«دولة ماكرون» آخذة بالظهور شيئا فشيئا

إيمانويل ماكرون رئيس فرنسي من «نوع جديد»

الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)
TT

«دولة ماكرون» آخذة بالظهور شيئا فشيئا

الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)
الرئيس الفرنسي ماكرون مع وزيرة الدفاع فلورانس بارلي خلال حفل تسليم الجوائز للجنود الفرنسيين أمس في باريس (إ.ب.أ)

قبل أربعين يوما، تسلم إيمانويل ماكرون صلاحياته الدستورية ليصبح ثامن رئيس للجمهورية الفرنسية. وبعد فورة الإعجاب التي اجتاحت المجتمع الفرنسي بهذا الشاب (39 عاما) الذي وصل إلى قصر الإليزيه في زمن قياسي، و«لبس» الثياب الرئاسية بسرعة أكبر، وأثبت حضورا مميزا في الفضاءين الأوروبي والدولي، جاء زمن الأسئلة حول فهم ماكرون للرئاسة وأسلوبه في ممارستها.
منذ التعديل الدستوري الذي أدخله الرئيس الأسبق نيكولا ساركوزي، الذي بموجبه يتاح لرئيس الجمهورية دعوة مجلسي النواب والشيوخ إلى الانعقاد معا في قصر فرساي وإلقاء كلمة، لم يتم العمل بهذا التعديل سوى مرتين، المرة الأولى في عهد ساركوزي، والثانية في عهد الرئيس فرنسوا هولاند، بعد العمليات الإرهابية التي ضربت باريس في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) 2015، لكن ماكرون قرر بداية الأسبوع المنتهي أن يدعو المجلسين إلى الانعقاد وهو في بداية عهده؛ الأمر الذي لم يفعله أي من الرئيسين اللذين سبقاه.
وهكذا، فإن النواب والشيوخ سيجتمعون يوم الاثنين المقبل في فرساي للاستماع للرئيس الجديد، الذي لم تمط أوساطه اللثام عما سيتناوله في خطابه. لكن المنتظر أن يرسم الخطوط الكبرى لعهده خماسي السنوات في السياسات الداخلية والخارجية والإصلاحات الرئيسية التي يود إدخالها. لكن ما استحوذ على انتباه الطبقة السياسية والوسائل الإعلامية، أن ماكرون قرر استباق جلسة الثقة في مجلس النواب والخطاب ــ البرنامج الذي سيلقيه رئيس الحكومة والذي على أساسه ستطرح الثقة بالحكومة. وأجمع سياسيو المعارضة من اليمين واليسار، نواب حاليون وسابقون ومسؤولون حزبيون على اعتبار أن ماكرون سرق الأضواء من رئيس حكومته وحوله إلى «تابع»، أو في أفضل الأحوال، إلى «مساعد» بينما الدستور يعطيه الدور الرئيسي في قيادة سياسة الحكومة التي «يرسمها» رئيس الجمهورية. والخلاصة السريعة التي توصل إليها هؤلاء، هي أن ماكرون يريد «تركيز» السلطات بين يديه فيما يسمى «الممارسة العمودية» للسلطة؛ ما يعيد الأذهان إلى بدايات الجمهورية الخامسة كما فصل الجنرال ديغول مؤسساتها على مقاسه. وخلاصة الجدل، أن مجموعة من النواب والشيوخ قررت مقاطعة فرساي لكي «لا تحضر تنصيب» ماكرون. ومن هؤلاء نواب الحزب الشيوعي واليسار المتشدد والكثير من نواب يمين الوسط. بيد أن الإنصاف يحتم القول إن ماكرون لا يفاجئ الفرنسيين برغبته في التحدث إلى النواب والشيوخ؛ لأنه أتى على ذلك في جملته الانتخابية. المفاجأة أنه أراد الانطلاق بذلك مع بدء ولايته، وبالتزامن مع خطاب الحصول على الثقة في البرلمان.
قبل ثلاثة أيام، كشف ماكرون على حسابه الخاص صورته الرسمية التي ستعلق في الدوائر الحكومية كافة. وتظهره الصورة واقفا مبتسما أمام مكتبه ووراءه الشرفة التي تطل على حديقة الإليزيه. وعلى المكتب يلحظ هاتفان جوالان وكتب وساعة مكتب وملفات ووراءه العلمان الفرنسي والأوروبي. وتختلف هذه الصورة عن كافة صور رؤساء الجمهورية السابقين. وما رآه المعلقون فيها أنها تشبه صورة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما؛ ما جعلهم يتذكرون أن ماكرون وضع يده اليمنى على قلبه في مناسبة رسمية عند سماعه النشيد الوطني الفرنسي، وهي عادة أميركية وليس فرنسية.
قد تكون هذه الأمور تفاصيل، لكنها تعكس بعضا من مفهوم ماكرون للمهمة المنوطة به في حكم فرنسا. وبما أن الشيء بالشيء يذكر، فإن ماكرون يريد التجديد أيضا فيما يخص دور «الفرنسية الأولى»، أي عقيلته التي يريد أن يعطيها وضعا رسميا مع مهمات محددة. وسيستدعي هذا الأمر إدخال تعديل على الدستور الذي لا يأتي على ذكرها. وخلال حملته الرئاسية كانت بريجيت ماكرون، التي تكبره بـ25 عاما، طاغية الحضور، ومنذ بداية عهده انتقلت معه للإقامة في القصر الرئاسي. وعلم أن لجنة غير رسمية عهد إليها الرئيس الفرنسي الانكباب على وضع تصور أولي لدور «السيدة الأولى» على أن يصار بعدها إلى البحث به رسميا.
منذ سنوات، وبمناسبة الاحتفالات بالعيد الوطني الفرنسي، أي عيد الثورة الفرنسية للعام 1789، دأب رئيس الجمهورية (يمينيا كان أم يساريا) على تخصيص التلفزة الفرنسية بمقابلة مطولة مباشرة عقب العرض العسكري الذي يجرى في جادة الشانزليزيه. لكن ماكرون الراغب في التميز على من سبقه، سيحجم هذا العام عن الالتزام بهذا التقليد. وهذا التغير بحد ذاته ليس صادما، بل الصادم هو التفسير الذي أعطته «مصادر» في القصر الرئاسي وقوامه أن المؤتمر الصحافي المتلفز «لا يتوافق مع طبيعة تفكير الرئيس المعقد» (معنى صعب الفهم) مضيفة أنه، في أي حال، فإن ماكرون سيتحدث إلى مجلس النواب والشيوخ مجتمعين، وبالتالي «لا حاجة» إلى المقابلة التلفزيونية.
حقيقة الأمر، أن للرئيس الجديد فهما خاصا لكيفية التعاطي مع الصحافة. فهو من جهة يعمد إلى إبقاء الصحافيين بعيدين عنه. ففي الزيارة التي قام بها مؤخرا إلى المغرب، لم تتح للصحافيين الاقتراب منه بعكس ما كان يحصل مع هولاند وساركوزي، حيث كانت كل رحلة خارجية مناسبة لـ«الدردشة» مع الرئيس من غير تكليف شرط أن يبقى ذلك كله «أوف» أي خارج التسجيل وخارج الاستشهاد. وفي العهدين السابقين، كان الوصول كذلك إلى المستشارين أمرا بالغ السهولة للاستفهام عن أمر، أو لفهم أفضل لقرار أو تدبير رئاسي. أما الآن، فإن الأوضاع تغيرت؛ ما يجعل ممارسة «مهنة المتاعب» أكثر صعوبة.
لم يكتف ماكرون بأنه، في حملته الرئاسية، تجاوز اليمين واليسار اللذين يتخبطان في انقساماتهما الداخلية، بل إنه «فجّرهما» من الداخل عندما نجح في السيطرة التامة على المجلس النيابي من خلال حصول حزبه الحديث السن (الجمهورية إلى الأمام) على الأكثرية المطلقة (308 نواب). ولو أضيف إليه نواب حليفه السياسي (الحركة الديمقراطية) لوصل العدد إلى 350 نائبا، ناهيك عن نواب اليمين ويمين الوسط الذين انشقوا عن حزب «الجمهوريون» لتشكيل مجموعة نيابية مستقلة تحت مسمى «الإيجابيون» (نحو أربعين نائبا). وهؤلاء ليسوا في المعارضة ولا في الأكثرية، وإنما يريدون التعاطي بـ«الإيجابية» مع ما يقوم به العهد. وعمليا، هم داعمون لماكرون. وبفضل الأكثرية المريحة، سيطر حزب ماكرون على رئاسة مجلس النواب وعلى رئاسة ست لجان نيابية (من أصل ثمانٍ) وعلى الجوانب الإجرائية والإدارية للمجلس؛ ما يعني هيمنته المطلقة عليه من خلال حزبه المطيع باعتبار أن الأكثرية الساحقة من النواب جديدة على المهنة وهي تدين بموقعها لرئيس الجمهورية. وقد عمد الأخير على وضع الوزير السابق والنائب الحالي ريشار فران على رأس حزبه. وفران معروف بولائه المطلق لماكرون الذي أخرجه من الوزارة بسبب فضائح مالية ارتبطت باسمه ومكلفه مهمة قيادة نواب الأكثرية المفتقرين بأغلبيتهم إلى الخبرة والممارسة.
هكذا، تبرز شيئا فشيئا إلى الوجود «جمهورية ماكرون». وحتى الآن، ما زال الرئيس الجديد يحظى بشعبية مرتفعة لدى مواطنيه، خصوصا بسبب أدائه المتميز على الصعيد الخارجي، وعزمه على أن تلعب باريس مجددا دورا فاعلا على المسرح الدولي. لكن الأمور يمكن أن تتغير مع بدء مواجهة المشاكل الداخلية المستعصية مثل زيادة الضرائب ومعالجة العجز في الميزانية وتحرير قانون العمل وكلها قنابل موقوتة يمكن أن تنفجر في حال غابت الدراية عن معالجتها.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended