هل تحل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات محل الصحافيين؟

هل تحل تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوتات محل الصحافيين؟

خبراء: يمكن الاستعانة بها في الأخبار النمطية التي لا تتطلب إبداعاً
الاثنين - 25 شهر رمضان 1438 هـ - 19 يونيو 2017 مـ
الروبوت صوفيا يمكنها القيام بمحادثات وحوارات صحافية والقيام بأكثر من 60 رد فعل
القاهرة: داليا عاصم
هل سيأتي علينا الوقت الذي نرى فيه مقالات أو قصصا إخبارية مكتوبة بقلم الروبوت «فلان»؟
في بداية الشهر الجاري، كشف النقاب في جنيف عن الروبوت «صوفيا» في قمة All for good global summit والتي صممها ديفيد هانسون أسطورة صناعة الروبوتات، وأجرى معها حوارا مراسل وكالة «الصحافة الفرنسية» وكانت ردودها منطقية تشبه تجاوب البشر فهي تبتسم وتقوم بإيماءات وتهز رأسها كإشارة لفهم أسئلة محاورها، بل وتداعب محاوريها وتتبادل معهم النكات، حيث قالت: «الذكاء الاصطناعي جيد للناس ويساعد بأشكال مختلفة... لن نحل محل البشر لكننا سنكون أصدقاءكم وسنساعدكم».
حاليا، تغزو تطبيقات الذكاء الاصطناعي عالمنا وتحديدا مجال الكتابة والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي. وبات استخدام المؤسسات الإعلامية لما يسمى «chatbot» أو المتحدث الآلي أمرا يستوجب التوقف عنده، إذ يحتوي «فيسبوك ماسنجر» على 30 ألف «بوت» تقوم بالرد على رسائل أعضاء المجموعات أو المشتركين في الصفحات، كذلك الحال في «تويتر»، فجميعنا نتفحص نتائج قامت بها تطبيقات ذكاء اصطناعي تكشف ما هي الأخبار الرائجة في اللحظة الآنية، والخبر أو الاسم الأكثر تداولا كذلك تقوم تطبيقات ذكية بالتعرف على وجوهنا من خلال الصور التي نبثها على «السوشيال ميديا» وتحويل الصور لنصوص، والنصوص إلى «انفوغراف» أو مقاطع فيديو تدعم التقارير الخبرية التي يعمل عليها البشر.
في أبريل (نيسان) الماضي نشرت وكالة «أسوشييتد برس» تقريرا غاية في الأهمية بعنوان تأثير الذكاء الاصطناعي على الصحافة تحدثت فيه عن ترسخ ما أطلقت عليه الصحافة المعززة Augmented Journalism.
وفي التقرير يقول فرانسيسكو ماركوني، مدير التطوير والاستراتيجية بوكالة أسوشييتد برس: «مستقبل الأخبار سوف يعتمد على عمل الصحافيين جنبا إلى جنب مع الآلات الذكية». هذا ربما يتطلب من المؤسسات الصحافية الاستعانة بعلماء لسانيات وبرمجيات ومطوري البرمجيات والتطبيقات الذكية؛ لكي تصمد أمام طوفان الذكاء الاصطناعي.
يشير التقرير إلى أنه في عام 2027 سوف تعتمد غرف الأخبار على مجموعة كبيرة من الأدوات القائمة على الذكاء الاصطناعي، وسيتمكن الصحافيون من دمج تلك التقنيات الذكية في عملهم اليومي، كما ستصبح تقنيات الذكاء الاصطناعي قادرة على القيام بما هو أكثر بكثير من الموجود حالياً مثل توفير التقارير الإخبارية الآلية، التي يوفرها على سبيل المثال تطبيقات: «ووردسميث» و«نيوز تريسر» وغيرهما. هذا فضلا عن استعانة علماء الإنسانيات الرقمية بتطبيقات تطور السرد آليا وقيامهم بالمعالجة المؤتمتة للمعلومات ورقمنتها، لتسهيل التعامل على الوثائق الرقمية.
يكشف تقرير «أسوشييتد برس» أن الوكالة استعانت بفريق قوامه 11 روبوتا لتصوير أوليمبياد 2016 من زوايا يصعب على البشر القيام بالتصوير منها، كما أرسلت أيضا روبوت «درونز» لتغطية مأساة النازحين العراقيين جنوب الموصل، ويقول سام ماكنيل، المتخصص في صحافة الفيديو في «أسوشييتد برس» إن الروبوت لم يمده فقط بالصور بل الأمر أبعد من ذلك فهو يمد الصحافي بمعلومات دقيقة حول حالة الطقس في تلك المنطقة ومعلومات أخرى.
دكتور غسان مراد، أستاذ اللسانيات الحاسوبية في الجامعة اللبنانية، ومدير مركز علوم اللغة والتواصل بها، يقول لـ«الشرق الأوسط»: «من الصعب أن تطور التطبيقات أو الروبوت قصة متكاملة دون أن يملي عليها الإنسان بعض المعطيات التي تساعدها لتطور النصوص آليا؛ لأن بناء الحدث بشكل صحيح وتغطية جوانب القصة الصحافية ومتابعة ردود الفعل عليها وربط الجوانب الاجتماعية والإنسانية مع أرقام والإحصائيات أمر يتوقف على أسلوب الصحافي في الكتابة والتناول الذي يضفي عليه جانبا من ثقافته ومعرفته التي اكتسبها عبر سنين طويلة».
ويضيف: «الحاسوب أو الروبوت لا يطور قصة من لا شيء، لا بد أن يعطي له الإنسان المدخلات ويقدم له مفاتيح الربط بينها بشكل منطقي كي يطور قصة خبرية بالمعنى المتعارف عليه، لأنه لا يمكنه إنتاج قصة عشوائيا».
ويؤكد دكتور مراد، مؤلف كتاب «الإنسانيات الرقمية» أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي لا يمكن أن تحل محل الصحافيين لكنها تكون مفيدة في تطوير الأخبار النمطية مثل الأخبار الرياضية المتعلقة بفوز فريق على فريق آخر، حيث يقرأ الروبوت المعطيات من نقاط الفوز وجداول المباريات ويحولها إلى أخبار وتقارير عبر مجموعة من الجمل المركبة مسبقا والبيانات والمعطيات الجاهزة التي يجمعها أيضا من تقارير سابقة.
وحول مصطلح «الصحافة المعززة» يشير إلى أن هذا المصطلح يشير إلى أنه بات من الصعب الفصل بين الواقع والشبكات الاجتماعية وتطبيقات الهواتف الذكية بل أصبح كل ذلك يندرج تحت مسمى «حقيقة مدمجة» compact reality؛ لذا بات على الصحافي أن يطور من مهاراته في الاستعانة بوسائل التكنولوجيا الحديثة، فهناك تقنية «توليد النصوص» Text Generation والتي تهدف لصنع نصوص مكتوبة من معلومات أولية «خام» كالبيانات الغرافيكية والصور البيانية وغيرها، وهو أمر من صميم أعمال اللسانيات الحاسوبية ويطلق عليه «التوليد المؤتمت للنصوص» ويعطي موقع «ستاسشيت» الأميركي للإعلام الرياضي نموذجا للصحافة التي تعتمد على الأساليب المؤتمتة الذكية لصنع مواد صحافية بصورة آلية كليا.
ويلفت د. مراد إلى «هناك أكثر من طريقة لتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي في الصحافة، أهمها ذلك الذي يعتمد على استقصاء الجمل وجمعها، بالاستناد لكتابات صحافيين سابقين في المواضيع ذاتها، ويعيد الروبوت تحليلها ومعالجتها ويعيد استخدامها في صنع نصوص جديدة كل هذه التقنيات ما زال أمامها الكثير من الوقت لأن اللغة تلتبس على ذاتها أحيانا في مفاهيمها وسياقاتها، ما يصعب عمليتي تحليل النصوص وصنعها».
كذلك يتفق د. عثمان فكري، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة، مع طرح د. غسان مراد، فهو يؤكد أن تلك التطبيقات لن يكون لها تأثير في الصحافة العربية تحديدا خلال 20 سنة مقبلة، لكن سنرى مزيدا من الاستعانة بها في الرد على استفسارات القراء بشكل تلقائي وبث الأخبار وفقا لجداول زمنية معينة، وأيضا عمليات التصحيح اللغوي.
ويشير إلى أنه رغم استعانة وكالات الأنباء العالمية مثل رويترز بتطبيقات الذكاء الاصطناعي وبعض المؤسسات الإعلامية الأميركية، فإنه من الصعوبة الاستعانة بها عربيا. ويحيل ذلك لإشكاليتين «الأولى تتمثل في صعوبة التراكيب اللغوية العربية، فضلا عن لغة البرمجيات والتكويد والترميز كلها بالحروف والأرقام اللاتينية مما يخلق صعوبة كبيرة في انتشار تلك التجربة في الصحافة العربية». أما الإشكالية الثانية، فهي تتمثل في الشق الإبداعي في الصحافة المكتوبة وهو أمر يتعلق بأسلوب الكتابة وطريقة الصحافي في تناول الموضوعات، ويقول: «تعتمد الصحافة على الموهبة بالأساس ومهارات الصحافي في التقاط الزوايا التي يتطرق منها للخبر أو القصة ومهاراته في إجراء الحوارات، وذلك ما يميز صحيفة عن أخرى».
ويضيف: «العنصر البشري سيظل الطابع المميز في الصحف، بينما قد تكون هناك استعانة ببعض تطبيقات الذكاء الاصطناعي في بعض الأخبار التقليدية أو الكلاسيكية كالأخبار الرياضية ونشرات الطقس والأحوال الجوية هذه النوعية من الأخبار التي لا تتطلب شقا إبداعيا».
تشير الدراسات الحديثة إلى أنه في المستقبل القريب ستحل الروبوتات محل 85 في المائة من الوظائف البشرية. ويرى د. محمود علم الدين، أستاذ الصحافة بكلية الإعلام بجامعة القاهرة والمتخصص بالصحافة الإلكترونية، أن هناك تجارب فعلية وناجحة في الاستعانة بتطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوت في مؤسسات إعلامية أميركية ويابانية بدأت تقوم بمهام في التحرير، وكتابة التقارير، والتدقيق اللغوي، وكتابة الأخبار المتعلق بأسعار العقارات والبورصة والمخالفات المرورية، وهي تعمل بشكل بارع في جمع المعلومات عبر «السوشيال ميديا» وتقوم بتنسيقها لتقوم بتلك المهمة أفضل من العنصر البشري وبشكل أدق وأسرع.
وحول تهديدها للعنصر البشري، يرى د.علم الدين، عضو الهيئة الوطنية للصحافة «من الصعوبة أن نقوم بتكليف الروبوت بتغطية مناطق الحروب والكوارث الإنسانية والطبيعية لأنه يفتقر إلى المشاعر الإنسانية» لافتا إلى أن «فضيحة وثائق بنما تمت الاستعانة فيها بتطبيقات ذكاء اصطناعي» ويؤكد: «سوف تعمل تلك التطبيقات على تحسين جودة المنتج الصحافي وسوف تكون نافعة في كافة مراحل العمل الصحافي من جمع بيانات وتحرير وتدقيق وإخراج إلا أنها سوف تفتقر حتما للجانب الإبداعي».
ويبدو أن التغيرات المتسارعة سوف تستمر في عالم الصحافة والإعلام فبعد أن راجت صحافة البيانات Data Journalism باتت الصحافة المعززة أكثر حضورا وتجسيدا للواقع الذي يجمع بين كل ما هو حقيقي وكل ما هو افتراضي. ولعلنا نتطرق للمزيد من التفاصيل حول أهم تطبيقات الذكاء الاصطناعي وأنواع الروبوتات التي سوف تنافس الصحافيين خلال تحقيقات مقبلة.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة