الشاعر في المكان... والكائن

«ظلال الاسم الجريح» للحسيني نصوص تدور في فضاء الثورة السورية

الشاعر في المكان... والكائن
TT

الشاعر في المكان... والكائن

الشاعر في المكان... والكائن

يعكس عبد اللطيف حسيني في كتابه «ظلال الاسم الجريح - نصوص»، الصادر عن «برجاف للإعلام والحريات» بعد عدد من الأعمال الإبداعية والسردية في سيرته الإبداعية، حالة شعرية ذات خصوصية لافتة في تقديرنا، على أكثر من مستوى؛ فهي تنزع إلى تناول تفاصيل اللحظة، بما يكاد يقترب من التوثيق، ليتماهى السرد العالي بالشعري، بينما ينصرف هو إلى رصد تلك التفاصيل التي يخلق من خلالها معادلاً موازياً للواقع.
عبر مجموعته الجديدة هذه، التي تقع في سبعة وخمسين صفحة من القطع الصغير، لا يخرج الشاعر من ذلك العالم الذي طالما استأثره، والذي يمكن استقراؤه من خلال عناوين إصداراته السابقة على مجموعته الجديدة، حيث تتكرر كلمة «المدينة» في سياق المفرد أو الجمع، كما أن اسم مدينته عامودا نفسه يرد أكثر من مرة، وإن حاول أن يخرج عبر هذه المجموعة من سطوة هاتين المفردتين، إلا أنه لا يفلح.
هذه المقدمة تحيلنا إلى علاقة الناصّ بالمكان، ليس المكان الجغرافي المجرد، وإنما الفني. إذ سيمتحه من خلال كائنه/ الناص ذاته، ومحيطه، وهو ما يبدو في مجموعته الأخيرة نفسها، حتى وإن لم يبد اسمُ المدينة العَلمي أو الوصفيُّ، في عنوانها، غير أن نصوص المجموعة برمتها لا تفتأ تدور في فضاءات انشغالاته ذاتها، وهي على مفترق الخطِّ الزمني نائسة ما بين مرحلتين: مرحلة ما قبل الثورة السورية، وما بعدها.
قبل كل شيء، لا بد من الإشارة إلى أن الحسيني لم يصنف مجموعته الجديدة على أنها «شعر» بل دون مفردة «نصوص» تحت العنوان الرئيسي، مباشرة، ليس على صفحة الغلاف الأول، وإنما على الصفحة الداخلية التي ورد فيها العنوان لأول مرة، أي الصفحة الثالثة، وفي هذا ما يبين وعيه بطبيعة نصه، حيث تنتمي نصوص المجموعة إلى ذلك النمط الكتابي الجديد الذي عُوِّلَ عليه بأكثر - لا سيما بعيد ثورات ربيع المنطقة التي كان منتظراً منها أن تؤسس لنص جديد، مختلف، وهو ما تحقق المجموعة أكثر شروطه، إذ تمحي الحدود بين أكثر من شكل أدبي، ليكون هناك نص وفي لذاته ولشرطه الداخلي، وفيّ لرؤية صاحبه، فتشكيل النص يأتي أقرب إلى بنية النص المفتوح، بل إنه في العمق الفني لهذا الشكل النصي حيث يتجاور، ويتداخل السرد والشعر، على حد سواء، كما أننا نجد بعض المسرح، أو حتى الرسم، وفراسة العين السينمائية المتحركة على محيط دائري لا متناهٍ: «إنه تسونامي: فلا تغلقوا الأبواب والثغور التي ستسوى بالأرض».
يلاحظ قارئ نصوص المجموعة أن هناك حضوراً مكانياً لافتاً على امتداد شريطها اللغوي، غير أن هذا المكان يتعدى البعد الجغرافي إلى ما هو فني صرف، وهو يظهر في أشكال كثيرة، حيث المكان يعد بطل الظلال الجريحة الرئيسيّ، كما أن المكان المتناول، ليس جامداً البتة، لا سيما أن الناص نفسه يراه وقد تغير هو الآخر، بعد طوال سبات التبس بالجمود، لذلك فإنه سرعان ما يطلق صرخته المدوية، قارئاً تفاصيل اللوحة المكانية الجديدة، ليكون لسان حالها، أو الناطق الشعري باسمها، كشاهد على التحولات المحلوم بها من قبله طويلاً: «دون عهد أو تخمين بات الكائن الجديد يبني ذاته الخلاّقة على أسس تجب ما انكسر فيه أو ضاع بين سنواته التي أمضاها على نمط، أقل ما فيه الخسة والدناءة التي باتت لا وجود لها في الحياة الجديدة التي تتطلب ترقيقاً في التعامل والحديث، تلك صفات نلمسها ونتقراها على الوجوه، وتصرخ بها الأفواه التي غادرتها صفاقة وغدر سنوات..» (ص35).
في المقطع السابق اختصار لفضاءات مدونة تمتد بين تاريخين أحدهما رهن الطيِّ، وآخر رهن البدء، غير أن هذا البدء وذاك الطي مؤجلان، غير محققين بعد، وهو ما ينقص من جدوى مدونة التحول هذه، التحول الذي طالما رهن الشعر الحق ذاته له، في مشروعه، كبؤرة، عميقة، بكل تناقضاتها، من خلال رصد حياة مدينة، قرأ من خلال وجهها تفاصيل ملامحه الشخصية، كشاهد، في مرايا الأمس، واللحظة، والغد، لكي يكون الناطق الشعري لتلك التحولات التي طرأت على المكان برمته!
«أنت منذ الآن غيرك. فلا تحاول الاختباء، فذاك زمن ولى عهده بل انقرض» (ص 36).
لا يمكن النظر إلى مجموعة حسيني الأخيرة هذه، إلا من خلال قراءتها ضمن مستويين: أولهما استمرارها ضمن مشروعه الإبداعي نفسه، وثانيهما إدراجها ضمن ما كتب في فضاء الثورة السورية، وتحديداً من خلال موقعه كمتحمس انخرط في لجة هذا الحدث الذي طالما حلم به، ورسم معاناة إنسانه ومكانه، على أمل الخلاص مما هو فيه، باعتباره أحد الذين عانوا في ما قبل، وما بعد، بل وخلال لحظة الثورة ذاتها، كما تعكس ذلك نصوص مجموعته، وإن كان الناص هنا المفرد بصيغة الجمع:«هكذا أسمي كتاب حياتي حين أفتحه فلا أجد فيه إلا هامشاً من الضياع يسلمني إلى سنوات الضياع. كل ساعة فيها تستفزني وتسألني غابات من الأسئلة، وعلي أن أجيبها دفعة واحدة: كيف عشت، بل لِمَ عشت، ولم تصرخ، ولم خبأت صراخك في نفسك الأمارة بالكبت؟».
«وهكذا لن تجيب مرآة حياتي إلا بتحليل جثة المخضرم الميت - الحي الذي عاش في موته حياً، وميتاً في حياته» (ص52).
إن مجموعة الحسيني الأخيرة على الرغم من قصر شريطها اللغوي، فإنها تعد، في الحقيقة، أحد النتاجات اللافتة التي تناولت الكائن والمكان، ليس من خلال لحظة التفاعل مع حدث الثورة، منقطعة عن سياقها، شأن أبعاضهم ممن تعاملوا معها كمجرد مغامرة، سياحية عابرة، وإنما من خلال اعتبارها امتداداً لرؤيةٍ مؤسس لها فيما قبل صدمة هذا الحدث، ومن هنا، تتجسد أهميتها، واستثنائيتها، على عكس تجارب سواه، من هؤلاء الذين وجدوا في الحدث عينه معبراً جديداً إلى ذواتهم: «أنا الميت الذي لا يبكي عليه أحد. أنا القبر الذي يمر به الكثيرون ويركلونه دون ندم. في العرض المسرحي أنا المهرج طوال العرض. وأنا المقتول في بدايته» (ص15).



عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي»

ماثيو أرنولد
ماثيو أرنولد
TT

عودة لموضوع «موت الناقد الأدبي»

ماثيو أرنولد
ماثيو أرنولد

سبق لي أن نشرتُ في ثقافيّة «الشرق الأوسط» موضوعاً عنوانُهُ: «هل مات الناقدُ الأدبيُّ؟». كان الموضوع محطّة انتباه لكثيرين من المشتغلين بالأدب أو النقد الأدبي أو من ذوي الذائقة الأدبيّة والثقافيّة حتى لو كانوا من غير عنوان اختصاصي في نطاق الأدب أو الثقافة. يبدو لي أنّ معظم القراءات انساقت وراء الدفق الدرامي للعنوان بما تحملهُ مفردة «الموت» من شحنة دراميّة ثقيلة الوطأة على النفس، خاصّة عندما تطولُ الناقد الأدبيّ في ثقافتنا العربية؛ إذ كثيراً ما تحصّن الناقد الأدبي في مثابة عالية شديدة التحصين في هذه الثقافة. كانت تجربة مثيرة لي عندما قرأتُ العديد من المداخلات المتباينة بشأن الموضوع في مواقع عديدة، ولستُ أرى في هذه الرؤى المتباينة سوى علامة حراك ثقافي صحّي.

رايموند ويليامز

أرى من المفيد الاعترافَ بأنّ موضوعي السابق انطوى على شيء من الذائقة الانطباعيّة، وإن كنتُ عزّزتُهُ بتفاصيل مشخّصة عن موت الناقد الأدبي. يبدو أنّ الآراء المخالفة لم تسعَ للتفلّت من أفلاك المدارات الانطباعية الخالصة؛ فكأنّ عبارة «موت الناقد الأدبي» تسبّبت لها في جرحٍ نازف سَعَتْ طويلاً لمُداراته والهروب من مواجهة مترتّباته القاسية. هذه المقاربة لن تنجح إلا في إبعادنا عن الفضاء الثقافيّ العالمي المحتدم بمتغيّراته السريعة. من المفيد الإشارةُ أيضاً إلى أنّ بعض الآراء اعتمدت مقاربات مؤسّسة على كتل إنشائيّة غارقة في الفخاخ الانطباعيّة التي تساءلَتْ - في بعض ما تساءلت عنه - بنبرة استنكاريّة صارخة: كيف نُمِيتُ الناقد الأدبي؟ ولو مات هذا الناقد، أفلن يكون هذا إيذاناً بشيوع الرثاثة الأدبيّة وتجويزاً لشرعنتها؟ هؤلاء يفكّرون بمنطق الناقد - الرقيب، ثمّ إنّهم يحيلون الموضوع إلى رغبات كيفيّة لو شاءت لأماتت الناقد الأدبي، ولو شاءت لأبقته يتنفّسُ الحياة. أظنّ أنّ الموضوع أبعدُ شأناً من هذه التفاصيل المبسّطة.

سأعمدُ في هذا الموضوع إلى الابتعاد عن الشخصنات الانطباعيّة في مقابل التركيز الصارم على بعضٍ من المسببّات الحقيقية التي قادت إلى موت الناقد الأدبي.

***

ليس موتُ الناقد الأدبي حادثةً عَرَضيّة، ولا نتيجةً مباشرة لانحطاط الذائقة، أو لتراجع القراءة، أو لكسل الأجيال الجديدة، أو لتنامي أنماط ما يُحسَبُ رثاثةً ثقافيّة شائعة كما يذهب الخطابُ الثقافي السائد والذي لا يكفُّ عن الشكوى والحنين لعصور أدبيّة سابقة، كذلك ليس هذا الموت واحداً من الأمنيات الرغبويّة في قتل الناقد الأدبي والوقوف بسكينة في مراسم دفنه إلى جانب من سبقوه ممّن قتلتهم سياساتُ ما بعد الحداثة. نحن لا نقف أمام أزمة أفراد أو غياب مواهب، بل أمام انهيار وظيفة معرفية كاملة كانت مشروطةً بسياق تاريخي وثقافي محدّد لم يَعُدْ قائماً. هذه هي كلّ الحكاية باختصار قاسٍ. الناقدُ الأدبي - بالمعنى الذي استقرّ عميقاً في الوعي الثقافي خلال القرن العشرين - لم يكُ ضحيّة اغتيالٍ غادر، ولم يُقْصَ قسرياً عن المشهد الثقافي العالمي. ما حصل معه هو تنامي وتعاضد مؤثّرات محدّدة جعلته يفقدُ البيئة التي كانت تمنحُهُ المعنى والشرعية والسلطة.

السؤال الجوهري اليوم ليس: أين اختفى النقّاد الأدبيّون؟ بل: أيُّ عالمٍ كان يحتاج إلى ناقد أدبي؟ ولماذا لم يَعُدْ عالمُنا كذلك؟

أولاً تتوجّبُ مساءلةُ المعياريّة الثقافيّة. الأنساق الثقافيّة المعياريّة طالتها تحوّلاتٌ جوهريّة؛ فقد نشأ النقد الأدبي داخل نظام ثقافي يؤمِنُ بإمكانية إنتاج معايير عامة نسبيّاً: معايير للجمال، وأخرى للقيمة، وثالثة للتفوّق والاستمرارية. لم تكن هذه المعايير خاليةً من التحيّز أو الآيديولوجيا؛ لكنّها كانت صالحة للاستخدام. كان من الممكن الاحتكامُ إليها، ومناقشتُها، وتطويرُها. الناقد، في سياق هذا الإطار، لم يكن قارئاً بارعاً فحسب بل سلطة تقويمية تضطلع بمهمّة الفرز: ما الذي يُضافُ إلى المتن الثقافي، وما الذي يبقى في الهامش، وما الذي يتوجّبُ أن يُنسى. كان النقد يفترضُ وجود مركز ثقافي، وذائقة عامّة، وتاريخ أدبيٍّ يمكنُ قراءتهُ بوصفه مساراً ذا معنى. أمّا اليوم فقد تفكّكت هذه الافتراضات. التعدّدية المتطرّفة، وتكاثرُ الهويات، وتفتّتُ الذائقة، وانهيارُ المركزيات، جعلت فكرة (المسطرة النقديّة الواحدة) غير قابلة للتطبيق. حين تنتفي المسطرة النقديّة، لأيّ أسباب، يفقدُ الناقد أداته الجوهرية مهما بلغت قدراتُهُ المعرفية.

وظيفة الأدب هي الأخرى شهدت تغيّراً جوهريّاً. في الأزمنة التي ازدهر فيها النقد الأدبيُّ كان الأدب يُنظرُ إليه بوصفه قيمة متعالية: فعلاً يرتقي بالذائقة، ويهذّبُ الحسّ الأخلاقي، ويمنح معنى لتجربة الوجود. النقد، تبعاً لذلك، لم يكن نشاطاً تفسيرياً مُحايداً بل وظيفة ثقافية تكميليّة ذات بعد أخلاقي وجمالي وفلسفي. اليوم، تغيّر تعريفُ الأدب ذاته. لم يَعُدْ يحتلّ مركز النظام الرمزي بل صار ممارسة سردية بين ممارسات عديدة: السينما، والمسلسلات، والألعاب الرقمية، والمنصّات الاجتماعية، وأشكال السرد القصير والخاطف. الأدب لم يَعُدْ (الصانع الأعلى للمعنى) بل أصبح خياراً واحداً من خيارات متعددة. هنا تحضرُ المقايسة المنطقيّة المؤكّدة: حين يفقد الأدب - كخالق للمعنى - مركزيته يفقد النقد سلطته تلقائياً. لا يمكن للناقد أن يكون حارساً لقيمة لم يعُدْ يُعتَرَفُ بها بوصفها قيمة عليا أو جامعة.

بعد ذلك تحضرُ أمامنا حقيقةٌ شاخصة عنوانُها (تحطيم السرديات الكبرى Grand Narratives وانهيار القياس النقدي). كان النقد الأدبي الكلاسيكي يعملُ داخل سرديةٍ تاريخية واضحة: عصور، مدارس، تيارات، ذرى وانكسارات. هذا الإطار وفّر للناقد إمكانية المُقارنة والحُكْم والتقويم. مع صعود ما بعد الحداثة، لم يحصل تفكيكٌ لنسيج النص وحده بل فُكّك الإطار الذي يسمح بالحكم عليه. السرديات الكبرى تراجعت، وحلّت محلّها سردياتٌ صغرى، فردية، محلّية، غير قابلة للتوحيد أو القياس المتبادل. ما يُعدّ تجربةً مركزيةً لشخص قد يكون هامشياً أو عديم الأهمية لآخر. في هذا السياق، يتحوّل النقد إلى رأي شخصاني، والرأيُ الشخصانيُّ في عصر المنصّات لا يمتلك أي امتياز معرفي. الجميع يقرأ، يعلّق، يحكم، ومن ثم تذوب وتتلاشى سلطة الامتياز النقدي.

سببٌ آخر يختصُّ بأفول السطوة النقدية الأدبيّة التي شاعت في القرن العشرين. في ذلك القرن لم يكن الناقد الأدبي مجرّد باحث أكاديمي، بل كان في كثير من الحالات اسماً ذا سطوة ثقافية عامة. كانت هناك أسماءُ نقّادٍ أدبيين تُقرأ بوصفها مراجع موثوقاً بها، وتُستدعى أحكامُها في النقاشات الكبرى حول الأدب والحداثة. أسماء مثل ماثيو أرنولد، ونورثروب فراي، وكلينيث بروكس، وويليام إمبسون، ورينيه ويليك، وإف. آر. ليفز، وهارولد بلوم، ورايموند ويليامز... مثّلت نموذج الناقد الذي يتجاوز التخصّص الضيّق. لم تكن هذه السطوةُ نابعة من الإعلام فحسب، بل من شروط ثقافية محدّدة: فضاء ثقافي أقل ازدحاماً، ومؤسسات نشرٍ ذات نفوذ، وإيمان عام بشرعية السلطة النقدية. في القرن الحادي والعشرين تفكّكت هذه الشروط. الثقافة اليوم أفقية، مُشَكّكة، وعدائية تجاه المرجعيات، ولم يَعُدْ ممكناً أن يتشكّل اسمٌ نقدي مركزي بالمعنى القديم وسط هذه الدوّامة الثقافية سريعة التغيّر.

أرى من المفيد الاعترافَ بأنّ موضوعي السابق انطوى على شيء من الذائقة الانطباعيّة

لا يمكنُ أيضاً التغافلُ عن حقيقة ذوبان النقد في النظرية الثقافية ثم في الثقافة (الدراسات الثقافيّة). لم يَمُت النقدُ الأدبيُّ فجأة، بل ذاب تدريجياً في حقول أوسع. انتقل من تحليل النصوص إلى مساءلة الخطابات، ثم إلى تفكيك البنى الثقافية والاجتماعية. صار الأدب مادّة اختباريّة مفتوحة لموضوعات إشكاليّة منها: الهوية، والجندر، والسلطة، والذاكرة، والسوق، والتقنيّة... هذا التحوّل أفقد النقد حدوده الصارمة، ومع هذا التحوّل النوعيّ فقد النقد قدرته على إنتاج سلطة اعتباريّة متماسكة لأنّ أدواته القديمة لم تعُدْ تسعفه بوسائل الإنقاذ. ربّما المثال النموذجي في هذا الشأن هو تيري إيغلتون. هلّا تلاحظون شكل كتاباته - عناوين وموضوعات - في بداياته، ثمّ كيف تحوّلت إلى مساءلات مستفيضة لموضوعات ثقافيّة أبعد كثيراً من نطاق اهتماماته الأولى؟

لا يمكنُ بالطبع إغفالُ أنّ الأدب العالمي لا يعيشُ في جزيرة منعزلة. نحنُ نعيشُ في عصر النيوليبرالية التي تحكمها القوانينُ القاسية؛ حيث تُقاس القيمةُ بما تُحقّقه المصنّعاتُ، مادّية كانت أم رمزيّة، من تداول وربح وانتشار. الأدب بموجب هذه القوانين يُقيَّمُ بالأرقام لا بالأحكام الانطباعية الشخصانيّة المسبّقة. في هذه المعادلة يصبح الناقد عبئاً. رأيُهُ قد يُربِكُ السوق، أو يبطئ حراكها الاقتصادي؛ لذلك جرى تهميش الناقد الأدبي لا بالمنع، بل - ببساطة - بإعلان عدم الحاجة إليه.

ثمّ علينا أيضاً أن ننتبه للخوارزميات ومنطق المنصّات. إذا كانت السوقُ قد همّشت الناقد الأدبي فإنّ الخوارزميات أجهزت على ما تبقّى من وظيفته. في عالم المنصّات الرقمية، لم يَعُد القرار بيد قارئ أو ناقد أو مؤسسة ثقافية، بل قيد أنظمة حسابية غير مرئية تُقرّر ما يُعرض، وما يُخفى، وما يُروَّجُ له. لم يمت الناقد الأدبي فقط؛ لأنّ أحداً لم يَعُدْ يصغي إليه، بل لأنّ الخوارزميات احتلّت موقع الحَكَم دون أن تحتاج إلى لغة أو حُجّة أو تبرير.

*****

لستُ سعيدةً بموت الناقد الأدبيّ، ولن أتيه فرحاً لو تأجّل موته بضع سنوات أو حتّى لو شهدنا مراسم خلوده الأبديّ. أنا أسائلُ ظاهرةً سائدة علينا التحسّبُ لنتائجها بصرف النظر لو حسبناها سلبيّة أم إيجابيّة. موتُ الناقد الأدبي لا يعني نهاية التفكير في الأدب، بل يعني نهاية نموذج معرفي محدّد: نموذج السلطة، والمعيار الواحد، والمرجعية المركزية. ما يبقى هو أشكال هجينة من وارثيه المحتملين: قارئ - كاتب، أو باحث عابر للحقول، أو مثقف يعمل من داخل الهشاشة الثقافية، ولا يكتفي بالتعالي الساذج على فروضها وقوانينها. العزلةُ والانغلاق على القناعات الشخصية لن يغيّرا تضاريس المشهد النقدي الأدبي العالمي. موت الناقد الأدبي، في جوهره، ليس مأساة ثقافية بقدر ما هو علامة على انتقال السلطة من العقل التأويلي الكلاسيكي إلى أنساق جديدة. الأفضلُ لنا بشأن هذه التحوّلات ألا نجعلها موضع إدانة أخلاقيّة قاسية؛ بل أن نحاول فهمها حتى إن خلّفَتْ فينا شعوراً عميقاً بالفَقْد.


الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة
TT

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

الشعر الصيني... حكمة التاريخ وأسئلة اللحظة الراهنة

ضمن سلسلة «آفاق عالمية» الصادرة عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، صدر كتاب «نافذة على الشعر الصيني»، ترجمه عن الصينية مجموعة من الشباب: أسماء عيطة، وبسمة محمد، ودينا التهامي، ورانيا مرسي، وريهام سعد، وسندريلا سمير، ومحمد عبد الرحيم، وهدير شوقي، وياسمين شورى.

ويضم الكتاب نماذج إبداعية وقصائد متنوعة لنخبة من شعراء الصين ضمن حقب مختلفة على مر التاريخ، مثل: بيداو، وتشانغ جيو لينغ، وجوان جين تشاو، وخوشه، ودوفو، وشه دجه، وغو تشينغ، ولوفو، ولي تشينغ تشاو، وليو زي لي، ومنغ لانغ.

في تقديمه للكتاب، يشير محسن فرجاني، أستاذ الأدب الصيني بجامعة عين شمس، إلى أن القرن الحادي والعشرين حلَّ والشعر الصيني يعاني من حالة التهميش التي ألمَّت به طوال تسعينيات القرن السابق، فانشغلت الساحة الشعرية بثلاثة أسئلة كبرى فرضت نفسها على الحركة الإبداعية والنقدية معاً، وهي: هل يصدر الشعر الصيني على أرضه ومناخه الطبيعي ومنطقته؟ أم هو مجرد صدى للحركة الأدبية في الغرب الأوروبي؟ وهل تقوم الكتابة الشعرية على العلم أم على الواقع؟ ثم ما اللغة الأكثر حيوية وثراء للإبداع الشعري؟ أهي اللغة الكتابية في مستواها التعبيري المعياري؟ أم هي العامية الدارجة؟

ولأن لكل عصر مشكلاته وحلوله التي تطرحها ظروفه وأجواؤه الخاصة، فقد جاء القرن العشرون، طارحاً الحل المناسب لمشكلة التهميش التي لحقت بالإنتاج الشعري؛ حيث أتاحت شبكات التواصل الاجتماعي مجالاً لملاحقة التطور العام، واتساع أفق التفاعل، وتجديد طاقات الاتصال الحيوي بين ساحات الإبداع، فأمكن لكثير من الشعراء التواصل مع عدد كبير من القراء؛ بل إن مواقع الشبكة الدولية جذبت كثيرين إلى ساحة الشعر، ودارت في دائرة التواصل كتابات كثيرة، حتى صاح البعض متفائلاً: «ها قد عاد الشعر إلى سابق مجده»!

ويلفت فرجاني إلى أن النشر على الإنترنت تحول إلى نشاط إجرائي محموم دون قيمة حقيقية لكثير مما عُرض على قُرائه، وبناء عليه فقد انقسمت ساحة الشعر شيعاً وفرقاً وجماعات مختلفة لكل منها ساحتها، وانزاحت الكتابة الشعرية إلى أقصى حدود الهامش، وإن ظل بعض الشعراء يحتفظون بمكانة طيبة من الجيل الجديد، مثل تسانغ ديي.

ومن ثم، شهدت الحقبة الأولى من القرن الحادي والعشرين ظهور عدد من التيارات الشعرية الكبرى، مثل: «كتابات الطريق الثالث». وهذا التيار بالذات كان ظهوره عبارة عن حل وسط أو صيغة توفيقية بين تيارَي: «كتابات المثقفين»، و«الكتابات الشعبية»؛ وكانت المواجهة بين هذين الأخيرين حادة للغاية، فجاء هذا الطريق الثالث تعبيراً عن ضرورة صياغة موقف مبدئي يعزز من الشخصية الفردية للشعراء، ويتخذ من هذا المفهوم قاعدة أساسية للمسؤولية الإبداعية، بحيث يصبح بلورةً لموقف التيارين المتصارعين، وتجاوزاً لهما في الوقت نفسه، تفادياً لاستقطابات حادة في ساحة إبداع واحدة، وتجنباً لأي مسعى يمكن أن يشكِّل هيمنة ثقافية.

وبالتالي، حاول أعضاء هذا «التيار الثالث» تشكيل اتجاه جديد يسمح لكل الشعراء بالتعبير عن أنفسهم دون الالتزام بقالب فني جمالي محدد. وقد تُوِّج هذا الاتجاه بإصدار جريدة «الطريق الثالث» في 2002، وكان من بين أهم شعرائه: موفي، وشوتساي، ولين تونغ، ومايونغ بو.

ثم قام تيار آخر باسم «جيل الوسط» على عاتق عدد من مواليد ستينيات القرن العشرين، ممن لم يشاركوا في تيار شعر «الطريق الثالث» ولا في نشاط النشر على الإنترنت الذي كان قد تشكل في فترة مبكرة، علماً بأن هذا الجيل الأوسط احتفظ بدرجة عالية من الاستقلال عن الجماعات الشعرية، واعتبره بعض نقاد الأدب تمثيلاً لفكرة الجيل، أكثر منه تياراً شعرياً إبداعياً. وكان من أهم رواده: تشاولي هوا، وكيتشي، وسنتزي.

وبعد ذلك، ظهر تيار شعري جديد في ظل تعاظم نشاط شبكات التواصل، تحت اسم «المعلوماتية». وهو التيار الذي نشأ على مواقع الإنترنت؛ حيث نشر إنتاجه الإبداعي واجتذب إلى ساحته عدداً من الشعراء.

وثمة تيار آخر اشتهر باسم «ما بعد السبعين» على أساس أن أعضاءه من مواليد السبعينيات، وكانت هذه التسمية قد أطلقت على هذا الفصيل من الشعراء إثر مقال نُشر في إحدى الجرائد تحت عنوان «شعراء ما بعد السبعين».

ووفق تقديرات نقدية كثيرة، فإن أهم تيار شعري ظهر في السنوات العشر الأولى من القرن الحادي والعشرين هو «تيار الخيال» الذي يرى شعراؤه أن مملكة الشعر هي فردوس الخيال.

وانطلاقاً من هذا، فإن التصورات الخيالية هي الحقيقة الأزلية؛ حيث تتلاشى الحدود بين ما هو صواب وخطأ، وحقيقة ووهم، ويتصالح الجمال مع القبح، وتصبح الألفاظ بالنسبة لكتابة الشعر إشارات ذات مقادير متساوية من القيمة.

وكان آخر التيارات الشعرية التي ظهرت على خريطة الإبداع الصيني، تيار عُرف باسم «ما بعد الثمانينيات» وشعراؤه عبارة عن مجموعة من مواليد ثمانينيات القرن العشرين، ممن برزوا بوصفهم جماعة متميزة الإنجاز خلال الربع الأول من القرن الحادي والعشرين، ومنهم: تشون شو، وآفي، ومو هوا.

ومن أبرز القصائد الواردة في الكتاب: «غريب في هذا العالم»، للشاعر بيداو المولود في 1949، والذي عمل في مجال البناء عاملاً، ثم اشتغل محرراً صحافياً ومترجماً، وعاش في بلدان عدَّة خارج الصين. يقول مطلع القصيدة:

«غريب في هذا العالم

عالم لا أدرك لغته

ولا يفهم صمتي

نتصافح

فقط بقليل من الازدراء

كما لو أننا التقينا صدفة داخل مرآة

غريب حتى مع ذاتي

أنا أخشى الظلام

ولكني حجبت بجسدي

بصيص النور الوحيد

ظلي هو أنيسي

وقلبي هو عدوي».

وفي قصيدة «أعِد لي»، يقول الشاعر والفنان التشكيلي يان لي، المولود في 1954:

«أعد لي بابي بلا أقفال

أعده لي حتى لو من دون غرفة

أعد لي الديك الذي اعتاد على إيقاظي في الصباح

حتى لو أكلته أنت

وأعد لي العظام أيضاً

أعد لي الأغاني الرعوية عند منحدر الجبل

حتى لو مسجلة على شرائط

أعد لي مزماري أيضاً».

وتعد لي تشينغ تشاو (1084- 1155) أعظم شاعرة في الأدب الصيني القديم، وأيقونة الشعر النسائي على مر العصور، والتي تقول في قصيدتها اللافتة التي تحمل عنوان «عطر الخريف في الأرجاء»:

«يحل عيد تشونغ وتتفتح زهور الأقحوان

فأرتدي ملابس الخريف وأتجرع أقداح النسيان

بينما تتناوب العواصف من رياح باردة وأمطار

ويبدو الفناء عند الغسق كئيباً

يحزنني ما هو آتٍ وقتما أصحو

فتحمُّل ليلة طويلة كهذه ليس بالإمكان

والفراش خاوٍ عندما أتأمل وأنصت لأصوات الليل».


أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا
TT

أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا

صدرت في برلين أنطولوجيا ثنائية اللغة بعنوان «بين عذب وأجاج – أنطولوجيا القصيدة العربية في أوروبا / Grenzlandschaften» عن دار EBverlag الألمانية للنشر العلمي، في عمل يُعدّ الأول من نوعه الذي يُنجَز داخل مؤسسة أكاديمية ألمانية، وفق معايير البحث الجامعي الصارمة، لا ضمن المبادرات الثقافية الفردية.

جاء الكتاب في نحو 420 صفحة، ويجمع نصوص خمسة وخمسين شاعراً وشاعرة يكتبون بالعربية، ويعيشون في بلدان أوروبية متعددة، في محاولة لرسم ملامح مشهد شعري تشكّل بعيداً عن جغرافيا بيئاتهم التي هاجروا منها، لكنهم ظلّوا مشدودين إليها وجدانياً ولغوياً.

إن هذا العمل المهم لا يقدّم مجرد مختارات شعرية فحسب، بل يسعى إلى فهرسة القصيدة المكتوبة بالعربية في أوروبا بوصفها ظاهرة مستقلة لها موضوعاتها وأسئلتها وتجاربها الخاصة، بما يفتح باباً لدراستها بوصفها حقلاً أدبياً قائماً بذاته.

ومشروع هذا الكتاب هو ثمرة تعاون بين شعبة اللغة العربية في قسم الدراسات الإسلامية والشرق أوسطية بجامعة بون والديوان – البيت الثقافي في برلين، حيث شارك فريق من المترجمين والباحثين في نقل النصوص إلى اللغة الألمانية، وبناء هيكل أكاديمي يُسهّل قراءتها وتحليلها.

قُسّمت المختارات إلى 7 مسارات موضوعية ترصد التوترات الوجودية التي يعيشها شاعر المنفى: السعادة والنعيم، والتعالي، والفاجعة العظمى، والموت والحياة، والقدرية، والفناء، والوطن والمنفى. وهو تقسيم يكشف عن أسئلة تتجاوز الجغرافيا، وتلامس معنى العيش بين لغتين، وبين ذاكرة ماضية وواقع جديد.

أحد عشر بلداً أوروبياً

يضم الكتاب نصوص شعراء من العراق وسوريا ولبنان وفلسطين ومصر واليمن وليبيا والمغرب والسودان والجزائر وتونس والكويت، يقيمون في المملكة المتحدة وألمانيا وفرنسا وهولندا وبلجيكا وإسبانيا والنمسا والسويد والنروج والدنمارك وبلغاريا.

من سوريا وحدها يشارك 16 اسماً، من بينهم: أحمد إسكندر سليمان، وإبراهيم اليوسف، وجان دوست، وجبران سعد، وحسين بن حمزة، وزكريا شيخ أحمد، وسلام حلوم، وعائشة الأرناؤوط، وفرج بيرقدار، وفواز القادري، ومحمد المطرود، وميديا شيخة، وميسون شقير، وندى منزلجي، وندى وردا أوراهم، ونسرين خوري. ووئام فتال.

ومن العراق: فاضل العزاوي، وعدنان الصائغ، وعبد الكريم كاصد، وعبد القادر الجنابي، وحكمت الحاج، ونسيم الداغستاني، وجلال حيدر، وفاضل السلطاني، وإبراهيم عبد الملك، ومنعم الفقير، ومحمد جاسم، وفارس مطر. ومن لبنان: جوزيه الحلو، وندى حطيط، وعيسى مخلوف، وسرجون كرم. ومن فلسطين: هيام بسيسو، وفاتنة الغرّة، وسامر أبو هواش، وفؤاد ديب. ومن مصر: وصفاء فتحي، وعماد فؤاد، وزهرة يسري، وأحمد يماني.

إلى جانب أصوات من اليمن وليبيا والمغرب والسودان والجزائر وتونس والكويت.

جهد ترجمي وأكاديمي جماعي

وتولّى الترجمة فريق من خريجي الدراسات العليا في جامعة بون، من بينهم: كورنيليا تسيرات، ورينيه شنيتسماير، وكريستيان كيلليبغ، ودكتور ديزيريه كايزر، وميريام قويرينغ، وكورا هينشين، وأماني العباس كيللينغ، وماري تيريز رودولف، ومارلين نوسباوم، وغوران ياسون، إضافة إلى مونيزة يلماز التي أشرفت على تصنيف المحاور.

كما أسهم الشاعر جبران سعد في تسهيل التواصل مع عدد من الأسماء، وشارك في الدعم المعرفي والثقافي كلّ من الدكتور عبد الحكيم شباط، والدكتور كارستن والبينر، والبروفسور باولا مانشتتين، والدكتورة زيفغه أجاغول، والأستاذ نيلز فيشر، والمترجم سمير جريس، والأديبة لطيفة محمد حسيب القاضي، والناقدة ليندا نصّار.

وتحمّل الديوان – البيت الثقافي في برلين جانباً من أعباء النشر، بينما أدار دار النشر راينر كول عملية إخراج النص العربي تقنياً حتى خرج الكتاب بصورته النهائية.

رابط الكتاب:

https://www.ebv-berlin.de/epages/15494902.sf/de_DE/?ViewObjectPath