«بيليز» للكتابة النسائيّة تتوّج موضة «الديستوبيا»

موسم الجوائز الأدبيّة البريطانيّة في ذروته

ناعومي ألديرمان
ناعومي ألديرمان
TT

«بيليز» للكتابة النسائيّة تتوّج موضة «الديستوبيا»

ناعومي ألديرمان
ناعومي ألديرمان

سيكون المشهد الثقافي اللندني مزدحماً بكثير الأنشطة الهامة خلال شهر يونيو (حزيران) الحالي ليس أقلّها الإعلان عن الأعمال الفائزة بالجوائز الأدبيّة الثلاث الأرفع في بريطانيا والعالم الناطق بالإنجليزيّة: مان بوكر للرواية العالميّة، وأورويل للكتابة السياسيّة وبيليز للكتابة النسائيّة.
الأخيرة التي تمنح سنويّاً منذ عام 1996 من قبل لجنة تحكيم مختارة لأفضل رواية حديثة كتبتها امرأة باللغة الإنجليزيّة مُنحت في حفل خاص أقيم بقاعة الاحتفالات الملكيّة (لندن) الأربعاء الماضي للكاتبة البريطانيّة ناعومي ألديرمان عن روايتها الديستوبيّة (القوة) - وهي بالمناسبة رشحت أيضاً على القائمة الطويلة لجائزة أورويل للكتابة السياسيّة 2017 إلى جانب القائمة القصيرة في بيليز – وكانت حققت أرقام مبيعات غير متوقعة لا سيما في أوساط النساء الشابات. ويذهب التفسير لكون الرواية تمنح هؤلاء الشابات فرصة لعيش حلم انقلاب العالم وتولي بطلات من جيلهن مقاليد السلطة على حساب الرّجال في مناخ خيال علمي كثير الإثارة، بينما يتولى صوت رجل شاب تسجيل مفاعيل هذه الأزمنة الثوريّة المغرقة بالدماء والجدل السياسي والديني والجندري.
وهذه أول مرّة تمنح فيها الجائزة لرواية من الخيال العلمي وبالذات تلك المنتمية إلى نوع أدبي يعرف بالديستوبيا (أو نقيض اليوتوبيا) حيث يقدّم العالم وكأنه اتخذ شكل كابوس كارثي يمثّل أسوأ مخاوف البشريّة. ويبدو تتويج (القوة) نوعاً من تكريس لاتجاه متصاعد الشعبيّة للأعمال الأدبيّة والتلفزيونيّة والسينمائية في الغرب لتقديم هذا النوع الأدبي المتشائم وإن بدا تلقي الجمهور لم يعد مقتصرا على الجانب المظلم في تلك الأعمال، بل هو يستقبلها بصخب صارخ وكأنها ملجأ هروب من مواجهة الواقع شديد القبح وعقار نسيان لانغلاق آفاق النجاة في أجواء الرأسماليّة المعاصرة الخانقة.
بيليز للكتابة النسائيّة شهدت ازدحاماً غير مسبوق هذا العام نسبة لعدد الأعمال المرشحة لها – إذ قارب المائتين مقابل معدل مائة وخمسين رواية الأعوام السابقة – وفي عدد المتنافسات على القائمة المبدئيّة للأعمال المرشحة ذات العيار الثقافي الثقيل: فائزات سابقات بذات الجائزة، فائزات ومرشحات من جوائز أدبيّة مختلفة، إضافة إلى أسماء معروفة في سماء الرواية باللغة الإنجليزّية، بالطبع دوماً على حساب الروايات الأولى للكتّاب الجدد، رغم أن الرواية الفائزة العام المنصرم (البدع المجيدة) كانت رواية أولى للكاتبة الآيرلندية – التي كانت مغمورة حينها – ليزا ماكينيرني.
المنافسة المحتدمة بين الروائيّات النساء للفوز ببيليز - التي تبلغ قيمتها الماديّة ثلاثين ألف جنيه إسترليني - كانت أيضاً بين البريطانيات من جهة، والناطقات بالإنجليزيّة من أنحاء العالم غير البريطانيات. وقد تقاسم الفريقان القائمة النهائيّة (القصيرة) بثلاثة أعمال لكل منهما: ثلاثة روايات لبريطانيات، ورواية واحدة لكل من كندا والولايات المتحدة ونيجيريا.
الرواية الأولى الوحيدة التي أفلحت بالوصول إلى قائمة الترشيحات النهائيّة كانت (ابق معي) للنيجيرية أيوبامي أديبايو، وتجري أحداثها المليئة بالحزن والغيرة وسجن التقاليد المقيتة على خلفيّة من أجواء الاضطراب السياسي والاجتماعي الذي شهدته بلادها ثمانينات القرن الماضي، وهي تحكي قصة امرأة نيجيريّة تتزوج ولا تفلح في إنجاب الأطفال، وبعد عامين يتآمر مجتمعها عليها - باشتراك أمها ذاتها - لإعادة الاعتبار للزوج (المنكوب) من خلال تزويجه بامرأة أخرى، لتتحول حياتها من جحيم الحصار المجتمعي الخانق إلى سباق محموم في السعي لإنجاب الأطفال وفضاءات من غيرة النساء القاتلة. وقد وصف النقاد الرواية بأنها صوت نسوي ساطع رغم أجوائها الشديدة القتامة.
الروائيّة البريطانيّة المعروفة ليندا غرانت التي تذوقت طعم الفوز ببيليز للكتابة النسائيّة عام 2000 عن روايتها (عندما عشت في أزمان حديثة)، نافست على الجائزة من خلال مولودتها الجديدة (الدائرة المظلمة) والتي تدور أحداثها داخل مصحة بريطانيّة عامة في أجواء لندن خمسينات القرن الماضي لتستعرض فجاجة تعقيدات الحياة الاجتماعيّة في بريطانيا مرحلة ما بعد الحرب العالميّة الثانية بعبورها في دهاليز حكاية أخ وأخت مريضين معزولين داخل جدران تلك المصحة.
كانت هناك أيضاً (الحب الأول)، وهي عمل روائي سادس للبريطانية جويندولين رايلي تفكك فيه أدق حميميّات العلاقة الزوجيّة اليوميّة لامرأة كاتبة في منتصف الثلاثينات من العمر بعد أن أتى الزواج على كل الحب، فلم يتبق داخل أسوار المكان الافتراضي للعشق سوى دقائق الاختناق الطويلة ولحظات عض الأصابع التي كانت يوما شريكة في قرارات اتُخِذَت بتخديرٍ من مزاج موهوم بالحريّة ولذائذها.
سي إي مورغان الكاتبة الأميركيّة اخترقت القائمة القصيرة بروايتها (رياضة الملوك)، بعد شروعها في نحت صور شديدة الصراحة عن حياة بشر تعساء يعيشون بظل تراث العبوديّة الظالم في أميركا الشماليّة ويتنافسون شكلاً على تربية خيول السباق بينما تتلاعب بهم عواصف من عواطف مظلمة فيها كثير من العنصريّة والحقد والغيرة والطمع والشغف. وقد وصفت الصحف البريطانيّة (رياضة الملوك) بأنها ملحمة أدبيّة يندر وجود مثلها في الأدب الأميركي المعاصر.
في القائمة القصيرة للجائزة أيضاً تميّزت رواية الكاتبة الكندية – الصينيّة مادلين ثيين (لا تقل بأننا لا نملك شيئا) والتي استلهمت من أجواء التأسيس للصين الشعبيّة المعاصرة 1949 إلى اليوم مستعرضة الحراكات الاجتماعيّة والسياسيّة التي مارت – وتَمور - في قلب المجتمع الصيني من خلال سرد قصة تداخل مصائر ثلاثة موسيقيين موهوبين يلهمهم عشق الأنغام لينتهوا ضحايا شغفٍ يصارعون ضغوطات قاصمة في أجواء التحولات الثقافيّة العاصفة التي عاشتها الصين الشيوعيّة الحديثة.
الروايات المتنافسة هذه حازت على تقريض لجنة التحكيم باعتبارها مجموعة أصوات نسائيّة شديدة الجرأة، حميمة وعابقة بشخصيّات وجودية سرمدية، تُعلي صوت النساء في حقبات تاريخيّة مختلفة، وعبر فضاءات جغرافيّة متباعدة، لكننا أبدأ نلتصق بها لأن ذواتنا هناك، في مكان ما خلف عميق المشاعر والاضطرابات والتساؤلات والهموم الإنسانية.
لجنة تحكيم بيليز هذا العام كن خمس نساء تولت قيادتهن تيسا روس منتجة الأفلام المعروفة، وضمت كاتي ديرهام المعنيّة بالثقافة والفنون في هيئة الإذاعة البريطانية، سارة باسكوي الصحافيّة والفنانة الكوميديّة، سام بيكر المحررة والصحافيّة، وكذلك أميناتا فورنا الروائيّة الاسكوتلنديّة من أصل أفريقي.
ستكون دورة هذا العام الأخيرة التي تحمل اسم بيليز - ماركة المشروبات البريطانية الشهيرة - إذ وبحسب الروائية كاتي موس مؤسِسة الجائزة - ستمول الأخيرة مستقبلاً من قبل تحالف عدة جهات مهتمة، وسيتم تغيير اسمها إلى «جائزة الكتابة النسائية».
كانت الروائيّة موس قد عملت على إطلاق هذه الجائزة المقتصرة على الروائيات النساء عام 1996 رداً على ما اعتبرته تحيّزاً ضد النساء في جائزة مان بوكر البريطانيّة للروايات التي تغلب عليها عادة أسماء ذكورّية. وللحقيقة فإن بيليز ساهمت على نحو ملموس في تحسين أرقام مبيع روايات خطتها النساء، وصعّدت أسماء مغمورة إلى سماوات الشهرة الأدبيّة، وتحوّلت كثير من الروايات الفائزة إلى أعمال تلفزيونيّة وسينمائيّة.
وفي سؤال مشروع عن تقصير متعمد للمؤسسات العربيّة الثريّة في الشروع بتأسيس جائزة مماثلة تمنح الكاتبات العربيّات صوتاً يمكنهن الوصول إلى فضاءات أوسع بدلاً من أن يخضعن لأسوأ ما في صناعة النشر العربيّة من مثالب وبطركيات وشلليات. حتى ذلك الحين، سنصفق بحرارة لرفيقاتنا المتحدثات بالإنجليزيّة وللرواية الفائزة (القوة)، باسم النصف المغبون من البشر.



أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا
TT

أي دور للكتّاب والمبدعين في زمن الحرب؟

بابلو نيرودا
بابلو نيرودا

ليس ثمة ما هو أقسى على الشعراء والكتاب، من أن يجدوا أنفسهم «مضطرين» للكتابة عن الحرب، في لحظة الحرب نفسها، وفي خضم أتونها المشتعل وكوابيسها الخانقة. وسواء كانت أسباب هذا الاضطرار متصلةً بالضغوط النفسية والاجتماعية التي يواجهها هؤلاء، من قبَل المنادين بفكرة الالتزام، بمعناها الضيق والسطحي، أو بالأعراف الموروثة التي تجعل من الشاعر لسان الجماعة في انتصاراتها وانكساراتها، فإنها في الحالين تفرض على المشتغلين بالأدب والفن شروطاً غير عادلة، لا تمت إلى جوهر الكتابة بصلة.

وقد تكون هذه الأعراف بالذات، هي التي لا تزال تملي على الشعراء الوقوف في الصفوف الأمامية للمواجهة مع أعداء الداخل والخارج، وتحويل النص إلى بيان سياسي تتم كتابته غبّ الطلب، مع الفارق المتمثل باستبدال الحزب بالقبيلة، والآيديولوجيا برابطة الدم، وفي الحالين معاً يتم النفخ المتواصل في أبواق الترويج الدعائي والأفكار الجاهزة. كما أن أكثر الذين يبالغون في حث الشعراء والمبدعين على جعل قصائدهم وأعمالهم أدوات للنزال والتعبئة العاطفية، هم من الذين لا تعني لهم الكتابة بمعناها العميق شيئاً يُذكر، ولم يضعوا القراءة والتحصيل المعرفي في طليعة أولوياتهم.

نجلاء أبو جهجه

اللافت في هذا السياق أن إشكالية العلاقة بين الكتابة والواقع، تكاد تضمر إلى حد التلاشي في أزمنة السلم ورغد العيش والتعاقب الرتيب للأيام، حتى إذا اشتعلت حربٌ ما، أو استُبدلت سلطة بأخرى، أو تعرض نظام سياسي للتصدع، عادت الإشكالية إلى الظهور بكامل احتدامها، وانبرى الكثيرون لمطالبة الشعراء والكتاب بمواكبة اللحظات التغييرية «المفصلية» عبر سيل من الأهازيج والخطب الحماسية، كما لو أن الشعر العربي، أو بعضه على الأقل، مصاب بنوع من «داء المفاصل» الذي لا يكف عن الفتك به عند منعطفات الأزمنة، أو اندلاع الحروب، أو انقلاب الأحوال.

صحيح أن البعض ممن يمتلكون قدراً عالياً من المناعة الإبداعية والفهم العميق لمعنى الكتابة، يظلون بمأمن من هذا الداء، ويرفضون الإملاءات المفروضة عليهم من خارج النص، ولكن البعض الآخر يخضعون لهذه الإملاءات، أو يتبنونها بشكل طوعي، مقتنعين بلا تردد بأن لا فارق يذكر بين منصات الكتابة ومنصات إطلاق النار، أو بين صرير الأقلام وأزيز الطلقات، وأن «الكلْمة اللي ما تبْقى رصاصة ملعونة وخاينة»، كما جاء في إحدى أغاني الحماس الثوري.

ولعل مشكلة هؤلاء تكمن في كونهم يضعون الندى في موضع السيف، على ما يقوله المتنبي، ويستخدمون للكتابة أدوات القتال، مستعيدين معجم الحرب ومتعلقاته، من مفردات الصخب المسلح والعنف الدموي والتهديد والوعيد، ومتناسين أن للإبداع شروطه وأدواته الخاصة به، وأن الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه، مهما كان سامياً ونبيلاً، بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه.

وكيف لهؤلاء وغيرهم أن ينسوا أن العمل الإبداعي لا يولد في كنف الإرادة القصدية والوعي المباشر، بل هو يخرج من أحشاء المنطقة الملتبسة لاختلاط الوعي بنقيضه، إضافة إلى أن الشاعر لا يخلق لحظة الإلهام ولا يتحكم بها، بل هو في الأعم الأغلب يتلقاها في حالات الغفلة، واللحظات غير المنتظرة. واستناداً إلى ما تقدم، فإن الكتابة لا يتم إنجازها بناء على طلب هذا أو ذاك من الراغبين في استيلادها لأسباب لا علاقة لها بالإبداع، بل هي ابنة الحرية غير المشروطة، والانبثاق الداخلي للكلمات.

وإذا كنا نجد على الدوام من ينبرون للقول بأن الشعر والفن هما الابنان الشرعيان للألم والمعاناة، فليس بالضرورة أن تتمظهر على نحو مادي محسوس، بل تتخذ في بعض الأحيان أشكالاً وجودية متصلة بالحب والحرية والعدالة والحياة والموت والغربة عن العالم. كما أن المعاناة حين تتجاوز في جانبها المباشر حدود المعقول، تعطل آليات التعبير، وتشل قدرة المرء على الإفصاح، وتتركه في حالة من الخرس التام والتشوش الهذياني. كأن الحياة وهي تتحول إلى أشلاء، أو تنحدر باتجاه حضيضها الأسفل، تصبح تحت اللغة تماماً، وخارج نطاقها الحيوي. كما أن هجاء الجوع ليس أول عمل يقوم به الجائع، بل هو يجدّ في البحث عن أول رغيف يصادفه. ومن هدمت بيته الحرب، لا يبحث عن بيت شعر يأنس في كنفه، بل عن مسكن يؤويه، والعريان لا يبحث عن لوحة يطرب لجمالها ناظراه، بل عن ثوب يستر عريه.

الشعر الحقيقي لا يتكئ على موضوعه مهما كان سامياً ونبيلاً بل تنهض به موهبة الشاعر ولغته وكشوفه

ولعل أكثر ما يعانيه الكتّاب في أزمنة الحروب هو انشطارهم المأزقي بين ما يرتبه عليهم دورهم كمبدعين، وما يرتبه دورهم المقابل كمواطنين عاديين. فأن يكون المرء شاعراً أو فناناً، لا يعني تحوله إلى كائن فوق أرضي، أو استقالته التامة من شؤون الحياة وشجونها وأكلافها. ولأن الشياطين الملهمة للشعراء والفنانين لا تعمل على نحو دائم، فهم يملكون الكثير من الوقت لسد الفجوات الفاصلة بين «انخطافين»، والقيام بكل ما ترتبه عليهم التزاماتهم الاجتماعية والوطنية والإنسانية.

وكثيراً ما عبّر هذا الانشطار عن نفسه على أرض الواقع، من خلال تجارب بالغة القسوة اختبرها كتّاب وفنانون عديدون، حين كان عليهم أن يختاروا بين الاكتفاء بأدوارهم كأفراد متميزين، ومعنيين بتحويل الحروب الدامية إلى أعمال فنية، وبين الانخراط في تلك الحروب، انتصاراً للقضايا العادلة التي تجسدها. وإذا كان بين هؤلاء من ضحى بموهبته على مذبح الواجب الوطني والإنساني، فإن ثمة من زاوج بين الدورين معاً، حيث ربح في آن واحد فرصة الانخراط في الحياة، وفرصة الكتابة عنها. وهو ما نجد أفضل شواهده في حالة الكاتب الأميركي أرنست همنغواي، الذي مكنه انخراطه إلى جانب الجمهوريين في الحرب الأهلية الإسبانية من استلهام عمله الروائي الشهير «لمن تقرع الأجراس؟».

كما حذا الشاعر التشيلي بابلو نيرودا حذو همنغواي في التوفيق بين الدورين، فلم يرتض الوقوف على الحياد بين الضحايا والجلادين، بل عمل على استثمار منصبه سفيراً لبلاده في إسبانيا، في مؤازرة المدافعين عن الجمهورية، وعلى استثمار موهبته مبدعاً في كتابة ديوانه الشعري «إسبانيا في القلب»، من جهة أخرى. وكذلك كان الأمر مع الكاتب الفرنسي أنطوان دو سانت إكزوبيري، الذي لم يحل التزامه بخدمة بلاده، كطيار عسكري محترف، دون استثمار موهبته العالية في الكتابة، فقدم إلى العالم أعمالاً أدبية متفردة، مثل «الأمير الصغير» و«أرض البشر»، قبل أن يقضي نحبه في حادثة طيران مأساوية، وهو لا يزال في ذروة شبابه.

وما يصح على الشعراء والكتاب والفنانين، أخيراً، يصح على الإعلاميين والمراسلين الحربيين والمصورين، حيث كثيراً ما وجد هؤلاء أنفسهم في حالات انشطار قصوى بين الاكتفاء بدورهم الوظيفي في نقل التقارير الوافية عن مجريات الحرب، وبين مساعدة الضحايا الذين يحتاجون، في ما يتعدى نقل معاناتهم إلى العالم، إلى من يرد عنهم وطأة الألم، ومحنة التشرد، وقتامة المصير.

لعل أبلغ دليل على ذلك هو ما روته الإعلامية اللبنانية الراحلة نجلاء أبو جهجة، عن وقوفها الحائر أمام مشهد الأطفال المحترقين في سيارة إسعاف بلدة المنصوري اللبنانية عام 1996، وعن تمزقها الصعب بين أداء واجبها المهني، كمراسلة لإحدى المحطات، وبين الالتزام بواجبها الأخلاقي، الذي يفرض عليها مساعدة الضحايا، وإنقاذ من تستطيع إنقاذهم من المصابين. وقد اختارت نجلاء، وفق ما بات معروفاً لدى الجميع، أن تفي بالالتزامين معاً في الآن ذاته.

 


ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
TT

ذبح الطرائد في لوحتين استثنائيتين من العهد الأموي

صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن
صيد الفرائس وذبحها في لوحتين من جداريات قصير عمرة الأموية في بادية الأردن

برزت فنون الصيد في زمن خلافة بني أمية، وشكّلت أساساً لتقليد أدبي خاص بها يتغنّى بمآثرها، كما يشهد نص نثري يعود إلى تلك الحقبة، يُعرف بـ«رسالة في وصف الصيد»، صاغها عبد الحميد بن يحيى الذي شغل منصب كاتب الحاكم الأموي والخليفة اللاحق مروان بن محمد. يتحدّث صاحب هذا النص عن خروجه مع طائفة من المقتنصين «إلى الصيد بأعدى الجوارح، وأثقف الضّواري، أكرمها أجناساً، وأعظمها أجساماً، وأحسنها ألواناً، وأحدّها أطرافاً، وأطولها أعضاءً»، وينقل صورة أدبيّة حيّة عن هذه الرحلة بمحطّاتها المتعدّدة، وفيها يمعن في وصف انقضاض الصقور على فرائسها، وإمعانها في ذبحها. على مثال هذه الطيور الجارحة، تفنّن الصيادون في ذبح طرائدهم، وشكّلت هذه الممارسة طقساً من طقوس هذه الرياضة، كما تشهد لوحتان أمويّتان استثنائيتان، تشكّلان جزءاً من جداريات قصير عمرة في بادية الأردن.

يحوي قصير عمرة قاعة مكونة من 3 إيوانات، وتقع هاتان الجداريتان في الإيوان الشرقي، حيث تحتلّ إحداهما صدر الجدار الشمالي، وتحتلّ الأخرى صدر الجدار الجنوبي. تجمع اللوحة الأولى بين الصيد والذبح في تأليف متقن يتميّز بالحركة التي تلفّ مختلف عناصره، وقوامه 6 رجال في مواجهة 6 بهائم من فصيلة الحمير الوحشية. يحل هؤلاء الرجال وسط حلقة تحدّها شبكة عريضة منصوبة على سلسلة من الأعمدة. يظهر في النصف الأعلى صياد يغرز رمحه في صدر حمار يقفز من أمامه، في حضور حمار آخر يعدو في حركة معاكسة، ملامساً بقائمتيه الأماميتين الشبكة المنصوبة. في الطرف المقابل، يظهر صياد آخر يرفع سلاحه في اتجاه حمار ينقض من فوقه، كأنه يحاول الإفلات منه. يكتمل مشهد هذا الصيد في حضور حمار رابع يعدو بين الطريدتين. ملامح هذين الصيّادين واضحة وجلية، وهما في وضعيّة نصف جانبية، ولباسهما واحد، ويتمثّل بجلباب أبيض وفضفاض وُشحت ثناياه بدقّة، وفقاً للطراز الكلاسيكي القائم على مبدأ التجسيم والتظليل.

في المقابل، يظهر في النصف الأسفل من هذه اللوحة 3 رجال ينقضون على جثتَي فريستين ممددتين أرضاً. امحت بعض مكوّنات هذه الصورة، لكن تأليفها ظلّ جلياً. يغرز أحد هؤلاء رمحه في ظهر الفريسة الملقاة أرضاً من أمامه، محنية برأسها في اتجاه قائمتيها الأماميتين، بينما يشرع رفيقاه بسلخ الفريسة الأخرى، ويصعب تحديد وضعيّة هذه البهيمة بدقّة بسبب امحاء جزء كبير من بدنها. يرافق هذا الجمع رجل رابع يظهر واقفاً في طرف الصورة، رافعاً ساقه اليمنى نحو الأمام، كأنه يهمّ بالخروج من هذه الحلقة.

تمثّل اللوحة التي تحتل الحائط الجنوبي مشهد ذبح فصيلة أخرى من الطرائد، وهي هنا من الأيل كما يبدو من قرونها المستقيمة الطويلة. يحلّ هذا المشهد فوق تل صخري ترتفع قممه وسط سماء زرقاء. يحضر في النصف الأعلى من الصورة رجلان يذبحان أيلاً معاً. يمسك أحدهما برأس البهيمة الممددة أفقياً على ظهرها، بينما يبقر الآخر بطنها. الملامح واحدة، واللباس واحد، كما في اللوحة المقابلة التي تحتل الحائط الشمالي. يظهر أيل ثانٍ ملقى أفقياً عند قدمي الرجل الذي يقف في وسط الصورة. ويظهر أيل ثالث ملقى عمودياً من خلف هذا الرجل. في الجزء الأسفل من اللوحة، تتمدّد جثّتا أيلين أرضاً في وضعية المواجهة، الرأس مقابل الرأس، ويظهر من خلف إحداها طيف صياد ثالث امحت ملامحه بشكل كبير، فبدا أشبه بطيف.

راجت حملات الصيد في العالم القديم، وانتشرت في العالم اليوناني كما في العالم الإيراني بأقاليمهما الواسعة، وتردّد صدى هذا الانتشار في عالم الفنون بصنوفه المتعدّدة. سار الأمويون على هذا الدرب، واقتبسوا من الروم والفرس كثيراً من طرق الصيد والقنص، فاتخذوا الجوارح، وعلّموها صيد الطير، واقتنوا كلاب السلوقي المختصة بصيد الظبيان والغزلان والحمير والثيران الوحشية، واستكثروا الخيول «الموصوفة بالنّجابة والجري والصّلابة»، كما نقل عبد الحميد بن يحيى الكاتب، وتفننوا في تضميرها، وأنشأوا في الواحات المحيطة بقصورهم حلبات يخرجون إليها لممارسة أنواع شتّى من الصيد، كما تناقل الرواة، وظهر أثر هذه الحلبات في العديد من المواقع الأموية الأثرية التي كشفت عنها حملات المسح والتنقيب في الأزمنة المعاصرة.

تجلّى الوله بهذه الرياضة في ميراث الأمويين الأدبي كما في ميراثهم الفني. في هذا السياق، تبدو صور مشاهد الصيد مألوفة، وتكشف في قصير عمرة عن بروز الطراز الروماني الكلاسيكي بشكل أساسي، كما يتجلّى في الحركة الواقعية الحية التي تطبع هذه المشاهد، وفي الأسلوب المعتمد في إبراز عناصره التصويرية بشكل يحاكي المثال الواقعي.

من جهة أخرى، تحتل لوحتا ذبح الفرائس مكانة استثنائية؛ إذ لا نجد ما يماثلهما في ما وصلنا من هذا الميراث. صحيح أننا نقع على صور مشابهة في الظاهر في العالمين الروماني والفارسي، غير أن هذه الصور تظهر ضمن مشاهد مغايرة تتصل اتصالاً وثيقاً بتقديم الأضاحي في الممارسات الدينية، ولا تدخل أبداً في ميدان الصيد. من هنا، تبدو جدارّيتا قصير عمرة فريدتين من نوعهما، وتعكسان تقاليد شكّلت كما يبدو فرعاً من فروع الفنون الخاصة بممارسة رياضة الصيد.

تتميّز هاتان الجداريّتان بموضوعهما الاستثنائي، كما تتميّزان بأسلوبهما الفني الرفيع، وتشكّلان وثيقة فريدة، تحتلّ مكانة عالية في الفنون المتوسّطية التي تجمع وتمزج بين الطرز المتعدّدة.


الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية
TT

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

الغموض والتشويق في رواية إنجليزية

في روايتها «كل هذا غير صحيح»، الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة، ترجمة إيناس التركي، تقدم الكاتبة الإنجليزية ليسا جويل مزيجاً من الغموض والتشويق بين شخصيات نسائية، على نحو يجعل القارئ يلهث سريعاً وراء حبكة ألغاز تقود إلى سلسلة من المفاجآت.

وتدور الأحداث حول «أليكس سمر»، صاحبة بودكاست شهير، التي في أثناء احتفالها بعيد ميلادها الخامس والأربعين تصادف امرأة تُدعى «جوزي» تحتفل أيضاً بعيد ميلادها الخامس والأربعين في اليوم نفسه. بعد بضعة أيام تلتقيان مجدداً، وقد استمعت «جوزي» إلى بودكاست «أليكس»، ما جعلها تظن أنها تصلح أن تكون موضوعاً شائقاً لهذا الحوار الإعلامي، خصوصاً أنها على وشك إجراء تغييرات كبيرة في حياتها.

تبدو حياة «جوزي» غريبة ومعقدة، وعلى الرغم من أن «أليكس» تجدها شخصية مربكة، فإنها لا تستطيع مقاومة إغراء الاستمرار في تقديم حلقات حوارية معها، وتدرك تدريجياً أن ضيفتها في البرنامج تخفي أسراراً مظلمة للغاية، ولكن بعد أن تكون «جوزي» قد تسللت إلى حياتها وإلى منزلها.

وكما ظهرت الشخصية الغامضة المريبة فجأة، فإنها تختفي فجأة، وحينها فقط تكتشف «أليكس» أنها خلفت وراءها إرثاً رهيباً ومرعباً، ما جعلها أصبحت موضوعاً للبودكاست، كما باتت يهددها الموت، فمن تكون «جوزي» تلك؟ وماذا فعلت؟

وُلدت ليسا جويل في لندن عام 1968، وهي أكثر مؤلفة مبيعاً لأكثر من 20 رواية، وقد بيعَ من رواياتها أكثر من 10 ملايين نسخة حول العالم، وتُرجمت إلى أكثر من 30 لغة.

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«سارت جوزي عائدة وهي تفكر في منزل أليكس، من الواجهة منزل أنيق وسط صف من البيوت له نافذة كبيرة لا يختلف عن أي مبنى آخر على الطراز الفيكتوري في لندن، لكن من الداخل كان الأمر مختلفاً. جدران زرقاء بلون الحبر وأضواء ذهبية ومطبخ بدا كأنه أكبر من المنزل بأكمله على نحو غريب، به خزائن ذات لون رمادي حجري وطاولات من الرخام كريمي اللون وصنبور ينضح ماء مغلياً بلمسة زر واحدة، وفي طرفه جدار مخصص لرسومات الطفلين فقط. تذكرت أنها كانت تعلق رسومات الفتاتين على الثلاجة بالمغناطيس. وكان والتر يعترض ويزيلها لأنها تبدو فوضوية، ثم الحديقة بأضواء الزينة المعلقة بها، والطريق المتعرج والسقيفة الساحرة عند طرفها التي تحوي عالماً آخر من العجائب، وحتى القطة لا تشبه أي أخرى رأتها من قبل، سيبيرية على ما يبدو وصغيرة ومنفوشة ولها عينان خضراوان كبيرتان كعينَي أميرة في كارتون ديزني.

امتدت يدها إلى الجيب الداخلي لحقيبة يدها، حيث لمست الغلاف الناعم لكبسولة القهوة التي أخذتها من دون أن تنتبه أليكس، كانت هناك جرة ضخمة ممتلئة بالكبسولات على الرف خلف مكتب التسجيل كلها بألوان مختلفة مثل الأحجار الكريمة كبيرة الحجم. لم تكن تمتلك ماكينة لصنع القهوة في المنزل، لكنها أرادت فقط أن تمتلك القليل من بريق أليكس وتضعه في درج بشقتها المتهالكة وتعرف أنه موجود هناك.

كان والتر أمام حاسوبه المحمول عند النافذة، عندما وصلت إلى المنزل نظر إليها بفضول وبدت عيناه كبيرتين من خلال العدستين القويتين لنظارة القراءة الخاصة به، كانت قد أخبرته بأنها ستقابل تلك الأم من المدرسة مرة أخرى. رفع حاجبه ولم يقل شيئاً، لكنه قال الآن:

- ما الذي يدور حقاً؟

تدفقت خلال جسدهما دفعة من الأدرينالين:

- ماذا تعني؟

قال: أعني أنك تغيبت فترة طويلة ولا يمكن أن تكوني قضيت كل هذا الوقت في تناول القهوة.

قالت: لا، ذهبت لزيارة جدتي بعد ذلك في المقبرة.

كانت هذه كذبة خططت لها سابقاً».