98 % من الموصل خارج «احتلال داعش»

بينما تقترب المدينة العراقية من شفير صراع سياسي وعسكري

98 % من الموصل خارج «احتلال داعش»
TT

98 % من الموصل خارج «احتلال داعش»

98 % من الموصل خارج «احتلال داعش»

تخوض القوات المسلحة العراقية، منذ نحو ثمانية أشهر، معارك ضارية لتحرير مدينة الموصل التي سيطر عليها تنظيم داعش يوم 10 يونيو (حزيران) عام 2014، وبينما تمكنت القوات الأمنية العراقية حتى الآن من تحرير 98 في المائة من مساحة المدينة، يُبدي مسلحو «داعش» المحاصَرِين في بعض أحياء «المدينة القديمة» وسط الموصل مقاومة شرسة ضد القوات المهاجمة التي تسعى إلى حسم المعارك بنهاية رمضان الحالي.
مؤشرات الوضع الميداني للمعارك تشير إلى أن معركة «المدينة القديمة» التي تعد القوات الأمنية لاقتحامها قريباً ستكون معركة صعبة. ويؤكد المسؤولون الأمنيون العراقيون أن المواجهة المقبلة ستكون للسيطرة على الجامع النوري الكبير ومنارته التاريخية التي تقع وسط «المدينة القديمة»، وهو الجامع الذي أعلن منه «داعش»... «خلافته» المزعومة، على مساحات واسعة من أراضي العراق وسوريا. ويقول المسؤولون إن السيطرة على الجامع النوري تعني حسم عملية تحرير الموصل وانتهاء التنظيم المتطرف ميدانياً، لكن فكره المتطرف سيظل وفق آرائهم موجوداً، ويحتاج إلى أكثر من عملية عسكرية لاقتلاعه من الجذور.
لم يعد أمام القوات المسلحة العراقية سوى «المدينة القديمة» وسط الجانب الأيمن من مدينة الموصل، ثاني حواضر العراق وكبرى مدن شماله، لحسم عملية تحرير المدينة من «احتلال» داعش التي انطلقت في 17 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي. إلا أنه ما زال هناك أكثر من 100 ألف مدني محاصرين في المنطقة الخاضعة لاحتلال التنظيم. كذلك بلغت أعداد القتلى المدنيين منذ إطلاق عمليات التحرير وحتى الآن أكثر من 6000 شخص، قتل غالبيتهم مسلحو التنظيم بينما راح البقية منهم ضحية تبادل القصف والمعارك الدائرة في مدينتهم.
بعد استعادة القوات العراقية - المتمثلة بالشرطة الاتحادية والجيش العراقي وقوات جهاز مكافحة الإرهاب - السيطرة على غالبية مساحة الموصل، فإنها الآن تندفع باتجاه «المدينة القديمة» المحاصرة من ثلاث جهات هي الجنوبية والغربية والشمالية، بينما تسعى الشرطة الاتحادية التي تخوض معارك شرسة ضد مسلحي «داعش» في حيي باب سنجار والشفاء، إلى الوصول إلى الضفة الغربية لنهر دجلة لإحكام الحصار على «المدينة القديمة» من كل الجهات، والشروع باقتحامها لحسم المعركة.
مع هذا، يقر القادة الأمنيون بأن التقدم الميداني بطيء جدا، لعدة أسباب أبرزها عجز القوات العراقية عن استخدام ناقلات الجنود والمدّرعات والدبابات والأسلحة الثقيلة في العمليات. فالمعارك الدائرة فيما تبقى من أحياء الموصل مواجهات من منزل إلى منزل وزقاق إلى زقاق، تستخدم فيه الأسلحة الخفيفة والقنابل اليدوية والحراب في بعض الأحيان. ذلك أن بيوت الأحياء القديمة من الموصل متلاصقة وأزقتها ضيقة، فضلاً عن أحياء «المدينة القديمة» تتسم بكثافة سكانية عالية، وحسب إحصائيات الجهات الأمنية ما زال هناك أكثر من 100 ألف مدني محاصرين بين نيران داعش والقوات الأمنية، وسط ظروف إنسانية صعبة، وتتمثل في الجوع وانعدام الدواء ومياه الشرب وحليب الأطفال.
التنظيم المتطرّف يمنع المدنيين من الخروج من مناطق سيطرته مستخدماً إياهم دروعاً بشرية، ويحتجز كل عشر عوائل أو أكثر في منزل واحد يغلق عليهم الأبواب، كما يقتل يوميّاً العشرات من الذين يحاولون الخروج. العشرات من جثث المدنيين الذين قتلهم «داعش» تنتشر في شوارع حيي الشفاء وباب سنجار، بينما تفوح رائحة الجثث المتفسخة من كل مكان، ورغم فتح القوات العراقية عدة ممرّات آمنة لخروج المدنيين فإن قناصة «داعش» لا يتوانون عن قنص المدنيين الهاربين من المعارك والجوع.
* 500 داعشي يقاتلون
مسؤول إعلام قوات الشرطة الاتحادية العقيد عبد الرحمن الخزعلي أبلغ «الشرق الأوسط» خلال لقاء معه أن «المعارك تسير وفق الخطة المرسومة، حيث تتقدم وحدات من الشرطة الاتحادية في حي الشفاء بشمال المدينة القديمة بهدف السيطرة على ضفة نهر دجلة وإحكام الخناق على الجماعات الإرهابية في محيط الجامع النوري»، مشيراً إلى أن القوة الصاروخية التابعة للشرطة الاتحادية تواصل استهداف مقرات التنظيم ودفاعاته في جنوب «المدينة القديمة». وفي هذا السياق تشير معلومات القوات الأمنية العراقية إلى وجود أكثر من 500 مسلح من التنظيم «المدينة القديمة»، غالبيتهم من الانغماسيين (مسلحون يرتدون أحزمة ناسفة ينفذون هجمات على القوات المهاجمة ويشتبكون بشكل مباشر معها، ومن ثم يفجّرون أنفسهم)، إلا أن العقيد الخزعلي يحجم عن تحديد عدد مسلحي التنظيم، مفضّلاً القول: «نتوقع وجود بضعة مئات من الإرهابيين غالبيتهم العرب (غير العراقيين) والأجانب».
ويضيف أن «داعش» يعتمد في دفاعه على أسلحة القنص والمركبات المفخخة وتلغيم المباني ومفترقات الطرق والتحصن في المناطق المزدحمة بالمباني وفي الأزقة الضيقة.
هنا المدنيون المحاصرون داخل «المدينة القديمة» في الموصل يمثّلون العائق الأكبر أمام تقدّم القوات العراقية بسرعة، وحول هذا يشرح الخزعلي جهود القوات الأمنية في تحرير المحاصرين بالقول: «فتحنا أربعة ممرات رئيسية لخروج المدنيين من المدينة القديمة باتجاهاتها الأربع، ونحاول فتح ممرات أخرى. قوتنا تنقل المواطنين الهاربين من (داعش) ومن الحرب، الذين يصلون إلى خطوطنا الأمامية، بمركباتها العسكرية إلى الخطوط الخلفية، ومنها إلى مخيمات حمام العليل حيث ينهون التدقيق الأمني، ومن ثَم ينقلون إلى مخيمات جنوب الموصل وشرقها».
* مخاوف ما بعد التحرير
من ناحية ثانية، رغم سيطرة القوات العراقية على غالبية الأحياء والمناطق في جانبي الموصل الأيسر والأيمن، فإن أبناء المدينة ما زالوا يخشون من تدهور الأوضاع الأمنية مجدداً بعد التحرير. وهي مخاوف يرد عليها مسؤول إعلام الشرطة الاتحادية مطمئناً: «لقد كثفنا وجدنا الاستخباري في المناطق المحرّرة لمراقبة الخلايا النائمة المتوقعة للإرهابيين». ومع اقتراب المعركة من الحسم، تشتد ضراواتها يوم بعد يوم، وتطغى الطائرات المُسيّرة (الدرون) على الأسلحة الأخرى من حيث الاستخدام، فالقوات الأمنية باتت تستخدمها بكثافة لاستهداف قادة «داعش» ومسلحيه وقناصيه في الأحياء المكتظة بالسكان.
ومع أن المئات من المدنيين يخرجون يومياً عبر الممرّات الأمنية وغيرها من الطرق باتجاه الأحياء المحرّرة، فإن العشرات منهم فقط يصلون، إذ إن غالبيتهم أما يقعون في كمائن التنظيم المتطرف الذي يعدمهم فوراً، أو يقتلهم قنّاصته أو تنفجر بهم العبوات الناسفة التي فخّخ بها التنظيم الطرق والشوارع.
حول هذه الناحية يقول رضوان يونس، المواطن الموصلي الذي تمكن مع عائلته المكوّنة من تسعة أفراد من الخروج من «المدينة القديمة» لكنه أصيب مع اثنين من أطفاله بجروح نتيجة انفجار عبوة ناسفة بعائلة كانت تتقدمهم في السير: «خرجنا من منزلنا الثالثة فجراً بعدما علمنا أن مسلحي (داعش) غير موجودين في الشوارع. انتهزنا الفرصة... ولكن قبل الوصول إلى القوات الأمنية انفجرت بإحدى العوائل القريبة منا عبوة ناسفة، فقتل أفرادها جميعاً وأصبت أنا بشظية في قدمي كما أصيب اثنان من أطفالي بالشظايا أحدهما في رأسه والآخر في صدره... المهم أننا خرجنا من المناطق المحاصرة».
وروى رضوان بعد ذلك كيف كان التنظيم يُعدم كل من يعتقله أثناء محاولة الهروب «قتلوا قبل خروجنا من الحي بنحو عشرة أيام 40 رجلاً وشاباً بعدما ضبطوهم وهم يحاولون الهروب... أطلق مسلحو التنظيم على كل واحد منهم رصاصة في الرأس، وقالوا لنا نحن سكان الحي: (انظروا هذا جزاء كل من يخون (الدولة الإسلامية)».
ومن جهة ثانية، يوضح عبد الكريم العبيدي، المهندس العسكري في الجيش العراقي السابق وهو من مدينة الموصل٬ أن التقدم البطيء للقوات الأمنية في المعركة قد يؤدي إلى أن تستغرق عملية تحرير شهرين آخرين، ويردف لـ«الشرق الأوسط» في حوار معه: «نحن حذّرنا من البداية بأنه ستكون هناك كارثة بيئية وبشرية، وفعلا وقعت هذه الكارثة... لقد تجاوز عدد قتلى المدنيين منذ بدية انطلاق معركة الموصل في أكتوبر الماضي وحتى الآن 6000 شخص».
* تحذير من انهيار
ولا يخفي العبيدي مخاوفه من تدهور جديد للأوضاع في الموصل في مرحلة ما بعد التحرير، قائلاً: «نخشى من انهيار أمني قادم وعودة (داعش) باسم آخر وتحت قيادة جديدة... كما حدث من قبل مع (القاعدة) والمجاميع المسلحة الأخرى. هذا الانهيار قد يحدث في حال اكتمال التحرير وانسحاب القطعات العسكرية، وتسليم الملف الأمني للشرطة المحلية و(الحشود)، لأن هذه الحشود قوات غير مدرّبة، وغير قادرة على الإمساك بالأرض».
ويسلط العبيدي الضوء على أهم الأسباب التي يرى أنها ستُسهِم في الانهيار الأمني الجديد «مسلحو (داعش) اختلطوا بين المدنيين بهويّات مزورة، فالتنظيم كان يمتلك مطابع لكل شيء... مطابع هويات وجوازات سفر لجنسيات والكثير من المستمسكات، ونفذ عن طريق هذه المطابع عمليات تغيير الأسماء والوثائق لمسلحيه. واليوم كثيرون من مسلحيه طلقاء ومنتشرون في المناطق المحررة». ويلفت إلى أن كثرة من الناس يعرفونهم لكنهم يخشون من الذهاب إلى المحكمة للإبلاغ عنهم لأنهم يخافون انتقام المسلحين، ويضيف موضحاً: «السبب يكمن في انعدام ثقة المواطن الموصلي بالقضاة وبقسم من القطعات العسكرية و(الحشود الشعبية)، وفي الوقت ذاته يتمتع مسلحو (داعش) بالقدرة على دفع الرشى، والخروج من أي مشكلة يقعون فيها».
ويكشف العبيدي، الذي عمل لسنوات عدة ضابطاً سابقاً في الجيش، عن أسباب فقدان الثقة بين الموصلي والمؤسسات الأمنية والقضائية، فيقول: «كانت ستكون هناك ثقة لو كان أهل الموصل مساهمين في عملية التحرير بشكل يتناسب مع حجم المدينة، وكانت هناك مشاركة للمواطنين في مناصب الدولة العسكرية والمدنية، ولم تكن هناك قوانين كالمساءلة والعدالة واجتثاث البعث و(المادة 4 إرهاب)... لكن هذا لم يتحقق فتسبب بفقدان الثقة بين مختلف مكوّنات الشعب العراقي».
* البيشمركة و«الحشد»
وتزامناً مع معارك تحرير مركز الموصل، يشتد القتال بين ميليشيات «الحشد الشعبي» الشيعية ومسلحي «داعش» في القرى والبلدات التي تقع غرب الموصل والواقعة على الحدود العراقية السورية، إذ استطاع «الحشد الشعبي» بدعم من الحرس الثوري الإيراني من السيطرة على قضاءي الحضر والبعّاج، وبلدات القيروان والعدنانية والقحطانية، وكذلك السيطرة على الحدود بين العراق وسوريا... وفتح الطريق البرّي الرابط بين دمشق وطهران عبر الأراضي العراقية لنقل الجنود والأسلحة من إيران إلى الأراضي السورية دعماً لجيش نظام بشار الأسد. وفي المقابل، باتت مدينة سنجار وتوابعها على موعد مع حرب جديدة بين ميليشيا البيشمركة الكردية وميليشيات «الحشد» الشيعية التي بدأت خلال الشهرين الماضيين التوغل في القرى التابعة لقضاء سنجار، وشنّ قادتها هجمات إعلامية، وهدّدوا بأن الهدف من وجوهم في هذه المناطق هو قتال البيشمركة.
بدوره ندد مسعود بارزاني، رئيس إقليم كردستان العراق، خلال استقباله الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القيادة الوسطى للقوات الأميركية في مدينة أربيل يوم 6 يونيو الحالي بتحركات «الحشد الشعبي» غرب الموصل، وحذر ‏من مغبة أن تكون تلك التحركات التي ‏لوحظت في الفترة الأخيرة في غربي الموصل وجنوب سنجار، «محاولات لتنفيذ أجندات أخرى عدا الحرب ضد الإرهاب». وبيّن بارزاني أن من شأن هذا الأمر أن يؤدي إلى ظهور مشكلات كثيرة ستكون سبباً ‏في ضياع كل المكتسبات والانتصارات التي تحققت في الحرب ضد الإرهاب. وشدد بارزاني على «‏اختراق حدود كردستان وفرض إرادات أخرى على سكان هذه المناطق من قبل أي قوة كانت أمراً مرفوضاً لا يمكن القبول به». واعتبر أن التزام كل الأطراف بالاتفاقية الثلاثية بين الإقليم والولايات المتحدة الأميركية والحكومة العراقية كان شرطاً أساسياً لتنفيذ عمليات تحرير الموصل، ثم كشف عن أن «الاتفاقية كانت تنص على تشكيل قوة مشتركة بين قوات البيشمركة والجيش العراقي لتطهير جنوب سنجار وغرب تلعفر من الإرهابيين»، لافتاً إلى أن «الحشد الشعبي» استغل انشغال الجيش العراقي بمعركة الموصل، والتزام البيشمركة بالاتفاقية، وبدأ تحركاته بمفرده في هذه المناطق من دون أي تنسيق مع أي طرف كان، وهذا ما أدى إلى خلق هذه الظروف المعقدة.
واختتم بارزاني قائلاً: «ما تشهده هذه المنطقة حالياً يؤكد على أن القلق والتخوف الذي أبداه إقليم كردستان حول عدم وجود اتفاق سياسي وإداري مسبق كان في محله».
بدوره، قال كفاح محمود، المستشار الإعلامي في مكتب رئيس الإقليم، لـ«الشرق الأوسط» عندما التقيناه: «قبل انطلاق عمليات تحرير الموصل، كان إقليم كردستان يؤكد دائماً على ضرورة وضع خطط عسكرية وسياسية وإدارية لمرحلة ما بعد (داعش) في الموصل، بسبب توقعاته المؤشرة لحدوث مشكلات جديدة. لكن مع الأسف الامتناع عن وضع هذه الخطط قد يقود المنطقة إلى نوع آخر من الصراعات، وهذا ما يخشاه الجميع. فبالتأكيد، سنفقد ما حققناه من مكاسب على مستوى العراق في محاربة الإرهاب»، مشيراً إلى أن هناك مؤشراً غير مريح من انتشار «الحشد الشعبي»، الذي يقع خارج الاتفاق والتنسيق.
* أقليات وبنى تحتية
على صعيد آخر، مَن يتجول اليوم في محيط مدينة الموصل، خصوصا مناطق سهل نينوى وسنجار (وهي موطن عدد من الأقليات الدينية في الشرق الأوسط)، وأيضاً في الجانب الأيمن للمدينة قد يظن نفسه وسط مدينة منكوبة. مدينة كتلك المدن التي دُمرت بالكامل خلال الحرب العالمية الثانية. الأبنية مدمرة وفي كان مكان حفر عميقة أحدثها انفجار العبوات الناسفة والقصف الجوي والمدفعي وقذائف الهواوين، وملايين الأطنان من الأنقاض تنتشر بين هذا الحي وذاك.
هنا البنى التحتية مدمرة بالكامل، وسط انعدام في الخدمات الرئيسة كالماء والكهرباء والخدمات البلدية. وهذا الوضع، حسب الجهات الحكومية المسؤولة، يحتاج إلى ملايين الدولارات لكي تُعمر وتعود كما كانت. وتشير إحصائيات دقيقة إلى أن عدد المباني والمنازل التي دُمرت حتى الآن جراء الحرب في الجانب الأيمن يبلغ أكثر من 150 ألف منزل ومبنى، بينما تؤكد المنظمات الغير الحكومية المحلية العاملة في هذه المناطق أنه لا وجود لأي خطط من جانب الحكومة العراقية حتى الآن للنهوض بالمدينة وإعادة إعمارها.
ومن جانبهم، يؤكد الناشطون المدنيّون من أبناء الموصل أن مدينتهم لا تحتاج إلى إعادة بناء فحسب، بل هناك حاجة ماسّة إلى «إعادة بناء الفرد» الموصلي الذي تعرّض على مدى السنوات الثلاث الماضية من احتلال «داعش» للمدينة إلى شتى أنواع العنف الجسدي والفكري، كما نفّذ التنظيم المتطرف عمليات غسل الأدمغة على مئات الآلاف من الأطفال والشباب الذين - وفق ما يقال - ما لم يُعالَجوا من الناحية النفسية سيكونون جيشاً متطرفاً في المدينة خلال السنوات المقبلة.
في غضون ذلك، يؤكد عبد الكريم الكيلاني، مسؤول إعلام مجلس محافظة نينوى، لـ«الشرق الأوسط» أن مجلس محافظة نينوى وضع خطة لإعادة إعمار المدينة بعد انتهاء الحرب، ويوضح: «أقرّ مجلس محافظة نينوى الخطة الخمسية التي وضعت لإعادة الإعمار في نينوى، إضافة إلى إقرارها لتقرير عملية التقصّي حول التصدّي لفكر (داعش)، وهاتان الخطتان تشتملان على ما يجب التركيز عليه في عملية إعادة الاستقرار وإعادة الإعمار».
ويشير الكيلاني إلى أن رئاسة مجلس محافظة نينوى عملت منذ الساعات الأولى بعد احتلال «داعش» للموصل على دعم وتأسيس فريق «مجلس السلام في نينوى»، وهي لجنة شبابية لتوثيق جرائم «داعش»، إضافة إلى تأسيس «شبكة صانعات السلام» وكثير من الفعاليات المتعلّقة بهذا الخصوص.
ويجزم الكيلاني بالقول: «المعوّقات التي تعرقل عمل الدوائر الخدمية في المناطق المحرّرة هي عدم صرف مستحقات نينوى من الميزانية الاتحادية للسنوات 2014/ 2015/ 2016، أما 2017 فلم تُصرف منها سوى ما يقارب 7 في المائة»، مبيناً أن ‎بخل الوزارات في صرف الميزانية التشغيلية للدوائر الخدمية، يؤثّر سلباً على إعادة الخدمات في نينوى، خصوصاً أن نسبة الدمار في نينوى يبلغ حتى الآن نحو 60 في المائة».
وهكذا، بعد ثلاث سنوات من سيطرة «داعش» على المدينة، ها هي الموصل اليوم مدينة منكوبة من كل الجوانب، وباتت على موعد مع نوع جديد من الصراعات السياسية والعسكرية بين الأطراف المتنازعة على المدينة في ظل انعدام التوافق السياسي بين هذه الأطراف.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.