ليبيا... طريق سيف الإسلام

تبعات سياسية وقضائية وأمنية للعفو عن نجل القذافي

ليبيا... طريق سيف الإسلام
TT

ليبيا... طريق سيف الإسلام

ليبيا... طريق سيف الإسلام

فوجئ كثيرون من المراقبين المحليين والدوليين بقرار كتيبة «أبو بكر الصديق» الليبية بإطلاق سراح سيف الإسلام، نجل القذافي، يوم الجمعة الماضي. ومن المنتظر أن يلقي سيف الإسلام البالغ من العمر 44 سنة، كلمة للرأي العام يتحدث فيها عما سيقوم به خلال الفترة المقبلة. لكن ضغوطاً قضائية، محلية ودولية، وتربّص خصومه به في الداخل والخارج، قد تمثل عراقيل أمام تحركاته على الأقل على الصعيد السياسي. وفي الوقت الحالي خصّصت ميليشيات متطرفة ملايين الدولارات لمن يدل على المكان الذي يقيم فيه في ليبيا. وعلى هذا الأساس كان من الصعب توجيه أسئلة محددة لأقاربه وأنصاره والمتعاطفين معه، حول مقر إقامته الجديد.
وعلى سبيل المثال، اكتفى الطيب الصافي، آخر نائب لرئيس الوزراء الليبي في عهد القذافي، بالقول لـ«الشرق الأوسط»، من مقره في شرق ليبيا، إن سيف الإسلام «أصبح بين أبناء عشيرته»، وإنه «في أمان». وحقاً، من الصعب معرفة ما إذا كان سيف الإسلام الآن لدى أخواله في مدينة البيضاء، أم وسط قبيلته القذاذفة، في القطاع الأوسط من البلاد، الممتد من سبها وأباري جنوباً حتى سرت شمالاً، أم في الغرب حيث يحظى بشعبية لدى مناطق الصيعان وورشفانة وغيرها، أم أنه ما زال في الزنتان نفسها، حيث ظل محتجزاً لمدة تقترب من 6 سنوات.
قرار العفو عن سيف الإسلام القذافي، في حد ذاته وبعيداً عن أي اعتبار آخر، تسبب في تفجير قنبلة سياسية أدت لإرباك كثير من الخطط، وغيرت توجهات قوى كثيرة.
لقد رفع معنويات ما يُسمى «المحسوبين على النظام السابق»، بمن في ذلك العشرات من القيادات الكبيرة من معاوني القذافي، ممن ما زالوا رهن الاحتجاز في سجون طرابلس ومصراتة منذ إلقاء القبض عليهم عقب مقتل الرئيس الليبي السابق. ومن بين هؤلاء عبد الله السنوسي رجل المخابرات القوي، والبغدادي المحمودي رئيس الوزراء السابق، وأبو زيد دوردة رئيس جهاز الأمن الخارجي، وغيرهم.

معادلات قد تتغير
ومن الطرق المتاحة أمام سيف الإسلام، كما يقول شيخ من قبيلة القذاذفة، من مقر إقامته في سبها، أن يعتمد على رجال الجيش والقبائل لمؤازرته في استعادة الاستقرار للدولة الليبية، مشيراً إلى أن أهم هذه القبائل، بالإضافة إلى القذاذفة، قبائل المقارحة، وورفلة وورشفانة وغيرها. ويقول إن هذه القبائل تقف في الوقت الراهن مع قائد الجيش الوطني خليفة حفتر، لكن وجود سيف الإسلام سيغير كثيراً من المعادلات.
وفي تحرك يمكن أن تكون له خلفيات عسكرية تتعلق بترتيبات حفتر المقبلة، بعد الإفراج عن سيف الإسلام، قرر العقيد إدريس مادي، آمر غرفة عمليات المنطقة الغربية التابعة للجيش الوطني، إلغاء «كتيبة أبو بكر الصديق» التي تضم نحو 200 مقاتل، وإلحاق أفرادها وأسلحتها وآلياتها بمقر المنطقة العسكرية الغربية. ويقول خصوم لحفتر إن مادي يحاول طمس معالم الكتيبة التي أفرجت عن نجل القذافي لـ«حمايتها من العقاب بعدما دعت أطراف محلية للتحقيق معها في واقعة إطلاق سيف».
ومن جانبه، يوضح طارق القزيري، المستشار السابق في لجنة الحوار السياسي الليبي، من مقره في مصراتة، قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن سيف الإسلام لديه عدة خيارات منها الاعتماد على أنصار النظام السابق والمتعاطفين معه، بحيث يكون له دور في وسط ليبيا، موازٍٍ للدور الذي يقوم به حفتر في الشرق وفايز السرّاج، رئيس المجلس الرئاسي، في الغرب.

تسريبات مبكّرة
منذ وقت مبكر، أي في الثاني من فبراير (شباط) من هذا العام، بدأت تخرج تسريبات غير معتادة، من بلدة الزنتان التي كان سيف محتجزاً فيها، ومن «كتيبة أبو بكر الصديق» الموالية لحفتر، التي كانت تتولى حراسته، عن وجود تحركات بشأن الإفراج عن نجل القذافي. وهنا بدأت تظهر في وسائل الإعلام التي تديرها أطراف من جماعة الإخوان المسلمين، حملة ضد سيف. واعتمدت الحملة على برقيات جرى إرسالها من شخصيات إخوانية تقيم خارج ليبيا. وكان التوجيه بإثارة «الجانب السيئ» في ماضي نجل القذافي منذ كان يدرس في النمسا عام 1998.
ويقول ضابط كبير في المخابرات الليبية لـ«الشرق الأوسط»: «ليست جماعة الإخوان فقط هي من يخشى عودة سيف الإسلام إلى الساحة مرة أخرى. ولكن معظم القيادات التي تزعّمت الانتفاضة المسلحة التي دعمها حلف شمال الأطلسي (ناتو) ضد القذافي في 2011. وأضف إلى هؤلاء، بطبيعة الحال، مسؤولين من مدينة مصراتة ممن نقلوا جثمان معمر القذافي إلى المدينة بعد مقتله في سرت، وأشرفوا على دفن جثته في مكان غير معلوم».
واستعرض هذا الضابط خلال لقاء معه في شرق ليبيا برقيات جرى اعتراضها، وتعكس حالة قلق من احتمال الإفراج عن سيف الإسلام منذ البداية. وتقول برقية تعود إلى يوم 18 فبراير الماضي، إن مسؤولاً من مصراتة أمر بالتحقيق فيما إذا كانت قيادات من النظام السابق تتواصل مع نجل القذافي في مقر احتجازه في الزنتان بطرق ليس من بينها الاتصالات الهاتفية أم لا. وقال وفقاً للبرقية التي أرسلها لقائد في المجلس العسكري في الزنتان: «لدينا شكوك في أن التواصل مع الولد (يقصد سيف) يجري عبر مراسيل... هناك من يأتي له برسائل وينقل عنه تعليمات. نرجو منكم مراجعة أسماء من وصلوا إلى مطار الزنتان هذا الأسبوع، وموافاتنا بأي مشتبه بصلتهم بنجل القذافي».
وفي الرد على هذه البرقية، قال القائد في مجلس الزنتان العسكري في اليوم نفسه: «المطار لم يعد تحت سلطتنا بالكامل». وتعكس هذه الإجابة الضعف الذي أصبحت عليه المجالس العسكرية للمدن الليبية، مع ما يسمى «مجالس الثوار»، التي سيطرت جميعها على عموم البلاد عقب مقتل القذافي. وهيمن على معظم هذه المجالس، سواءً العسكرية أو الثورية، زعماء لجماعات متطرفة ومتعصبون جهويون. لكن فشل غالبيتها في تقديم الخدمات والأمن لسكان المدن، أفقدها قوتها في الشارع، وسهل مهمة حفتر في الهيمنة على شرق البلاد وجنوبها، وزيادة شعبيته وشعبية أنصار النظام السابق في الغرب.
ولوحظ أن معظم محاولات خصوم سيف الإسلام لتتبع حالته أثناء وجوده في محبسه في الزنتان، منذ مطلع هذا العام، لم تكن تجري مع «كتيبة أبو بكر الصديق»، التابعة لحفتر، بل مع أطراف في المجلس العسكري للزنتان المحسوب على الانتفاضة التي أطاحت بالقذافي.
وفي اليوم التالي، 19 فبراير، رصدت الاستخبارات العسكرية في مصراتة، دخول جماعة الإخوان على خط سيف الإسلام وبشكل مباشر هذه المرة، حيث طلبت الجماعة من قيادي في الزنتان، ترتيب زيارة لسيف من جانب شخصيات تابعة للجماعة. لكن هذه الزيارة لم تتم. مع العلم أن الجماعة كانت لها علاقات قوية مع نجل القذافي قبل 2011، حيث عمل سيف الإسلام منذ عام 2004 على فتح الباب لعودة الجماعة إلى الساحة الليبية وعقد مصالحة مع باقي التنظيمات المتطرفة التي كانت في سجن أبو سليم، وعلى رأسها «الجماعة الليبية المقاتلة»، قبل أن تتحالف جميعاً وتطيح بحكم والده، وتنكّل بسيف نفسه.

عرض اللجوء لروسيا
وقبل نهاية فبراير خرجت تسريبات جديدة في العاصمة طرابلس تقول إن روسيا ربما لن يكون لديها مانع من منح سيف الإسلام حق اللجوء السياسي لديها، وتحدثت أيضاً عن أن نجل القذافي وصل إليه مثل هذا العرض، لكنه رفضه، على عكس رأي والدته، السيدة صفية فركاش. وجنّ جنون خصوم نجل القذافي حين تضمنت هذه التسريبات القول إن والدته تمكنت من زيارته في مقر احتجازه بالزنتان في تلك الأيام، لكن مسؤولاً في المجلس العسكري للمدينة قال إنها لم تقم بأي زيارة هنا.
وأياً ما كانت حقيقة الأمر، فإن الزخم بشأن قرب الإفراج عن سيف الإسلام منذ مطلع هذا العام، تزامن معه تحقيق الجيش الوطني بقيادة حفتر انتصارات كبيرة في الشرق وفي الجنوب، مع محاولات للتقريب بين حفتر ورئيس المجلس الرئاسي فايز السراج المدعوم دولياً. وتسببت هذه المغيرات في مخاوف لدى قادة الميليشيات المناوئة للمجلس الرئاسي في طرابلس ولحفتر في باقي ليبيا، خصوصاً بعدما ظهر كل من حفتر السراج جنباً إلى جنب عقب لقاء نادر عقد بينهما في دولة الإمارات العربية المتحدة خلال الشهر الماضي.
الارتباك - كما يقول مسؤول ليبي في طرابلس - ما كان من لقاء حفتر والسراج، بل كان ثمة خوف من عودة قيادات النظام السابق.. وخوف من الإفراج عن سيف الإسلام في الزنتان، وخوف من الإفراج عن السنوسي والمحمودي ودوردة وغيرهم في طرابلس. ولقد جرى الاتفاق بين الميليشيات الرافضة للسراج وحفتر على خوض حرب شاملة ضدهما لقطع الطريق على أي محاولات لعودة أنصار القذافي للواجهة مرة أخرى. مع العلم أن كثيراً من ضباط القوات المسلحة الليبية كانوا قد بدأوا بالفعل الانخراط مع قوات حفتر في الحرب ضد قواعد هذه الميليشيات في الجفرة وسط ليبيا، وفي سبها، جنوباً.

إدانات للخطوة... وتطورات
ودان المجلس العسكري والمجلس البلدي في الزنتان إطلاق سراح سيف الإسلام، وقال المجلسان في بيان إن ما تم «تواطؤ وخيانة». وللعلم، تقاسم النفوذ في الزنتان - الواقعة على بعد نحو 170 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس - قوى عسكرية أخرى موالية لحفتر، منها كتيبة أبو بكر الصديق التي كان يقودها العجمي العتيري حتى يومين ماضيين.
ومنذ عودة السراج وحفتر من دولة الإمارات بدأت الحرب تستعر ضد الرجلين. وقامت قوات تابعة لما يعرف بـ«سرايا الدفاع عن بنغازي» و«القوة الثالثة» بمهاجمة قوات حفتر في قاعدتي براك الشاطئ وتمنهت، رغم أن هاتين القوتين تتبعان اسمياً المجلس الرئاسي. ومثل هذه الأمور مثيرة للارتباك بالنسبة للمراقبين للوضع الليبي. أما في طرابلس فجرى التخطيط لهجوم كاسح من جانب جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» ضد السراج ومجلسه الرئاسي، يوم الجمعة 26 مايو (أيار) الماضي، كانت تتضمن أيضاً منع أي محاولة للإفراج عن قيادات النظام السابق، سواء في سجن الهضبة أو مصراتة أو الزنتان.
لكن كل شيء انقلب رأساً على عقب. إذ فشلت الخطة، وتمكنت قوات موالية للسراج في طرابلس من التغلب على خصومه وطردهم من العاصمة، بينما تمكن الجيش الوطني من طرد الميليشيات من الجنوب. وعصر يوم الجمعة، أي يوم الاشتباكات التي سقطت فيها عشرات القتلى في طرابلس، جرت محاولة لنقل سجناء النظام السابق من سجن الهضبة إلى منطقة تخضع لسلطة «الجماعة الليبية المقاتلة»، إلا أن القوات الموالية للسراج تمكنت من إخضاعهم لسيطرتها، ووضعهم في مكان آمن، تمهيداً للإفراج عنهم. ويقول الصافي: «بإذن الله سيتم الإفراج عن قيادات أخرى... قد يكون ذلك قبل عيد الفطر (أقل من 10 أيام)».

الصراع بين «القذافيين»
بيد أن الإعلان عن الإفراج عن سيف الإسلام أربك المشهد برمته مرة أخرى، ليس في أوساط المتطرفين أو المجلس الرئاسي فقط، ولكن بين رجال النظام السابق نفسه.
لقد عاد إلى الأذهان الصراع الذي كان يدور في أواخر عهد القذافي بين أنصار الحرس الجديد برئاسة سيف الإسلام، وأنصار الحرس القديم بقيادة رجال القذافي الأوفياء، مثل السنوسي والمحمودي ودوردة. وهؤلاء كانوا يرون في تساهل سيف الإسلام مع الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» قبل 2011 خطراً كبيراً، وهو ما ثبتت صحته في نهاية المطاف.
وعقدت اجتماعات بين أنصار النظام السابق في داخل ليبيا وخارجها، لبحث طريقة التعاطي مع سيف الإسلام، ومعرفة ما يريد أن يقوم به، وما إذا كان ذلك يتوافق مع رؤيتهم للحل في ليبيا أم لا. ومن جانبها، عقدت أطراف في المجلس الرئاسي اجتماعاً أيضاً لبحث تداعيات الإفراج عن نجل القذافي. وطرح أحد أعضاء المجلس اقتراحاً بـ«استمالة سيف إلى المجلس»، قبل أن يتحالف مع خصوم السراج، مثل حفتر أو خليفة الغويل، رئيس حكومة الإنقاذ المنافسة لحكومة السراج. لكن هذا الطرح أغضب باقي أعضاء المجلس، وفقاً لمصدر كان حاضراً الاجتماع في طرابلس يوم 12 الشهر الحالي.
أيضاً، بدأ أعضاء متشددون في المجلس الرئاسي، وأطراف من جماعة الإخوان و«الجماعة الليبية المقاتلة» يعملون ضد سيف الإسلام، كل من جهته، بشكل محموم. وبالنسبة للمحسوبين على المجلس الرئاسي فيتبنى غالبيتهم السير في الإجراءات القضائية المحلية والدولية لمحاصرته، وذلك من خلال محكمة استئناف طرابلس، والمحكمة الجنائية الدولية، وتحذير أي مدينة سيقيم فيها باعتبارها «تتستر على مطلوب للعدالة».
ومن جانبها، تضغط جماعة الإخوان من خلال التنظيم الدولي للجماعة والدول الراعية له، لدى منظمات حقوقية دولية، من أجل خلق زخم عن مخالفة الإفراج عن سيف للقوانين داخلياً وخارجياً، حتى لو تطلب ذلك تقديم أموال ضخمة كدعم لعدد من تلك المنظمات في سبيل «تحريك قضية سيف الإسلام، ومعاملته كمطلوب للمحاكمة وملاحقته».

مطالبات قانونية
في هذه الأثناء، أعلن إبراهيم مسعود، وهو قائم بأعمال النائب العام في العاصمة الليبية، أن سيف الإسلام محكوم عليه بالإعدام غيابياً في 2015، ومطلوب القبض عليه حالياً لمحاكمته حضورياً، في تهم تتعلق بالدور الذي لعبه في قمع الانتفاضة ضد القذافي في 2011. وطالب في بيان بإحضار سيف الإسلام، نظراً لأن بعض التهم التي حكم بشأنها يتطلب العفو عنها توافر تنازل خاص من أولياء الدم، بالإضافة إلى أن قانون العفو لا يكون إلا من خلال إجراءات واستيفاء لشروط قانونية تختص بتنفيذها السلطة القضائية دون منازع في الاختصاص.
ومن جهتها، طالبت منظمة «هيومن رايتس ووتش» السلطات الليبية بتعقب سيف الإسلام، ونقلت مصادر إعلامية عن سارة لي ويتسون، مديرة المنظمة لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، قولها إن السلطات الليبية لا تزال ملزمة بتسليم نجل القذافي إلى المحكمة الجنائية الدولية. ويقول مصدر قضائي في طرابلس إنه خلال اليومين الماضيين جرى تكثيف الاتصالات مع الجنائية الدولية و«إمدادها بملف جديد يتضمن تسجيلات صوتية ووثائق ضد سيف الإسلام».
أما «الجماعة الليبية المقاتلة» فقام أحد قادتها بتخصيص ملايين الدولارات في سبيل معرفة المكان الذين يقيم فيه سيف الإسلام في الوقت الحالي داخل ليبيا، وقطع الطريق أمام أي محاولة من جانبه للخروج من البلاد، سواء إلى مصر أو روسيا. لكن مصادر من قبيلة القذاذفة قالت في المقابل إن خيار الإقامة خارج ليبيا ليس من الخيارات المطروحة أمام سيف الإسلام حتى الآن.
وفي المهجر، خصوصاً في مصر وتونس، عُقدت عشرات الاجتماعات خلال اليومين الماضيين بين زعماء ليبيين من أنصار النظام السابق، لوضع ترتيبات جديدة بناء على الإفراج عن سيف الإسلام. وأجرت عدة تكتلات لقاءات سريعة لوضع مبادئ عامة وعرضها على نجل القذافي للبت فيها قبل اتخاذ موقف بتأييده أو معارضته، إلا أن هذا قد يستغرق بعض الوقت.
أما في الداخل الليبي، فأبدت القوات التي تحتجز السنوسي والمحمودي ودوردة، وغيرهم، في طرابلس حسن نوايا، حين أعدت لهم مأدبة إفطار بعد أن قدموا من مناطق مختلفة من البلاد، لزيارة أبنائهم في مقار الاحتجاز «الأكثر أمناً وآدمية مما كان عليه الأمر في سجن الهضبة».
وفيما يخص الاحتمالات الأخرى التي يمكن أن يعمل نجل القذافي من خلالها في الداخل الليبي، كما يقول القزيري، فتتعلق بمدى إمكانية فتحه حواراً مع الجميع، من أجل تسوية سياسية تنهي الأزمة الليبية، أو على الأقل تمنحه فرصة للمنافسة في أي انتخابات مقبلة.



ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
TT

ترمب يخرج من «حرب إيران» باتفاق يختبر الحلفاء والخصوم

ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)
ترمب يوقع "مذكرة التفاهم" وبجواره الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (آيه بي سي نيوز)

في أسواق النفط، كان المشهد أقرب إلى زفير جماعي بعد شهور من الاختناق. الشاشات التي لاحقت أخبار الألغام والناقلات والتهديد بإغلاق مضيق هرمز بدأت تقرأ الاتفاق الأميركي - الإيراني بوصفه وعداً بعودة التدفق، لا مجرد خبر دبلوماسي. وفي عواصم الخليج، خصوصاً التي تعيش جغرافيتها الاقتصادية على رئة هرمز، بدا الارتياح مفهوماً: العراق والكويت وقطر والبحرين، ومعها بقية دول الخليج، لا تريد حرباً مفتوحة في الممرّ الذي يعبر منه جزء حيوي من طاقة العالم. بيد أن الصورة لم تكن وردية في كل مكان. ففي تل أبيب، كان الصمت أقرب إلى الغضب المكتوم. وفي «الكابيتول هيل»، لم يكن السؤال: هل انتهت الحرب بل بأي ثمن؟ ومن يضمن أن هدنة الستين يوماً لن تتحول إلى فخ تفاوضي جديد؟ هكذا دخلت «مذكرة التفاهم» بين واشنطن وطهران حيّز السياسة الفعلية: وقف عمليات، إعادة فتح هرمز، إعفاءات نفطية، بحث في الأصول المجمّدة، صندوق إعادة إعمار ضخم، ومفاوضات نووية مؤجلة إلى ستين يوماً قابلة للتمديد. ليست «وثيقة استسلام إيراني»، كما وعد ترمب في ذروة الحرب، ولا نصراً صافياً لطهران. بل الأدق أنها «طريق خروج» أميركي من حرب كادت تتحول إلى كارثة اقتصادية عالمية، وامتحان إيراني قاسٍ: هل تستطيع الجمهورية الإسلامية أن تبدأ التحول إلى «دولة طبيعية»، أم يعيد «الحرس الثوري» تدوير الاتفاق كهدنة تكتيكية؟

من واشنطن، تُروى القصة على طريقة ترمب: ضغط عسكري هائل، ضربات موجعة، حصار بحري، ثم اتفاق أعاد إيران إلى الطاولة من دون غرق أميركا في حرب شاملة.

هذه الرواية ليست بلا أساس. فالولايات المتحدة دمّرت حقاً أجزاء واسعة من القدرات العسكرية الإيرانية، وألحقت أضراراً بمنشآت دفاعية وصاروخية، وحوّلت الحشد العسكري الأكبر في المنطقة منذ عقود إلى رافعة تفاوضية. لكن المشكلة أن الهدف المعلن كان أكبر بكثير: «استسلام غير مشروط»، وتفكيك نووي وصاروخي كامل، وربما تغيير في بنية النظام... وما تحقق حتى الآن أقل من ذلك بكثير.

براعة... وخطورة

وفق محللين، هنا تكمن براعة الاتفاق وخطورته معاً.

براعة واشنطن أنها وجدت سُلّماً للنزول من حافة الحرب، بعدما اكتشف ترمب أن استمرار المواجهة قد يضرب الاقتصاد الأميركي والعالمي قبل انتخابات التجديد النصفي. وخطورته أن إيران خرجت من تحت الضربات، وقد أثبتت أن بإمكانها تحويل الفوضى الاقتصادية إلى سلاح ردع: إغلاق هرمز، واستهداف منشآت حساسة في الخليج، ورفع كلفة الحرب إلى مستوى لا تتحمله الأسواق طويلاً.

لذلك لا تبدو «مذكرة التفاهم» نصراً إيرانياً بقدر ما هي «بداية مساومة كبرى» على شكل إيران ومكانها. فقد تلقت طهران هزيمة عسكرية قاسية، لكنها لم تُسحق سياسياً. وواشنطن حققت وقفاً للنزيف، لكنها تنازلت عن جزء من الضغط الاقتصادي قبل أن تنتزع الاتفاق النووي النهائي.

وبين هذين الحدين تتشكل المعادلة: ترمب يريد بيع الاتفاق كإنجاز اقتصادي وانتخابي، وطهران تريد بيعه كدليل صمود بوجه القوة الأميركية.

من يربح رواية النصر؟

كل اتفاق مؤقّت يولد بروايتين.

في واشنطن، يقول ترمب إنه أمّن مضيق هرمز، وخفّض أسعار الطاقة، وجنّب العالم كساداً نفطياً، وأجبر إيران على التعهّد بألا تمتلك السلاح النووي. وأضاف أن أي أموال أو استثمارات لن تصل إلى طهران إلا مقابل «سلوك جيد». هذه لغة انتخابية بامتياز: فالنفط يتدفق، والأسواق تهدأ، والرئيس لا يظهر ضعيفاً لأنه يلوّح بالعودة إلى القصف إذا أخلفت إيران.

لكن في طهران، تُروى القصة بعكس ذلك. فإيران «صمدت أمام أقوى جيش في العالم»، وفرضت رفع الحصار، واستعادت القدرة على تصدير النفط، وفتحت الباب أمام أموال مجمّدة واستثمارات بمئات المليارات.

محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، وصف المذكرة بأنها «هزيمة للولايات المتحدة»، وهذا جزء من معركة داخلية لا تقل أهمية عن التفاوض مع الأميركيين. فالنظام يحتاج إلى إقناع جمهوره ونخبه بأن الضربات لم تكسر الجمهورية، بل دفعت واشنطن إلى الاعتراف بدور إيران الإقليمي وحقوقها السيادية في هرمز.

لكن بين الروايتين تقف حقيقة ثالثة هي: لا أحد ربح بعد. ترمب اشترى ستين يوماً من الهدوء، وإيران اشترت ستين يوماً من التنفّس الاقتصادي. أما النتيجة النهائية فستتحدد في الملف النووي، وفي لبنان، وفي طريقة إدارة هرمز بعد انتهاء فترة «المرور بلا رسوم».

لماذا غابت عُمان وصعدت باكستان؟

من التحوّلات اللافتة أن الوساطة لم تحمل الختم العُماني التقليدي.

لعقود، لعبت مسقط دور الممرّ الدبلوماسي الهادئ بين واشنطن وطهران. لكن هذه المرة تقدمت باكستان، بدعم إقليمي من الرياض والدوحة وأنقرة، بينما عادت عُمان من باب آخر: إدارة مستقبلية أو تقنية لحركة المرور في مضيق هرمز بالتفاهم مع إيران ودول الساحل.

هذا ليس تفصيلاً بروتوكولياً، بل تغيراً في ديناميكيات الوساطة الإقليمية. فباكستان تملك علاقة مركّبة مع إيران، وقنوات أمنية مع واشنطن والخليج، وقدرة على التكلّم بلغة «خفض التصعيد» من دون أن تظهر كجزء من «محور عربي» ضد طهران. أما دول الخليج، التي دفعت ثمن الشلل البحري، فوجدت في الوساطة فرصة لإعادة ضبط المنطقة بلا انهيار شامل في أمن الطاقة.

لكن غياب عُمان عن صدارة المشهد يطرح سؤالاً أعمق: هل نحن أمام دبلوماسية خليجية - إسلامية جديدة تتجاوز القنوات التقليدية، أم مجرد ترتيب اضطراري فرضته الحرب؟

الأرجح أن الجواب سيتوقف على بند هرمز. فإذا تحولت «إدارة المضيق» إلى نظام رسوم أو خدمات إيرانية، فستغدو الوساطة نفسها جزءاً من معركة السيادة البحرية.

«عقدة» تل أبيب... في لبنان

في المقابل، أخطر ما في الاتفاق أنه يتكلم عن وقف العمليات «على كل الجبهات، بما في ذلك لبنان»، بينما لا إسرائيل ولا «حزب الله» طرفان موقعان عليه.

هنا تبدو العقدة: إيران وباكستان تستطيعان القول إن الهدنة تشمل لبنان، لكن بنيامين نتنياهو يقول إن إسرائيل غير ملزمة بنص لم توقعه، وإن قواتها لن تنسحب من الجنوب قبل نزع سلاح «حزب الله» أو ضمان أمن الحدود.

بالنسبة لنتنياهو، الاتفاق ليس مجرد تفاهم أميركي - إيراني، بل إنه تهديد سياسي داخلي. فهو وعد الإسرائيليين بـ«نصر كامل» على إيران ومحورها، لكنه وجد نفسه أمام مذكرة تمنح طهران فرصة للتنفس، وتضغط عليه لوقف حملة يرى أنها ضرورية في لبنان. والأسوأ بالنسبة له أن ترمب، الحليف الذي كان يُفترض أن يكون أكثر رؤساء أميركا «تفهّماً لأولويات إسرائيل»، أخذ ينتقد علناً أساليبها في لبنان، قائلاً إن «إسقاط مسيّرتين في الصحراء لا يبرّر تدمير مبانٍ في بيروت».

لكن قدرة البيت الأبيض على الضغط لها حدود؛ فترمب يحتاج إلى رأس مال سياسي كبير كي يقول لنتنياهو: توقّف الآن!

هذا صعب في عام انتخابي إسرائيلي، وصعب أيضاً في واشنطن حيث يراقب «صقور» الكونغرس الاتفاق بعين الشك. ثم إن بعض الجمهوريين يطالبون بإحاطات سرّية ورقابة تشريعية، وآخرون يرون أن إعفاءات النفط وفتح الأموال المجمّدة يمنحان النظام الإيراني «طوق نجاة». وإذا واصلت إسرائيل عملياتها في لبنان أو غزة، فستتحوّل الهدنة من اتفاق إقليمي إلى اختبار يومي للانضباط الأميركي والإسرائيلي والإيراني معاً.

مصير اليورانيوم... تحت الركام

«الملف النووي» يظل قلب الاتفاق، لكنه أيضاً أكثر أجزائه غموضاً. و«مذكرة التفاهم» تعيد تأكيد أن إيران لن تطور أو تحوز سلاحاً نووياً، لكنها تترك التفاصيل الصعبة للمفاوضات النهائية: مصير المخزون المخصّب، ومستقبل التخصيب، ونظام التفتيش، والمنشآت المتضررة، وجدول رفع العقوبات. في «اتفاق 2015» استغرقت هذه التفاصيل مفاوضات طويلة ومعقّدة شاركت فيها القوى الكبرى. أما الآن، فيُطلب إنجاز ما هو أشدّ تعقيداً خلال ستين يوماً، وبعد حرب وضربات ومنشآت مدمّرة.

المعضلة التقنية ليست نظرية. فجزء من المخزون الإيراني من اليورانيوم العالي التخصيب موجود، بحسب التقديرات، في منشآت تحت الأرض تعرضت لأضرار. والاتفاق يتكلم عن «تخفيف» أو «مزج» المواد المخصبة داخل إيران، تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرّية، لكنه لا يفرض منذ البداية إخراج المخزون إلى الخارج.

هذا فارق جوهري عن تجربة 2015، حين أرسلت إيران قسماً هائلاً من مخزونها إلى روسيا. لذا يطرح خبراء الانتشار النووي في واشنطن سؤالاً مباشراً: كيف يمكن التحقّق من المواد تحت الركام؟ ومَن يضمن أن التفتيش لن يتحوّل إلى مفاوضة على كل باب ونفق وكاميرا؟

قد تلعب روسيا مجدّداً دور «المستودع البديل»، لكن إدخال موسكو إلى قلب الاتفاق سيخلق تعقيدات جيوسياسية إضافية في ظل توترها مع الغرب.

أيضاً، «الحرس الثوري»، الذي أشرف تاريخياً على أجزاء حسّاسة من البرنامج، قد يرى في الغموض فرصة للاحتفاظ بـ«عتبة» نووية. وهنا يكمن الرهان الأميركي الحقيقي: ليس فقط تعطيل القنبلة، بل دفع إيران إلى التخلي عن منطق «الاقتراب من السلاح من دون امتلاكه»؛ فالحرب أظهرت أن قدرة «العتبة» لم تردع الضربات، لكنها قد تدفع بعض المتشدّدين إلى استنتاج معاكس: أن النموذج الكوري الشمالي، لا النموذج الإيراني، هو ما يمنع القصف.

أيضاً، حصر الاختبار المقبل في مصير اليورانيوم وحده سيكون خطأً استراتيجياً. فواشنطن مطالبة بالموازنة بين الخطر النووي المتبقي، وتهديدات أخرى لا تقلّ حساسية: برنامج الصواريخ الباليستية، وتطوير الطائرات المسيّرة، وشبكة الأذرع. لذلك لا تبدو المفاوضات المقبلة نووية فقط، بل محاولة أوسع لإعادة تعريف «حدود» القوة الإيرانية في المنطقة. ومع ذلك، تدخل واشنطن هذه الجولة من موقع أكثر تماسكاً إذا نجحت الهدنة في إعادة الملاحة البحرية في الخليج إلى طبيعتها؛ فعودة السفن إلى هرمز لا تهدئ الأسواق فقط، بل تمنح واشنطن هامشاً أوسع للضغط من دون أن تبدو رهينة ابتزاز النفط والممرات البحرية.

وهنا، لا ينفصل الملف النووي عن معادلة هرمز؛ فالمضيق لم يعد مجرد ممر للطاقة، بل صار ورقة تفاوض على مستقبل إيران ودورها وحدود سيادتها الإقليمية.

هرمز مقابل الأصول

اقتصادياً، أعاد الاتفاق هرمز إلى قلب الجغرافيا السياسية العالمية. فالنص يمنح السفن التجارية مروراً آمناً «بلا رسوم» لمدة ستين يوماً فقط، ثم يفتح الباب أمام ترتيبات إيرانية - عُمانية لإدارة الحركة البحرية.

هذه العبارة الصغيرة قد تكون من أكثر بنود الاتفاق قابلية للانفجار. فقبل الحرب، كانت القاعدة الغربية واضحة: حرية مرور لا رسوم عليها. أما الآن، فتقول طهران إن المضيق «لن يعود إلى ما كان عليه»، وإن لها حقاً سيادياً في جباية رسوم مقابل خدمات.

وبالنسبة إلى الخليج، فالأولوية الآن هي عودة السفن لا الجدل القانوني. لكن على المدى الأبعد، أي نظام رسوم إيراني سيبدو تحويلاً لأزمة عسكرية إلى دخل سيادي دائم. وهذا ما يقلق لندن وباريس ودوائر التفكير في واشنطن التي ترى أن إيران اكتشفت قدرتها عبر الحرب على ابتزاز الاقتصاد العالمي، ليس بإغلاق المضيق فقط، بل بجعله أيضاً ممراً مشروطاً.

مع ذلك، حذّر علي لاريجاني - الذي قتل خلال الحرب - من أن طهران لا تستطيع استخدام ورقة هرمز سوى مرة واحدة، دفاعاً عن بقاء النظام. والغرب والعالم لن يبقيا مكتوفي الأيدي وسيقفان صفاً واحداً ضد إيران إذا كرّرت إغلاقه.

ثم تأتي الأموال... أصول مجمدة بمليارات الدولارات، وإعفاءات نفطية، و«صندوق إعادة إعمار» لا يقل عن 300 مليار دولار، تقول واشنطن إنها لن تموله مباشرة، بل عبر شركاء واستثمارات.

هذا البند يضع ترمب أمام مفارقة سياسية حادة؛ فهو هاجم لسنوات اتفاق أوباما؛ لأنه منح إيران أموالاً مقابل قيود نووية، لكنه الآن يقبل مبدأ الحوافز الاقتصادية قبل حسم التفاصيل النهائية. لهذا يندفع «صقور» مراكز الأبحاث، من «مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات» إلى كتّاب الرأي المحافظين، إلى التحذير من أن واشنطن تتخلّى عن أقوى أوراقها قبل انتزاع التنازلات النووية.

«دولة طبيعية»... أم «قضية ثورية»؟

جوهر الاتفاق، حقاً، ليس في بنوده الـ14 فقط، بل في السؤال الذي يحاول البيت الأبيض دفع إيران إلى الإجابة عنه: هل تريد أن تكون دولة أم ثورة دائمة؟

نائب الرئيس جي دي فانس صاغ ذلك بوضوح بالقول: إذا تصرّفت إيران كدولة طبيعية، يمكن التعامل معها كدولة طبيعية وإدخالها إلى الاقتصاد العالمي. لكن هنا المجازفة الكبرى. فأنصار الاتفاق يرون أن الهزيمة العسكرية، والأزمة الاقتصادية، وتعب المجتمع، وتراجع قدرة المحور الإقليمي، كلها قد تدفع طهران إلى خيار «الدولة» على حساب «الحرس الثوري».

المشككون يردون بأن النظام، منذ 1979، استخدم كل انفراج اقتصادي لتقوية أدوات النفوذ لا لتطبيع سلوكه. وبين التفاؤل والتشاؤم توجد حقيقة صلبة: الـ60 يوماً المقبلة لن تختبر فقط نيات إيران، بل ستختبر أيضاً قدرة ترمب على إدارة التناقضات التي فتحها بنفسه.

بناءً عليه، لا تبدو مذكرة التفاهم نهاية للحرب بقدر ما تبدو بداية امتحان أصعب من الحرب نفسها؛ فإيران خرجت مكسورة عسكرياً لكنها لم تُهزم سياسياً، وترمب خرج منتصراً في الخطاب لكنه لم ينتزع بعد اتفاقاً نهائياً يمكن التحقّق منه. وبين هرمز واليورانيوم ولبنان والكونغرس، ستقرر الأسابيع الستة المقبلة ما إذا كان الاتفاق «بوابة» إلى «شرق أوسط جديد»، أم مجرد هدنة قصيرة تعيد الجميع، بعد انقضاء الوقت، إلى شفير الهاوية. بين روايتي واشنطن وطهران حقيقة ثالثة هي أنه لا أحد ربح النزاع بعد


عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
TT

عبد الرحمن عبد الله «عرو»... «انفصالي» متكئ على إسرائيل

كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة
كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز وظهر بعد أشهر من وصوله إلى أعلى السلطة

كان باستطاعة عبد الرحمن محمد عبد الله «عرّو»، رئيس إقليم «أرض الصومال/صومالي لاند» الانفصالي، ذي الموقع الاستراتيجي في القرن الأفريقي، أن يدخل التاريخ من أوسع أبوابه حال دخل في مفاوضات لالتئام الجسد الصومالي، وينال ترحيباً عربياً واسعاً، إلا أن الرجل سلك طريقاً آخر، فاقم به عواقب انفصاله، وجلب له الإدانات العربية والإسلامية المتوالية منذ تأسيسه العلاقات مع إسرائيل في ديسمبر (كانون الأول) 2025، وصولاً لزيارة تل أبيب في يونيو (حزيران) 2026 وفتحه سفارة مزعومة بالقدس المحتلة.

ولد عبد الرحمن عبد الله «عرّو» في مدينة هرجيسا، عاصمة الإقليم الانفصالي «أرض الصومال» (الصومال البريطاني إبان الحقبة الاستعمارية) وكبرى مدنه، يوم 29 أبريل (نيسان) 1955، في عائلة مكوّنة من 7 فتيات و3 أولاد، وبينما هو طفل في الخامسة من عمره تحرّرت بلاده من الاستعمار البريطاني. وحقّاً، طيلة شبابه وصعوده كان لسلطة الصومال المركزية في مقديشو فضل كبير عليه، إذ التحق بأروقتها الرسمية قبل أن يتحوّل إلى خصم لدود لها، ويفتح الأبواب لإسرائيل بترؤسه الإقليم الانفصالي طمعاً في اعتراف تعتبره دوائر عربية معارضة «عاراً».

البداية والمسيرة

بدأ عبد الرحمن عبد الله «عرّو» تعليمه الابتدائي في مدينة بربرة، ثاني كبرى مدن الإقليم -الواقع شمال الصومال- وأهم موانئه. وتابع تعليمه الثانوي في هرجيسا، منتقلاً إلى المدرسة الثانوية عام 1977، وبعد ذلك، انتقل إلى العاصمة الصومالية الفيدرالية مقديشو؛ حيث حصل على درجة البكالوريوس في المحاسبة. وتضم شهاداته أيضاً درجة الماجستير في إدارة الأعمال ودبلوماً في حل النزاعات.

بين عامي 1978 و1981، عمل «عرّو» في منظمة معنية بالتنمية الاجتماعية في مقديشو. وبين عامي 1981 و1988 شغل منصباً دبلوماسياً في وزارة الخارجية الصومالية بإدارة التعاون الاقتصادي، ومن مايو (أيار) 1988 إلى عام 1996، عمل مستشاراً للسفارة الصومالية في موسكو ثم نائب السفير والقائم بالأعمال.

ثم إنه إبّان وجوده في أروقة مقديشو الرسمية انفصل الإقليم الشمالي عن الجمهورية الصومالية عام 1991، ولم يتضّح على الفور ما إذا كان لـ«عرو» موقف معارض لهذه الخطوة أم لا.

لكن المعروف أن الرجل انتقل عام 1996 إلى فنلندا، التي كانت عائلته تُقيم فيها منذ سنوات عدة وحصل على جنسيتها، وظل مقيماً فيها حتى عام 1999. وخلال عامي 1997 و1998 كان مساعد المنظمة الدولية للهجرة في فنلندا، قبل أن يعود إلى إقليم «أرض الصومال» عام 1999.

أجندات مثيرة للجدل

لقد عاد «عرّو» إلى الإقليم الصومالي قادماً من الخارج، حاملاً رؤية سياسية أثارت لاحقاً انتقادات عربية وإسلامية، واختار منذ عودته الانخراط في صفوف المعارضة. وبعد أقل من عامين، أصبح أحد مؤسسي حزب «العدالة والتنمية (UCID)»، أحد أبرز أحزاب المعارضة، إلى جانب فيصل علي وارابي، وتولى حينها منصب نائب الأمين العام للحزب.

وشهد الإقليم الانفصالي انتخابات لمجلس النواب، المكوّن من 82 نائباً، في 29 سبتمبر (أيلول) 2005. وكانت تلك أول انتخابات برلمانية متعددة الأحزاب تُنظَّم في الإقليم منذ انفصاله عن جمهورية الصومال. وانتخب «عرّو» نائباً عن منطقة ساحل بربرة، ثم انتُخب لاحقاً رئيساً للبرلمان (مجلس النواب)، وإبّان فترة ولايته سُنّت معظم قوانين الإقليم وتشريعاته.

لكن، بعد نحو 6 سنوات، وإثر خلاف تفجّر مع وارابي، أسس «عرّو»، الذي يتكلم اللغات الإنجليزية والعربية والروسية، «الحزب الوطني»، أو حزب «وداني» (الوطني) المعارض.

ويوم 2 أغسطس (آب) 2017، استقال من رئاسة البرلمان بعدما شغل المنصب لمدة 12 سنة، وهي أطول فترة لرئيس برلمان في تاريخ الإقليم الانفصالي، معلناً أنه يتهيأ لدور أكثر أهمية بوصفه رئيساً لـ«أرض الصومال». غير أن آماله تحطمت على صخرة موسى بيحي عبدي، مرشح حزب «السلام والوحدة والتنمية» في المرة الأولى.

ولكنه حقق مراده لاحقاً، بعدما أعاد الكرَّة وترشح في الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي أجريت يوم 13 نوفمبر (تشرين الثاني) 2024، وحصل فيها على 63.92 في المائة من الأصوات، متغلباً على عبدي الذي حل ثانياً بـ34.81 في المائة.

انتخابات عام 2024 كانت الانتخابات المباشرة الرابعة منذ عام 2003، ومع فوز «عرّو» غدا الرئيس الرابع حسب الانتخابات الرئاسية المباشرة لفترة تمتد إلى 5 سنوات، وكذلك أصبح الرئيس السادس في المجمل منذ انفصال الإقليم 18 مايو 1991.

عهود السلطة الانفصالية

جدير بالذكر هنا، أنه عقب إعلان انفصال إقليم «أرض الصومال»، انتخب السفير عبد الرحمن أحمد علي، رئيس الحركة الوطنية بالبلاد حينها، ليكون أول رئيس للإقليم عبر انتخابات غير مباشرة. وعام 1993 انتخب السياسي محمد إبراهيم عقال رئيساً، وفي عام 1997 جدّد له لفترة ثانية.

وبعد وفاة عقال عام 2002، أثناء رحلة علاج في جنوب أفريقيا، انتُخب نائبه طاهر ريالي كاهن رئيساً للبلاد لتكملة الفترة الانتقالية. ثم في عام 2003، أجريت أول انتخابات رئاسية مباشرة في الإقليم، أسفرت عن فوز حزب «اتحاد الأمة» بقيادة الرئيس طاهر ريالي كاهن على السياسي أحمد محمد سيلانيو.

وفي يونيو (حزيران) 2010، أُجريت ثاني انتخابات رئاسية مباشرة، وتمكن سيلانيو من الفوز بالرئاسة لفترة 5 سنوات. وانتهت الانتخابات الثالثة التي أجريت في 13 نوفمبر 2017، بفوز موسى بيحي عبدي، الذي حصل على 55 في المائة من الأصوات.

وكان من المقرر أن تُجرى انتخابات الرئاسة الرابعة في الإقليم عام 2022، لكن لجنة الانتخابات الوطنية أجّلتها إلى 2023، ثم إلى نوفمبر 2024 بعد تمديد نيابي لولاية الرئيس عبدي الذي يتولّى الرئاسة منذ 2017. وأرجعت اللجنة التأجيلات إلى «قيود زمنية وتقنية ومالية»، وسط انتقادات من المعارضة، قبل أن يفوز «عرّو».

لقد كان حلم الاعتراف بالإقليم الانفصالي يُسيطر على «عرّو» بعد الفوز، وخرج بعد أشهر من وصوله إلى أعلى سلطة بالإقليم، وقال في مقابلة مع صحيفة «الغارديان» نهاية مايو 2025، إن الاعتراف بإدارته بات وشيكاً، معتبراً أن الأمر أصبح «مسألة وقت». وبالفعل، لم يمضِ 6 أشهر حتى فاجأت إسرائيل العالم باعترافها بالإقليم الانفصالي وسط ترحيب «عرّو»، واستنكار من الصومال، الذي قال رئيسه حسن شيخ محمود قبل أيام إنه رفض الاستجابة لطلبات من تل أبيب لإقامة علاقات دبلوماسية مع مقديشو.

لقد اختار «عرّو» المُضي في هذا الطريق الذي رسمته إسرائيل، وأغضب مقديشو ودولاً عربية وإسلامية، واستقبل في هرجيسا وزير الخارجية الإسرائيلي جدعون ساعر يناير (كانون الثاني). وفي فبراير (شباط)، قال لـ«رويترز» إن المنطقة تأمل في تعاون عسكري مُستقبلي مع إسرائيل، لكن مسألة إنشاء قواعد عسكرية إسرائيلية لم تُناقش بعد.

ولم يكتفِ الرئيس الانفصالي بذلك، بل سمّى محمد حاجي سفيراً للإقليم الانفصالي لدى إسرائيل، في فبراير الماضي قبل أن يُعلن بعد شهرين تعيين مايكل لوتم أول سفير إسرائيلي بالإقليم، وسط كلام في مايو الماضي عن قرب تبادل افتتاح السفارات.

زيارة لإسرائيل وسط الإدانات العربية

وعلى الرغم من الإدانات العربية والإسلامية المتواصلة لذلك الموقف، اختار «عرّو» زيارة إسرائيل يوم 14 يونيو الحالي، وهناك التقى الرئيس الإسرائيلي إسحق هرتسوغ، الأحد، في القدس قبل أن يفتتح سفارة للإقليم في القدس المحتلة، الاثنين.

وحسب بيان صادر عنه وقتها، قال إن بلاده «على مدى السنوات الـ35 الماضية، كانت تتواصل مع قادة العالم، وكان لديها مطلب واحد فقط: أن يرونا. دولة واحدة فقط رغبت في رؤيتنا والاعتراف بأرض الصومال، وهي حكومة إسرائيل وشعبها».

في المقابل، رأى هرتسوغ أن إسرائيل وأرض الصومال «تواجهان معاً تهديد التطرف المتشدد. ونسعى معاً إلى الأمن والاستقرار في المنطقة وفي القرن الأفريقي. وندرك معاً أهمية حماية حرية الملاحة البحرية».

وقال وزير الدفاع يسرائيل كاتس، الأربعاء، إن إسرائيل أجرت منذ سنوات سلسلة من الأنشطة «السرية» مع «أرض الصومال»، خلال استقباله الأربعاء رئيس الإقليم الانفصالي. وأضاف كاتس في بيان أصدره مكتبه: «نحن عازمون على الارتقاء بتعاوننا الأمني إلى آفاق جديدة، لما فيه مصلحة الشعبين واستقرار المنطقة».

احتمال القواعد العسكرية

أيضاً، أشار «عرّو»، الأربعاء، خلال مقابلة مع قناة «آي نيوز 24» الإسرائيلية إلى أنه لا يستطيع استبعاد احتمال وجود قاعدة عسكرية إسرائيلية على أراضي أرض الصومال في المستقبل، وذلك خلال إعلانه أن الرحلات المباشرة بين إسرائيل والعاصمة هرجيسا ستبدأ «قريباً جداً».

وفي تلك الزيارة التي جاءت بعد أشهر من توقيف «أرض الصومال» مواطنين رفعوا علم فلسطين، طوى «عرّو» خلف ظهره مطالب القضية الفلسطينية، وفي مقدمتها إقامة دولة مستقلة، ولم يلتفت للتحذيرات العربية من تغول إسرائيلي في منطقة القرن الأفريقي الهشة أمنياً وذات الأهمية الاستراتيجية الكبيرة على البحر الأحمر.


«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
TT

«أرض الصومال»... إقليم انفصالي مرشح للتحوّل إلى قاعدة إسرائيلية

"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)
"عرّو" يصافح الرئيس الإسرائيلي هرتسوغ في مقرّ الأخير بالقدس المحتلة (أ ب)

35 سنة مرّت على إعلان إقليم «أرض الصومال» (صوماليلاند)، انفصاله عن الحكومة الصومالية الفيدرالية في مقديشو عام 1991، مروراً بالتطبيع مع إسرائيل في نهاية 2025، ووصولاً إلى زيارة رئيسه عبد الرحمن عبد الله «عرّو» لتل أبيب الأسبوع الماضي.

كان الإقليم إبان الحقبة الاستعمارية - أو فترة الحماية - يُعرف بـ«الصومال البريطاني» ويخضع لبريطانيا، بينما خضعت جمهورية الصومال الحالية في حينه للاستعمار الإيطالي وعرفت بـ«الصومال الإيطالي»، وجمهورية جيبوتي للاستعمار الفرنسي وعرفت بـ«الصومال الفرنسي».

من جهة ثانية، يتمتع الإقليم بمقوّمات كبيرة أغرت إسرائيل بأن تغدو أول دولة تعترف به. فهو يتمتع بساحل يبلغ طوله 740 كيلومتراً ويمتد على خليج عدن، وبموقع استراتيجي عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي.

مدينة هرجيسا هي العاصمة وكبرى المدن، بينما تُعد بربرة الميناء الأكبر والأهم في إقليم «أرض الصومال»، الذي يحده كل من إثيوبيا من الجنوب والغرب وجيبوتي من الشمال الغربي و‌خليج عدن من الشمال ومن الشرق ولاية بونتلاند الصومالية. وبينما تبلغ مساحته نحو 177 كيلومتراً مربعاً، يصل عدد سكانه إلى 3.5 مليون وفق تقديرات لعام 2017، وأخرى حديثة بين 5.7 و6 ملايين نسمة ويتكلم سكانه اللغات الصومالية والعربية والإنجليزية.

على صعيد التقسيمات الإدارية الداخلية، يضم الإقليم 6 مناطق إدارية هي: ووكوي جالبيد وتجدير وسول وسناج وأودال والساحل. وبالنسبة لنظام الحكم فيه فإنه جمهوري، ولديه رئيس وحكومة وبرلمان (سلطة تشريعية) بمجلسين؛ هما مجلس نواب (الغرفة الأولى) ومجلس شيوخ (الغرفة الثانية) ويضم كلٌّ منهما 82 عضواً.

استقل الإقليم عن بريطانيا عام 1960 واندمج مع «الصومال الايطالي» ليكوّنا معاً جمهورية الصومال.

ويوم 18 مايو (أيار) 1991 أعلن الإقليم استقلاله عن جمهورية الصومال بعد نحو 3 أشهر من انهيار الحكم المركزي في الجمهورية عقب الإطاحة بالرئيس الصومالي السابق محمد سياد بري.

وفي أغسطس (آب) 2000، طرحت حكومة «الإقليم» نسخاً من دستور مقترح ينص على الانفصال النهائي عن الصومال، وأقر الانفصال في استفتاء يوم 31 مايو 2001، بعدما صوت لصالحه 97.1 في المائة، وعام 2016 احتُفل بمرور 25 سنة على تلك الخطوة.

لقد انخرطت سلطات مقديشو و«أرض الصومال» بمباحثات للعودة عن الانفصال بدأت في عام 2012، وتواصلت وكان أحدثها في 2020، وأواخر 2023 ولكن من دون اتفاق.

وفي مطلع 2024 سلّطت الأضواء على الإقليم لدى توقيعه «مذكرة تفاهم» مع إثيوبيا تتيح للأخيرة - التي لا تطل على البحر - باستئجار 20 كيلومتراً حول ميناء بربرة لمدة 50 سنة، ما يوفر لها إمكانية الوصول إلى البحر الأحمر ويؤمّن أغراضها البحرية والتجارية، مقابل الاعتراف باستقلال «أرض الصومال». ويومذاك رُفضت المذكّرة عربياً وتدخّلت تركيا بوساطة قادت لتجميد تنفيذ المذكرة حتى الآن.

ولكن في ديسمبر (كانون الأول) 2025، أصبحت إسرائيل أول دولة تعترف باستقلال «أرض الصومال»، بخلاف تسمية سفراء في أبريل (نيسان) الماضي. وعيّنت إسرائيل في الشهر نفسه مايكل لوتم أول سفير لها في الإقليم الانفصالي، وذلك بعدما أعلنت «أرض الصومال»، في فبراير (شباط) الماضي تعيين محمد حاجي سفيراً لها لدى إسرائيل.