خبير أميركي: عدم إنزال قوات لـ«الناتو» في ليبيا عقب إسقاط القذافي أسهم في إرباك الوضع لاحقا

كريس شيفيس أكد لـ«الشرق الأوسط» أن القانون والنظام مختلان في وجود الميليشيات.. وأن لا سيادة للدولة

خبير أميركي: عدم إنزال قوات لـ«الناتو» في ليبيا عقب إسقاط القذافي أسهم في إرباك الوضع لاحقا
TT

خبير أميركي: عدم إنزال قوات لـ«الناتو» في ليبيا عقب إسقاط القذافي أسهم في إرباك الوضع لاحقا

خبير أميركي: عدم إنزال قوات لـ«الناتو» في ليبيا عقب إسقاط القذافي أسهم في إرباك الوضع لاحقا

* ليبيا يمكن أن تكون مثل مصر أو السودان أو اليمن أو سوريا.. أو دولة مستقرة وديمقراطية
* سوريا معارضتها منقسمة وجيشها أقوى وتنظيم القاعدة فيها أنشط وتحميها روسيا والصين.. على عكس الحال في ليبيا
* خطف زيدان يدل على خطورة الأزمة الراهنة.. ويبدو أنه رد على خطف أميركا أبو أنس الليبي
* عمليات مثل عملية أبو أنس ستتكرر لحين تصبح ليبيا دولة ذات سيادة.. والسيادة تبنى ولا تمنح

قال الدكتور كريس شيفيس، الخبير الأميركي المتخصص في الشأن الليبي، إن عدم إنزال قوات أميركية وأوروبية في ليبيا، خلال الإطاحة بنظام الرئيس السابق معمر القذافي، صعب على الليبيين حكم أنفسهم. ومع تأكيد أنه لا يقصد احتلالا على طريقة احتلال العراق، قال إن «قوات عسكرية قليلة» مع «مستشارين مدنيين» خلال «فترة قصيرة»، كانوا سيساعدون الحكومة الليبية (بعد القذافي) على تحاشي كثير من المشاكل التي تواجهها حاليا، من قبيل الميليشيات وقلة الخبرة الديمقراطية.
شيفيس هو كبير الخبراء السياسيين في مؤسسة «راند»، وأيضا محاضر متعاون في مدرسة الدراسات الدولية العليا (إس إي إي إس) التابعة لجامعة جونز هوبكنز. وقبل ذلك، عمل في مكتب وزير الدفاع الأميركي، وكان محاضرا في المعهد الفرنسي للعلاقات الدولية بباريس، وفي المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية ببرلين. ومتخصص بالشؤون الأوروبية و«الناتو» والتدخلات العسكرية. وقريبا، سيصدر شيفيس كتابا بعنوان «توبلينغ قذافي (الإطاحة بالقذافي): ليبيا وحدود التدخل الليبرالي».
وفيما يلي نص الحوار..
* لتكن البداية من بنغازي.. أخيرا، قال أحد قادة «الحزب الجمهوري» في الكونغرس إنه سيسافر إلى ليبيا لإجراء تحقيقات حول الهجوم على القنصلية الأميركية في بنغازي عام 2012 الذي تسبب في قتل السفير الأميركي لدى ليبيا وثلاثة من زملائه.. هل ترى أن الجمهوريين يتشددون أكثر مما يجب في تحميل الرئيس باراك أوباما مسؤولية الهجوم؟
- لا أريد الدخول في نقاش بين الديمقراطيين والجمهوريين. فقط أقول إن لجنة مستقلة حققت في الموضوع وأعلنت توصياتها، وإن هيلاري كلينتون، وزيرة الخارجية السابقة، أعلنت أنها تتحمل مسؤولية الأخطاء التي حدثت في بنغازي، وإن وزارة الخارجية تقوم بتنفيذ خطة لحماية السفارات الأميركية في الخارج.

* هل يمكن حماية السفارات الأميركية في الخارج من «الإرهابيين» بصورة كاملة؟ ألم تتحول بعض السفارات الأميركية إلى ما يشبه القلاع العسكرية؟
- لا، ونعم.. لا يوجد شيء اسمه الحماية المطلقة. ونعم، لا بد من الموازنة بين أمن السفارة وأنشطتها. لا بد أن يقدر أي سفير - والعاملون معه - على التواصل مع المسؤولين والمواطنين في الدولة التي يعمل فيها. ويجب ألا يتغلب أمن السفارة على نشاطاتها.

* أليست المشكلة الحقيقية هي تغلب الأمن على الحرية، على رسالة الحرية الأميركية التي يجب أن تنشرها هذه السفارات، لا على الخوف من «الإرهابيين»؟
- أفضل ألا أتحدث عن هذا الموضوع.

* ننتقل إلى زاوية أخرى.. تدخلت أميركا في ليبيا وساعدت على إسقاط الرئيس معمر القذافي، لماذا لا تتدخل في سوريا لإسقاط الرئيس بشار الأسد؟
- أولا: سوريا أقوى من ليبيا عسكريا.. لم تكن ليبيا تملك صواريخ «سام» وأسلحة كيماوية وسلاح طيران قويا. ثانيا: سوريا أبعد عن أوروبا من ليبيا، التي يفصلها فقط البحر الأبيض المتوسط عن إيطاليا وفرنسا. ثالثا: لم تتحمس روسيا والصين للتدخل في ليبيا، لكنهما مصممتان على عدم التدخل في سوريا. رابعا: صحيح أن المعارضة بدأت في ليبيا من الشرق ثم انتقلت إلى الغرب، لكنها لم تكن مقسمة مثل المعارضة في سوريا اليوم. خامسا: صحيح كان هناك إسلاميون وسط المعارضين، لكن لم يكن وسطهم تنظيم القاعدة و«جبهة النصرة» وأنصار الخلافة الإسلامية.

* أخيرا، كتبت رأيا عن ليبيا عنوانه «داونوورد سبايرال» (سقوط حلزوني، لولبي). هل هذا أحسن أو أسوأ من السقوط المباشر؟
- الوضع في ليبيا معقد. ولم يسر مثلما توقعنا بعد سقوط القذافي. والمشكلة الأساسية هي القانون والنظام. وخاصة استمرار وجود الميليشيات التي ساهمت في إسقاط القذافي. نعم، المشكلة أكبر في الشرق، ببنغازي، لكنها موجودة أيضا في الغرب بطرابلس. وطبعا، يؤثر عدم الاستقرار الأمني على الاستقرار السياسي والاقتصادي.

* ما رأيك في خطف رئيس الوزراء الليبي علي زيدان؟ لماذا خطف؟ وما نتائج ذلك؟
- يدل خطف زيدان على خطورة الأزمة التي تواجهها ليبيا في الوقت الحاضر. ويبدو أن خطف زيدان من نتائج الخطف الأميركي للإرهابي أبو أنس الليبي. وأنا أعرف أن بعض الليبيين ينظرون إلى العملية الأميركية على أنها تعد على سيادة ليبيا. لكن الحقيقة أنه لا توجد سيادة ليبية في الوقت الحالي؛ حتى توافق الميليشيات المسلحة على تسليم أسلحتها إلى الحكومة، وتسلمها فعلا. وحتى تبدأ المشاركة السلمية في العملية السياسية. حتى يحدث ذلك، لن تكون ليبيا دولة ذات سيادة. وحتى يحدث ذلك، ستظل ليبيا معرضة لمزيد من مثل هذه الأحداث.

* لماذا يحدث هذا وسط الميليشيات التي لعبت دورا مهما في إسقاط القذافي؟ لماذا لم تنضم إلى القوات النظامية؟ ومن هم؟ وما تقسيماتهم، وما آيديولوجياتها؟
- يوجد كثير من الجماعات المسلحة في ليبيا، وصار الآن واضحا فشل الحكومة في نزع سلاح الميليشيات وتسريحها بعد انتهاء الحرب. والسبب هو الضعف المتأصل في الحكومة. وسبب هذا الضعف يعود إلى نقطتين، أولا أن الحكومة غير منتخبة، وثانيا أن الحكومة رفضت المساعدة الخارجية. ورأيي هو أن أغلبية - إن لم يكن كل - الميليشيات تفضل نزع السلاح والانضمام إلى العملية السياسية، لكن كل مجموعة تخاف من أن تكون أول من يفعل ذلك.
أما عن آيديولوجيات الميليشيات، فقد صار هناك تباين بين كل الأطياف.. بعضها أكثر اعتدالا، وبعضها أكثر أصولية. وترتبط مجموعة صغيرة بالجهاديين؛ بما في ذلك تنظيم «القاعدة في المغرب الإسلامي». ويجب أن نأمل ألا يصبح هؤلاء الأكبر والأقوى.
* بعد الحرب الدامية - ولكن الناجحة - للتخلص من القذافي، لماذا يبدو أن الليبيين غير قادرين على حكم أنفسهم؟
- ليس الذنب ذنب الليبيين بمعنى محدد، فالمشكلة هيكلية. المشكلة هي الفشل في إرساء قواعد الأمن في فترة مبكرة بعد انهيار نظام القذافي. من دون الأمن، يستحيل المضي قدما في اتخاذ الخطوات الأخرى، بما في ذلك إنشاء نظام سياسي قانوني وعادل.

* هل يمكن للولايات المتحدة وأوروبا والأمم المتحدة مساعدة حكومة ليبيا؟
- يوجد كثير من الأشياء التي يمكن القيام بها. بادئ ذي بدء، يقدرون على مساعدة حكومة ليبيا لبناء قوات أمن موثوق بها. ولتأسيس القانون والنظام. لكن، توجد هنا نقطتان مهمتان، أن هذا سيستغرق وقتا طويلا، وأنه لا بد من وضع مصالح كل الليبيين في الاعتبار. وفي نفس الوقت، يقدر الشركاء الأجانب على مساعدة ليبيا في تحقيق المصالحة، وفي نزع السلاح من الميليشيات.

* هل سبب المشاكل الرئيس كان أخطاء الحلفاء عندما ساعدوا المعارضة على إسقاط القذافي؟ ماذا كان يجب أن يفعل الحلفاء في ذلك الوقت لتحاشي المشاكل الحالية؟
- رأيي، هو أنه كان ينبغي أن توجد قوات عسكرية لحفظ السلام بعد إسقاط القذافي. كان ينبغي أن تكون قوات صغيرة، وذلك لأن الشيء الأخير الذي كانت ليبيا في حاجة له آنذاك كان احتلالا مثل احتلال العراق. ومع ذلك، كانت قوة دولية صغيرة يمكن أن تقوم بكثير من الإنجازات لتفادي الأزمة الحالية.
لكن، لسوء الحظ حدث أمران.. ترددت حكومة ليبيا في قبول مثل هذه الفرقة العسكرية، كما لم تكن القوات الحليفة ترغب في تقديم هذه الفرقة العسكرية.

* ما رأيك في العملية الأميركية الخاصة بخطف أبو أنس الليبي، ألم تكن تعديا على سيادة ليبيا؟ ألم يعقد ذلك العلاقة الأميركية مع ليبيا؟ ألن يعرقل قدرة الولايات المتحدة على مساعدة حكومة ليبيا؟
- كما قلت سابقا، ليست ليبيا دولة ذات سيادة؛ حتى الآن.. إنه من التضليل اعتقاد أنها ذات سيادة، فالسيادة تبنى ولا تمنح. من نزع سيادة ليبيا؟ إنها الجماعات المسلحة التي تتصرف تصرفات مستقلة عن العملية السياسية الليبية. وأعتقد أن الشعب الليبي صار يفهم هذه الحقيقة المهمة.
ليس هناك من شك في أن القبض على أبو أنس الليبي سوف يعقد العلاقات بين الولايات المتحدة وليبيا. في الجانب الآخر، ليس هناك شك في أن الولايات المتحدة سوف تفعل ذلك مرة أخرى إذا وجدت حاجة لذلك، حتى تصبح ليبيا دولة ذات سيادة.. وليس هناك بديل لهذا.

* خلال الفترة الأخيرة، نقلت الأخبار صور ضحايا الهجرة غير القانونية من جانب عرب وأفارقة للوصول إلى أوروبا عبر البحر المتوسط من ليبيا. ألا يمكن أن يزيد ذلك مع مزيد من الفوضى في ليبيا؟ وهل يقدر الغرب على المساعدة في وقف ذلك؟
- تشير المآسي التي شهدناها في الأسابيع الأخيرة بمنطقة البحر المتوسط إلى مدى أهمية ليبيا بالنسبة إلى أوروبا. لهذا، يتعين على الاتحاد الأوروبي اتخاذ خطوات جادة لتحسين الوضع في ليبيا، ومنها تقديم مساعدة تكنولوجية، وتسهيل عملية المصالحة الوطنية داخل ليبيا على غرار آيرلندا الشمالية، وتدريب الشرطة والقضاء الليبيين.. لكن في كل الأحوال، لا بد من تحسين الوضع الأمني أولا.

* ستصدر قريبا كتاب «توبلنغ قذافي» (الإطاحة بالقذافي: ليبيا وحدود التدخل الليبرالي). ما خلاصة الكتاب؟
- حجتي في إسقاط القذافي، هي أن التدخل العسكري لحلف الناتو كان ناجحا لأنه ساعد الليبيين في الحصول على حريتهم، مع إنقاذ كثير من أرواح المدنيين. وحجتي بعد إسقاط القذافي، هي أن حلف الناتو كان يجب أن يفعل ما هو أكثر بعد الحرب لمساعدة حكومة ليبيا، كما شرحت لك سابقا.

* لماذا تهتم بليبيا؟ هل زرتها؟ وما انطباعاتك العامة عن الليبيين وهل تعتقد أنهم قادرون على التوجه نحو الديمقراطية؟
- ليبيا جزء من نطاق عملنا في مؤسسة «راند».. لكن - أسفا - من الصعب أن نذهب إلى هناك بقدر ما نود، وذلك بسبب المخاطر الأمنية والتكلفة. والليبيون الذين قابلتهم طيبون جدا ويرحبون بالأميركيين. وأما عن سؤالك إذا كان الليبيون يقدرون على الديمقراطية، أقول إنه ليس هناك شك في أنهم يقدرون على تأسيس نظام سياسي ديمقراطي، على شرط أن يلقوا أسلحتهم، ويناقشوا مستقبل بلادهم بحسن نية، وبعقول منفتحة.

* وإذا لم يفعلوا؟
- يوجد خطر حقيقي بأن ليبيا قد تعود مرة أخرى إلى حرب أهلية.

* وأخيرا، ما سيناريوهاتك بالنسبة لمستقبل ليبيا؛ هل هو مثل «تفكك» الصومال، أو مثل «تقسيم» السودان، أو مثل اليمن «أرضا للقاعدة»، أو مثل قيادة الجيش في مصر، أو حرب أهلية على غرار سوريا؟
- إذا عادت ليبيا إلى الحرب الأهلية، يمكن أن تكون مثل سوريا، أو الصومال أو اليمن. ويمكن أن يكون هذا سبب لقدوم حاكم ديكتاتوري آخر. لا أعتقد أن ليبيا ستقسم، رغم أنني أعتقد أن الدولة الليبية في المستقبل ينبغي أن تكون لا مركزية بشكل كبير. مع كل هذا، آمل أن تصبح ليبيا دولة موحدة، إسلامية معتدلة، تتعاون مع جيرانها في أوروبا.. وإلا فستكون دولة مشاكل أبدية.



حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
TT

حكومة الزنداني تؤدي اليمين وفي انتظارها ملفات مثقلة بالتحديات

وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)
وزراء حكومة الزنداني مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي بعد أدائهم اليمين (سبأ)

في مراسم بروتوكولية رسمية احتضنها مقر السفارة اليمنية في العاصمة السعودية الرياض، أدت الحكومة اليمنية الجديدة، برئاسة الدكتور شائع محسن الزنداني، الاثنين، اليمين الدستورية أمام رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، إيذاناً ببدء مهامها المثقلة بالتحديات المتشابكة أمنياً واقتصادياً وخدمياً.

وجاءت مراسم أداء اليمين تتويجاً لمسار مشاورات سياسية معقدة استغرقت نحو 3 أسابيع، عقب تكليف العليمي الزندانيَّ تشكيل الحكومة، وسط تجاذبات بين القوى السياسية والمكونات المنضوية في إطار مجلس القيادة الرئاسي.

واعتمد التشكيل الحكومي الجديد على معادلة «التوازنات الدقيقة»، التي فرضتها تعقيدات الواقع اليمني، حيث ضمت الحكومة 35 وزيراً، توزعوا وفق حسابات المحاصصة المناطقية والتمثيل السياسي. وسجلت المحافظات الجنوبية حضوراً لافتاً بـ20 حقيبة وزارية، مقابل 15 حقيبة للمحافظات الشمالية، في توزيع يعكس التحولات السياسية والواقع الميداني القائم.

رئيس الحكومة اليمنية شائع الزنداني يؤدي اليمين الدستورية (سبأ)

وبرزت محافظة حضرموت بوصفها ثقلاً اقتصادياً وجغرافياً مؤثراً في التشكيل، بحصولها على 6 حقائب وزارية؛ مما يعكس الرهان على دورها المحوري في دعم الاستقرار الاقتصادي والمالي خلال المرحلة المقبلة.

وعلى الصعيد السياسي، حافظت الحكومة على إشراك مختلف القوى الممثلة في مجلس القيادة الرئاسي، بمن فيهم محسوبون على المجلس الانتقالي الجنوبي المنحل، في مسعى لتعزيز وحدة القرار وتخفيف حدة الاستقطاب داخل معسكر الشرعية.

وفي حين ضم التشكيل 8 وزراء دولة، فإنه سجل حضوراً نسوياً بتكليف 3 نساء حقائب؛ هي: الشؤون القانونية، والتخطيط والتعاون الدولي، وشؤون المرأة، في خطوة لاقت ترحيباً محلياً ودولياً، بوصفها مؤشراً على التزام الحكومة تعزيز الحكم الشامل.

تحديات الداخل

وضمن مشهد التعقيدات والتوازنات التي واجهت التشكيل الحكومي، احتفظ رئيس الوزراء شائع الزنداني بحقيبة الخارجية وشؤون المغتربين، في محاولة لضمان استمرارية التحرك الدبلوماسي اليمني والحفاظ على زخم التواصل مع المجتمع الدولي والشركاء الإقليميين.

وفي حين غاب عن مراسم أداء اليمين وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وهو محسوب على «التنظيم الوحدوي الشعبي الناصري»؛ لأسباب غير معلنة، يرى مراقبون أن التحدي الأول أمام الحكومة يتمثل في ضرورة مباشرة مهامها من الداخل، في ظل مطالب شعبية متصاعدة بعودة مؤسسات الدولة إلى عدن وتفعيل حضورها على الأرض.

الحكومة اليمنية الجديدة ضمت 3 حقائب للنساء بعد سنوات من التهميش (سبأ)

وتواجه حكومة الزنداني تركة ثقيلة من الأزمات المتراكمة، يتصدرها الملف الاقتصادي، في ظل تدهور سعر الصرف، وتوقف تصدير النفط، وتراجع الإيرادات العامة، إضافة إلى أزمات الخدمات الأساسية، وعلى رأسها الكهرباء والمياه، التي باتت تمس الحياة اليومية للمواطنين.

ولا يقل الملف الأمني أهمية؛ إذ تتطلع الأوساط السياسية إلى توحيد الأجهزة العسكرية والأمنية تحت مظلتَيْ وزارتَيْ الدفاع والداخلية، بما يعزز الاستقرار ويحد من مظاهر الانفلات والتعددية الأمنية.

وتُوصف حكومة الزنداني بأنها «حكومة الفرصة الأخيرة» لوقف التدهور المعيشي، في ظل آمال معلقة على انتقالها من سياسة إدارة الأزمات إلى معالجتها جذرياً، وهو ما يتطلب انسجاماً سياسياً داخلياً ودعماً إقليمياً ودولياً مستداماً.

ترحيب دولي

وفي هذا السياق، رحب المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، بتشكيل الحكومة اليمنية الجديدة برئاسة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مشيراً إلى أن هذا التطور يأتي في وقت تشتد فيه الحاجة إلى بذل جهود متجددة للنهوض بعملية سياسية شاملة بقيادة اليمنيين، ولمعالجة التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي تواجه اليمن، والاستجابة لأولويات الشعب اليمني.

كما رحب المبعوث الخاص غروندبرغ أيضاً بعودة النساء إلى مجلس الوزراء اليمني، بوصفها خطوة مهمة نحو تعزيز الحكم الشامل ودعم عملية صنع القرار.

وقال المبعوث الأممي في بيان: «من المهم أن يُسمح للحكومة المشكّلة حديثاً بأداء عملها في بيئة بنّاءة لتحقيق الاستقرار، وتخفيف معاناة الشعب اليمني، والمساعدة في تهيئة الظروف المواتية لسلام دائم».

وأفاد غروندبرغ بأنه سيواصل انخراطه مع الأطراف اليمنية والإقليمية لدعم الجهود الرامية إلى تعزيز الحوار وخفض التصعيد.

من جهتها، هنأت السفارة الأميركية لدى اليمن بتشكيل الحكومة الجديدة، وقالت في بيان إن «هذا التحول يعدّ فرصةً سانحة لتعزيز الاستقرار وتثبيت دعائم الحوكمة الفاعلة».

وأكد البيان تطلع واشنطن للتعاون مع حكومة ذات كفاءة وشاملة للتنوع الجغرافي، تُشرك النساء والشباب بفاعلية، بوصفهم عنصراً أساسياً في بناء الدولة وتلبية احتياجات المجتمع.

وأضاف: «أصبح الفرق بين نهج الدولة الذي تمثله الحكومة وبين جماعة الحوثي الإرهابية واضحاً تماماً اليوم. نجدد تأكيدنا على الوقوف بجانب الشعب اليمني في سعيه نحو غد أكثر أمناً وازدهاراً».

من جانبه، رحب «الاتحاد الأوروبي» بإعلان تشكيل الحكومة اليمنية الجديدة في خطوة نحو العمل على استقرار الوضع وتحسين تقديم الخدمات والمضي في الإصلاحات المطلوبة، وقال في تغريدة على منصة «إكس»: «يُعدّ (إشمال) المرأة وشخصيات شابة عنصراً أساسياً يظهر الالتزام الواضح بالشمول والتنوع».

في السياق نفسه، أكدت السفيرة البريطانية لدى اليمن، عبدَة شريف، التزام لندن الراسخ العمل مع الحكومة اليمنية لتعزيز الأمن والاستقرار والازدهار للشعب اليمني. كما رحبت بـ«شدة» بتقلد كفاءات نسائية مناصب وزارية رفيعة؛ وقالت إن «الحكومة الشاملة هي الركيزة الأساسية لسلام واستقرار مستدام».

Cannot check text—confirm privacy policy first


الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
TT

الحوثيون حوّلوا رمضان المبارك ضيفاً ثقيلاً على اليمنيين

مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)
مشاهد الفقر والكساد تطغى على الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين قبيل حلول رمضان المبارك (إعلام محلي)

في واقعٍ مثقل بالفقر والعوز، يستقبل ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية شهر رمضان هذا العام وهم عاجزون عن توفير أبسط متطلبات هذه المناسبة الدينية، التي لطالما تميزت بطقوسها الخاصة ومأكولاتها المتنوعة.

وحوّل الحوثيون رمضانَ ضيفاً ثقيلاً على غالبية الأسر، في ظل انعدام الأمن الغذائي، وتوقف المرتبات، وغياب المساعدات الإنسانية التي كانت تمثل شريان حياة لملايين السكان.

وتفاقمت هذه المعاناة مع مغادرة عدد من منظمات الأمم المتحدة المناطق الخاضعة لسيطرة الحوثيين، وتوقف برامجها الإغاثية، عقب مداهمة الجماعة مكاتبها واعتقال العشرات من العاملين فيها. ووفق تقديرات منظمات إغاثية، فإن نحو 13 مليون شخص في تلك المناطق يعيشون اليوم على حافة الجوع، في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية التي يشهدها اليمن منذ سنوات.

الحوثيون متهمون برعاية الانفلات الأمني في إب لمنع أي انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

عبد الرحمن، وهو موظف في شركة محلية بمحافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء)، يصف لـ«الشرق الأوسط» الأوضاع؛ قبل أيام من دخول شهر رمضان المبارك، بأنها «مأساوية بكل المقاييس». ويؤكد أن الغالبية المطلقة من سكان المحافظة باتت عاجزة عن توفير الاحتياجات الغذائية الأساسية، واضطرت إلى تقليص عدد الوجبات اليومية إلى الحد الأدنى.

ويعزو عبد الرحمن هذا الوضع إلى «قطع الحوثيين مرتبات عشرات آلاف الموظفين منذ 8 أعوام، إضافة إلى توقف الأنشطة الاقتصادية وشلل سوق العمل، إلى جانب انقطاع المساعدات الإنسانية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة خلال السنوات الماضية». ويقول إن «البؤس يعلو وجوه المتسوقين في أسواق عاصمة المحافظة، في مشهد يناقض تماماً أجواء الفرح التي اعتادها اليمنيون مع قدوم رمضان».

أسواق خالية

ولا تختلف الحال كثيراً في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء، حيث أعلنت الجماعة الحوثية قبل أيام صرف نصف راتب عن نهاية العام الماضي لبعض الموظفين العموميين، وبواقع نحو 50 دولاراً فقط، بمناسبة حلول الشهر الفضيل. إلا إن هذا المبلغ، وفق شكاوى الموظفين، لا يغطي حتى جزءاً يسيراً من متطلبات المعيشة.

وتبدو أسواق صنعاء خالية من الزحام المعتاد الذي كانت تشهده في مثل هذه الأيام من كل عام؛ إذ انعكست حالة الفقر والعوز على القدرة الشرائية للسكان، ودفع ذلك بهم إلى الاكتفاء بشراء الضرورات القصوى، في ظل ارتفاع الأسعار وتراجع الدخل إلى مستويات غير مسبوقة.

منصور، وهو معلم يقيم في صنعاء، يقول إنه تسلم نصف راتب، لكنه لا يكفي حتى لتسديد إيجار المنزل. ويضيف في حديثه لـ«الشرق الأوسط»: «الحديث عن شراء احتياجات رمضان أصبح نوعاً من الترف لا يعرفه إلا القليل من الميسورين. نحن وغالبية الناس نبحث فقط عما يسد جوعنا وجوع أطفالنا».

ملايين اليمنيين في مناطق سيطرة الحوثيين يعانون انعدام الأمن الغذائي (إعلام محلي)

ويشير منصور إلى أن «المساعدات الغذائية التي كانت تقدمها الأمم المتحدة والمنظمات الدولية خلال الأعوام الماضية، كانت توفر الحد الأدنى من الأمن الغذائي لكثير من الأسر، وتمنحها فرصة شراء بعض متطلبات رمضان، بما فيها الحلويات التقليدية».

ازدياد الفقراء

ومع انقطاع هذه المساعدات الأممية بشكل كامل، انضم آلاف الأسر إلى قوائم الفقراء الباحثين عمّا يسد رمقهم، فيما باتت أسر أخرى تعيش على الخبز والشاي، أو اضطرت إلى التسول في الشوارع وأمام المطاعم ومحال البقالة.

وفي سياق متصل، شكا الصحافي حسن الوريث، الذي كان في السابق من مؤيدي الحوثيين، من تعرضه لمضايقات وضغوط متواصلة بسبب مواقفه المنتقدة للفساد. واتهم جهات نافذة بالسعي إلى إسكاته ومنعه من أداء دوره المهني، مشيراً إلى أن تلك الضغوط تنوعت بين التهديد المباشر، والإقصاء، ومحاربته في مصدر رزقه.

وأكد الوريث عزمه على الاستمرار في الكشف عن الفساد، محذراً من انهيار شامل في حال عدم التصدي لما وصفها بـ«منظومة الفساد ومراكز النفوذ»، داعياً إلى «حماية الصحافيين والإعلاميين في مناطق سيطرة الحوثيين الذين يؤدون واجبهم المهني بصدق، رغم المخاطر».

Cannot check text—confirm privacy policy first


إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
TT

إهمال حوثي يهدد حياة السكان في صنعاء

شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)
شارع في صنعاء تغمره مياه المجاري جراء انسداد شبكة التصريف (الشرق الأوسط)

تعيش العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء، ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، على وقع تدهور خِدمي متسارع يُهدد حياة السكان بشكل مباشر، مع تفاقم أخطار أعمدة الكهرباء المُتهالكة، واستمرار طفح مياه الصرف الصحي في الأحياء السكنية، في مشهد يعكس حجم الإهمال المزمن وتقاعس الجهات المعنية عن القيام بأبسط واجباتها تجاه السلامة العامة، خصوصاً مع اقتراب شهر رمضان.

مصادر محلية مُطلعة كشفت، لـ«الشرق الأوسط»، عن وجود مئات من أعمدة الكهرباء الخشبية المتهالكة في صنعاء وضواحيها، يعود تركيب بعضها إلى عقود مضت، وهي، اليوم، مائلة أو متشققة القواعد، وتتدلى منها أسلاك مكشوفة، ما يُشكل تهديداً مباشراً للمارّة، ولا سيما الأطفال وطلبة المدارس، في ظل غياب أي أعمال صيانة أو استبدال حقيقية.

وأوضحت المصادر أن معظم هذه الأعمدة تُستخدم حالياً في شبكات توزيع الكهرباء التجارية، في ظل الانقطاع شبه الكامل للكهرباء الحكومية منذ سنوات، ما أدى إلى زيادة الأحمال الكهربائية بصورة تفوق قدرتها على التحمل، وسط تمديدات عشوائية وأسلاك مُتشابكة تُنذر بكوارث وشيكة.

عمود كهرباء سقط في حي بصنعاء وسارع السكان إلى إعادة إصلاحه (الشرق الأوسط)

ورغم البلاغات المتكررة التي تقدَّم بها مواطنون للسلطات الحوثية، فإن الجماعة، وفق المصادر، تُواصل تجاهلها المتعمد لهذه الشكاوى، مكتفية بطلب تبرعات من السكان لإجراء إصلاحات محدودة، دون أي تحرك رسمي لمعالجة الخطر أو وضع حلول إسعافية تقلل حجم المخاطر.

يقول أحمد الهمداني، وهو صاحب محل تجاري في حي التحرير، إن سقوط أي عمود كهرباء بات «مسألة وقت لا أكثر»، مؤكداً أن الأعمدة لم تخضع، منذ سنوات، لأي صيانة، وأن انهيار أحدها قد يؤدي إلى كارثة إنسانية، خاصة في الأحياء ذات الكثافة السكانية العالية.

المياه الآسنة

بالتوازي مع هذا الخطر، يعيش سكان صنعاء في ظل أوضاع بيئية وصحية متدهورة، مع تصاعد ظاهرة طفح مياه الصرف الصحي في عدد من المديريات، وتجمعات المياه الآسنة، ما حوّل شوارع وأزقّة كاملة إلى بؤر للتلوث، وسط روائح كريهة وانتشار للحشرات، وتهديد مباشر للصحة العامة.

صورة تُظهر تردي شبكة الصرف الصحي في صنعاء (الشرق الأوسط)

سياسة ممنهجة

ويرى مراقبون أن هذا التدهور يعكس سياسة حوثية ممنهجة لإهمال البنية التحتية، مقابل توجيه الموارد والإيرادات العامة نحو المجهود الحربي والمصالح الخاصة، في ظل غياب الرقابة والمحاسبة، وافتقار المؤسسات الخاضعة لسيطرة الحوثيين لأدنى معايير السلامة والمسؤولية.

ويُحذر مختصون في السلامة العامة من أن استمرار تهالك أعمدة الكهرباء قد يؤدي إلى حوادث صعق أو انهيارات مُميتة، بينما يؤكد أطباء ومختصون صحيون أن طفح مياه الصرف الصحي يُشكل بيئة خصبة لانتشار الأوبئة، مثل الكوليرا والإسهالات المائية الحادة وأمراض الجلد والجهاز التنفسي.

عنصر حوثي أثناء تفقُّده عداداً كهربائياً في صنعاء (إعلام حوثي)

وتشير تقديرات محلية إلى أن أكثر من 68 في المائة من أعمدة الكهرباء في صنعاء، خصوصاً في الأحياء القديمة، باتت متهالكة، في حين سجلت صنعاء وضواحيها، خلال الفترة الأخيرة، أكثر من 23 حادثة سقوط أو انكسار أعمدة، تسببت بوقوع وفيات وإصابات.

ويُجمع خبراء بيئيون وإداريون على أن استمرار هذا الإهمال ينذر بمضاعفة الكلفة الإنسانية والصحية مستقبلاً، مؤكدين أن معالجة هذه الأزمات تتطلب تحركاً عاجلاً ومسؤولاً، يضع سلامة المواطنين وحقهم في بيئة صحية وحياة كريمة في صدارة الأولويات.