جاسر الجاسر لـ {الشرق الأوسط}: متطرفو الإسلام السياسي تناسلوا من رحم «الإخوان»

أسدى للصحافيين الشبان عشر نصائح.. ووصف حبه للمهنة بـ«الإدمان»

جاسر الجاسر
جاسر الجاسر
TT

جاسر الجاسر لـ {الشرق الأوسط}: متطرفو الإسلام السياسي تناسلوا من رحم «الإخوان»

جاسر الجاسر
جاسر الجاسر

الحوار مع صحافي لامع يشبه أمنية الحديث مع النفس، يتمنى خلاله مجري الحوار أن يُسأل الأسئلة نفسها، ليجاوب. هذا ما شعرت به عندما شرعت في إجراء حوار مع جاسر الجاسر، الصحافي والكاتب السعودي، الذي أسدى للصحافيين عشر نصائح، بعدما تحدث عن بعض من السياسة، وبرشاقة وإسهاب عن الصحافة، لا سيما أنه علامة سعودية تتسربل الحرف بجرأة، وتجيد الحرفة، كونه شغل مناصب قيادية في وسائل إعلامية سعودية عصرية، إذ كان رئيس تحرير صحيفة «الشرق» السعودية، وقبلها رئيس تحرير لصحيفة «الوطن»، بعدما كان نائبا لرئيس تحريرها لسنوات، وكانت مناصبه خلفا لقيادته قناة «الاقتصادية» الخاصة، ومشوار طويل ركض خلاله في نشر تحقيقات جريئة في صحيفة «إيلاف» الإلكترونية. كما خاض تجربة واسعة كصحافي في أروقة الورق، من صحف «الشرق الأوسط»، و«الحياة»، إلى مجلة «الرجل».
المهارة، بحسب الجاسر، تتمثل في «تطويع شكل العمل الصحافي بحسب الوسيلة، لا أكثر». ولا يعتقد أن الصحافة في السعودية تتجاوز صحافة المقالة.
كما يصف الجاسر نفسه بالمدمن، ولكن، ليس إشارة إلى تحقيقات المخدرات الجريئة التي انتشرت بشكل واسع عندما نشرها في «إيلاف»، بل من خلال وصفه لنفسه عندما أجاب عن سؤال عائلي يتعلق بتغيير المهنة، إذ قال: «.. أجيب زوجتي بأنني مدمن لهذه المهنة، ولا أعرف ما سواها، فهي قدري بخيرها وشرها».
الحديث مع الصحافيين السعوديين هذه الأيام من المستحيل أن يخلو من المشهد السياسي، ويرى الصحافي اللامع أن بلاده التي أعلنت للتو تفكيك خلية إرهابية جديدة، نجحت أمنيا في القضاء على تنظيم القاعدة وإضعافه، ومن ثم أسقطت كل خلاياه التي كانت موجودة في الداخل، مضيفا أن هناك منتمين للفكر أكثر من وجود التنظيم عينه. وقال واصفا وصول الرئيس السابق محمد مرسي للرئاسة بالكاشف لنوايا الإخوان المسلمين ضد الخليج، «يجب أن نشكره، لأنه كشف نوايا الإخوان المسلمين الحقيقية في الخليج»، كما تحدث عن استهداف السعودية من قبل الجماعات سواء التخريبية أو الآيديولوجية، وأهمية استيعاب المزاج العام السعودي لخطورتها... وفيما يلي نص الحوار:

* كصحافي.. كيف تقرأ مشهد الإرهاب في السعودية بعد الإعلان عن تفكيك خلية، ودخول «داعش» على الخط للمرة الأولى؟
- مشكلة السعودية أنها هدف هذه الجماعات بلا استثناء، وفي قناعاتي، الرياض هي الطاعن الشرعي في وجودهم، لذلك مشكلة التأليب لجميع الجماعات من «القاعدة» إلى اليوم، نجد أنها لا تستهدف إلا السعودية، وتعمل ضدها، وحتى كوادرها غير السعودية تدربها وتبعثها إلى السعودية، هناك حملة شرسة من هذه الجماعات الإرهابية ومحاولة إحداث الخراب فيها، مع أنها تحصل على كوادر وتمويل من داخل السعودية وتسخره وتضرب به وتوجهه نحوها.
السعودية نجحت أمنيا في القضاء على «القاعدة» وإضعافها، ومن أسقطت كل خلاياها التي كانت موجودة. والآن هناك منتمون إلى الفكر، لكن لم تكن هناك تنظيمات حقيقية.
وتنظيمات مثل تنظيم الـ106 المعلن عنه الثلاثاء الماضي نستطيع تسميته تنظيم داعش أو محاولة جديدة من «القاعدة» لتقديم نفسها بثوب جديد مختلف لمحاولة كسب التعاطف، ومررت أفكارها على أنها جماعة إسلامية نقية تسعى لإقامة دولة الخلاف والإسلام والعبارات الأخرى التي يغرر بها الشباب.
السعودية أثبتت يوما بعد يوم أنها تسيطر أمنيا على كل هذه المفارز وقادرة على غلق المنافذ بشكل أساسي.
* ماذا عن إعلان السعودية الأخير ضد الجماعات المتطرفة والمحرضة؟ وأخص هنا الإخوان المسلمين؟
- «الإخوان المسلمون» هي المنبت للإسلام السياسي، وتعد منشأ كل الجماعات الإرهابية، من الهيكلية التنظيمية والخلايا العنقودية، والتدريب والتأهيل، إلى جانب استحداث فكر معين يقوم على تأويل مجزأ، أو مقصود معين لآيات وأحاديث معينة. كل الجماعات تناسلت من الإخوان المسلمين، فهم الأصل، حتى لمن لا ينتمي مباشرة إليهم، لأن كل الجماعات التي ظهرت تمثل نتاج هذه التربية. حتى عقائديا، في كل طروحات الجماعات المتطرفة نجد أنها استفادت بشكل أو بآخر من طروحات «الإخوان».
لم تكن هناك قناعة حقيقية بأن «الإخوان» يشكلون خطرا في السعودية، لكن بعد ظهور وفوز الرئيس المخلوع محمد مرسي انكشفت الأقنعة، وكشف «الإخوان» عن نواياهم وتوجهاتهم، وبرهنوا على أن علاقتهم بالدولة لا تتجاوز كونها علاقة مكان وليس علاقة وطن، وأن الولاء لديهم للآيديولوجيا وليس للوطن.
حتى في حساباتهم على موقع التدوين المصغر «تويتر»، كانوا يظهرون انتشاءهم بأن حققوا الانتصار والحلم الذي انتظروه منذ 80 سنة.
ولذلك؛ لا نستغرب موقف السعودية مما حدث في 30 يونيو (حزيران) سواء في الشعور أو الإدراك، السعودية بدأت تدرك أن هناك تحركا جديا. استهداف دول الخليج بدا واضحا أيام مرسي، والإدارة السياسية أيام مرسي كانت توجه رسائل بأن لديها طموحات. أصبح لدينا يقظة واستشعار لم يكن موجودا سابقا.
لم يكن أحد يقول في السعودية إنه إخواني، ينكرون ويقولون إنهم إسلاميون.
من المفترض شكر مرسي لأنه قدم خدمة جليلة لدول الخليج في هذا الجانب، يعني كشف عنهم الغطاء وأظهرهم للناس، ومن ثم لم يكن غريبا صدور الأمر الملكي الذي جاء مرة أخرى مسميا جماعة الإخوان وجماعات إرهابية أخرى.
* هل لمست تغيرا بعد التشريعات الصارمة حيال خطاب «الإخوان» في السعودية أو حتى المتعاطفين؟
- النقطة المهمة أن المزاج الشعبي بدأ يستوعب مشكلة «الإخوان»، من كان عنده شك، ها هو قطعه الآن باليقين، وهو أن الجماعة مظهرها إسلامي ولكنها سياسية بحتة، وانزاحت الغمامة تماما وتحددت المواقف. كنا في فترة التعمية لم نكن ندري من مع من، وماذا يفعل فلان أو لماذا. كان هناك شعور بأن هناك معاداة للإسلام فور ما تحاول النقاش أو مخالفتهم، ويعدونك من الكارهين ويكيلون ثيمة متكررة في خطابهم لا تتغير. الذين انكشفوا حاولوا الكتابة بلغة مختلفة، وهناك من التزم الصمت، ولا تنس أن التلون جزء من ثقافة «الإخوان»، فهم لا يتعاملون بواقع صريح، فوجودهم في السعودية مثلا قائم على التعمية، لم يكن هناك شيء ظاهر، لم يعترفوا أو يقروا بوجودهم أو انتمائهم، أو أفكارهم، لذلك كانت صدمة لهم على ما أعتقد بأن السعودية ستصل إلى هذا الحد، وهي برأيي لم تصل إليه إلا بعد أن بلغت الروح الحلقوم، وأصبح الخطر محدقا، وكان يجب اتخاذ هذه الإجراءات. في المقابل، هم موجودون، ولا نستطيع المراهنة على التغير والانسحاب المؤقت. والذين يتمنون أن تتغير الظروف أو تنسى هاهم شعروا وأدركوا. وهم الآن يجسون النبض ويترقبون التحرك الآخر، هل يجري استهداف قيادات، أو أفراد، أو أشخاص لعبوا دورا كبيرا أو كشفوا علانية عن موقفهم.
* بعيدا عن السياسة، كيف بدأ جاسر الجاسر حياته المهنية، وهل تيقنت عند لحظة معينة صواب اختيارك بالتنقل الوظيفي بين الإنترنت فالتلفزيون ثم الورق؟
- عبر الطريق النقي والعفوي: صفحات القراء. لم تكن الصحافة تعترف بالشباب فلم يكن إلا مخاتلة عبر صفحات القراء التي تحتطب رسائل قرائها عشوائيا، مع فارق أن مجلة «اليمامة» كانت انتقائية وتبذل جهدا في التعامل مع المادة. دخلت التلفزيون بعد بوابة «إيلاف». في رأيي أن العمل الصحافي واحد في بنيته الأساس. والمهارة هي تطويع شكله حسب الوسيلة لا أكثر.
* ما أول قصة صحافية كتبتها أو أذعتها ومتى نشرت؟ وما القصة التي تأمل الحديث عنها قريبا؟
- صدقني، لا أذكر؛ فأنا من المهملين في هذا السياق ولا أحتفظ بنسخ من أعمالي، لكني أذكر أن تقارير في «الشرق الأوسط» عن «الجنادرية» سببت لي أول تجربة إيقاف قبل أن يلحقها «فيتشر»، كتبته في «الحياة» أول شهر عند التحاقي بها فحجبت الصحيفة، وأوقفتُ شهرا، وتعرضت للتحقيق.
* ما أنجح قصة إخبارية قدمتها؟
- في السعودية المعايير غائمة، ولا يعد ذيوع قصة دلالة قوتها، بل الاعتبار هو لجاذبيتها. ومع أنني أزعم أنني أنجزت تقارير وتحقيقات بذلت فيها جهدا كبيرا، إلا أن أكثر المقالات كان مقالا ساخرا عن السعوديات والزواج بالأجنبيات. كان يحزنني أنه بعد عشر سنوات على نشره لا يزال كثير ممن أقابلهم يذكرونني به، مما يجعلني أعتقد أن للصحافة في السعودية دروبا غامضة تماما مثل الصوفية.
* لكن، ألا توجد قصة صحافية أو تحقيق سبب لك إحراجا على سبيل المثال؟
- كان هناك تقرير عن المخدرات نشرته في «إيلاف»، والمشكلة كانت تكمن في فهم التحقيق الصحافي بالسعودية، لأن التحقيق هو أن تضع فكرة وتعالجها، أنت لا تقدم خطابا وعظيا، لكنك تستعرض المعلومات وتكشف عن التفاصيل.. وأستطيع القول إنه القريب إلى قلبي.
ومن أفضل الحوارات التي أجريتها في مجلة «الرجل»، وأبرز شخصيتين أفتخر بإجراء حوار معهما الأمير خالد الفيصل، وعبد العزيز القصيبي.
* من كان قدوتك في الإعلام قبل أن تدخل المجال، وهل تغير؟
- لا أحد؛ لسببين أولهما: أن الصحافة السعودية لم يكن فيها نجوم محترفون وإنما كتبة مقالات. الثاني: أنني دخلت الصحافة عبر بوابة الثقافة والنقد الأدبي.
* من قدوتك الإعلامية المفضل محليا وعالميا؟
- أيضا لا أحد، فلم أتعلم الصحافة من شخص بعينه، ولم أحظ بتدريب من أحد. لكن، يعجبني عثمان العمير بصفته أول قامة أحدثت فرقا في الصحافة، وأتلذذ بالعقلانية المهنية الإنجليزية الصلبة لعبد الرحمن الراشد، وأعد داود الشريان من السحرة في الصحافة السعودية، أما محمد التونسي فالنجاح حليفه حيث حل.
* كم عدد ساعات العمل التي تقضيها خلال الأسبوع، وهل تقضي وقتا كافيا مع الأسرة؟
- تختلف حسب الوسيلة، ففي التلفزيون لا تقل عن 16 ساعة، وفي الصحافة اليومية نحو 12 ساعة دون وجود إجازات أسبوعية. في المحصلة، الإعلام تواصل لحظي مع العالم فلا يمكن لأي صحافي في أي وسيلة أن ينقطع للحظات عن المتابعة والتدرب والمقارنة والربط، وإلا فقد روحه الصحافية واستحال إلى نصاب لا أكثر. الوقت مع العائلة يختلف حسب الوسيلة، لكن زوجتي تطالبني دوما بالبعد عن الإعلام فهو بعد وتوتر وقلق ومساءلة وملاحقة لا تنقضي، وأن يرزقني الله مثل بقية الخلق بعمل أعود منه في ساعة محددة ولي إجازة أسبوعية ثابتة، فأجيبها بأنني مدمن لهذه المهنة ولا أعرف ما سواها؛ فهي قدري بخيرها وشرها!
* ما رأيك في الإعلام الجديد، وهل يحل محل القديم؟
- أنا ضد تسمية الإعلام الجديد، فهو ليس إعلاما بعد، لكنه درجة أولية من الخطاب الإعلامي لا يضاهي الإعلام المحترف؛ قيمة وموضوعا وأصالة ومسؤولية. إذا كان الإعلام هو الفصول الدراسية، فإن ما يسمى «الإعلام الجديد» هو الفسحة للطلاب حيث اللعب والصخب دون المعرفة والعلم.
يظن البعض أن «تويتر» والمواقع الإلكترونية والتلفزيون أنهت الصحافة الورقية بسبب سرعة شيوع الأخبار وسرعتها. وأظن أن هذا الوضع سيطهر الصحافة من أخطائها وسلبيتها لتتحول للعمل الصحافي الفعلي من تقرير وحوار وتحقيق وبروفايل وفيتشر وغيرها. إذا قصرنا الإعلام الجديد على «تويتر»، فهو عالم أكاذيب وشائعات لا أكثر وهو ما ينسحب على كثير من المواقع الإلكترونية.
* ما المدونة أو الموقع الإلكتروني الذي تحرص على متابعته؟
- أتابع بشكل يومي «العربية نت»، و«سبق»، و«المواطن» من أجل أخبار السعودية، وما عدا ذلك فهو حسب الحالة، فأحيانا أتابع المواقع والصفحات والمدونات السورية لمعرفة التفاعل الداخلي، وأحيانا العراق، والباقي هو بمثابة جولات سياحية تجيء عشوائية أو حسب توصية من صديق أو لوجود موضوع لافت.
* إلى أي مدى تؤمن بأهمية وجود متخصصين في فريق العمل الصحافي؟
- الصحافي هو بنية تخصص، ولا يكون كذلك ما لم يكن متخصصا في مجاله وبارعا في أدواته. أما إذا كان القصد بالمتخصصين هم الأكاديميون فأنا ضد ذلك لأنهم مهلكة الصحافة، وعلامة موتها في السعودية تحديدا، فليس بينهم من مارس الصحافة أو سكن أحد بيوتها.
* ماذا ينبغي للصحافي فعله ليعمل باحترافية عالية؟
- أول الاشتراطات أن تكون بيئة العمل مثالية من حيث التجهيزات والتسهيلات، وأن تكون معاييرها المهنية عالية، وأن توفر الأمان للصحافي وتناضل من أجله وتحميه لأنه جندي المواجهة في كل مؤسسة صحافية. بالنسبة للصحافي نفسه فهو الحس أولا، لأن من المستحيل صناعة صحافي، بينما من الممكن تدريب الصحافي المبتدئ. ومن ثم اشتراطات الصحافي صعبة وهي أن يكون دقيقا لديه إصرار محصلي الديون، ومثابرة المخبرين السريين، وبراعة المحققين. وأن يكون معلوماتيا قادرا على التقصي والاستقصاء، وأن يجيد تنقية مادته من حواشيها وأن يكون موضوعيا منصفا مسيطرا على أدواته غير تابع لرغباته.
* ماذا تقرأ هذه الأيام، وما الكتب التي تقتنيها على الدوام؟
- هذا سؤال صعب، فأنا أقرأ قدر ما أستطيع، وبين يدي في هذه اللحظة «غراميات شارع الأعشى» و«أربعون قاعدة للحب»، و«مصدق والصراع على السلطة في إيران»، ورواية «الطريق إلى مكة» و«صفحات مطوية من تاريخنا العربي الحديث» لخليل الرواف، و«مائة عام من العزلة» التي أقرأها للمرة العاشرة في وداع ماركيز. المحتوى العام للمكتبة كان في الأصل للكتب التي يصعب الحصول عليها في السعودية، أما الكتب التي أجدها في مكتبة الملك عبد العزيز ومكتبة الملك فهد الوطنية ومكتبة جامعة الملك سعود فلم أكن أشتريها، بعد تخفيف قيود الرقابة والخلاص من هاجس المصادرة فأهم الكتب التي تتناول الإسلام السياسي والسير واستقراء التاريخ والفلسفة والاجتماع والرواية تهمني.
* ما هوايتك أو رياضتك المفضلة؟
- هواياتي متقطعة وجميعها مشاريع غير مكتملة مثل حال كثير من السعوديين. لكني أعد الكسل في السفر متعة قصوى، حيث يتمرد المرء على معايير الوقت ويتخلص من الالتزام ويعيش مناخا حرا من «الفوضى الخلاقة».
* ما نصائحك الدائمة للصحافيين الشبان؟
- أقول لكل صحافي شاب لا كبير أو صغير في الصحافة، إنما عمل جيد وآخر رديء. فابنوا شخصياتكم على الرؤية وتمسكوا بالدهشة وجربوا التفرد، وابتعدوا عن الصحافة الرتيبة التي تحيلكم إلى موظفين، وتجنبوا الأدب الاجتماعي، وليكن سلاحكم الثقة والجرأة، واعلموا أن كراهية البيروقراطي والمحافظ هي أولى البوابات لأنهم أعداء التغيير والابتكار. واعلموا أن الأقدمية ليست، دوما، امتيازا، بل قد تكون خيبة وسكونا، ولتكونوا مثل العلماء مشغولين بالتجربة والاكتشاف، ولتعلموا أن العين الصحافية لا تستحدث ولا تستعار، فاستعينوا بمهاراتكم وتمكنوا من الأدوات الصحافية فهي مسار المنافسة والاعتداد. أقرأوا كل شيء، قارنوا بين الصحف المختلفة عندما تتابع قضية واحدة. لاحظوا طرق المعالجة ومضامين الرسالة في كل عنوان وقصة صحافية. قد يكون بعضكم مؤدلجا، إلا أن للمهنة اشتراطاتها الأساس بغض النظر عن التوجهات فتمسكوا بها.
استخدموا لغتكم الخاصة؛ فهي بصمتكم الفعلية وما عداها زيف.



استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.


خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)
TT

خطة أوروبية شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية

فون در لاين (تاس)
فون در لاين (تاس)

تنعم وسائل الإعلام في بلدان الاتحاد الأوروبي منذ سنوات بدرجة عالية من الحرية والاستقلالية. وتنشط في أجواء تكاد تكون مثالية لممارسة مهنة الصحافة، التي تحميها «ترسانة» من التشريعات والقوانين المخصّصة للدفاع عن حرية الرأي والتعبير، والحفاظ على حقوق الصحافيين، وسرّية المصادر التي يستقون منها معلوماتهم.

ولكن خلال السنوات الأخيرة، أصبح الإعلام الأوروبي أحد الأهداف المركزية لما يسمّى «الحرب الهجينة» التي تشنّها الأطراف الخارجية التي تسعى لتقويض «المشروع الأوروبي»، أو إبعاده عن مساره التأسيسي، أو التأثير في مجرى أحداثه السياسية والاجتماعية، خدمة لتوجّه جيوسياسي معيّن. وفي هذا السبيل، باتت تستعين - بشكل أساسي لتحقيق أهدافها - بالفرص اللامحدودة التي تتيحها التكنولوجيا الرقمية، وما طرأ عليها من تطوّرات هائلة توّجها أخيراً الذكاء الاصطناعي، الذي بدأ يُحدِث ثورة عميقة في النشاط الصحافي، وطرائق عمل وسائل التواصل الاجتماعي والمنصّات الرقمية.

تدخلات واختراقات... روسية وأميركية

وحقاً، تفيد دراسات عدة، وضعتها أجهزة «الاتحاد الأوروبي» ومؤسّسات خاصة في الدول الأعضاء، بأن معظم البلدان الأوروبية تتعرّض منذ سنوات لاختراقات ممنهجة وموجهة عن طريق وسائل التواصل والمنصات الرقمية والمواقع الشبكية الوهمية. وتهدف هذه الاختراقات إلى نشر معلومات كاذبة وأخبار مزيّفة للتلاعب بنتائج الانتخابات، أو التحريض على اضطرابات، وأحياناً لزعزعة الأمن والاستقرار في الاتحاد الأوروبي.

أيضاً، تشير هذه الدراسات إلى أن روسيا، بمؤسساتها الرسمية وأجهزتها الاستخباراتية، تقف وراء قسم كبير من هذه التدخلات والاختراقات. وأيضاً تنشط منظمات وهيئات أميركية خاصة، تدور في فلك «المحافظين الجدد»، عن طريق التمويل المموّه لمؤسسات إعلامية ومنصّات رقمية، تملكها كلياً أو جزئياً.

ويستفاد من دراسةٍ وضعها «المركز الأوروبي لخدمات وسائل الإعلام» التابع لمفوضية «الاتحاد» أن التطورات الاجتماعية والسياسية المتسارعة التي تشهدها البلدان الأعضاء، وخاصة بعد الحرب الدائرة في أوكرانيا منذ 4 سنوات، والحرب في غزة، أحدثت تغييراً ملحوظاً في نمط استهلاك المعلومات عبر وسائل الإعلام التقليدية والرقمية على السواء. وكذلك، فإن «ظاهرة ترمب» باتت تلعب دوراً كبيراً في هذا التغيير، نظراً للحضور الإعلامي الطاغي للرئيس الأميركي دونالد ترمب على المنصات الرقمية، وتصريحاته اليومية المثيرة للجدل حول مسائل أمنية وسياسية واقتصادية على جانب كبير من الأهمية.

فيرهيين (آ ف ب)

صعود التطرف

ومع تفاقم المخاطر الناجمة عن التدخلات التي يتعرّض لها المشهد الإعلامي الأوروبي، مثل صعود الأحزاب والقوى اليمينية المتطرفة، ووقوف التيّار الذي يقوده الرئيس ترمب خصماً لـ«الاتحاد الأوروبي»، شرع «الاتحاد» في وضع خطة شاملة لتحصين المؤسسات الإعلامية في وجه التدخلات، وتعزيز شفافية مصادر تمويلها، وضمان صدقية المعلومات والأخبار التي تنشرها.

وبعد سلسلة من المشاورات المكثفة مع الدول الأعضاء، ومناقشات مديدة في البرلمان الأوروبي، دخلت الخطة حيّز التنفيذ مطلع العام الحالي، تحت إشراف النائب الأول لرئيسة البرلمان الأوروبي الألمانية سابين فيرهيين، المكلفة مراقبة تطبيق «القانون الأوروبي لضمان حرية وسائل الإعلام».

في أول تعليقات لها حول النقاش الذي دار في البرلمان الأوروبي حول القانون، قالت فيرهيين إنها شعرت بخيبة كبيرة لدى سماعها الحجج التي ساقتها بعض القوى السياسية، متجاهلة المخاطر المُحدقة التي تتعرّض لها المنظومة الإعلامية الأوروبية منذ سنوات، والوسائل التي يستخدمها خصوم المشروع الأوروبي من أجل الانقضاض عليه وتقويضه عبر المنصات الرقمية التي أصبحت المنافس الرئيسي لوسائل الإعلام على المداخيل الإعلانية. وانتقدت تعتيم هذه المنصات على بعض الأخبار التي لا تصبّ في مصلحة القوى والتيارات السياسية التي تقف وراءها.

من ناحية أخرى، قالت رئيسة المفوضية أورسولا فون در لاين، خلال تقديمها مشروع القانون أمام البرلمان الأوروبي: «الهدف من هذا القانون، الذي يُعدّ التشريع الأول من نوعه في الاتحاد الأوروبي، هو الدفاع عن مهنة الصحافة وتعددية الوسائل الإعلامية، وتمكين المواطنين الأوروبيين من اتخاذ قراراتهم على بيّنة موضوعية من الوقائع والأحداث وأوضاع النظم الديمقراطية التي يعيشون في كنفها».

ما يذكر أن من المستجدات التشريعية التي يتضمنها هذا القانون الذي يسري على جميع الدول الأعضاء في الاتحاد:

- تعزيز التدابير الرامية إلى حماية وسائل الإعلام من التدخل الخارجي.

- إلزامها الشفافية الكاملة حول ملكيتها الفعلية ومداخيلها الناجمة عن الإعلانات الرسمية.

- فرض رقابة صارمة على المنصّات الرقمية الكبرى في تعاطيها مع المواد التي تنتجها المؤسسات الإعلامية.

- حماية مهنة الصحافة من التهديدات الخارجية التي تؤثر على استقلاليتها.

- متابعة أداء الوسائل الرسمية في تغطيتها لأنشطة السلطة السياسية.

- حظر التجسس على الصحافيين أو أفراد عائلاتهم، وحماية مصادرهم.

بعض الدول الأعضاء في «الاتحاد الأوروبي»، في طليعتها المجر وتشيكيا، مدعومة من الأحزاب اليمينية المتطرفة في إيطاليا وفرنسا وألمانيا وإسبانيا، أبدت اعتراضاً شديداً على عدد كبير من أحكام هذا القانون، وحاولت عرقلة إقراره في البرلمان. ومعروف عن هذه القوى أنها تقود حملة ممنهجة على ما تسميه «الصحافة التقليدية»، المكتوبة والمرئية، وتتّهمها بالكذب والتحيّز، وتدافع عن المنصات الرقمية التي تعتبرها مصدر الأخبار الموثوقة والموضوعية.

ومن جهة أخرى، يقول كارلوس آغيلار، رئيس اللجنة الأوروبية للخدمات الإعلامية، إن «المفترض بهذا القانون أن يكون خشبة الخلاص لوسائل الإعلام، التي ما زالت تجهد لتقديم مواد إخبارية وتحقيقات موثوقة، والتي تواجه صعوبات مالية تهدد استمراريتها بعد التراجع المطّرد في مداخيلها الإعلانية لحساب منصات التواصل الرقمية». ويلاحظ أن المناظرات السياسية والمناقشات الفكرية، التي كانت سمة رئيسية في مضامين وسائل الإعلام الأوروبية، تتراجع باستمرار أمام الإقبال الكبير على المنصّات الرقمية التي تروّج للآراء والمعلومات المجهّزة بعناية، من غير إتاحة المجال للنقاش أو الجدال.

خطر إدمان المحتويات

وينبّه آغيلار إلى أن الخطورة الأساسية للمنصات الرقمية تكمن في الإدمان على محتوياتها، التي تولدها خوارزميات متطورة جداً، وأنه من المستحيل في الوقت الراهن التصدي لها بسبب جهل هذه الخوارزميات أو تعذّر الحصول عليها، وهذا أمر يشكّل أحد محاور الجدل الكبرى بين بلدان الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة التي تضغط على الأوروبيين، بفرض مزيد من الرسوم الجمركية والتهديد بعواقب أخرى، لمنعهم من إخضاع المنصات الرقمية الكبرى لضوابط الاتحاد وقواعده التجارية والأخلاقية.

في المقابل، أشدّ المدافعين عن هذا القانون الأوروبي الجديد كانت مجموعة دول الشمال، أي السويد وفنلندا والدنمارك، التي حذّرت من التأثير المتعاظم للمنصّات الرقمية في تشكيل الرأي العام الاجتماعي والسياسي، وفي نتائج الانتخابات التي تتراجع نسبة المشاركين فيها على امتداد بلدان «الاتحاد».

ويلاحظ بيتر يورغنسن، عضو البرلمان الأوروبي عن الحزب الديمقراطي السويدي، أن دونالد ترمب فاز بولايته الرئاسية الثانية بعد حملة انتخابية لم يحصل خلالها سوى على تغطية إيجابية من وسائل الإعلام التقليدية، لم تتجاوز 5 في المائة، فيما لم يكن يكفّ عن مهاجمة تلك الوسائل والصحافيين الذين يعملون فيها، ويصفهم بالكذبة والخونة وأعداء الوطن.

أيضاً، من أهم المستجدات في هذا القانون «سجلّ الشفافية» الذي يُلزم جميع وسائل الإعلام المكتوبة والمسموعة والمرئية، والمنصّات والمواقع الرقمية، بالكشف عن هوية مالكيها ومداخيلها من الإعلانات الرسمية والخاصة. ويلحظ عقوبات مالية وتشغيلية في حق تلك التي تتخلّف عن ذلك، أو تتلاعب بالمعلومات التي تقدمها.

ومن الأدوات التي يستحدثها القانون «تشات يوروب» (Chat Europe)، وهي منصة رقمية جديدة مخصّصة لعرض الأحداث الأوروبية وشرحها بواسطة مواد صحافية تقليدية، و«تشات بوت» (chatbot) مولّد بالذكاء الاصطناعي، وقادر على الإجابة عن الأسئلة والاستفسارات التي يطرحها عليه المستخدمون. وتغذّي هذه المنصة تحقيقات وتحليلات وأشرطة فيديو تنتجها وسائل الإعلام المنضوية في هذا المشروع الذي تتولى تنسيقه وكالة الصحافة الفرنسية (أ.ف.ب)، ويهدف إلى مساعدة المواطنين في بلدان الاتحاد على متابعة أنشطة المؤسسات والأجهزة الأوروبية ومعرفة طرائق عملها، وكيف تؤثر قراراتها على حياتهم اليومية.


«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
TT

«يوتيوب» تعيد تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين

شعار "يوتيوب" (د ب آيه)
شعار "يوتيوب" (د ب آيه)

أطلقت منصة «يوتيوب» أدوات جديدة تستهدف تنظيم العلاقة بين صُناع المحتوى والمعلنين، عن طريق تسهيل إبرام صفقات العلامات التجارية ودمج الطرفين في منصة واحدة، ما يسهل عملية اكتشاف فرص التعاون وبناء الروابط بين الطرفين.

وذكرت «يوتيوب» أن هذا المسار سيضمن حقوق الطرفين، ويعزز الوصول إلى المحتوى المناسب، وكذلك حماية المعلنين من التورط مع «محتوى مزيف أو عنيف» يضرّ بعلامتهم.

يذكر أن «يوتيوب» كانت قد أعلنت عبر بيان صحافي صادر عن الشركة المالكة - أي «غوغل» - بنهاية مارس (آذار) الحالي، عن تحديث شامل لبرنامج «شراكات منشئي المحتوى»، من خلال عرض فرص التعاون المحتملة على العلامات التجارية بناءً على مقاطع الفيديو ذات الصلة والمؤهلة التي ينشرها المنشئون، مؤسسات أو أفراد. وفي المقابل، يعمل «مركز شراكات المنشئين» على تجميع فرص المحتوى المدعوم كافة والمشاريع الجاري تنفيذها في منصة واحدة للمنشئ.

خبراء حاورتهم «الشرق الأوسط» رأوا أن المنصة تتيح فرصاً جديدة أمام الناشرين، من خلال تسهيل التواصل مع المعلنين الباحثين عن محتوى موثوق وقيم، كما أنها توفر فرصة للناشرين كمصدر مستدام وواضح للربح.

وأفاد حاتم الشولي، المشرف على تحرير الإعلام الرقمي في قناة «الشرق للأخبار»، قال إن «يوتيوب» بشكل عام، ومن قبل هذه الخطوة، تدعم المحتوى الطويل على حساب المحتوى السريع، وهي فرصة لصُناع المحتوى. وأضاف: «تعتمد سياسة يوتيوب الربحية على وقت المشاهدة، لكن فكرة (المحتوى الجاد) فهي موضوع نسبي، إذ لا يوجد لدى المنصة تعريف واضح. أما إذا تكلمنا عن المحتوى الإخباري، مثلاً، فـ(يوتيوب) تدعم بقوة المحتوى الذي يناقش الأخبار، أكثر من الأخبار ذاتها كونها آنية وتتغير مع الوقت، أي تميل إلى التحليلات والنقاشات المطولة نسبياً».

في سياق متصل، وفقاً لبيان «يوتيوب» فإن المنصة ستعتمد على أدوات الذكاء الاصطناعي في طرح توصيات البرنامج، «وهذه التوصيات ستقدم للعلامات التجارية مقترحات عن المحتوى المناسب لها، وفي الوقت نفسه تضمن مدى ملاءمة المحتوى للعلامة، بحيث لا تقع في فخ التزييف أو المحتوى العنيف الذي قد يضر باسم الجهة المعلنة».وهنا تعليقاً على مدى نجاح الذكاء الاصطناعي بالتمييز بين المحتوى الأصلي والمزيف، قال الشولي إن «الذكاء الاصطناعي يُمكن أن يلعب دوراً في تنقيح المحتوى الملائم للعلامات التجارية، لكن لا يمكن الاعتماد عليه بشكل كامل». وأوضح: «مثلاً يستطيع كشف المشاهد العنيفة وخطاب الكراهية والتزييف العميق إلى حد ما، لأنه الآن بات متاحاً من خلال أدوات الذكاء الاصطناعي ذاتها التي تنتج المحتوى مثل (جيميني) من (غوغل)... فهو يصمم المحتوى بالذكاء الاصطناعي وأيضا يكشف كل ما هو بالذكاء الاصطناعي».

غير أن الشولي حذَّر من أن «هناك محتوى من الصعب تصنيفه، حتى مع المراجعة اليدوية الذاتية. وهذه معضلة تواجهها (يوتيوب) منذ سنوات، لا سيما وأن بعض الفيديوهات قد تتماشى مع طرف، بينما تختلف مع طرف آخر... وعليه من الصعب إيجاد قاعدة واضحة لتصنيف مقاطع الفيديو تحت تسميات مثل (الإرهاب) أو (خدش الحياء)، وهو ما تحاول (يوتيوب) دوماً عدم البت فيه، لترك مجال لصُناع المحتوى من جهة، وخيار التحكم بالمحتوى من جهة أخرى».

من جهة أخرى، عدّ الشولي أن «يوتيوب» تعد من أفضل الفرص لصُناع المحتوى القيم مثل المؤسسات الصحافية، وتابع: «على مدار السنوات وتغير المنصات، أثبتت (يوتيوب) أنها المنافس الأول في عالم الفيديوهات، فهي لا تدخل فقّاعات الترند إلا بحذر، فمع تصاعد نجم (سناب شات) ومن ثم (إنستغرام) وأخيراً (تيك توك)، بقيت (يوتيوب) في الصدارة ومع الوقت والسنوات الأخيرة عاد الجمهور إلى (يوتيوب) بكثافة أكبر، وهذا دليل على أهمية المحتوى الأصيل. ثم أن طول الفيديو، بحسب محتواه، أثبت أنه من عوامل نجاح القصص، ولهذا اعتقد أن استهلاك المحتوى سيبقى متصاعداً في (يوتيوب) ومُلهماً لصُناع المحتوى الأصيل والطويل معاً حتى يتغير شكل صناعة المحتوى الرقمي كلياً وننتقل مستقبلاً إلى الفيديوهات تحت الطلب VOD».

«يوتيوب» أوضحت من جانبها أن «المنصة الجديدة ستتضمن تحسين مطابقة الصفقات والتواصل، حيث سيتمكن المنشؤون المشاركون في برنامج (شركاء يوتيوب) من تلقي اتصالات مباشرة من العلامات التجارية بشأن فرص الصفقات المحتملة. كذلك سيتمكن المنشؤون من مشاركة بيانات القناة والجمهور مع المعلنين والعلامات التجارية ومنصات الطرف الثالث».

وفي هذا الجانب، قال فادي رمزي، مستشار الإعلام الرقمي والمحاضر في الجامعة الأميركية بالقاهرة، إن «منصات التواصل الاجتماعي باتت تتبنى استراتيجيات جديدة تتجاوز مجرد ملاحقة الترند... وأن الاعتماد الكلي على المحتوى الرائج لم يعد نموذجاً ربحياً مستداماً في الوقت الراهن».

واستشهد رمزي بتقرير معهد «رويترز» للصحافة والإعلام الرقمي لعام 2026، الذي كشف عن تحولات جذرية في توجهات غرف الأخبار العالمية، إذ «أظهرت دراسة أن 82 في المائة من غرف الأخبار تعتزم زيادة استثماراتها وتركيزها على (الصحافة التوضيحية) التي تقدّم تحليلاً لما وراء الأحداث، بينما يخطط 72 في المائة منها لتعزيز الاهتمام بـ(القصص الإنسانية)».

ووفق رمزي فإن «تحديثات (يوتيوب) الأخيرة تأتي لتعزز مفهوم صناعة (المحتوى العميق) وربطه مباشرة بالمعلنين، مما سيخلق بيئة تدعم المحتوى المتخصص والأصيل، الذي لا يندثر بانتهاء الموجات الرائجة». وأشار إلى أن «المنظومة الإعلامية هذا العام تشهد تكاملاً بين صُناع المحتوى، والمنصات التقنية نحو إنتاج محتوى رصين يحقق القيمة المهنية والاستدامة الاقتصادية في آن واحد».