جاسر الجاسر لـ {الشرق الأوسط}: متطرفو الإسلام السياسي تناسلوا من رحم «الإخوان»

أسدى للصحافيين الشبان عشر نصائح.. ووصف حبه للمهنة بـ«الإدمان»

جاسر الجاسر
جاسر الجاسر
TT

جاسر الجاسر لـ {الشرق الأوسط}: متطرفو الإسلام السياسي تناسلوا من رحم «الإخوان»

جاسر الجاسر
جاسر الجاسر

الحوار مع صحافي لامع يشبه أمنية الحديث مع النفس، يتمنى خلاله مجري الحوار أن يُسأل الأسئلة نفسها، ليجاوب. هذا ما شعرت به عندما شرعت في إجراء حوار مع جاسر الجاسر، الصحافي والكاتب السعودي، الذي أسدى للصحافيين عشر نصائح، بعدما تحدث عن بعض من السياسة، وبرشاقة وإسهاب عن الصحافة، لا سيما أنه علامة سعودية تتسربل الحرف بجرأة، وتجيد الحرفة، كونه شغل مناصب قيادية في وسائل إعلامية سعودية عصرية، إذ كان رئيس تحرير صحيفة «الشرق» السعودية، وقبلها رئيس تحرير لصحيفة «الوطن»، بعدما كان نائبا لرئيس تحريرها لسنوات، وكانت مناصبه خلفا لقيادته قناة «الاقتصادية» الخاصة، ومشوار طويل ركض خلاله في نشر تحقيقات جريئة في صحيفة «إيلاف» الإلكترونية. كما خاض تجربة واسعة كصحافي في أروقة الورق، من صحف «الشرق الأوسط»، و«الحياة»، إلى مجلة «الرجل».
المهارة، بحسب الجاسر، تتمثل في «تطويع شكل العمل الصحافي بحسب الوسيلة، لا أكثر». ولا يعتقد أن الصحافة في السعودية تتجاوز صحافة المقالة.
كما يصف الجاسر نفسه بالمدمن، ولكن، ليس إشارة إلى تحقيقات المخدرات الجريئة التي انتشرت بشكل واسع عندما نشرها في «إيلاف»، بل من خلال وصفه لنفسه عندما أجاب عن سؤال عائلي يتعلق بتغيير المهنة، إذ قال: «.. أجيب زوجتي بأنني مدمن لهذه المهنة، ولا أعرف ما سواها، فهي قدري بخيرها وشرها».
الحديث مع الصحافيين السعوديين هذه الأيام من المستحيل أن يخلو من المشهد السياسي، ويرى الصحافي اللامع أن بلاده التي أعلنت للتو تفكيك خلية إرهابية جديدة، نجحت أمنيا في القضاء على تنظيم القاعدة وإضعافه، ومن ثم أسقطت كل خلاياه التي كانت موجودة في الداخل، مضيفا أن هناك منتمين للفكر أكثر من وجود التنظيم عينه. وقال واصفا وصول الرئيس السابق محمد مرسي للرئاسة بالكاشف لنوايا الإخوان المسلمين ضد الخليج، «يجب أن نشكره، لأنه كشف نوايا الإخوان المسلمين الحقيقية في الخليج»، كما تحدث عن استهداف السعودية من قبل الجماعات سواء التخريبية أو الآيديولوجية، وأهمية استيعاب المزاج العام السعودي لخطورتها... وفيما يلي نص الحوار:

* كصحافي.. كيف تقرأ مشهد الإرهاب في السعودية بعد الإعلان عن تفكيك خلية، ودخول «داعش» على الخط للمرة الأولى؟
- مشكلة السعودية أنها هدف هذه الجماعات بلا استثناء، وفي قناعاتي، الرياض هي الطاعن الشرعي في وجودهم، لذلك مشكلة التأليب لجميع الجماعات من «القاعدة» إلى اليوم، نجد أنها لا تستهدف إلا السعودية، وتعمل ضدها، وحتى كوادرها غير السعودية تدربها وتبعثها إلى السعودية، هناك حملة شرسة من هذه الجماعات الإرهابية ومحاولة إحداث الخراب فيها، مع أنها تحصل على كوادر وتمويل من داخل السعودية وتسخره وتضرب به وتوجهه نحوها.
السعودية نجحت أمنيا في القضاء على «القاعدة» وإضعافها، ومن أسقطت كل خلاياها التي كانت موجودة. والآن هناك منتمون إلى الفكر، لكن لم تكن هناك تنظيمات حقيقية.
وتنظيمات مثل تنظيم الـ106 المعلن عنه الثلاثاء الماضي نستطيع تسميته تنظيم داعش أو محاولة جديدة من «القاعدة» لتقديم نفسها بثوب جديد مختلف لمحاولة كسب التعاطف، ومررت أفكارها على أنها جماعة إسلامية نقية تسعى لإقامة دولة الخلاف والإسلام والعبارات الأخرى التي يغرر بها الشباب.
السعودية أثبتت يوما بعد يوم أنها تسيطر أمنيا على كل هذه المفارز وقادرة على غلق المنافذ بشكل أساسي.
* ماذا عن إعلان السعودية الأخير ضد الجماعات المتطرفة والمحرضة؟ وأخص هنا الإخوان المسلمين؟
- «الإخوان المسلمون» هي المنبت للإسلام السياسي، وتعد منشأ كل الجماعات الإرهابية، من الهيكلية التنظيمية والخلايا العنقودية، والتدريب والتأهيل، إلى جانب استحداث فكر معين يقوم على تأويل مجزأ، أو مقصود معين لآيات وأحاديث معينة. كل الجماعات تناسلت من الإخوان المسلمين، فهم الأصل، حتى لمن لا ينتمي مباشرة إليهم، لأن كل الجماعات التي ظهرت تمثل نتاج هذه التربية. حتى عقائديا، في كل طروحات الجماعات المتطرفة نجد أنها استفادت بشكل أو بآخر من طروحات «الإخوان».
لم تكن هناك قناعة حقيقية بأن «الإخوان» يشكلون خطرا في السعودية، لكن بعد ظهور وفوز الرئيس المخلوع محمد مرسي انكشفت الأقنعة، وكشف «الإخوان» عن نواياهم وتوجهاتهم، وبرهنوا على أن علاقتهم بالدولة لا تتجاوز كونها علاقة مكان وليس علاقة وطن، وأن الولاء لديهم للآيديولوجيا وليس للوطن.
حتى في حساباتهم على موقع التدوين المصغر «تويتر»، كانوا يظهرون انتشاءهم بأن حققوا الانتصار والحلم الذي انتظروه منذ 80 سنة.
ولذلك؛ لا نستغرب موقف السعودية مما حدث في 30 يونيو (حزيران) سواء في الشعور أو الإدراك، السعودية بدأت تدرك أن هناك تحركا جديا. استهداف دول الخليج بدا واضحا أيام مرسي، والإدارة السياسية أيام مرسي كانت توجه رسائل بأن لديها طموحات. أصبح لدينا يقظة واستشعار لم يكن موجودا سابقا.
لم يكن أحد يقول في السعودية إنه إخواني، ينكرون ويقولون إنهم إسلاميون.
من المفترض شكر مرسي لأنه قدم خدمة جليلة لدول الخليج في هذا الجانب، يعني كشف عنهم الغطاء وأظهرهم للناس، ومن ثم لم يكن غريبا صدور الأمر الملكي الذي جاء مرة أخرى مسميا جماعة الإخوان وجماعات إرهابية أخرى.
* هل لمست تغيرا بعد التشريعات الصارمة حيال خطاب «الإخوان» في السعودية أو حتى المتعاطفين؟
- النقطة المهمة أن المزاج الشعبي بدأ يستوعب مشكلة «الإخوان»، من كان عنده شك، ها هو قطعه الآن باليقين، وهو أن الجماعة مظهرها إسلامي ولكنها سياسية بحتة، وانزاحت الغمامة تماما وتحددت المواقف. كنا في فترة التعمية لم نكن ندري من مع من، وماذا يفعل فلان أو لماذا. كان هناك شعور بأن هناك معاداة للإسلام فور ما تحاول النقاش أو مخالفتهم، ويعدونك من الكارهين ويكيلون ثيمة متكررة في خطابهم لا تتغير. الذين انكشفوا حاولوا الكتابة بلغة مختلفة، وهناك من التزم الصمت، ولا تنس أن التلون جزء من ثقافة «الإخوان»، فهم لا يتعاملون بواقع صريح، فوجودهم في السعودية مثلا قائم على التعمية، لم يكن هناك شيء ظاهر، لم يعترفوا أو يقروا بوجودهم أو انتمائهم، أو أفكارهم، لذلك كانت صدمة لهم على ما أعتقد بأن السعودية ستصل إلى هذا الحد، وهي برأيي لم تصل إليه إلا بعد أن بلغت الروح الحلقوم، وأصبح الخطر محدقا، وكان يجب اتخاذ هذه الإجراءات. في المقابل، هم موجودون، ولا نستطيع المراهنة على التغير والانسحاب المؤقت. والذين يتمنون أن تتغير الظروف أو تنسى هاهم شعروا وأدركوا. وهم الآن يجسون النبض ويترقبون التحرك الآخر، هل يجري استهداف قيادات، أو أفراد، أو أشخاص لعبوا دورا كبيرا أو كشفوا علانية عن موقفهم.
* بعيدا عن السياسة، كيف بدأ جاسر الجاسر حياته المهنية، وهل تيقنت عند لحظة معينة صواب اختيارك بالتنقل الوظيفي بين الإنترنت فالتلفزيون ثم الورق؟
- عبر الطريق النقي والعفوي: صفحات القراء. لم تكن الصحافة تعترف بالشباب فلم يكن إلا مخاتلة عبر صفحات القراء التي تحتطب رسائل قرائها عشوائيا، مع فارق أن مجلة «اليمامة» كانت انتقائية وتبذل جهدا في التعامل مع المادة. دخلت التلفزيون بعد بوابة «إيلاف». في رأيي أن العمل الصحافي واحد في بنيته الأساس. والمهارة هي تطويع شكله حسب الوسيلة لا أكثر.
* ما أول قصة صحافية كتبتها أو أذعتها ومتى نشرت؟ وما القصة التي تأمل الحديث عنها قريبا؟
- صدقني، لا أذكر؛ فأنا من المهملين في هذا السياق ولا أحتفظ بنسخ من أعمالي، لكني أذكر أن تقارير في «الشرق الأوسط» عن «الجنادرية» سببت لي أول تجربة إيقاف قبل أن يلحقها «فيتشر»، كتبته في «الحياة» أول شهر عند التحاقي بها فحجبت الصحيفة، وأوقفتُ شهرا، وتعرضت للتحقيق.
* ما أنجح قصة إخبارية قدمتها؟
- في السعودية المعايير غائمة، ولا يعد ذيوع قصة دلالة قوتها، بل الاعتبار هو لجاذبيتها. ومع أنني أزعم أنني أنجزت تقارير وتحقيقات بذلت فيها جهدا كبيرا، إلا أن أكثر المقالات كان مقالا ساخرا عن السعوديات والزواج بالأجنبيات. كان يحزنني أنه بعد عشر سنوات على نشره لا يزال كثير ممن أقابلهم يذكرونني به، مما يجعلني أعتقد أن للصحافة في السعودية دروبا غامضة تماما مثل الصوفية.
* لكن، ألا توجد قصة صحافية أو تحقيق سبب لك إحراجا على سبيل المثال؟
- كان هناك تقرير عن المخدرات نشرته في «إيلاف»، والمشكلة كانت تكمن في فهم التحقيق الصحافي بالسعودية، لأن التحقيق هو أن تضع فكرة وتعالجها، أنت لا تقدم خطابا وعظيا، لكنك تستعرض المعلومات وتكشف عن التفاصيل.. وأستطيع القول إنه القريب إلى قلبي.
ومن أفضل الحوارات التي أجريتها في مجلة «الرجل»، وأبرز شخصيتين أفتخر بإجراء حوار معهما الأمير خالد الفيصل، وعبد العزيز القصيبي.
* من كان قدوتك في الإعلام قبل أن تدخل المجال، وهل تغير؟
- لا أحد؛ لسببين أولهما: أن الصحافة السعودية لم يكن فيها نجوم محترفون وإنما كتبة مقالات. الثاني: أنني دخلت الصحافة عبر بوابة الثقافة والنقد الأدبي.
* من قدوتك الإعلامية المفضل محليا وعالميا؟
- أيضا لا أحد، فلم أتعلم الصحافة من شخص بعينه، ولم أحظ بتدريب من أحد. لكن، يعجبني عثمان العمير بصفته أول قامة أحدثت فرقا في الصحافة، وأتلذذ بالعقلانية المهنية الإنجليزية الصلبة لعبد الرحمن الراشد، وأعد داود الشريان من السحرة في الصحافة السعودية، أما محمد التونسي فالنجاح حليفه حيث حل.
* كم عدد ساعات العمل التي تقضيها خلال الأسبوع، وهل تقضي وقتا كافيا مع الأسرة؟
- تختلف حسب الوسيلة، ففي التلفزيون لا تقل عن 16 ساعة، وفي الصحافة اليومية نحو 12 ساعة دون وجود إجازات أسبوعية. في المحصلة، الإعلام تواصل لحظي مع العالم فلا يمكن لأي صحافي في أي وسيلة أن ينقطع للحظات عن المتابعة والتدرب والمقارنة والربط، وإلا فقد روحه الصحافية واستحال إلى نصاب لا أكثر. الوقت مع العائلة يختلف حسب الوسيلة، لكن زوجتي تطالبني دوما بالبعد عن الإعلام فهو بعد وتوتر وقلق ومساءلة وملاحقة لا تنقضي، وأن يرزقني الله مثل بقية الخلق بعمل أعود منه في ساعة محددة ولي إجازة أسبوعية ثابتة، فأجيبها بأنني مدمن لهذه المهنة ولا أعرف ما سواها؛ فهي قدري بخيرها وشرها!
* ما رأيك في الإعلام الجديد، وهل يحل محل القديم؟
- أنا ضد تسمية الإعلام الجديد، فهو ليس إعلاما بعد، لكنه درجة أولية من الخطاب الإعلامي لا يضاهي الإعلام المحترف؛ قيمة وموضوعا وأصالة ومسؤولية. إذا كان الإعلام هو الفصول الدراسية، فإن ما يسمى «الإعلام الجديد» هو الفسحة للطلاب حيث اللعب والصخب دون المعرفة والعلم.
يظن البعض أن «تويتر» والمواقع الإلكترونية والتلفزيون أنهت الصحافة الورقية بسبب سرعة شيوع الأخبار وسرعتها. وأظن أن هذا الوضع سيطهر الصحافة من أخطائها وسلبيتها لتتحول للعمل الصحافي الفعلي من تقرير وحوار وتحقيق وبروفايل وفيتشر وغيرها. إذا قصرنا الإعلام الجديد على «تويتر»، فهو عالم أكاذيب وشائعات لا أكثر وهو ما ينسحب على كثير من المواقع الإلكترونية.
* ما المدونة أو الموقع الإلكتروني الذي تحرص على متابعته؟
- أتابع بشكل يومي «العربية نت»، و«سبق»، و«المواطن» من أجل أخبار السعودية، وما عدا ذلك فهو حسب الحالة، فأحيانا أتابع المواقع والصفحات والمدونات السورية لمعرفة التفاعل الداخلي، وأحيانا العراق، والباقي هو بمثابة جولات سياحية تجيء عشوائية أو حسب توصية من صديق أو لوجود موضوع لافت.
* إلى أي مدى تؤمن بأهمية وجود متخصصين في فريق العمل الصحافي؟
- الصحافي هو بنية تخصص، ولا يكون كذلك ما لم يكن متخصصا في مجاله وبارعا في أدواته. أما إذا كان القصد بالمتخصصين هم الأكاديميون فأنا ضد ذلك لأنهم مهلكة الصحافة، وعلامة موتها في السعودية تحديدا، فليس بينهم من مارس الصحافة أو سكن أحد بيوتها.
* ماذا ينبغي للصحافي فعله ليعمل باحترافية عالية؟
- أول الاشتراطات أن تكون بيئة العمل مثالية من حيث التجهيزات والتسهيلات، وأن تكون معاييرها المهنية عالية، وأن توفر الأمان للصحافي وتناضل من أجله وتحميه لأنه جندي المواجهة في كل مؤسسة صحافية. بالنسبة للصحافي نفسه فهو الحس أولا، لأن من المستحيل صناعة صحافي، بينما من الممكن تدريب الصحافي المبتدئ. ومن ثم اشتراطات الصحافي صعبة وهي أن يكون دقيقا لديه إصرار محصلي الديون، ومثابرة المخبرين السريين، وبراعة المحققين. وأن يكون معلوماتيا قادرا على التقصي والاستقصاء، وأن يجيد تنقية مادته من حواشيها وأن يكون موضوعيا منصفا مسيطرا على أدواته غير تابع لرغباته.
* ماذا تقرأ هذه الأيام، وما الكتب التي تقتنيها على الدوام؟
- هذا سؤال صعب، فأنا أقرأ قدر ما أستطيع، وبين يدي في هذه اللحظة «غراميات شارع الأعشى» و«أربعون قاعدة للحب»، و«مصدق والصراع على السلطة في إيران»، ورواية «الطريق إلى مكة» و«صفحات مطوية من تاريخنا العربي الحديث» لخليل الرواف، و«مائة عام من العزلة» التي أقرأها للمرة العاشرة في وداع ماركيز. المحتوى العام للمكتبة كان في الأصل للكتب التي يصعب الحصول عليها في السعودية، أما الكتب التي أجدها في مكتبة الملك عبد العزيز ومكتبة الملك فهد الوطنية ومكتبة جامعة الملك سعود فلم أكن أشتريها، بعد تخفيف قيود الرقابة والخلاص من هاجس المصادرة فأهم الكتب التي تتناول الإسلام السياسي والسير واستقراء التاريخ والفلسفة والاجتماع والرواية تهمني.
* ما هوايتك أو رياضتك المفضلة؟
- هواياتي متقطعة وجميعها مشاريع غير مكتملة مثل حال كثير من السعوديين. لكني أعد الكسل في السفر متعة قصوى، حيث يتمرد المرء على معايير الوقت ويتخلص من الالتزام ويعيش مناخا حرا من «الفوضى الخلاقة».
* ما نصائحك الدائمة للصحافيين الشبان؟
- أقول لكل صحافي شاب لا كبير أو صغير في الصحافة، إنما عمل جيد وآخر رديء. فابنوا شخصياتكم على الرؤية وتمسكوا بالدهشة وجربوا التفرد، وابتعدوا عن الصحافة الرتيبة التي تحيلكم إلى موظفين، وتجنبوا الأدب الاجتماعي، وليكن سلاحكم الثقة والجرأة، واعلموا أن كراهية البيروقراطي والمحافظ هي أولى البوابات لأنهم أعداء التغيير والابتكار. واعلموا أن الأقدمية ليست، دوما، امتيازا، بل قد تكون خيبة وسكونا، ولتكونوا مثل العلماء مشغولين بالتجربة والاكتشاف، ولتعلموا أن العين الصحافية لا تستحدث ولا تستعار، فاستعينوا بمهاراتكم وتمكنوا من الأدوات الصحافية فهي مسار المنافسة والاعتداد. أقرأوا كل شيء، قارنوا بين الصحف المختلفة عندما تتابع قضية واحدة. لاحظوا طرق المعالجة ومضامين الرسالة في كل عنوان وقصة صحافية. قد يكون بعضكم مؤدلجا، إلا أن للمهنة اشتراطاتها الأساس بغض النظر عن التوجهات فتمسكوا بها.
استخدموا لغتكم الخاصة؛ فهي بصمتكم الفعلية وما عداها زيف.



هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات


تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
TT

تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)

في خطوة نحو مزيد من «التقييد»، تختبر شركة «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر.

ورغم أن الناشرين الإخباريين مستثنون من التجربة حتى الآن، غير أن خبراء أعربوا عن قلقهم من هذه الخاصية، وحذروا من أن «الاستثناء قد يكون مؤقتاً»، وأنه على الناشرين الاستعداد من الآن لمرحلة جديدة من «تضييق الخناق على الوصول للجمهور».

كانت شركة «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي عن توفر خدمة «ميتا ون» للاشتراك، التي تتضمن مزايا مثل شارات التوثيق وتحليلات أوسع للجمهور وأدوات أكثر لجدولة المحتوى.

لكن أبرز ما في هذه الخاصية هو استخدامها عملياً لفرض مقابل مالي على حق نشر الروابط الخارجية، إذ تختبر «ميتا» حداً شهرياً لعدد الروابط على صفحات «فيسبوك» و«إنستغرام» التجارية. ومن دون اشتراك، قد تصطدم الصفحة بسقف يبلغ رابطين فقط شهرياً على «فيسبوك».

وحسبما نشرت صحيفة «بريس غازيت» البريطانية، أخيراً، يُطبق القيد حتى الآن على صفحات مختارة فقط، تشمل حسابات الأنشطة التجارية وبعض صُناع المحتوى ممن فعّلوا «الوضع الاحترافي»، بينما يواصل آخرون النشر بلا قيود.

ووفق الصحيفة، فإن «الناشرين الإخباريين مستثنون من القيود، دون أن توضح (ميتا) كيف تعرّفهم»، مشيرةً إلى أن ناشرين صغاراً «أُبلغوا ببلوغ الحد المجاني». واللافت أن القيود لا تقتصر على الروابط في المنشور، بل تمتد إلى حيلة «الرابط في التعليقات» أيضاً. وأفاد مستخدمون في التجربة بأن «روابطهم تظهر كنص عادي غير قابل للنقر بعد بلوغ الحد».

ويرى مدير جامعة أبو ظبي - فرع دبي، أستاذ الأعمال الرقمية المشارك أنس النجداوي، أن «قرار (ميتا) الجديد بمنزلة تحوّل جوهري في النموذج الاقتصادي لمنصات التواصل الاجتماعي، وليس مجرد فرض رسوم على نشر الروابط الخارجية». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك» الذي استفاد لسنوات من المحتوى الإخباري لجذب المستخدمين، أصبح يسعى إلى تعظيم عوائده من خلال التحكم في حركة الجمهور وإبقائه داخل المنصة لأطول فترة ممكنة. وهذا يعكس تحوّل العلاقة مع المؤسسات الإعلامية من شراكة في توزيع الأخبار إلى علاقة تجارية تتحكم فيها المنصة بشروط الوصول إلى الجمهور».

وفي تقدير النجداوي، «قد يستمر استثناء المؤسسات الإخبارية مرحلياً لتجنب الضغوط الإعلامية والتنظيمية، لكنه ليس ضمانة دائمة، خصوصاً إذا أثبت نموذج الاشتراكات جدواه الاقتصادية». ويشير إلى أن «الأهم أن المؤسسات الإخبارية قد تتأثر حتى مع استمرار استثنائها، نتيجة تراجع قدرة المستخدمين والصفحات الأخرى على مشاركة روابط أخبارها».

وعن الآثار المتوقعة لهذا القرار على الناشرين، يقول النجداوي إن «الخطر الحقيقي لا يقتصر على تراجع زيارات المواقع الإخبارية وخسارة العوائد الإعلانية، بل يمتد إلى جودة المعلومات ومصداقيتها، إذ قد يكتفي المستخدم بالعناوين والمقتطفات المتداولة دون الرجوع إلى المصدر الأصلي والتحقق من التفاصيل والسياق».

تختبر «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر


كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم