حسابات إسرائيل... السورية

من بحيرة طبريّا حتى ما بعد الجولان

حسابات إسرائيل... السورية
TT

حسابات إسرائيل... السورية

حسابات إسرائيل... السورية

الطريقة التي تتصرف بها حكومة إسرائيل بقيادة بنيامين نتنياهو بشأن الأزمة السورية، تفاجئ حتى الإسرائيليين. وليس صدفة أنه منذ أن اشتمّت هذه الحكومة اليمينية رائحة إمكانية التوصل إلى اتفاق سياسي يوقف نزيف الشام وأهلها، وهي تعقد اجتماعات لتقرر «موقفاً استراتيجياً» يخدم مصالحها. وفي كل مرة يستغرق الاجتماع الواحد عدة ساعات طويلة، وينتهي بلا قرار. إلا أن هذا لا يمنع نتنياهو من وضع «استراتيجية خاصة به»، يسعى لطرحها في كل محفل دولي وفي كل لقاء ثنائي مع زعماء العالم، خصوصا مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الأميركي دونالد ترمب ومساعديهما. فهو يطالب بالاعتراف بضم الجولان، وكذلك بحصة إسرائيلية دسمة من الكعكة السورية، تتجاوز هضبة الجولان، شرقاً وجنوباً، على شكل «حزام أمني» منزوع السلاح.
تبدو مطالب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ومشاريعه في جنوب سوريا، هذه الأيام، غريبة بعض الشيء، وذلك لأنه كان قد خاض بنفسه مفاوضات متقدمة جدا مع النظام السوري بقيادة الرئيس السابق الراحل حافظ الأسد في أواسط التسعينيات من القرن الماضي، بواسطة صديقه الملياردير اليهودي الأميركي رون لاودر.
يومذاك أبدى الزعيم الإسرائيلي استعداده لتسليم الأسد «الأب» كل هضبة الجولان، مقابل التوقيع على معاهدة سلام وتطبيع كامل. بيد أن المفاوضات فشلت بسبب الخلاف حول بضعة كيلومترات من الحدود. وهو السبب نفسه الذي أفشل المفاوضات بين الأسد «الأب»، ثم الأسد «الابن»، وبين رؤساء الحكومات الذين سبقوا نتنياهو أو أعقبوه، وهم: إسحق رابين (1992 - 1995)، وإيهود باراك (1999 - 2001) وأريئيل شارون (2002 - 2004) وإيهود أولمرت (2005 - 2009).
وكان الخلاف يتمحوَر حول «الحدود التاريخية الدولية»، التي تطالب إسرائيل أن تكون أساساً لاتفاق السلام وبين «حدود الهدنة» التي فرضها واقع الحرب بينهما عام 1949، ففي حينه، احتلت إسرائيل كل المنطقة التي كان مقررا أن تمنح لـ«دولة فلسطين» في الشمال. وخلال مفاوضات الهدنة التي استغرقت ثلاثة أشهر وانتهت في 20 يوليو (تموز) 1949، اتضح أن سوريا احتلت 66 كيلومتراً مربعاً من أراضي فلسطين التاريخية، واستقرت قواتها على الضفة الشرقية من بحيرة طبريا. وتقرر أن تصبح هذه المنطقة «منطقة منزوعة السلاح»، ولكن تحت مسؤولية إسرائيل المدنية، بحيث يتاح للمدنيين السوريين فقط أن يدخلوها للزراعة.

بحيرة طبريّا ومحيطها
وخلال الصدامات العسكرية الكثيرة بين الجانبين الإسرائيلي والسوري، دخلت القوات السورية إلى منطقة الحِمّة وفرضت سيطرتها على منابع نهر الأردن. واستمر هذا الوضع إلى التاسع من يونيو (حزيران) 1967، حين داهمت إسرائيل الجولان واحتلت جزأه الغربي بالكامل، بما في ذلك جبل الشيخ ومزارع شبعا ومدينة القنيطرة، وبالطبع كل المناطق الخلافية حول بحيرة طبريا.
طوال جولات المفاوضات، منذ ذلك الحين، اقتصرت المطالب الإسرائيلية على الاحتفاظ بالأراضي المختلف عليها قرب البحيرة ومنابع الأردن ومنطقة الحِمّة. ولكن هذا الموقف بدأ يتغير عام 1980، عندما تورّطت سوريا في حرب لبنان. إذ قررت حكومة مناحيم بيغن، أن تحصل على حصة من سوريا مقابل سيطرة سوريا على لبنان. ويوم 14 ديسمبر (كانون الأول) 1981، أقرّ البرلمان الإسرائيلي قانوناً يتم بموجبه ضم هضبة الجولان إلى السيادة الإسرائيلية. ومن خرائط هذا القانون يتضح أن مساحة الأرض السورية المقصودة تبلغ 1200 كيلومتر مربع، وتشمل ليس فقط كل الأراضي الخلافية بمساحة 66 كيلومترا مربعا بل نحو 20 ضعفاً. ومنذ ذلك الوقت، تحاول الحكومات الإسرائيلية تعزيز الاستيطان اليهودي هناك (توجد حالياً 25 مستوطنة يهودية تضم 25 ألف مستوطن)، وبناء جدار أمني شديد يصلح لحدود دولية. ومع ذلك، في الوقت الذي تبدأ فيه مفاوضات جدية حول عملية سلام، كانت إسرائيل تعود إلى الواقعية وتطالب بالحدود الدولية.
ولكن كيف زحفت المطالب من 66 كيلومتراً مربعاً عند بحيرة طبريا إلى الجولان كله... وما بعد الجولان؟!
نتنياهو يقول إن الظروف قد تغيّرت جوهرياً، مما يوجب تغيير المصالح والمطالب. وحسب مصدر مقرّب من نتنياهو، فإن «سوريا لم تعد دولة مستقلة، بل لم تعد دولة طبيعية. ولقد أصبحت مرتعاً لأعداء إسرائيل اللدودين (يقصد إيران وحزب الله اللبناني). وهذا ما يعطي إسرائيل كل الحق في الدفاع عن نفسها وردع أعدائها بالطرق العسكرية. وليس سراً أن حكومة إسرائيل وقفت على الحياد في الحرب الأهلية السورية، وكان بإمكانها التدخل وإسقاط نظام الأسد». وأيضاً، حسب زعم المصدر الإسرائيلي... «وأصبح معروفا أن فئة من المعارضة السورية توجّهت إلى إسرائيل بهذا الخصوص وعرضت توقيع معاهدة سلام يتم خلالها تحويل الجولان إلى حديقة سلام دولية بإدارة إسرائيل، وأعربت عن موافقتها على كل الضمانات الأمنية التي تطلبها إسرائيل، لكننا لم نوافق. وبفضل موقفنا هذا استمر الأسد في الحكم، قبل أن يأتي الروس ويعزّزوا عرشه».
المعادلة مع موسكو
ووفق المصادر الإسرائيلية، بعد تفجر الثورة السورية عام 2011، وتحديداً عندما دخل الروس إلى سوريا، عرضت إسرائيل على الروس صفقة مضمونها «لا نتدخّل في معركتكم في سوريا ولا نشوّش على مصالحكم بل ننسّق وإيّاكم كل نشاطاتنا، مقابل دور لإسرائيل في التسوية وخروج إيران من سوريا». وبالفعل، التقى نتنياهو مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أربع مرات خلال سنة لمناقشة الصفقة، لكن شيئا لم يرشح عن مضمون اللقاءات.
رئيس صحيفة «يسرائيل ها يوم»، بوعزز بوسموط - الذي يعتبر ابن بيت لدى عائلة نتنياهو - قال يوم 24 مارس (آذار) 2017 «لقد اعتاد الجمهور في إسرائيل على التعامل مع دول العالم باللونين الأسود والأبيض: إما أنها تحبنا أو لا. إلا أن الروس هم فئة مختلفة. إسرائيل بالنسبة لهم هي جندي آخر على طاولة الشطرنج، وليست بالضرورة ضمن فريقهم. لا توجد لديهم أي مشاعر: لا تجاه الأسد، ولا تجاه الإيرانيين، ولا تجاه الأكراد في سوريا... الذين يغازلونهم الآن. بالأمس خنقوا (الرئيس التركي رجب طيب) إردوغان، واليوم يحتضنونه. كان يمكن لسلاح الجو الإسرائيلي مواصلة أعمال القصف في سوريا ما دام لا يضر هذا الأمر بالمصالح المباشرة لروسيا. وعندما فاجأتهم إسرائيل وقصفت في المنطقة التي تتمركز فيها قوات روسية وقيادة روسية لمراقبة هجمات القوات السورية في تدمر شعرت موسكو بأنها إذا لم تُظهر عضلاتها، حتى لو كانت دبلوماسية، ضد إسرائيل، فإن الأمر سيجعلها تبدو ضعيفة، ولذلك قامت بتحذير إسرائيل».
إسرائيل لم تصعّد التوتر مع الروس، في حينه، لأنها تريد الحفاظ على علاقة جيدة مع موسكو كعنصر قوي، «حتى تعتبر شريكاً غير هامشي... لا يمكن تجاهله عند إجراء المفاوضات حول مستقبل سوريا». وأضاف بوسموط شارحاً: «المشاكل الحقيقية في الصراع الإسرائيلي على هضبة الجولان هي التنسيق الأميركي - الروسي - التركي حيال مستقبل سوريا والمباحثات التي تجرى بين الأطراف الثلاثة من أجل التوصل إلى اتفاق تقاسم السيطرة، ومن يقف خارج اللعبة؟ بالنسبة لإسرائيل نتنياهو لم تثمر رحلات التنسيق إلى بوتين إجابة حقيقية حول المطلب الإسرائيلي بهضبة الجولان. لا توجد لبوتين مصلحة في الموافقة على إلحاق الضرر بحلفائه السوريين والإيرانيين وحزب الله».

... ومع المشهد الأميركي
ومن ثم، استطرد بوسموط بلهجة قريبة من اليأس «الاتصالات بين مكتب رئيس الحكومة وإدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب ووزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) هي الأخرى لا تثمر حتى الآن عن أي شيء. إن سياسة الولايات المتحدة تتمحور الآن حول رئيس أميركي يتصرّف وكأنه تقليد أشقر لـ[باربي] (الدمية). إنه يغرّد ويتحرّك بين فضيحة وأخرى. والصحيح هو أن القصف الإسرائيلي خدم ترمب لجهة مساعدته على عرض عضلاته في نزاع امتنع سلفه الرئيس السابق باراك أوباما عن الخوض إليه. ولكن منذ متى تحول الجيش الإسرائيلي إلى جيش مرتزقة للولايات المتحدة؟».
وهنا يرمي الصحافي والكاتب الإسرائيلي المقرّب من نتنياهو موقفاً جديداً لم يطرح من قبل، قائلا: «ثمة حاجة إلى استمرار الصراع من أجل السيطرة على هضبة الجولان حينما تنزف سوريا، لكن هناك طرق أقل عنفاً وأكثر نجاعة... مثلاً، التوصل إلى اتفاق (خطوط حمراء) مع بشار الأسد كما حدث من قبل عبر التفاهمات بين إسحق رابين وحافظ الأسد».
ولكن، ماذا تطلب إسرائيل من دمشق؟

إنشاء «مناطق عازلة»
مصادر سياسية في تل أبيب، توصف بأنها مطلعة، أكدت بداية أن نتنياهو توجّه إلى كل من روسيا والولايات المتحدة بطلب الاعتراف بقرار ضم الجولان لإسرائيل وكذلك إقامة «مناطق عازلة» على طول حدود إسرائيل مع سوريا، وكذلك على طول حدود سوريا مع الأردن. وادعت هذه المصادر أن تفسير نتنياهو لهذا الطلب هو أن التسويات المطروحة للمسألة السورية حالياً تدل على أن النفوذ الإيراني سيبقى، بل وربما سيتعزز، ومن ثم فـ«إسرائيل لن تقبل بأن يقترب الإيرانيون أو حزب الله أو أي طرف مقرّب لهما من الحدود ويهدد أمن المنطقة». ولذا، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي «يطالب بأن تتضمن أي تسوية مستقبلية لإنهاء الحرب الأهلية في سوريا بنداً يضمن إنشاء منطقة فاصلة على الحدود بين سوريا وإسرائيل في هضبة الجولان، وكذلك على الحدود بين سوريا والأردن، منعا لوجود إيران وحزب الله في هذه المناطق».
ويشرح نتنياهو، في هذا السياق، أن حضور إيران و«حزب الله» على الحدود بين سوريا وإسرائيل وكذلك على الحدود بين سوريا والأردن من شأنه هزّ الاستقرار في المنطقة ككل، وتشكيل تهديد أمني لإسرائيل وأيضاً للأردن. وهو يعتبر أن إنشاء المناطق العازلة أو الفاصلة في الجانب السوري من الحدود سيمنع الإيرانيين و«حزب الله» من الوصول إلى الجدار ويجعل من الصعب عليهم المبادرة إلى الهجمات. ومع أن الزعيم الإسرائيلي لم يفصّل كيفية إنشاء هذه المناطق في الأراضي السورية، ومَن سيتولى الرقابة عليها أو الدخول إليها، أو ما سيجري فيها، فإنه أوضح أن ما يهمه هو أن تكون المناطق العازلة أو الفاصلة داخل الجانب السوري من الحدود، مضيفاً إنه ليس معنياً بوجود إسرائيلي فيها.
لا موقف واضحاً من التسوية
في هذه الأثناء، يدور الحديث عن تطور ذي مغزى في الموقف الإسرائيلي من التسوية المستقبلية في سوريا. فحتى اليوم، امتنعت إسرائيل عن عرض موقف مفصل حول طبيعة التسوية المستقبلية في سوريا، واكتفت بالإعراب عن رغبتها في تخليد احتلالها للجولان، وجعله جزءا من إسرائيل في التسويات المستقبلية. لكنها، ها هي تضيف طلباً آخر اليوم هو «المناطق العازلة»، والملاحظ أنه يأتي بالتزامن مع البحث الدولي في «مناطق تخفيف التصعيد». ولقد أكد ديوان رئيس الوزراء الإسرائيلي بشكل غير مباشر هذا النبأ، إذ قالت مصادره معقبة إن «رئيس الوزراء نتنياهو طرح في محادثاته مع الرئيس ترمب ومع الرئيس بوتين معارضة إسرائيل لوجود إيران وفروعها في سوريا وعلى حدودنا الشمالية».
واستند نتنياهو في مواقفه هذه إلى تقديرات القيادات العسكرية والأمنية الإسرائيلية، التي تؤكد أن إيران «تغلغلت بشكل عميق جداً» في سوريا. وحسب مصادر سياسية شاركت في آخر اجتماع للمجلس الوزاري الأمني المصغّر في الحكومة (الكابينت)، في مطلع يونيو الجاري، فإن الحضور الإيراني في سوريا يصبح حقيقياً أكثر فأكثر بكل ما ينطوي عليه ذلك من معنى بالنسبة لإسرائيل. وأشار وزير كبير حضر الاجتماع إلى أن «إحدى المسائل التي طرحت في الجلسة كانت التخوف المتعاظم من أن حرية عمل سلاح الجو (الإسرائيلي) في سوريا تصبح أكثر إشكالية». ويتضح أن قيادة الجيش الإسرائيلي بحثت هذا الموضوع مع رئيس أركان القوات المشاركة للجيش الأميركي الجنرال جوزيف دانفورد خلال شهر مايو (أيار) الماضي، ومع الرئيس ترمب نفسه.
من جانب آخر، الجيش في إسرائيل لا يعارض التفاهمات مع روسيا لكنه يفضل أن يكون ذلك عن طريق الولايات المتحدة وبشراكتها الكاملة، لأنه يحبذ تناول الموضوع الإيراني وكل توابعه مع واشنطن «التي تفهم وتتفهم أكثر من موسكو ماهية المصالح والاحتياجات الأمنية الإسرائيلية»، وفق مصدر مطلع. ويعتقد قادة الجيش، كما يتضح من تحليلات «معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب»، الذي يضم مجموعة كبيرة من الجنرالات الإسرائيليين والباحثين الأميركيين، أن «انتخاب الرئيس دونالد ترمب أوجد بيئة جديدة ومختلفة تجاه الوضع السوري. فالأميركيون يعتمدون على روسيا لكي تنجز اتفاقاً في سوريا يأخذ مصالح واشنطن بالاعتبار. وينبغي على إسرائيل أن تتوصل إلى رزمة مصالح مشتركة مع الأميركيين تتجاوب مع المطالب الإسرائيلية». ومع أن هناك قناعة بأن المطالب الإسرائيلية «ذهبت بعيداً في طموحاتها»، فإنها - وفق المصادر - «تبدو نقطة بداية ملائمة».

«سيناريوهات» عسكرية سياسية
ثم إن نتنياهو من جهته، لا يسمح لنفسه بالدخول في تناقض مع الجيش لأنه يحتاج إلى استخدامه في عملية الضغط على اللاعبين في سوريا. وإذا كان النشاط العسكري الإسرائيلي في سوريا يقتصر حالياً على تنفيذ غارات محدودة موجّهة فقط إلى قوات «حزب الله» وبعض الأفراد الإيرانيين الذين يقتربون من الحدود وبعض مرافق جيش النظام السوري، فإن السيناريوهات المستقبلية قد تختلف. ومَن يتابع تدريبات الجيش الإسرائيلي في هضبة الجولان المحتلة، يلاحظ أنها صارت تأخذ بالاعتبار احتمال الدخول في مواجهة شاملة واحتلال بلدات أيضاً. ومن ضمن هذه «السيناريوهات» توسيع الحرب وتفجيرها في عدة جبهات في آن واحد. وهي تشمل أيضاً ضرب الميناء الذي تنوي إيران بناءه في مدينة اللاذقية، بل تتحدث المصادر عن تدميره قبل أن يكتمل بناؤه.
نتنياهو يقول عملياً إن على إسرائيل إظهار أنها جادة جداً في مطالبها إزاء سوريا. وإن لم ينفع الضغط السياسي «ينبغي توجيه ضغوط أشد حزماً». ولكي يجنّد الجيش إلى جانبه، فهو يواصل الحوار مع قادته بمشاركة وزير الدفاع أفيغدور ليبرمان القريب من فكره.
إلا أن ليبرمان يتميّز أيضا بقربه من موسكو. وهو لا يريد أي مساس بالعلاقات معها ويؤمن بأن مصالح إسرائيل وروسيا في سوريا متقاربة أكثر من كل تصوّر. وهو - أي ليبرمان - يعتقد أن هناك بوادر كثيرة تؤشر لاصطدام مصالح روسيا مع إيران ومع «حزب الله». وحقاً، قدّمت المخابرات العسكرية في الجيش الإسرائيلي تقريراً بحثياً يلخص الانتقادات الشديدة التي تسمع في طهران ضد الروس واعتبرتها «تصدعاً غير عابر». ولذا يطلب وزير الدفاع التريث في اتخاذ موقف استراتيجي وتعميق الحوار مع الروس بموازاة الحوار مع واشنطن كي يصبح متاحاً التوصل إلى موقف أفضل.
في ضوء ما تقدم، لم يبلور الكابينت الإسرائيلي – على الأقل علانية بعد – موقفاً ثابتاً من الملف السوري. وهو يواصل الأبحاث بالتوازي مع محاورة موسكو وواشنطن.
أما بالنسبة للشارع الإسرائيلي، فكثرة من الإسرائيليين يخشون من الانزلاق إلى حرب لا يريدونها ويتمنون ألاّ يقع خطأ ما يجر إليها. ولكن، ليس كل الإسرائيليين ضد وقوع هذه الحرب. فالانطباع السائد عند بعضهم أن الوضع في سوريا يشكل فرصة لا يجوز لإسرائيل أن تضيعها من أجل الحصول على «حصتها» من الكعكة.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.