس السبت، المستشار الألماني الأسبق هلموت كول، مهندس إعادة توحيد ألمانيا والقوة المحركة للتكامل الأوروبي. وأقيمت مراسم تأبين كول، الذي توفي في 16 يونيو (حزيران) عن 87 عاما، في البرلمان الأوروبي في مدينة ستراسبورغ التي تبادلت ألمانيا وفرنسا السيادة عليها، وتقع الآن في فرنسا وترمز للدور الذي لعبه كول في المصالحة بين دولتين كانتا عدوين فيما كان يدفع تكامل أوروبا قدما.
وأشاد الحاضرون، ومن بينهم الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك، بكول، ووصفوه بأنه أوروبي مخلص كره الحرب.
تولى كول رئاسة المستشارية الألمانية في الفترة من 1982 إلى 1998، وأشرف على إعادة توحيد ألمانيا في عام 1990، وقالت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل إن كول غير حياة الملايين في أنحاء أوروبا. وعملت ميركل وزيرة في عهد كول في تسعينات القرن الماضي.
وعقب مراسم التأبين نقل جثمان كول بمروحية إلى مسقط رأسه في مدينة لودفيغشافن الألمانية التي شهدت موكبا جنائزيا قبل نقله بقارب في النهر لمثواه الأخير في مدينة شباير. وأعلن الاتحاد الأوروبي كذلك الحداد على سيمون فاي الشخصية المرموقة وأول رئيسة للبرلمان الأوروبي التي توفيت أول من أمس الجمعة.
ووجهت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل التي ارتدت الأسود تحية إلى «مستشار توحيد» ألمانيا وقالت: «من دون هلموت كول فإن حياة ملايين الأشخاص وأنا منهم كانوا يعيشون في الجانب الآخر من الجدار لما كانت كما هي عليه اليوم». وقال الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في كلمته إن «هلموت كول كان بالنسبة لفرنسا محاورا مفضلا وحليفا أساسيا، ولكنه كان أكثر من هذا، كان صديقا (...) نحن هنا لنوجه التحية لإرثه التاريخي».
ووصف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المستشار الراحل بأنه صديق فرنسا الكبير، وقال: «هلموت كول مد يده لنا»، معيدا إلى الأذهان تقارب البلدين في ثمانينات القرن الماضي، وتقارب كول إلى الرئيس الفرنسي في ذلك الحين فرنسوا ميتران. وقال ماكرون: «بالنسبة لجيلي فإن كول جزء من التاريخ الأوروبي»، مجددا عزمه التعاون مع ألمانيا والمستشارة أنجيلا ميركل. وشارك نحو عشرين رئيس دولة وحكومة ومسؤولون سابقون ومئات من الشخصيات في التأبين، بينهم معظم القادة الأوروبيين ورئيسة وزراء بريطانيا تيريزا ماي، ورئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف، والرئيس الأوكراني بترو بوروشنكو. وصل جثمان هلموت كول صباحا، ووضع في صالون الشرف، حيث لف النعش بالعلم الأوروبي، ثم نقله لاحقا ثمانية جنود ألمان إلى وسط القاعة. وضعت ثلاثة أكاليل من الزهر أمام النعش بألوان علم ألمانيا الاتحادية والاتحاد الأوروبي والثالث الذي قدمته أرملته كتب عليه «مع حبي، مايكي». كان رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر (62 عاما) وراء فكرة تنظيم حفل وداع على المستوى الأوروبي، وهو المسؤول الأوروبي الوحيد الذي عايش هلموت كول، وربطت بينهما علاقة وطيدة منذ 21 عاما. وقال يونكر في كلمته: «كان هلموت كول أوروبيا حقيقيا وصديقا. أوروبا تدين له بالكثير». وأضاف أنه «ترك إرثا كبيرا من أجل أوروبا».
كان كول مهندس توحيد ألمانيا وتوسيع الاتحاد الأوروبي وباني الصداقة الفرنسية الألمانية. وقال يونكر: «كان متبصرا» ولولاه «لما عرفت أوروبا اليورو، ولفشل آخرون في توحيد ألمانيا».
وهذه أول مراسم من نوعها تنظم في تاريخ الاتحاد الأوروبي، ويتم خلالها تكريم ثلاثة من القادة الذين حصلوا على لقب «مواطني الشرف» مع هلموت كول. والآخران هما الفرنسيان جان مونيه المتوفى في 1979، وجاك ديلور الرئيس السابق للمفوضية الأوروبية البالغ 91 عاما الذي لم تسمح له بنيته الضعيفة بحضور الحفل.
كما شارك في الحفل ملك إسبانيا السابق خوان كارلوس، والإيطالي رئيس المفوضية السابق ورئيس الحكومة السابق رومانو برادي، والبرتغالي جوزيه مانويل باروزو رئيس المفوضية السابق ورئيس الوزراء السابق. وألقى ثمانية من الحضور كلماتهم إلى جانب يونكر وماكرون، ورئيس البرلمان الأوروبي أنطونيو تاجاني، ورئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك. وبطلب من أرملته ألقى كلمات وداع كل من رئيس وزراء إسبانيا السابق، وفيليبي غونزاليس وبيل كلينتون وديمتري ميدفيديف. وكان ماكرون وميركل آخر المتحدثين.
أحيط مقر البرلمان الأوروبي رمز أوروبا المعاد توحيدها على أطراف ستراسبورغ بإجراءات أمنية مشددة، وبدا وكأنه تحول إلى قلعة أمنية بسبب التهديد الإرهابي ونشر قرابة ألفي شرطي لحماية الوفود.
ألقى الخلاف داخل عائلة كول بظلاله على الحفل، إذ رغبت أرملته في منع أنجيلا ميركل من إلقاء كلمة، لأن كول لم يصفح بتاتا عن الشابة التي احتضنها ورعاها ثم طردته من الحزب المحافظ في 1999، في إطار فضيحة مالية في الاتحاد المسيحي الديمقراطي.
وقال رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر خلال مراسم التأبين في البرلمان الأوروبي بمدينة ستراسبورغ الفرنسية، إن عملاقا سياسيا في فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية رحل عن عالمنا بوفاة كول، مضيفا أن كول كان «صديقا وفيا» له. وأعاد يونكر إلى الأذهان جهود كول في توحيد شطري ألمانيا ونمو أوروبا، وقال: «كول كان وطنيا ألمانيا وأوروبيا أيضا».
ومن جانبه، وصف رئيس المجلس الأوروبي دونالد توسك المستشار الأسبق بأنه ممهد لطريق الوحدة بين شرق وغرب القارة الأوروبية التي ظلت منقسمة لفترة طويلة، وقال: «رؤيته كانت تتجاوز الحدود والمصالح الألمانية». وأضاف السياسي البولندي أن كول عثر في ثمانينات القرن الماضي على حلفاء مهمين لسياسته في شرق أوروبا أيضا، داعيا الساسة الحاليين في أوروبا إلى البعث برسائل واضحة مفادها: «نعم للاتحاد، نعم للحرية، نعم لحقوق الإنسان».
وأعرب الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلينتون عن حبه الجم للمستشار الراحل، وقال: «كنت أحبه، كنت معجبا به للغاية»، مضيفا أن كول كان يريد عالما يكون فيه التعاون أفضل من النزاع، وقال: «كان يريد خلق عالم لا يهيمن فيه أحد على أحد». وأعاد رئيس الوزراء الروسي ديمتري ميدفيديف إلى الأذهان العلاقات الوثيقة التي كانت تربط كول بروسيا. وذكر ميدفيديف أن روسيا كانت بالنسبة للمستشار الراحل جزءا من أوروبا الموحدة، وقال: «روسيا كانت بالنسبة له جزءا من بيت مشترك من دون أسلاك شائكة... كان ذلك حلما للسلام والأمن للجميع». وأضاف ميٍدفيديف: «كول كان شخصا للمستقبل، إنه أيضا مهندس العالم الحالي».
وتقرر بعد المراسم نقل جثمان كول بالمروحية إلى لودفيغشافن، ومن ثم بالمركب عبر نهر الراين إلى سباير في جنوب غربي ألمانيا. فبعد أن رفضت أرملته إقامة جنازة وطنية له تقرر تشييعه في كاتدرائية نوتردام، حيث دفن ثمانية من الأباطرة والملوك الألمان.
زعماء العالم يودعون هلموت كول في ستراسبورغ
أول مراسم من نوعها تنظم في تاريخ الاتحاد الأوروبي
نعش المستشار الألماني كول ملفوفاً بعلم أوروبا داخل مبنى البرلمان في ستراسبورغ (إ.ب.أ)
زعماء العالم يودعون هلموت كول في ستراسبورغ
نعش المستشار الألماني كول ملفوفاً بعلم أوروبا داخل مبنى البرلمان في ستراسبورغ (إ.ب.أ)
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة

