الرئيس الفرنسي يعيد ترتيب أولوياته في سوريا

ماكرون قال إن أحداً لم يقترح له بديلاً للأسد «يتمتع بالشرعية»

ماكرون لدى وصوله الى مؤتمره الصحافي امس في بروكسل (رويترز)
ماكرون لدى وصوله الى مؤتمره الصحافي امس في بروكسل (رويترز)
TT

الرئيس الفرنسي يعيد ترتيب أولوياته في سوريا

ماكرون لدى وصوله الى مؤتمره الصحافي امس في بروكسل (رويترز)
ماكرون لدى وصوله الى مؤتمره الصحافي امس في بروكسل (رويترز)

انتهى الرئيس الفرنسي من ترتيب البيت الداخلي بعد الانتهاء الأحد الماضي من الانتخابات النيابية، وتوفير أكثرية مريحة، وكذلك تشكيل حكومة جديدة أول من أمس. وأصبح إيمانويل ماكرون قادرا على الالتفات إلى المسائل الخارجية والكشف عن توجهاته الجديدة التي من ضمنها الملف السوري، بما له من تشعبات وارتباطات مع السياستين الأميركية والروسية. وليس من قبيل الصدفة أن يكون أول حديث صحافي له منذ انتخابه رئيسا للجمهورية لمجموعة من الصحف الأوروبية، مخصصا للملفات الخارجية.
السؤال الذي تطرحه تصريحات الرئيس الفرنسي هو التالي: هل تغيرت سياسة باريس إزاء الملف السوري، وهي الجهة التي كانت دوما الأقرب للمعارضة السورية، والأشد تمسكا بالمطالبة برحيل الرئيس السوري وبتحقيق الانتقال السياسي وفق مبادئ إعلان جنيف لصيف العام 2013 ولقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2254؟
في المقابلة المذكورة، يحدد الرئيس ماكرون الأطر العامة لسياسته «الجديدة» في سوريا، بعد أن أشار إلى عقبة أساسية تتمثل في السياسة الأميركية. وقال ماكرون ما حرفيته إن الصعوبة اليوم هي أن «الرئيس ترمب لم يبلور حتى الآن إطار المفاهيم التي تحكم سياسته الدولية، وبالتالي فإنه يصعب التنبؤ بها؛ الأمر الذي يشكل مصدر إزعاج» للعالم. ويشير ماكرون بذلك إلى أن عملية إعادة النظر بالسياسة الخارجية الأميركية التي أمر بها ترمب وزارتي الدفاع والخارجية القيام بها لم تنته بعد. ووفق مصادر دبلوماسية رفيعة المستوى في باريس تحدثت إليها «الشرق الأوسط»، فإن واشنطن «تفتقر لرؤية بخصوص مستقبل سوريا السياسي»، وأن التركيز الأميركي، حتى الآن: «لا يذهب أبعد من الحرب على (داعش) وعلى الإرهاب بشكل عام». وبحسب مصدر فرنسي رسمي آخر، فإن الضبابية الأميركية «أحد الأسباب التي منعت حتى الآن من إيجاد نقطة تلاق مع روسيا التي تنتظر من واشنطن عرضا» بخصوص سوريا يمكن من الوصل إلى «صفقة» أشمل.
يقول ماكرون عن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين الذي التقاه قبل أسبوعين في قصر فرساي، إنه «يكن الاحترام له» وإن لقاءهما «كان بنّاء». ولكن يبدو من تصريحاته أن إيجابية اللقاء أنه من سار باتجاه بوتين وليس العكس. وبخصوص «قناعته العميقة»، يؤكد ماكرون أن هناك حاجة إلى «خريطة طريق سياسية ودبلوماسية (في سوريا) لأن هذه المسألة لا يمكن أن تحل فقط بالوسائل العسكرية». ويرى الرئيس الفرنسي أن تغليب الوسائل العسكرية «يمثل خطأ ارتكبناه بشكل جماعي». بيد أن أهم ما جاء به ماكرون قوله إن «التعديل الحقيقي» الذي أدخله على سياسة بلاده، أنه «لم يطالب بأن يكون تنحي بشار الأسد شرطا لكل شيء» مضيفا: «لا أحد قدم لي بديلا شرعيا»عنه.
حقيقة الأمر، أن باريس منذ ما يزيد على العام توقفت عن المطالبة برحيل الأسد مسبقا. لكنها المرة الأولى التي يعلن فيها رئيس الدولة الفرنسية موقفا رسميا بهذا الوضوح. وقالت المصادر الفرنسية لـ«الشرق الأوسط»: إن لا أحد في فرنسا أو خارجها «مستمر بالمطالبة بشرط كهذا»، وأن ما جاء في كلام ماكرون لا يشكل تغييرا في السياسة الفرنسية. لكن الغائب في كلام الرئيس الفرنسي أنه، من جهة، لم يشر وإن تلميحا إلى استمرار المطالبة بعملية انتقال سياسية يتضمنها بيان جنيف والقرار 2254 تفضي إلى خروج الأسد. ومن جهة أخرى، تناسى أو نسي التذكير بالعبارة المعروفة التي تقول إن الأسد «لا يمكن أن يكون مستقبل سوريا». ثم إن هناك غموضا في حديثه عن غياب بديل «الشرعي»؛ إذ هل يعني ذلك أن الأسد هو الوحيد الذي يتمتع بها وبالتالي فإنه سيبقى رئيسا شرعيا لسوريا؟ وإلى متى؟
الواضح أن رحيل الأسد «لم يعد أولوية فرنسية» وبحسب ماكرون، فـأولوية الأولويات أضحت محاربة المجموعات الإرهابية «لأنها هي أعداؤنا»، ولأن العمليات الإرهابية التي ضربت فرنسا تم التخطيط لها في هذه المنطقة «سوريا والعراق» التي تشكل معقل «الإرهاب الإسلامي». وفي هذه الحرب، يؤكد ماكرون أن ثمة حاجة إلى «التعاون مع الجميع، وخصوصا مع روسيا». ولم يفهم ما إذا كان النظام السوري من جملة الذين يريد ماكرون التعاون معهم. أما الأولوية الثانية لفرنسا في عهده، فهي «استقرار سوريا لأنني لا أريد دولة فاشلة». وهاجم ماكرون «المحافظين الجدد» في فرنسا الذين تسلموا المسؤوليات في السنوات العشر الأخيرة، أي في عهدي سابقيه الرئيسين ساركوزي وهولاند. ويرى ماكرون أن «الديمقراطية لا يمكن أن تفرض على الشعوب من الخارج رغما عنها». كذلك ندد بالتدخل العسكري في ليبيا والعراق الذي كانت نتيجته «قيام دول فاشلة يترعرع فيها الإرهاب، وهو ما لا أريده في سوريا». وإذ ذكر الرئيس الفرنسي بـ«الخطوط الحمراء» التي يتمسك بها وهي من جهة، اللجوء إلى السلاح الكيماوي مجددا في سوريا الأمر الذي سيستدعي ردا عسكريا فرنسيا وإن كانت باريس ستقوم بذلك منفردة على الجهة المنفذة، ومنع وصول المساعدات الإنسانية، أشار إلى الأولوية الرابعة المتمثلة بـ«استقرار سوريا على المدى المتوسط» ما يعني «احترام الأقليات». وخلاصة الرئيس الفرنسي، أن هناك حاجة إلى «إيجاد الوسائل لمبادرة دبلوماسية تكون قادرة على فرض احترام المبادئ الأربعة».
حقيقة الأمر، أن ماكرون بصدد التحضير لمبادرة سياسية ــ دبلوماسية، وهو ما أكدته لـ«الشرق الأوسط» سابقا مصادر فرنسية رسمية. وترى باريس أن جنيف «بلا نتيجة» وأن محادثات آستانة «تدور في فراغ»؛ ولذا تستشعر الحاجة إلى «شيء جديد» سيكون عنوانه على الأرجح «التعاون مع موسكو» التي زارها مؤخرا وزير الخارجية جان إيف لو دريان. وواضح اليوم أن لا دور لفرنسا في سوريا، والسبب في ذلك، كما تقول مصادرها، أنه ليس لها قوات تقاتل ميدانيا بعكس روسية وتركيا وإيران. وتشير عبارة ماكرون إلى الحاجة إلى «إيجاد الوسائل» لمبادرة كهذه، إلا أن باريس تسعى لتوفير الشروط الضرورية لها، وهو ليس بالأمر السهل؛ إذ إضافة إلى استمرار التذبذب الأميركي، فإن بلدان الخليج منشغلة بالخلاف مع قطر والدول الأوروبية بـ«البريكست» وبالانتخابات التي تطرق الأبواب. ولذا؛ تعتقد فرنسا أن العودة إلى الملف السوري تمر عبر روسيا والتعاون معها؛ الأمر الذي يفسر التقارب في الرؤى الروسية والفرنسية كما ظهرت في فرساي أو في موسكو. من هنا، فإن حديث ماكرون عن رفض فرض الديمقراطية من الخارج والحاجة إلى توفير الاستقرار في سوريا وقبل ذلك دحر الإرهاب الذي هو «العدو الأول والمشترك» كما قال لو دريان، كلها رسائل إلى موسكو التي تحتاج إليها باريس في حال عقدت العزم على إطلاق مبادرة جديدة.



إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق حيث تتمركز قوات أميركية

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق حيث تتمركز قوات أميركية

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.


زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
TT

زعيم «الحوثية» يدعم إيران دون التصريح بخوض الحرب

زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)
زعيم الجماعة الحوثية مختبئ في مكان غير معروف (أ.ف.ب)

على وقع العمليات العسكرية الأميركية والإسرائيلية الجديدة ضد النظام الإيراني، أعلن زعيم الجماعة الحوثية في اليمن، عبد الملك الحوثي، استعداد جماعته للتحرك في مسارات متعددة سياسياً وشعبياً وإعلامياً تضامناً مع طهران، دون التصريح المباشر بإعلان الحرب إلى جانبها.

وجاءت تصريحات الحوثي خلال خطاب متلفز، مساء السبت، دعا فيه أنصار جماعته إلى الخروج في مظاهرات حاشدة في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء وبقية المناطق الخاضعة لسيطرتها، مؤكداً أن الجماعة في «أهبة الاستعداد لأي تطورات»، وأن التحركات المقبلة ستشمل أنشطة جماهيرية وإعلامية وسياسية تهدف إلى إظهار التضامن مع طهران في مواجهة ما وصفه بالتصعيد الأميركي الإسرائيلي.

ويرى مراقبون أن الدعوة إلى التظاهر تمثل محاولة لإعادة تعبئة الشارع في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، وربط الصراع الداخلي اليمني بالتطورات الإقليمية، حيث ينظر إلى الجماعة بأنها أهم الأذرع العسكرية لإيران في المنطقة.

حشد من أنصار الجماعة الحوثية خلال تظاهرة في صنعاء أمام مبنى السفارة الأميركية (أ.ف.ب)

وزعم الحوثي في خطبته أن الضربات الإيرانية التي استهدفت قواعد عسكرية أميركية في المنطقة تمثل «حقاً مشروعاً»، معتبراً أنها تستهدف الوجود العسكري الأميركي وليس الدول التي تستضيف تلك القواعد.

ويأتي هذا الموقف متسقاً مع الخطاب السياسي والعسكري الذي تبنته الجماعة خلال الفترة الماضية، والقائم على تصوير الصراع بوصفه مواجهة إقليمية واسعة ضد النفوذ الأميركي والإسرائيلي ومناصرة الفلسطينيين في غزة.

ارتهان للمحور الإيراني

خلال الأعوام الأخيرة، تجاوز خطاب الجماعة الحوثية المجال الداخلي للصراع في اليمن، خصوصاً بعد تنفيذ هجمات بحرية وصاروخية مرتبطة بالحرب في غزة، الأمر الذي أدى إلى تصعيد المواجهة مع القوات الأميركية والإسرائيلية التي نفذت بدورها ضربات جوية ضد الجماعة والتي أدت إلى مقتل قيادات عسكرية ومدنية، بينهم رئيس أركان الجماعة وأكثر من نصف وزراء حكومتها الانقلابية.

ويشير محللون إلى أن ربط الحوثيين موقفهم بالتطورات الإيرانية يندرج ضمن ما يُعرف باستراتيجية «وحدة الساحات»، حيث تسعى الجماعة إلى تقديم نفسها كجزء من المحور الذي تقوده إيران، وليس مجرد طرف محلي في النزاع اليمني.

كما أن الدعوة إلى الحشد الشعبي تحمل بعداً داخلياً يهدف إلى تعزيز التماسك التنظيمي في ظل الضغوط الاقتصادية والإنسانية المتفاقمة داخل مناطق سيطرة الجماعة التي تتخوف من إسقاط انقلابها إذا ما فقدت الداعم الرئيسي في طهران.

الجماعة الحوثية المدعومة من إيران تسببت في مقتل أكثر من 300 ألف يمني خلال سنوات الانقلاب (إ.ب.أ)

وتأتي تصريحات زعيم الحوثيين وسط مخاوف دولية من أن يؤدي أي تصعيد إضافي إلى توسيع نطاق المواجهة العسكرية، خصوصاً في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

وكانت الهجمات الحوثية السابقة ضد سفن مرتبطة بإسرائيل أو متجهة إلى موانيها قد دفعت الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف بحري لحماية الملاحة الدولية، أعقبته ضربات عسكرية استهدفت منصات إطلاق صواريخ وطائرات مسيّرة، قبل أن تتعهد الجماعة بعدم مهاجمة السفن الأميركية بناء على وساطة عمانية في منتصف 2025.

ويرى خبراء أن إعلان الجماعة الحوثية الاستعداد للتحرك تضامناً مع إيران قد يفتح الباب أمام عودة الهجمات بوتيرة أعلى، سواء عبر الهجمات البحرية أو إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

الموقف الحكومي

في بيان رسمي، حملت الحكومة اليمنية، النظام الإيراني المسؤولية الكاملة عن أي تصعيد يهدد أمن المنطقة، وعن استمرار سياساته القائمة على توسيع نطاق المواجهة عبر أدواته ووكلائه، وما يترتب على ذلك من تقويض لأمن الممرات المائية الدولية، وتهديد مصادر الطاقة، وتعريض شعوب المنطقة لمخاطر حرب مفتوحة لا تخدم سوى مشاريع الفوضى، والتخريب، والإرهاب.

وحذرت الحكومة الجماعة الحوثية من الانخراط بأي مغامرات عسكرية، دعماً للأجندة الإيرانية، أو محاولة استخدام الأراضي اليمنية منصة لاستهداف دول الجوار أو المصالح الدولية، مؤكدة أن أي تصرف من هذا القبيل يمثل عملاً عدائياً ضد اليمن، وتهديداً لمصالح شعبه، وأمنه القومي.

قيود الحوثيين وتعسفاتهم حرمت ملايين اليمنيين من المساعدات الإغاثية (أ.ف.ب)

وجددت الحكومة اليمنية دعوتها المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم إزاء الانتهاكات الإيرانية المتكررة لسيادة الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، والعمل على ردع أي سلوك يزعزع أمن واستقرار المنطقة، ويفتح الباب أمام تصعيد واسع ستكون تكلفته باهظة على الجميع.

وشددت على أن أمن المنطقة مسؤولية جماعية، وأن الاستقرار لن يتحقق إلا باحترام سيادة الدول، والكف عن دعم المليشيات المسلحة، والامتثال الصارم لقواعد القانون الدولي.