ليبيا... طريق سيف الإسلام

تبعات سياسية وقضائية وأمنية للعفو عن نجل القذافي

ليبيا... طريق سيف الإسلام
TT

ليبيا... طريق سيف الإسلام

ليبيا... طريق سيف الإسلام

فوجئ كثيرون من المراقبين المحليين والدوليين بقرار كتيبة «أبو بكر الصديق» الليبية بإطلاق سراح سيف الإسلام، نجل القذافي، يوم الجمعة الماضي. ومن المنتظر أن يلقي سيف الإسلام البالغ من العمر 44 سنة، كلمة للرأي العام يتحدث فيها عما سيقوم به خلال الفترة المقبلة. لكن ضغوطاً قضائية، محلية ودولية، وتربّص خصومه به في الداخل والخارج، قد تمثل عراقيل أمام تحركاته على الأقل على الصعيد السياسي. وفي الوقت الحالي خصّصت ميليشيات متطرفة ملايين الدولارات لمن يدل على المكان الذي يقيم فيه في ليبيا. وعلى هذا الأساس كان من الصعب توجيه أسئلة محددة لأقاربه وأنصاره والمتعاطفين معه، حول مقر إقامته الجديد.
وعلى سبيل المثال، اكتفى الطيب الصافي، آخر نائب لرئيس الوزراء الليبي في عهد القذافي، بالقول لـ«الشرق الأوسط»، من مقره في شرق ليبيا، إن سيف الإسلام «أصبح بين أبناء عشيرته»، وإنه «في أمان». وحقاً، من الصعب معرفة ما إذا كان سيف الإسلام الآن لدى أخواله في مدينة البيضاء، أم وسط قبيلته القذاذفة، في القطاع الأوسط من البلاد، الممتد من سبها وأباري جنوباً حتى سرت شمالاً، أم في الغرب حيث يحظى بشعبية لدى مناطق الصيعان وورشفانة وغيرها، أم أنه ما زال في الزنتان نفسها، حيث ظل محتجزاً لمدة تقترب من 6 سنوات.
قرار العفو عن سيف الإسلام القذافي، في حد ذاته وبعيداً عن أي اعتبار آخر، تسبب في تفجير قنبلة سياسية أدت لإرباك كثير من الخطط، وغيرت توجهات قوى كثيرة.
لقد رفع معنويات ما يُسمى «المحسوبين على النظام السابق»، بمن في ذلك العشرات من القيادات الكبيرة من معاوني القذافي، ممن ما زالوا رهن الاحتجاز في سجون طرابلس ومصراتة منذ إلقاء القبض عليهم عقب مقتل الرئيس الليبي السابق. ومن بين هؤلاء عبد الله السنوسي رجل المخابرات القوي، والبغدادي المحمودي رئيس الوزراء السابق، وأبو زيد دوردة رئيس جهاز الأمن الخارجي، وغيرهم.

معادلات قد تتغير
ومن الطرق المتاحة أمام سيف الإسلام، كما يقول شيخ من قبيلة القذاذفة، من مقر إقامته في سبها، أن يعتمد على رجال الجيش والقبائل لمؤازرته في استعادة الاستقرار للدولة الليبية، مشيراً إلى أن أهم هذه القبائل، بالإضافة إلى القذاذفة، قبائل المقارحة، وورفلة وورشفانة وغيرها. ويقول إن هذه القبائل تقف في الوقت الراهن مع قائد الجيش الوطني خليفة حفتر، لكن وجود سيف الإسلام سيغير كثيراً من المعادلات.
وفي تحرك يمكن أن تكون له خلفيات عسكرية تتعلق بترتيبات حفتر المقبلة، بعد الإفراج عن سيف الإسلام، قرر العقيد إدريس مادي، آمر غرفة عمليات المنطقة الغربية التابعة للجيش الوطني، إلغاء «كتيبة أبو بكر الصديق» التي تضم نحو 200 مقاتل، وإلحاق أفرادها وأسلحتها وآلياتها بمقر المنطقة العسكرية الغربية. ويقول خصوم لحفتر إن مادي يحاول طمس معالم الكتيبة التي أفرجت عن نجل القذافي لـ«حمايتها من العقاب بعدما دعت أطراف محلية للتحقيق معها في واقعة إطلاق سيف».
ومن جانبه، يوضح طارق القزيري، المستشار السابق في لجنة الحوار السياسي الليبي، من مقره في مصراتة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن سيف الإسلام لديه عدة خيارات منها الاعتماد على أنصار النظام السابق والمتعاطفين معه، بحيث يكون له دور في وسط ليبيا، موازٍٍ للدور الذي يقوم به حفتر في الشرق وفايز السرّاج، رئيس المجلس الرئاسي، في الغرب.

تسريبات مبكّرة
منذ وقت مبكر، أي في الثاني من فبراير (شباط) من هذا العام، بدأت تخرج تسريبات غير معتادة، من بلدة الزنتان التي كان سيف محتجزاً فيها، ومن «كتيبة أبو بكر الصديق» الموالية لحفتر، التي كانت تتولى حراسته، عن وجود تحركات بشأن الإفراج عن نجل القذافي. وهنا بدأت تظهر في وسائل الإعلام التي تديرها أطراف من جماعة الإخوان المسلمين، حملة ضد سيف. واعتمدت الحملة على برقيات جرى إرسالها من شخصيات إخوانية تقيم خارج ليبيا. وكان التوجيه بإثارة «الجانب السيئ» في ماضي نجل القذافي منذ كان يدرس في النمسا عام 1998.
ويقول ضابط كبير في المخابرات الليبية لـ«الشرق الأوسط»: «ليست جماعة الإخوان فقط هي من يخشى عودة سيف الإسلام إلى الساحة مرة أخرى. ولكن معظم القيادات التي تزعّمت الانتفاضة المسلحة التي دعمها حلف شمال الأطلسي (ناتو) ضد القذافي في 2011. وأضف إلى هؤلاء، بطبيعة الحال، مسؤولين من مدينة مصراتة ممن نقلوا جثمان معمر القذافي إلى المدينة بعد مقتله في سرت، وأشرفوا على دفن جثته في مكان غير معلوم».
واستعرض هذا الضابط خلال لقاء معه في شرق ليبيا برقيات جرى اعتراضها، وتعكس حالة قلق من احتمال الإفراج عن سيف الإسلام منذ البداية. وتقول برقية تعود إلى يوم 18 فبراير الماضي، إن مسؤولاً من مصراتة أمر بالتحقيق فيما إذا كانت قيادات من النظام السابق تتواصل مع نجل القذافي في مقر احتجازه في الزنتان بطرق ليس من بينها الاتصالات الهاتفية أم لا. وقال وفقاً للبرقية التي أرسلها لقائد في المجلس العسكري في الزنتان: «لدينا شكوك في أن التواصل مع الولد (يقصد سيف) يجري عبر مراسيل... هناك من يأتي له برسائل وينقل عنه تعليمات. نرجو منكم مراجعة أسماء من وصلوا إلى مطار الزنتان هذا الأسبوع، وموافاتنا بأي مشتبه بصلتهم بنجل القذافي».
وفي الرد على هذه البرقية، قال القائد في مجلس الزنتان العسكري في اليوم نفسه: «المطار لم يعد تحت سلطتنا بالكامل». وتعكس هذه الإجابة الضعف الذي أصبحت عليه المجالس العسكرية للمدن الليبية، مع ما يسمى «مجالس الثوار»، التي سيطرت جميعها على عموم البلاد عقب مقتل القذافي. وهيمن على معظم هذه المجالس، سواءً العسكرية أو الثورية، زعماء لجماعات متطرفة ومتعصبون جهويون. لكن فشل غالبيتها في تقديم الخدمات والأمن لسكان المدن، أفقدها قوتها في الشارع، وسهل مهمة حفتر في الهيمنة على شرق البلاد وجنوبها، وزيادة شعبيته وشعبية أنصار النظام السابق في الغرب.
ولوحظ أن معظم محاولات خصوم سيف الإسلام لتتبع حالته أثناء وجوده في محبسه في الزنتان، منذ مطلع هذا العام، لم تكن تجري مع «كتيبة أبو بكر الصديق»، التابعة لحفتر، بل مع أطراف في المجلس العسكري للزنتان المحسوب على الانتفاضة التي أطاحت بالقذافي.
وفي اليوم التالي، 19 فبراير، رصدت الاستخبارات العسكرية في مصراتة، دخول جماعة الإخوان على خط سيف الإسلام وبشكل مباشر هذه المرة، حيث طلبت الجماعة من قيادي في الزنتان، ترتيب زيارة لسيف من جانب شخصيات تابعة للجماعة. لكن هذه الزيارة لم تتم. مع العلم أن الجماعة كانت لها علاقات قوية مع نجل القذافي قبل 2011، حيث عمل سيف الإسلام منذ عام 2004 على فتح الباب لعودة الجماعة إلى الساحة الليبية وعقد مصالحة مع باقي التنظيمات المتطرفة التي كانت في سجن أبو سليم، وعلى رأسها «الجماعة الليبية المقاتلة»، قبل أن تتحالف جميعاً وتطيح بحكم والده، وتنكّل بسيف نفسه.

عرض اللجوء لروسيا
وقبل نهاية فبراير خرجت تسريبات جديدة في العاصمة طرابلس تقول إن روسيا ربما لن يكون لديها مانع من منح سيف الإسلام حق اللجوء السياسي لديها، وتحدثت أيضاً عن أن نجل القذافي وصل إليه مثل هذا العرض، لكنه رفضه، على عكس رأي والدته، السيدة صفية فركاش. وجنّ جنون خصوم نجل القذافي حين تضمنت هذه التسريبات القول إن والدته تمكنت من زيارته في مقر احتجازه بالزنتان في تلك الأيام، لكن مسؤولاً في المجلس العسكري للمدينة قال إنها لم تقم بأي زيارة هنا.
وأياً ما كانت حقيقة الأمر، فإن الزخم بشأن قرب الإفراج عن سيف الإسلام منذ مطلع هذا العام، تزامن معه تحقيق الجيش الوطني بقيادة حفتر انتصارات كبيرة في الشرق وفي الجنوب، مع محاولات للتقريب بين حفتر ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج المدعوم دولياً. وتسببت هذه المغيرات في مخاوف لدى قادة الميليشيات المناوئة للمجلس الرئاسي في طرابلس ولحفتر في باقي ليبيا، خصوصاً بعدما ظهر كل من حفتر السراج جنباً إلى جنب عقب لقاء نادر عقد بينهما في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال الشهر الماضي.
الارتباك - كما يقول مسؤول ليبي في طرابلس - ما كان من لقاء حفتر والسراج، بل كان ثمة خوف من عودة قيادات النظام السابق.. وخوف من الإفراج عن سيف الإسلام في الزنتان، وخوف من الإفراج عن السنوسي والمحمودي ودوردة وغيرهم في طرابلس. ولقد جرى الاتفاق بين الميليشيات الرافضة للسراج وحفتر على خوض حرب شاملة ضدهما لقطع الطريق على أي محاولات لعودة أنصار القذافي للواجهة مرة أخرى. مع العلم أن كثيراً من ضباط القوات المسلحة الليبية كانوا قد بدأوا بالفعل الانخراط مع قوات حفتر في الحرب ضد قواعد هذه الميليشيات في الجفرة وسط ليبيا، وفي سبها، جنوباً.

إدانات للخطوة... وتطورات
ودان المجلس العسكري والمجلس البلدي في الزنتان إطلاق سراح سيف الإسلام، وقال المجلسان في بيان إن ما تم «تواطؤ وخيانة». وللعلم، تقاسم النفوذ في الزنتان - الواقعة على بعد نحو 170 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس - قوى عسكرية أخرى موالية لحفتر، منها كتيبة أبو بكر الصديق التي كان يقودها العجمي العتيري حتى يومين ماضيين.
ومنذ عودة السراج وحفتر من دولة الإمارات بدأت الحرب تستعر ضد الرجلين. وقامت قوات تابعة لما يعرف بـ«سرايا الدفاع عن بنغازي» و«القوة الثالثة» بمهاجمة قوات حفتر في قاعدتي براك الشاطئ وتمنهت، رغم أن هاتين القوتين تتبعان اسمياً المجلس الرئاسي. ومثل هذه الأمور مثيرة للارتباك بالنسبة للمراقبين للوضع الليبي. أما في طرابلس فجرى التخطيط لهجوم كاسح من جانب جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» ضد السراج ومجلسه الرئاسي، يوم الجمعة 26 مايو (أيار) الماضي، كانت تتضمن أيضاً منع أي محاولة للإفراج عن قيادات النظام السابق، سواء في سجن الهضبة أو مصراتة أو الزنتان.
لكن كل شيء انقلب رأساً على عقب. إذ فشلت الخطة، وتمكنت قوات موالية للسراج في طرابلس من التغلب على خصومه وطردهم من العاصمة، بينما تمكن الجيش الوطني من طرد الميليشيات من الجنوب. وعصر يوم الجمعة، أي يوم الاشتباكات التي سقطت فيها عشرات القتلى في طرابلس، جرت محاولة لنقل سجناء النظام السابق من سجن الهضبة إلى منطقة تخضع لسلطة «الجماعة الليبية المقاتلة»، إلا أن القوات الموالية للسراج تمكنت من إخضاعهم لسيطرتها، ووضعهم في مكان آمن، تمهيداً للإفراج عنهم. ويقول الصافي: «بإذن الله سيتم الإفراج عن قيادات أخرى... قد يكون ذلك قبل عيد الفطر (أقل من 10 أيام)».

الصراع بين «القذافيين»
بيد أن الإعلان عن الإفراج عن سيف الإسلام أربك المشهد برمته مرة أخرى، ليس في أوساط المتطرفين أو المجلس الرئاسي فقط، ولكن بين رجال النظام السابق نفسه.
لقد عاد إلى الأذهان الصراع الذي كان يدور في أواخر عهد القذافي بين أنصار الحرس الجديد برئاسة سيف الإسلام، وأنصار الحرس القديم بقيادة رجال القذافي الأوفياء، مثل السنوسي والمحمودي ودوردة. وهؤلاء كانوا يرون في تساهل سيف الإسلام مع الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» قبل 2011 خطراً كبيراً، وهو ما ثبتت صحته في نهاية المطاف.
وعقدت اجتماعات بين أنصار النظام السابق في داخل ليبيا وخارجها، لبحث طريقة التعاطي مع سيف الإسلام، ومعرفة ما يريد أن يقوم به، وما إذا كان ذلك يتوافق مع رؤيتهم للحل في ليبيا أم لا. ومن جانبها، عقدت أطراف في المجلس الرئاسي اجتماعاً أيضاً لبحث تداعيات الإفراج عن نجل القذافي. وطرح أحد أعضاء المجلس اقتراحاً بـ«استمالة سيف إلى المجلس»، قبل أن يتحالف مع خصوم السراج، مثل حفتر أو خليفة الغويل، رئيس حكومة الإنقاذ المنافسة لحكومة السراج. لكن هذا الطرح أغضب باقي أعضاء المجلس، وفقاً لمصدر كان حاضراً الاجتماع في طرابلس يوم 12 الشهر الحالي.
أيضاً، بدأ أعضاء متشددون في المجلس الرئاسي، وأطراف من جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» يعملون ضد سيف الإسلام، كل من جهته، بشكل محموم. وبالنسبة للمحسوبين على المجلس الرئاسي فيتبنى غالبيتهم السير في الإجراءات القضائية المحلية والدولية لمحاصرته، وذلك من خلال محكمة استئناف طرابلس، والمحكمة الجنائية الدولية، وتحذير أي مدينة سيقيم فيها باعتبارها «تتستر على مطلوب للعدالة».
ومن جانبها، تضغط جماعة الإخوان من خلال التنظيم الدولي للجماعة والدول الراعية له، لدى منظمات حقوقية دولية، من أجل خلق زخم عن مخالفة الإفراج عن سيف للقوانين داخلياً وخارجياً، حتى لو تطلب ذلك تقديم أموال ضخمة كدعم لعدد من تلك المنظمات في سبيل «تحريك قضية سيف الإسلام، ومعاملته كمطلوب للمحاكمة وملاحقته».

مطالبات قانونية
في هذه الأثناء، أعلن إبراهيم مسعود، وهو قائم بأعمال النائب العام في العاصمة الليبية، أن سيف الإسلام محكوم عليه بالإعدام غيابياً في 2015، ومطلوب القبض عليه حالياً لمحاكمته حضورياً، في تهم تتعلق بالدور الذي لعبه في قمع الانتفاضة ضد القذافي في 2011. وطالب في بيان بإحضار سيف الإسلام، نظراً لأن بعض التهم التي حكم بشأنها يتطلب العفو عنها توافر تنازل خاص من أولياء الدم، بالإضافة إلى أن قانون العفو لا يكون إلا من خلال إجراءات واستيفاء لشروط قانونية تختص بتنفيذها السلطة القضائية دون منازع في الاختصاص.
ومن جهتها، طالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش» السلطات الليبية بتعقب سيف الإسلام، ونقلت مصادر إعلامية عن سارة لي ويتسون، مديرة المنظمة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قولها إن السلطات الليبية لا تزال ملزمة بتسليم نجل القذافي إلى المحكمة الجنائية الدولية. ويقول مصدر قضائي في طرابلس إنه خلال اليومين الماضيين جرى تكثيف الاتصالات مع الجنائية الدولية و«إمدادها بملف جديد يتضمن تسجيلات صوتية ووثائق ضد سيف الإسلام».
أما «الجماعة الليبية المقاتلة» فقام أحد قادتها بتخصيص ملايين الدولارات في سبيل معرفة المكان الذين يقيم فيه سيف الإسلام في الوقت الحالي داخل ليبيا، وقطع الطريق أمام أي محاولة من جانبه للخروج من البلاد، سواء إلى مصر أو روسيا. لكن مصادر من قبيلة القذاذفة قالت في المقابل إن خيار الإقامة خارج ليبيا ليس من الخيارات المطروحة أمام سيف الإسلام حتى الآن.
وفي المهجر، خصوصاً في مصر وتونس، عُقدت عشرات الاجتماعات خلال اليومين الماضيين بين زعماء ليبيين من أنصار النظام السابق، لوضع ترتيبات جديدة بناء على الإفراج عن سيف الإسلام. وأجرت عدة تكتلات لقاءات سريعة لوضع مبادئ عامة وعرضها على نجل القذافي للبت فيها قبل اتخاذ موقف بتأييده أو معارضته، إلا أن هذا قد يستغرق بعض الوقت.
أما في الداخل الليبي، فأبدت القوات التي تحتجز السنوسي والمحمودي ودوردة، وغيرهم، في طرابلس حسن نوايا، حين أعدت لهم مأدبة إفطار بعد أن قدموا من مناطق مختلفة من البلاد، لزيارة أبنائهم في مقار الاحتجاز «الأكثر أمناً وآدمية مما كان عليه الأمر في سجن الهضبة».
وفيما يخص الاحتمالات الأخرى التي يمكن أن يعمل نجل القذافي من خلالها في الداخل الليبي، كما يقول القزيري، فتتعلق بمدى إمكانية فتحه حواراً مع الجميع، من أجل تسوية سياسية تنهي الأزمة الليبية، أو على الأقل تمنحه فرصة للمنافسة في أي انتخابات مقبلة.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.