عودة سفير الأردن إلى عمان.. والمتطرف الليبي «حر» في طرابلس

ناصر جودة: لم تكن هناك صفقة.. والإفراج عن الدرسي «لا يعنينا»

السفير الأردني فواز العطيان يلوح لمستقبليه لدى وصوله إلى مطار ماركا الحربي في عمان أمس (أ.ب)
السفير الأردني فواز العطيان يلوح لمستقبليه لدى وصوله إلى مطار ماركا الحربي في عمان أمس (أ.ب)
TT

عودة سفير الأردن إلى عمان.. والمتطرف الليبي «حر» في طرابلس

السفير الأردني فواز العطيان يلوح لمستقبليه لدى وصوله إلى مطار ماركا الحربي في عمان أمس (أ.ب)
السفير الأردني فواز العطيان يلوح لمستقبليه لدى وصوله إلى مطار ماركا الحربي في عمان أمس (أ.ب)

أكد وزير الخارجية الأردني ناصر جودة أن بلاده كانت تسير على مسارين متوازيين لحل أزمة اختطاف سفير الأردن لدى ليبيا، فواز العطيان، الذي اختطف قبل بضعة أسابيع في العاصمة الليبية طرابلس، موضحا أن المعلومات حول إفراج السلطات الليبية عن المعتقل الليبي محمد الدرسي «أمر لا يعنينا».
كما نفى جودة وجود وساطات من دول أخرى لإتمام العملية، بينما تحدثت أمس مصادر ليبية عن أن قطر لعبت دورا رئيسا في الاتصال بقادة ميلشيات مسلحة ليبية، لإقناعهم بالتوصل إلى صفقة لإطلاق سراح السفير، مقابل متطرف ليبي يدعى محمد الدرسي الشهير بـ«النص» الذي كان مسجونا في الأردن بتهمة التورط في أعمال إرهابية.
وأوضحت المصادر، التي طلبت حجب هويتها، لـ«الشرق الأوسط» أن السفير الأردني كان نقل فور اختطافه من العاصمة طرابلس إلى مدينة الزاوية المجاورة، وهي أيضا مسقط رأس أبو عبيدة، قائد ما يسمى بـ«غرفة عمليات ثوار ليبيا»، الذي اضطرت السلطات المصرية إلى إطلاق سراحه بعد توقيفه في مدينة الإسكندرية مقابل الإفراج عن خمسة من أعضاء بعثتها الدبلوماسية في طرابلس قبل بضعة شهور.
وأشارت المصادر الليبية إلى أن قطر بحكم علاقاتها واتصالاتها القديمة مع قادة الميلشيات المسلحة في ليبيا منذ مشاركتها في الانتفاضة الشعبية ضد حكم العقيد الراحل معمر القذافي، أجرت اتصالات مكثفة مع قادة غرفة ثوار عمليات ليبيا بقيادة أبو عبيدة، والتي تضم أيضا وسام بن حميد قائد ما يسمى بقوات درع ليبيا في مدينة بنغازي بشرق ليبيا.
وقال مسؤول ليبي لـ«الشرق الأوسط»، طالبا حجب هويته: «بالقطع ثمة دور قطري من خلف الأبواب»، مشيرا إلى أن الصفقة جرت بمعرفة الحكومة الانتقالية في ليبيا برئاسة عبد الله الثني، التي أقرت في 8 مايو (أيار) الحالي اتفاقا لتبادل معتقلين مع الأردن، وذلك بعد ثلاثة أسابيع على خطف العيطان، الذي طلب خاطفوه لقاء الإفراج عنه إطلاق سراح الدرسي المعتقل في الأردن.
وقالت الحكومة الانتقالية الليبية في بيان مقتضب أصدرته مساء أمس إنها تشكر الأردن حكومة وشعبا وملكا على تعاونه في معالجة هذه القضية بكل حكمة وروية وتفهمهم العالي للظروف التي تمر بها ليبيا. وفي محاولة لطمأنة البعثات الدبلوماسية العربية والأجنبية المعتمدة في طرابلس من تكرار عمليات الخطف، قالت الحكومة إنها «تود طمأنة كل البعثات الدبلوماسية بأنها حريصة على توفير الأمن لهم ولن تدخر جهدا في سبيل ذلك».
ورفض الناطق باسم وزارة الخارجية الليبية سعيد الأسود التعليق على صحة الدور القطري في هذه الصفقة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه لا يستطيع التكلم بأي شكل من الأشكال حول القضية برمتها. واكتفت وزارة الخارجية الليبية بإصدار بيان رسمي مقتضب صباح أمس، أعلنت فيه عن إطلاق سراح السفير العيطان ووصوله إلى بلاده الأردن بحالة جيدة، مؤكدة في المقابل على عمق العلاقة بين البلدين الشقيقين.
وقالت مصادر ليبية غير رسمية إن أعضاء في المؤتمر الوطني العام (البرلمان) يمثلون التيار الإسلامي، التقوا الدرسي فور عودته إلى ليبيا، مشيرة إلى أنهم لعبوا أيضا دورا في إبرام هذه الصفقة.
وطبقا لما أعلنه ناصر جودة، وزير الخارجية الأردني، فإن التفاوض مع خاطفي السفير العيطان في ليبيا جرى من خلال مسؤول مكلف من قبل الحكومة الليبية بمتابعة الملف، وإن دائرة المخابرات العامة الأردنية قامت بدور التفاوض، إضافة إلى الدور الأمني الذي تقوم به. وأوضح أن محمد عبد العزيز، وزير الخارجية الليبي، كلف سفير ليبيا لدى الهند علي العيساوي، للاتصال والتنسيق في عملية التفاوض، مشيرا إلى أن العيساوي ومجموعة من الشخصيات الليبية قدموا مع السفير العيطان على متن الطائرة التي أقلته من ليبيا.
ونفى جودة أن تكون عملية الإفراج عن سفير بلاده قد جرت في إطار أية صفقة أو عملية تبادل. وقال جودة خلال مؤتمر صحافي إنه كان هناك مساران متوازيان لحل أزمة اختطاف السفير، تمثل الأول في تسريع وتيرة تسليم المحكوم الليبي محمد الدرسي، بعد توقيع مذكرة تفاهم مع السلطات الليبية في إطار اتفاقية الرياض الخاصة بالسجناء، وأن المسار الثاني تمثل في تسريع وتيرة إطلاق سراح السفير، وضمان عودته سالما إلى بلاده. وأوضح أنه كان هناك في الأصل، ومنذ أشهر، مسار للوصول إلى صيغة في شكل مذكرة تفاهم لتسليم الدرسي لبلاده ليكمل محكوميته هناك، وأنه في أثناء هذا المسار حدثت عملية اختطاف السفير العيطان، مما ساهم في تسريع وتيرة السير في المسارين معا.
وأشار جودة إلى أن عملية تسليم الدرسي لبلاده جرت أول من أمس بقرار سيادي للأردن، نافيا أن تكون بعض الدول قامت بوساطة بين الخاطفين والسلطات الأردنية، وأن جهود المؤسسات الرسمية الأردنية، وفي مقدمتها جهاز المخابرات العامة ووزارة الخارجية، وبمساعدة من بعض الأشخاص الليبيين، تكللت بالإفراج عن السفير العيطان.
وردا على سؤال حول خشية الأردن من تكرار سيناريوهات الاختطاف في دول أخرى تشهد اضطرابات، أجاب جودة أن «السفراء يقومون برسالة.. ونحن لسنا أول دولة تواجه خطر الاختطاف، ونأخذ احتياطاتنا الأمنية. وما حدث نأخذه استثناء، وليس أساسا». كما رد جودة على سؤال لـ«الشرق الأوسط» حول معلومات عن إفراج السلطات الليبية عن الدرسي، قائلا: «هذا الأمر لا يعنينا».
ونقل صحافيون محليون عن أحمد الدرسي، شقيق الليبي المفرج عنه، أمس قوله: «شقيقي طليق حر، ولن يقضي باقي عقوبته في السجون»، نافيا ما تردد سابقا عن قيام السلطات الليبية بوضع شقيقه في أحد السجون لاستكمال مدة عقوبته وفقا للاتفاق الذي أتم إبرامه مع الجانب الأردني. وأشار إلى أن إطلاق سراح شقيقه كان بفضل ما وصفه بـ«الضغط الذي مثلته عملية اختطاف السفير الأردني في طرابلس».
ولم يرد المستشار صلاح الميرغني وزير العدل الليبي، ولا أحمد الأمين الناطق باسم الحكومة الليبية، على محاولات للحصول منهما على تعليق رسمي في هذا الصدد. لكن مصادر محلية في بنغازي قالت في المقابل لـ«الشرق الأوسط» إن السلطات الليبية حذرت عائلة الدرسي من إقامة أي احتفال بعودته إلى مسقط رأسه، نظرا لما وصفته بـ«حساسية الوضع»، وتجنبا لإثارة غضب السلطات الأردنية وحفيظة المجتمع المحلي.
وتسكن عائلة الدرسي بحسب نفس المصادر في المنطقة المعروفة باسم الليثي القديم، وهي الجزء الأكثر فقرا، والذي يوجد به مسجد الأوزاعي المركز الرئيس لتجمع المتشددين والمتطرفين الإسلاميين في بنغازي. من جانبه، قال السفير الأردني فواز العيطان، إنه لم يتلقَّ أي تهديدات في وقت سابق لاختطافه، مضيفا في تصريحات لشبكة «سي إن إن» الأميركية: «الحقيقة عملية الاختطاف كانت مفاجئة. ولو كنا تلقينا تهديدات لاتخذنا تدابير أخرى.. لكن ثقتنا كانت كبيرة جدا بالقيادة الأردنية، ومواقف قيادتنا الحكيمة التي اعتدنا عليها، والتي امتدت مع ليبيا وغيرها من الدول».
وكشف النقاب عن التقائه مع السجين الليبي الدرسي، قائلا: «التقيته ربما لدقيقة في طرابلس، بعد وصوله بطائرة خاصة. وسلمت عليه حسب الاتفاق بين الجانبين، وحسب ما هو متفق بين كل الأطراف، وأعتقد أن القضية إنسانية، وبالفعل تعانقنا وتمنينا له كل الخير بغض النظر إن كان مخطئا أو مصيبا، الأمور بخواتيمها».
ووصل العيطان على متن طائرة أردنية إلى مطار ماركا في عمان، حيث كان في مقدمة مستقبليه نائب الملك الأمير فيصل بن الحسين وكبار المسؤولين الأردنيين وأفراد عائلته. وقال العيطان، الذي كان يرتدي بدلة كحلية وقميصا أزرق فاتح اللون وبدا عليه التعب، للصحافيين: «لقد عاملوني (يقصد الخاطفين) بطريقة حضارية وإنسانية». وحول هوية الخاطفين، اكتفى العيطان بالقول: «إنهم من قبل عائلة الدرسي». وأضاف: «ليس لدينا أي ثأر (في ليبيا)، وهم ليس لديهم أي ثأر عندنا».
وحول إمكانية عودته لممارسة مهام عمله في ليبيا، قال: «لِم لا؟ ولكن ستكون الأمور مختلفة»، مشيرا إلى أن «الأوضاع لا تسر كثيرا في ليبيا».
وخطف العيطان في منتصف الشهر الماضي في وسط طرابلس من خلال سيارتين من دون لوحات يقودهما مجهولون ملثمون، هاجموا السفير وسائقه، واختطفوا السفير واقتادوه إلى جهة غير معروفة. وأصيب سائق السفير جراء الهجوم برصاصتين. وهو ثاني هجوم يتعرض له دبلوماسيون وأجانب في هذا البلد الذي يعاني من انعدام الأمن منذ سقوط نظام القذافي في 2011.
والدرسي كان محكوما في الأردن منذ عام 2007 بالسجن المؤبد بتهمتي «القيام بأعمال إرهابية» و«حيازة مواد مفرقعة بقصد استعمالها على وجه غير مشروع»، بعد أن اتهم بمحاولة وضع متفجرات في قاعة استقبال في مطار الملكة علياء الدولي (30 كلم جنوب عمان).
ومنذ سقوط نظام معمر القذافي في 2011، تستهدف البعثات الدبلوماسية باستمرار بهجمات أو عمليات خطف، حيث خطف مسلحون مطلع العام الحالي خمسة دبلوماسيين مصريين وأفرج عنهم بعد يومين. كما خطف موظف في السفارة التونسية في طرابلس قبل نحو شهرين. وأفادت مصادر دبلوماسية في طرابلس بأن عمليات الخطف غالبا ما ترتكبها ميليشيات تحاول من خلال ذلك التوصل إلى الإفراج عن ليبيين معتقلين في الخارج.
في غضون ذلك، أعربت بعثة الأمم المتحدة في ليبيا عن قلقها البالغ من استمرار أعمال العنف في أنحاء متفرقة من البلاد، والتي تستهدف بشكل أساسي العاملين في الأجهزة الأمنية المختلفة والهادفة إلى زعزعة الجهود المبذولة لبناء مؤسسات الدولة الأمنية وضرب السلم الأهلي في البلاد. وأدانت البعثة في بيان لها أمس ما وصفته بالاعتداء الغاشم على أفراد من الشرطة القضائية في ضواحي العاصمة طرابلس والاغتيالات المستمرة والاعتداءات المتكررة ضد عناصر الجيش والشرطة في بنغازي، وكذلك الاعتداءات المسلحة على المتظاهرين. ودعت البعثة السلطات الرسمية الليبية لاتخاذ موقف حازم وفوري ضد مرتكبي هذه الجرائم، ووضع حد للانفلات الأمني بما يتماشى مع مبادئ القانون وإرساء دولة المؤسسات.



العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
TT

العليمي يطلب من لبنان وقف منصّات الحوثيين الإعلامية

اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)
اجتماع يمني - لبناني في ميونيخ هيمن عليه ملف منصات الحوثيين الإعلامية في بيروت (سبأ)

في مستهل الحراك الدبلوماسي الذي بدأه رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي في ميونيخ على هامش مؤتمر الأمن الدولي، التقى رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، وناقش معه نشاط المنصات الإعلامية التابعة للجماعة الحوثية، مطالباً بوقفها باعتبارها جزءاً من المعركة التي تقودها الجماعة ضد اليمن والمنطقة.

اللقاء، الذي عكس تقارباً في الرؤى بين البلدين بشأن مفهوم الدولة الوطنية واحتكارها للسلاح، حمل رسائل سياسية واضحة تتعلق بضرورة منع استخدام أراضي الدول العربية كمنصات لخدمة مشاريع الميليشيات أو تهديد أمن الدول الأخرى.

ونقل الإعلام الرسمي اليمني أن العليمي أكد أن نشاط المنصات الإعلامية التابعة للحوثيين في بيروت لا يمثل مجرد عمل إعلامي تقليدي، بل يشكل جزءاً من منظومة متكاملة تستخدمها الجماعة لتعزيز خطابها السياسي والتعبوي، وتبرير هجماتها ضد اليمن ودول المنطقة، بما في ذلك تهديد الملاحة الدولية في البحر الأحمر.

رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني بدأ تحركاته في ميونيخ بلقاء رئيس وزراء لبنان (سبأ)

وشدد على أن استمرار هذه الأنشطة يتعارض مع مبدأ النأي بالنفس الذي تتبناه الدولة اللبنانية، مؤكداً أن وقف أي نشاط إعلامي مرتبط بالميليشيات ينسجم مع سيادة لبنان ومع علاقاته العربية، ويمنع تحويل أراضيه إلى ساحة للصراع الإقليمي.

وبحسب رؤية القيادة اليمنية، فإن المعركة ضد الحوثيين لم تعد عسكرية فقط، بل أصبحت أيضاً معركة سرديات إعلامية وتأثير سياسي عابر للحدود.

ازدواجية السلاح

أفادت المصادر الرسمية اليمنية بأن العليمي أشار إلى أن ما يواجهه لبنان من ازدواجية السلاح يشبه في جوهره الأزمة اليمنية الناتجة عن انقلاب الحوثيين المدعومين من إيران على مؤسسات الدولة.

وأكد رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني أن دعم الجماعات المسلحة خارج إطار الدولة أدى في البلدين إلى إضعاف المؤسسات وتعطيل التنمية وإطالة أمد الأزمات.

عناصر حوثيون خلال مظاهرة في صنعاء أمام السفارة الأميركية (إ.ب.أ)

وبحسب المصادر نفسها، أثنى العليمي على الخطوات التي اتخذتها الحكومة اللبنانية لحصر السلاح بيد الدولة وتكليف الجيش بإنفاذ ذلك، واصفاً إياها بأنها خطوة سيادية تعيد الاعتبار لمبدأ احتكار قرار السلم والحرب.

وفي إطار مشاركته بالمؤتمر، يسعى العليمي إلى حشد دعم دولي أكبر للحكومة اليمنية، خصوصاً في مواجهة التهديدات البحرية والإرهاب والتهريب، مع عرض التحولات التي شهدتها البلاد مؤخراً بدعم سعودي، والجهود الرامية لتوحيد القرار الأمني والعسكري وتعزيز حضور الدولة.


شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
TT

شراكة يمنية - سعودية لتعزيز البنية التحتية ودعم التعافي

وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)
وزير الأشغال العامة في الحكومة اليمنية حسين العقربي مع السفير السعودي محمد آل جابر (سبأ)

في خطوة تعكس تصاعد الزخم التنموي في المناطق اليمنية المُحرَّرة، وقّعت الحكومة الشرعية و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن» مذكرة تعاون جديدة تهدف إلى رفع كفاءة البنية التحتية للطرق وتحسين حركة التنقل ودعم النشاط الاقتصادي والتجاري، ضمن مسار أوسع يستهدف تعزيز الاستقرار وإعادة بناء القطاعات الحيوية المتضررة جراء سنوات الصراع.

وجاء توقيع مذكرة التعاون بين وزير الأشغال العامة والطرق في الحكومة اليمنية حسين العقربي، ومحمد آل جابر سفير السعودية لدى اليمن والمشرف العام على «البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»، ليؤكد انتقال التعاون من مرحلة التدخلات الإسعافية إلى مرحلة التنمية المستدامة، القائمة على بناء القدرات المؤسسية وتحسين جودة الخدمات الأساسية.

وأوضح البرنامج السعودي، في بيان رسمي، أن الاتفاقية ستسهم في استدامة صيانة وتشغيل الطرق ورفع كفاءتها الفنية، عبر تنفيذ حزمة من المبادرات تشمل توفير موازين حديثة للمركبات لضبط الحمولات الزائدة التي تُعدُّ أحد أبرز أسباب تدهور الطرق، إضافة إلى تقديم الدعم الفني والاستشاري في مجالات تأهيل وتشغيل شبكات النقل، وتعزيز قدرات صندوق صيانة الطرق بالتعاون مع الجهات السعودية المختصة.

وتتضمَّن المشروعات المطروحة توسعة وإعادة تأهيل عدد من الطرق الحيوية، أبرزها طريق العبر الاستراتيجي وطريق هيجة العبد، إلى جانب مشروعات أخرى في محافظات يمنية عدة، بإجمالي أطوال تجاوزت 200 كيلومتر، وهو ما يُتوقع أن ينعكس مباشرة على تقليل تكاليف النقل وتحسين انسيابية الحركة التجارية بين المحافظات.

بوابة التعافي

تزامناً مع توقيع الاتفاقية، ناقش عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، مع وزير الأشغال العامة العقربي أولويات عمل الوزارة خلال المرحلة المقبلة، في إطار رؤية حكومية تضع البنية التحتية في صدارة أدوات التعافي الاقتصادي والاجتماعي.

وخلال اللقاء، شدَّد طارق صالح على الدور المحوري الذي تضطلع به وزارة الأشغال في تثبيت الاستقرار داخل المناطق المُحرَّرة، عادّاً أن إعادة تأهيل الطرق الدولية والرابطة بين المحافظات تمثل عاملاً أساسياً في تخفيف معاناة المواطنين وتحسين حركة التجارة والإمدادات.

واستعرض الوزير العقربي الخطوط العريضة لخطة الوزارة لعام 2026، والتي تركز على إعادة تأهيل شبكة الطرق الاستراتيجية والمنافذ الحيوية، إلى جانب استكمال المشروعات المتعثرة وتحسين المشهد الحضري للمدن، بما يعكس حضور الدولة ويعزِّز ثقة المواطنين بالمؤسسات الحكومية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح مع وزير الأشغال العامة (سبأ)

وأكد طارق صالح أهمية رفع كفاءة صندوق صيانة الطرق، مع ضرورة اعتماد معايير شفافة في إدارة الموارد وتنفيذ المشروعات، مشيراً إلى أن المرحلة الحالية تتطلب مستوى عالياً من الكفاءة التنفيذية لتحقيق نتائج ملموسة على الأرض، خصوصاً في ظل التحديات الاقتصادية والإنسانية التي تواجه البلاد.

ويرى مراقبون أن التركيز على البنية التحتية للنقل في اليمن يمثل خطوةً استراتيجيةً، إذ ترتبط الطرق بشكل مباشر بسلاسل الإمداد وأسعار السلع والخدمات، ما يجعل تطويرها مدخلاً عملياً لتحريك الاقتصاد المحلي وتعزيز فرص الاستثمار.

شراكة تنموية

التحركات التنموية لم تقتصر على قطاع النقل، إذ شهدت الفترة ذاتها لقاءات موسعة بين المسؤولين اليمنيين و«البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن»؛ لتعزيز التعاون في قطاعات متعددة، من بينها الصحة، والتعليم، والطاقة، والمياه، والزراعة.

وفي هذا السياق، التقى عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم الخنبشي، السفير محمد آل جابر، حيث جرى التأكيد على عمق العلاقات بين اليمن والسعودية، والإشادة بالدعم السعودي المستمر على المستويات العسكرية والإنسانية والتنموية.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محافظ حضرموت سالم الخنبشي في مقر البرنامج السعودي بالرياض (سبأ)

وأكد آل جابر - بحسب الإعلام الرسمي اليمني- أن بلاده تمضي في تقديم دعم شامل لليمن سياسياً واقتصادياً وتنموياً، مع التركيز على الحلول القائمة على الحوار بما يحقِّق الأمن والاستقرار والتنمية المستدامة للشعب اليمني.

وخلال زيارة الخنبشي لمقر البرنامج السعودي، اطّلع على المشروعات المُنفَّذة ضمن تدخلات تنموية شاملة تشمل قطاعات التعليم والصحة والطاقة والنقل والزراعة والثروة السمكية، إضافة إلى مبادرات تستهدف تحسين الخدمات الأساسية في محافظة حضرموت وعدد من المحافظات المُحرَّرة.

وقدَّم مسؤولو البرنامج عرضاً مفصلاً حول طبيعة المشروعات القائمة، والتي صُمِّمت وفق احتياجات المواطنين الأساسية، مع التركيز على تعزيز البنية التحتية ورفع كفاءة الخدمات العامة بما يدعم الاستقرار المجتمعي.

وفي قطاع الصحة، بحث وزير الصحة العامة والسكان اليمني قاسم بحيبح مع فريق فني من البرنامج السعودي الخطوات التنفيذية لإنشاء صندوق الصحة، الذي يُنظر إليه بوصفه أحد المشروعات الاستراتيجية الهادفة إلى ضمان استدامة تمويل الخدمات الطبية وتحسين جودة الرعاية الصحية.

وزير الصحة في الحكومة اليمنية قاسم بحيبح (سبأ)

واستعرض الاجتماع - وفق المصادر الرسمية - الترتيبات الفنية والإجرائية الخاصة بتأسيس الصندوق وآليات الحوكمة والشفافية في إدارة موارده، بما يضمن توجيه التمويل وفق أولويات القطاع الصحي واحتياجاته الفعلية.

وأكد بحيبح أن إنشاء صندوق الصحة يمثل خطوةً مفصليةً لتعزيز الاستقرار المالي للمرافق الصحية، خصوصاً في ظل الضغوط الكبيرة التي يواجهها النظام الصحي، مشيداً بالدعم السعودي الذي أسهم في تنفيذ مشروعات حيوية شملت تطوير البنية التحتية والتجهيزات الطبية وبناء القدرات البشرية.


تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
TT

تقرير دولي يرصد تحسّن المناطق اليمنية المحررة بدعم سعودي

دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)
دعم سعودي لليمن ضمن برامج الاستقرار الاقتصادي (إكس)

حذّر تقرير دولي حديث من استمرار تفاقم أزمة انعدام الأمن الغذائي في اليمن، خصوصاً في المناطق الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، رغم مؤشرات تحسن نسبي في الاستقرار السياسي والاقتصادي بالمناطق الواقعة تحت إدارة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، مدعوماً باستئناف الدعم المالي السعودي.

وأكد التقرير أن اليمن لا يزال يواجه واحدةً من أعقد الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل استمرار النزاع الاقتصادي وتعثر مصادر الدخل وانخفاض مستويات التمويل الدولي.

وأوضح التقرير الصادر عن شبكة أنظمة الإنذار المبكر بشأن المجاعة أن استعادة الحكومة اليمنية سيطرتها على عدد من المحافظات الشرقية والجنوبية، إلى جانب الدعم المالي الذي قدمته السعودية، أسهما في تقليص مستوى عدم الاستقرار السياسي خلال الأشهر الأخيرة.

كما ساعدت هذه التطورات في تحقيق تحسن محدود في المؤشرات الاقتصادية، خصوصاً من خلال دعم بند الرواتب والموازنة العامة، الأمر الذي انعكس على القدرة الشرائية لبعض الأسر.

مشروع مدينة الملك سلمان الطبية التعليمية في المهرة (إكس)

وأشار التقرير إلى أن استمرار الدعم المالي الخارجي يوفر فرص عمل قصيرة الأجل ويساعد في ضخ سيولة نقدية داخل الاقتصاد المحلي، إلا أن هذا التحسن يظل هشاً ومؤقتاً، نظراً لارتباط التعافي الاقتصادي بإعادة تشغيل قطاع النفط واستئناف الصادرات، وهو سيناريو لا يبدو قريباً في ظل استمرار التوترات الأمنية والهجمات على البنية التحتية الاقتصادية.

تحديات مستمرة

على الرغم من المؤشرات الإيجابية المحدودة، أكد التقرير أن الحكومة اليمنية لا تزال تواجه تحديات هيكلية معقدة، أبرزها ضعف الموارد العامة، وتأخر صرف الرواتب في بعض القطاعات، واستمرار الانقسام الاقتصادي بين مناطق الحكومة ومناطق الحوثيين. وبيّن أن هذه العوامل تعوق ترجمة التحسن السياسي إلى نتائج اقتصادية مستدامة تنعكس مباشرة على الأمن الغذائي للسكان.

وأضاف أن مخاطر زعزعة الاستقرار لا تزال قائمة نتيجة التوترات الداخلية والصراع الاقتصادي القائم، ما يجعل التحسن الحالي عرضة للانتكاس في أي وقت.

توقف عمليات أممية حرم ملايين اليمنيين الخاضعين للحوثيين من المساعدات (الأمم المتحدة)

كما أن استمرار القيود على النشاط الاقتصادي وتراجع الاستثمارات يحدان من قدرة الحكومة على توسيع برامج الحماية الاجتماعية أو تحسين الخدمات الأساسية، وفق ما أورده التقرير.

وتوقعت الشبكة الدولية استمرار انتشار انعدام الأمن الغذائي الحاد على نطاق واسع في اليمن حتى نهاية مايو (أيار) المقبل، مع بقاء شريحة كبيرة من السكان في المرحلة الثالثة من التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي، وهي مرحلة «الأزمة»، حيث تواجه أسرة واحدة على الأقل من كل خمس أسر فجوات كبيرة في استهلاك الغذاء، مصحوبة بارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد.

الأكثر تضرراً

في المقابل، أظهر التقرير أن المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين ستبقى الأكثر تضرراً من الأزمة الغذائية، خصوصاً في محافظات الحديدة وحجة، إضافة إلى أجزاء من محافظة تعز التي تشهد تقاسماً للسيطرة بين الطرفين.

ووفقاً للتقديرات، ستظل هذه المناطق ضمن مستوى «الطوارئ» (المرحلة الرابعة)، ما يعني أن أسرةً من كل خمس أسر ستواجه فجوات غذائية شديدة قد تؤدي إلى ارتفاع معدلات سوء التغذية الحاد وزيادة مخاطر الوفيات.

وأرجع التقرير هذا التدهور إلى الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية الحيوية للمواني الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، إلى جانب اضطرابات الحركة التجارية وتراجع الأنشطة الاقتصادية المرتبطة بالمواني، وهو ما أدى إلى انخفاض الطلب على العمالة وتآكل مصادر دخل الأسر الفقيرة.

وأشار إلى أن بطء تعافي القطاعات المدرة للدخل دفع العديد من الأسر إلى تبني استراتيجيات تكيف قاسية، من بينها تقليص الوجبات الغذائية أو اللجوء إلى التسول والعمل غير المستقر لتأمين الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية.

وفي السياق ذاته، أكدت تقارير أممية متقاطعة أن الأزمة الإنسانية في اليمن لا تزال ذات آثار مدمرة، خصوصاً على النساء والفتيات، حيث يؤدي النزاع والانهيار الاقتصادي وتقليص التمويل الإنساني إلى زيادة معدلات النزوح وانعدام الأمن الغذائي وارتفاع وفيات الأمهات، إضافة إلى تراجع خدمات الحماية والرعاية الصحية.

ورغم استمرار الجهود الإنسانية، أفادت بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان بأن تدخلاته خلال عام 2025 وصلت إلى نحو 2.1 مليون شخص، فإن فجوة تمويلية بلغت 44.5 مليون دولار أجبرت الصندوق على إغلاق نحو 40 في المائة من خدماته، ما ترك نحو مليوني امرأة وفتاة من دون رعاية صحية أساسية.

ويستنتج التقرير أن اليمن يقف أمام مفترق حاسم؛ فبينما أسهم الدعم المالي السعودي والاستقرار النسبي في مناطق الحكومة في تخفيف حدة الأزمة جزئياً، فإن استمرار الانقسام الاقتصادي وتعثر النشاط التجاري في مناطق سيطرة الحوثيين يهددان بتفاقم انعدام الأمن الغذائي، ما لم تُتخذ خطوات اقتصادية وسياسية أوسع تعيد تنشيط الاقتصاد وتضمن تدفق المساعدات الإنسانية دون عوائق.