اعتداءات لندن تثير التساؤلات حول التعامل مع الجماعات المتطرفة

اثنان من المنفذين كانا معروفَين للسلطات... وأحدهما أكد تطرفه إعلامياً

كردون الشرطة البريطانية في ليلة الهجوم على جسر لندن السبت الماضي (رويترز) وفي الإطار أنجم تشودري منظر لندنستان قبل حبسه («الشرق الأوسط»)
كردون الشرطة البريطانية في ليلة الهجوم على جسر لندن السبت الماضي (رويترز) وفي الإطار أنجم تشودري منظر لندنستان قبل حبسه («الشرق الأوسط»)
TT

اعتداءات لندن تثير التساؤلات حول التعامل مع الجماعات المتطرفة

كردون الشرطة البريطانية في ليلة الهجوم على جسر لندن السبت الماضي (رويترز) وفي الإطار أنجم تشودري منظر لندنستان قبل حبسه («الشرق الأوسط»)
كردون الشرطة البريطانية في ليلة الهجوم على جسر لندن السبت الماضي (رويترز) وفي الإطار أنجم تشودري منظر لندنستان قبل حبسه («الشرق الأوسط»)

بعد مرور نحو ثلاث سنوات على بداية الاعتداءات التي اجتاحت مختلف أنحاء أوروبا لتضع الأجهزة الأمنية في موقف العاجز عن تفسير كيفية نجاح الإرهابيين في تخطي إجراءات التفتيش، دخلت بريطانيا في صراع مع النفس للإجابة عن سؤال مختلف عقب اعتداء السبت الماضي: كيف تمكن ثلاثة إرهابيين من تنفيذ ضربات بوسط لندن في الوقت الذي كان فيه على الأقل اثنان منهم معروفَين للسلطات؟ ومنهم خورام شزاد بات الذي لم يحاول إخفاء اتجاهاته المتطرفة.
في الحقيقة، أظهر خورام توجهاته أمام ملايين المشاهدين في الفيلم التسجيلي الذي عرض عام 2016 تحت عنوان «الجهاديون على الأبواب». والشيء الذي كان من المفترض أن يدق ناقوس الخطر أكثر وأكثر، وفق خبراء أمنيين، هو الصلة بين بات وغيره من المهاجمين وبين جماعة بريطانية معروفة باسم «المهاجرون». وكان محللو أساليب مكافحة الإرهاب دعوا إلى اتخاذ إجراءات صارمة ضد تلك الجماعة وضد فروعها على مدار السنوات الماضية. والآن يتساءل الخبراء الأمنيون عما إذا كان تشديد الإجراءات سينقذ أرواح الضحايا، وما إذا كانت هناك دروس لدول أخرى بها جماعات إرهابية محلية.
ولا تزال الظروف التي أدت للقاء الإرهابيين الثلاثة غير واضحة، لكن الباحثين ربطوا بين جماعة «المهاجرون» وبين عدد من العمليات الإرهابية سواء الناجحة أو التي جرى إحباطها في بريطانيا على مدار العقدين الأخيرين، فتلك الجماعة محظورة رسميا، لكنها تعمل بحرية.
وكان زعيم جماعة «المهاجرون»، أنجم تشودري، قد أخضع قوانين حرية التعبير في بريطانيا لاختبار عندما أطلق عددا من المناشدات النارية لحشد المتطرفين، لكنه لم يلق سوى مقاومة محدودة من السلطات البريطانية عام 2015، وكان ذلك عندما حوكم بتهمة الدعوة لحشد الدعم لتنظيم داعش وعوقب بالسجن لخمس سنوات ونصف السنة. وبحسب تصريح منسوب لرئيس وحدة مكافحة الإرهاب بشرطة لندن العام الماضي، فقد «التزم هؤلاء الناس بالقانون لسنوات كثيرة»، في إشارة إلى تشودري وشريكه المتهم محمد رحمن، مضيفا: «لا يوجد أي شخص في عالم مكافحة الإرهاب ينتابه شك في النفوذ الذي تمتعوا به وفي الشر الذي عملوا على نشره وفي أعداد الناس الذين شجعوهم على الانضمام لتنظيمهم الإرهابي».
جاء اعتقال تشودري نتيجة لتغيير في أسلوب عمل سلطات مكافحة الإرهاب البريطانية، التي اعتبرها المراقبون اعترافا بأن نهج «انتظر لترى» قد أثبت فشله، لكن التغيير جاء متأخرا لينقذ ما يمكن إنقاذه في بريطانيا وأوروبا. فنتيجة لحرية الحركة والتنقل بين مختلف أرجاء أوروبا، تمكن داعية الكراهية من تقديم العون والمساندة للجماعات الإرهابية في غيرها من الأماكن ونجح في توسيع نطاق شبكته داخل بريطانيا.
وفي سياق متصل، قال بيتر نيومان، مدير مركز لندن الدولي لدراسة التطرف: «كان هناك دائما جدل بين شرطة اسكتلنديارد، التي كانت تريد اعتقال الرموز الكبيرة، وبين أجهزة الاستخبارات التي أرادت ترك المجال أمام الجماعات المتطرفة مثل جماعة (المهاجرون) لكي تراقب أعضائها». أضاف: «كان الأمر أشبه بلعبة التوازن التي ربما تنتهي بخطأ»، فقد سمحوا لتشودري بالاستمرار في عملياته، بحسب نيومان، وتركوه يدعو أشخاصا إلى التطرف، ولو أنهم منعوه ما كان لهؤلاء الناس أن يصبحوا متطرفين. وانتهى الأمر لبعضهم بالانضمام إلى «داعش» في سوريا والعراق، في حين نفذ آخرون اعتداءات داخل بلادهم. اتسعت دائرة الانتقادات لتشمل رئيسة الوزراء تيريزا ماي التي شغلت منصب وزيرة الداخلية حتى العام الماضي، وأصبح الاعتداء الأخير الذي راح ضحيته ثمانية أشخاص أحد العناصر المهمة التي قد تحدد نتائج الانتخابات المقررة الخميس. وتشير استطلاعات الرأي إلى أن حزب المحافظين الذي تتزعمه ماي يواصل خسارته التأييد الشعبي رغم تقدمه على حزب العمل.
وقبل 24 ساعة من فتح أبواب لجان الاقتراع حاولت ماي استغلال الفرصة الأربعاء الماضي بالإيحاء بأنها ستعمل على تغيير القوانين الخاصة بمكافحة التهديدات الإرهابية.
وفي تصريحا لصحيفة «ذا صن»، التي أيدت حزب المحافظين الأربعاء الماضي، قالت ماي: «لو أن قوانين حقوق الإنسان ستشكل حجر عثرة في سبيل تحقيق ذلك، سنغير هذه القوانين».
وأفاد خصومها بأنها كانت تحاول إبعاد الانتباه عن الانتقادات الحادة لتخفيض ميزانية الشرطة الذي حدث خلال فترة توليها لوزارة الداخلية على مدى ست سنوات كاملة. وقد أشرفت ماي على تقليص الإنفاق بقطاع الشرطة، وكان من نتائجه الاستغناء عن 20.000 ضابط؛ مما زاد من المخاوف بشأن مقدرة بريطانيا على منع الهجمات قبل حدوثها. وبحسب مسؤول عمل في مكافحة الإرهاب حتى وقت قريب، فهناك على الأقل 3000 شخص في بريطانيا يشكلون تهديدات إرهابية، ناهيك عن آلاف عدة يساندون أو يتعاطفون مع الجماعات المسلحة. فمراقبة مشتبه فيه ليوم ليل نهار تتطلب نحو 20 ضابطا، مما يعني نصف عدد الشرطة البريطانية في حال رغبت الحكومة في مراقبة جميع المشتبهين ذوي الخطورة العالية.
غير أن عدم القدرة على مراقبة جميع المشتبهين تسببت في هجمات ذات خسائر كبيرة. ففي تفجيرات لندن التي جرت في 7 يوليو (تموز) 2005، كانت السلطات تراقب بعضا من المشتبه بهم قبل قيامهم بالتنفيذ، غير أنها فشلت في ملاحظة إشارات تحذير مبكرة، وفق تقرير صادر عن لجنة الأمن بالبرلمان البريطاني. وفي اعتداء مانشستر الأخير، كانت السلطات على علم بنشاطات الانتحاري منفذ العملية بعد أن تقدم عدد من جيرانه ببلاغات ضده لكنه لم يوضع تحت المراقبة.
وأوضح أوتسو أيهو، كبير المحللين بمركز «أي إتش إس، جينز لتحليل الإرهاب والتمرد»، بأنه «لتتخذ قرارا مثل هذا، فإن السلطات تفكر في عوامل مثل وجود شركاء للمشتبه به أو صلات بجهات أجنبية أو بجماعات مسلحة لتحدد ما إذا كان يجب عليها تخصيص وقت لمراقبة شخص واحد». أضاف: «ولأن الإرهابيين باتوا يتحاشون استخدام مواد غير مشروعة للإعداد للهجمات فقد أصبح منعهم أصعب بكثير. ولذلك يتعين على السلطات البحث عن الشبكات المحتملة وعن الدوائر الاجتماعية التي ربما يتواجد فيها هؤلاء الأشخاص والتي تجعلهم عرضة للتطرف».
لكن هذا المنطق يضع السلطات في موقف غير مريح؛ نظرا لأن أسهل الطرق لمراقبة تلك الدوائر التي يتواجد فيها المشتبهون هي ترك هذه الدوائر تعمل من أجل رصدها عن بعد، لكن بحسب ما أظهرت اعتداءات السبت، فهذه الاستراتيجية تمثل خطأ كبيرا في حال تمكن بعض الأشخاص من الإفلات منها.
فأحد منفذي الاعتداء الأخير (22 عاما)، إيطالي من أصل مغربي يدعي يوسف زغبة، أوقف من قبل السلطات الإيطالية في مارس (آذار) 2016، بينما كان في الطريق إلى تركيا للانضمام إلى «داعش». وفي حديثها إلى تلفزيون «بي بي سي»، أشارت والدته بعد الاعتداء إلى أنها قالت له «كن مثاليا الآن، ولا يجب عليك الاطلاع على الأشياء الغريبة على الإنترنيت أو مقابلة غرباء»، وبدلا من أن يحرص على تنفيذ تلك النصائح، سافر زغبة إلى لندن واختفى من على رادار السلطات حتى اعتداء السبت.
* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ {الشرق الأوسط}



النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
TT

النظام الدولي لإدارة البحار والمحيطات يواجه شبح الانهيار

ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)
ذوبان جليد القطب الشمالي يفتح طرقاً تجارية جديدة (رويترز)

على مدى القرون الخمسة الماضية، كانت اليابسة محور التنافس والصراع بين المجتمعات البشرية، حتى أصبح كل شبر منها، باستثناء القارة القطبية الجنوبية، خاضعاً لسيادة دولة ما، في حين ظلت المحيطات والبحار خارج هذه السيطرة.

بنما سيتي مدينة تكتسب أهميتها من قناة بنما (أ.ف.ب)

وعندما حاول بعض الدول فرض السيطرة على البحار وتنظيمها، فشلت المحاولات لأنها كانت شاسعة للغاية، بحيث تعذرت السيطرة عليها لفترات طويلة. وخلال الحرب الباردة بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي، في النصف الثاني من القرن العشرين، تجنبت القوى العظمى الدخول في سباق محموم للاستيلاء على المحيطات.

واتفقت معظم الحكومات على التعامل معها من خلال مجموعة من المعاهدات والهيئات التي سعت إلى ضمان حرية الملاحة في المياه الدولية، مع تخصيص مساحات من البحار للدول المطلة عليها بتصنيفها مياهاً إقليمية أو منطقة اقتصادية خالصة لكل دولة.

لكن ميشال ألبرتوس، أستاذ العلوم السياسية في جامعة شيكاغو الأميركية، يقول في تحليل نشرته مجلة «فورين أفيرز»، إن هذا النظام الدولي للبحار والمحيطات ينهار الآن، حيث يعطّل الحوثيون في اليمن حركة الملاحة في مضيق باب المندب، فيما يدور صراع بمنطقة مضيق هرمز.

وفي يوليو (تموز)، طرح الرئيس الأميركي دونالد ترمب، فكرة تحصيل الولايات المتحدة رسوماً على المرور في «هرمز»، قبل أن يتراجع عن الخطة لاحقاً.

سفن راسية في مياه عُمان قرب مضيق هرمز (أ.ف.ب)

وفي الوقت نفسه، تتنافس حكومات أخرى للسيطرة على المياه الدولية والموارد البحرية؛ فتسعى روسيا لبسط سيطرتها على مساحات شاسعة من مياه القطب الشمالي وقيعان البحار، وتُنشئ الصين جزراً اصطناعية في بحر الصين الجنوبي، وتوسع الولايات المتحدة نطاق نفوذها في قيعان البحار خارج منطقتها الاقتصادية الخالصة، وتسعى دول عديدة لبدء استخراج المعادن النادرة الحيوية من المحيطات.

* توجه عالمي

يأتي هذا التوجه العالمي نحو السيطرة على الممرات البحرية أو مساحات شاسعة من البحار والمحيطات، بالتزامن مع تدهور قوة المؤسسات والمعاهدات الدولية التي حافظت على حرية الملاحة في المحيطات على مدى عقود. والآن تواجه التجارة العالمية تهديداً وجودياً إذا سارعت الحكومات إلى فرض سيطرتها على بحار الأرض، كما فعلت مع اليابسة، ليدخل العالم حقبة جديدة من الصراعات البحرية.

سفينة شحن راسية عند الساحل اليمني قرب باب المندب (أ.ف.ب)

ويقول ألبرتوس مؤلف كتاب «عودة الغزو» الذي لا يزال قيد الطبع، إن العالم الذي يتم فيه تقسيم المحيطات سيكون حتماً أفقر وأشد خطورة.

وبعد أن أعلنت إيران عزمها على فرض رسوم عبور في مضيق هرمز الذي تسيطر عليه وتغلقه عملياً منذ الهجوم الأميركي - الإسرائيلي عليها في نهاية فبراير (شباط) الماضي، لمّح وزير المالية الإندونيسي إلى احتمال فرض بلاده رسوم عبور في مضيق ملقا، قبل أن يتراجع عن تصريحه فيما بعد. ويعد مضيق ملقاً ممراً بحرياً حيوياً في جنوب شرقي آسيا يمر عبره نحو 29 في المائة من إمدادات النفط العالمية المنقولة بحراً.

كما أن الصين دأبت على تجاهل حكم ملزم صدر عام 2016 بموجب اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، يرفض مزاعمها الواسعة في بحر الصين الجنوبي. وتخالف بكين هذا القرار ببناء جزر اصطناعية على الشعاب المرجانية المتنازع عليها، والتعدي على المنطقة الاقتصادية الخالصة للفلبين، ومحاصرة تايوان.

أما روسيا، فتدور حولها شبهات بشأن استخدام سفن ذات هويات مخفية لقطع الكابلات البحرية، بوصف ذلك جزءاً من حملة أوسع لزعزعة استقرار الدول الأوروبية رداً على دعمها لأوكرانيا في حربها ضد روسيا.

* تغيّر المناخ

من المنتظر أن يؤدي تغير المناخ إلى نشوب نزاعات جديدة عبر المحيطات؛ فمع استمرار ذوبان الجليد في القطب الشمالي من المنتظر أن تنشط حركة الملاحة البحرية في الطريق البحري الجديد الذي ربط أوروبا وآسيا على طول الساحل الروسي المطل على القطب الشمالي. ومن الصعب تصور سماح موسكو بحرية المرور عبر هذا الطريق، علماً بأنها تجبر حالياً السفن الأجنبية التي تمر عبر هذا الطريق، على الخضوع لنظام معقد وخانق من التصاريح والتراخيص. كما أنها تعامل ممرات مائية، مثل مضيق فيلكيتسكي قبالة الساحل السيبيري، على أنها ممرات مائية داخلية تخضع للولاية القضائية الروسية، وليست مضائق دولية.

ولا تقتصر الصراعات على المحيطات على السيطرة على حركة الملاحة؛ فمع هيمنة الصين على الإمدادات العالمية الحالية من معادن الأرض النادرة واستغلالها لها ورقةَ ضغط قوية، تستكشف دول أخرى إمكانات استخراج المعادن من قيعان المحيطات؛ إذ تحتوي أراضي المحيطات في مناطق مثل منطقة كلاريون-كليبرتون في شمال المحيط الهادئ بين هاواي والمكسيك، وحوض المحيط الهندي الأوسط، وحوض بنرين في جنوب المحيط الهادئ، على كميات ضخمة من الأحجار التي تحتوي على معادن بالغة الأهمية.

غواصة تايوانية يظهر برجها في مياه مضيق تايوان (رويترز)

وقد أصدرت السلطة الدولية لقاع البحار، التابعة لاتفاقية الأمم المتحدة، عشرات عقود التنقيب التي تسمح للحكومات بمسح قاع المحيط ورسم خرائطه، وجمع البيانات البيئية، واختبار تقنيات الاستخراج. إلا أن الهيئة تحظر حالياً التعدين التجاري لعدم اتفاق أعضائها على المعايير البيئية أو قواعد الامتثال لها.

* ثروات في القاع

من المرجح أن تعترض الدول الموقعة على المعاهدات الدولية التي تقيد الأنشطة الاستخراجية في المحيطات والبحار، بما فيها الصين والهند وروسيا، إذا مضت الولايات المتحدة قدماً في إقامة مشروعات للتعدين في المحيطات المفتوحة. ورغم أن بكين وموسكو تتجاهلان قوانين البحار الأخرى، فإنهما ستستشهدان بتعدين الولايات المتحدة لتبرير قوانينهما الخاصة.

وكما الحال مع الأنظمة الأخرى القائمة على القواعد، لن ينهار النظام الدولي لإدارة المحيطات دفعة واحدة، لأن القوى العظمى ما زالت تستفيد من بعض القواعد؛ مثل تنظيم مصائد الأسماك، حتى لو كانت ستجني مكاسب من الفوضى بمجالات أخرى؛ بل من المرجح أن ينهار النظام تدريجياً.

وأخيراً يحذر ألبرتوس من تباطؤ حركة التجارة، في عالمٍ تتنازع فيه الدول السيطرة على المحيطات؛ إذ ستضطر السفن إلى اتخاذ مسارات متعرجة عبر البحار، ودفع رسوم متزايدة في المضائق، وسترتفع أسعار السلع، وتصبح سلاسل الإمداد أشد اضطراباً وأكثر عرضة للانقطاع. وقد يتطور غزو المحيطات في نهاية المطاف كما لو كان غزواً للأراضي، حيث تستحوذ الدول الأقوى - أو تلك التي تصل أولاً - على ملكية الموارد. وسيتضاعف عدد بؤر التوتر الجيوسياسي مع تسابق الحكومات للاستيلاء على أكبر حصة من المحيطات وحماية سيادتها المزعومة باستخدام القوة.


سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
TT

سيارة تصدم حشداً شمال سيدني... واستبعاد فرضية الإرهاب

عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)
عناصر من الشرطة يظهرون بمسرح جريمة في بادينغتون بسيدني عام 2024 (رويترز)

أعلنت السلطات الأسترالية إصابة 10 أشخاص جراء اندفاع رجل ​بسيارته نحو حشد من الناس في مدينة نيوكاسل اليوم (السبت)، بعدما بدا أنه فقد السيطرة على المركبة، وفقاً لوكالة «رويترز».

وألقي القبض على السائق البالغ من العمر 18 عاماً في ‌مكان الحادث بضاحية وولسيند ​بالمدينة، ‌التي ⁠تبعد ​بنحو 110 ⁠كيلومترات إلى الشمال من سيدني عاصمة ولاية نيو ساوث ويلز.

وجاءت الواقعة بينما كان مشجعون قد اصطفوا في الشوارع لتوديع فريق نيوكاسل نايتس لدوري ⁠الرجبي، الذي من المقرر ‌أن ‌ينافس في نهائي الدوري الوطني ​للرجبي في ‌سيدني غداً (الأحد).

وقالت السلطات ‌إن اثنين من المصابين الذين نقلوا إلى المستشفى، وهما طفلة تبلغ من العمر 5 سنوات ورجل ‌يبلغ من العمر 67 عاماً، في حالة حرجة.

وأفاد جافين ⁠موريس ⁠رئيس بلدية نيوكاسل بأن السائق بدا أنه فقد السيطرة على السيارة التي صدمت الحشد. وقال موريس في تصريحات نقلها التلفزيون: «يبدو أنه كان يضغط على دواسة الوقود لتسريع المحرك بطريقة ما».

وأكدت الشرطة أن المؤشرات الأولية تفيد بأنه ​حادث لا ​علاقة له بالإرهاب.


قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
TT

قبل انطلاق الرصاص... التضليل الإعلامي في زمن التزييف العميق

زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)
زمن رقميّ قد تضيع فيه الوقائع خطأً أو عمداً (رويترز)

لم تعد الحرب تصل إلى الناس فقط عبر دويّ المدافع أو صور المدن المدمرة؛ ففي زمن الهاتف الذكي، قد تبدأ الحرب الحقيقية قبل أن تصل القذائف وينطلق الرصاص، وقد تستمر بعد توقفها، داخل الشاشات والعقول ووسائل التواصل الاجتماعي. روايات متناقضة، وصور مفبركة، ومقاطع فيديو خارج سياقها، وحسابات آلية، وأخبار كاذبة تتنافس جميعها على تشكيل صورة الصراع في أذهان الناس.

وهنا يبرز سؤال أكثر خطورة من مجرد عدد الحروب الدائرة في العالم: ماذا يحدث عندما تصبح الحرب خبراً عادياً؟ وهل يمكن أن يؤدي التكرار المستمر للعنف إلى إضعاف قدرتنا على الشعور بالصدمة والرفض والتعاطف؟

هل اعتمد أغسطس قيصر التضليل السياسي؟ (ويكيميديا)

* ظاهرة قديمة

ليست الحرب الدعائية ظاهرة جديدة؛ فمنذ روما القديمة، أدرك المتنافسون أن كسب المعركة لا ينفصل عن كسب الرأي العام؛ ففي القرن الأول قبل الميلاد، خاض أوكتافيان ومارك أنطوني صراعاً دعائياً موازياً لصراعهما السياسي والعسكري، واستخدم الطرفان العملات والقصائد والمنشورات والخطب لحشد التأييد.

ووجه أوكتافيان ضربة قاصمة إلى خصمه عندما تلا أمام مجلس الشيوخ ما قيل إنه وصية أنطوني، التي أظهرت، بحسب الرواية، ولاءه لكليوباترا ملكة مصر أكثر من ولائه لروما. ولا يزال المؤرخون يختلفون حول ما إذا كانت الوثيقة حقيقية أم ملفقة. لكن بصرف النظر عن حقيقتها، أدت الرواية دوراً في تعبئة الرأي العام ضد أنطوني، وانتهى الصراع بتحوّل أوكتافيان إلى حاكم وحيد لروما ليضطلع بدور حاسم في تحوّل الجمهورية الرومانية إلى الإمبراطورية الرومانية، ويكسب لقب «المبجّل» بقرار من مجلس الشيوخ ويصبح اسمه أغسطس قيصر.

 

*الأدوات الجديدة

المبدأ نفسه لم يتغير كثيراً، لكن أدواته تغيرت جذرياً.

واليوم، يملك أي شخص القدرة على إنتاج صورة أو مقطع أو رواية والوصول بها إلى ملايين الأشخاص خلال ساعات. وهنا يجب التمييز بين المعلومات المضللة؛ أي المعلومات الخاطئة التي تنتشر من دون قصد متعمد بالضرورة، والتضليل المتعمد، الذي يقوم على نشر معلومات كاذبة بهدف التأثير في الجمهور أو تضليله.

وفي الحروب، تصبح الحدود بين الإعلام والدعاية أكثر ضبابية؛ فكل طرف يسعى إلى تقديم نفسه بوصفه الضحية، وإظهار خصمه بوصفه المعتدي، واختيار الصور والأرقام والقصص التي تخدم روايته. ومع تكرار الرواية نفسها، يمكن أن تتحول المعلومة غير الدقيقة إلى «حقيقة» في أذهان بعض الناس؛ ليس بالضرورة لأنها مقنعة، بل لأنها أصبحت مألوفة، ولتلكؤ المتلقّي عن التدقيق لمعرفة الحقيقة.

عمال إنقاذ خارج مدرسة تضررت بالقصف في كييف... أين الحقيقة في حرب أوكرانيا؟ (أ.ف.ب)

وتشير الأبحاث النفسية إلى أن الإنسان لا يتعامل مع كل معلومة جديدة بوصفه محققاً؛ فهو غالباً ما يركز أولاً على فهم المعلومة وتحديد ما الذي ينبغي أن يفعله بناء عليها. وإذا كانت المعلومة الكاذبة معقولة ومتناغمة مع ما يؤمن به مسبقاً، فقد يصنّفها حقيقة ويتبنّاها.

وتزداد قابلية التصديق عندما تأتي المعلومة من مصدر ينتمي إليه الشخص أو يثق به، أو عندما تكون مشحونة بالخوف والغضب. كما أن تكرار الادعاء يزيد احتمال تصديقه، حتى عندما يتعارض مع المعرفة السابقة.

 

* منصّات وخوارزميات

هنا تلعب منصات التواصل الاجتماعي دوراً بالغ الأهمية؛ فالخوارزميات مصممة أساساً لجذب الانتباه والتفاعل، والمحتوى المثير للغضب أو الخوف أو الصدمة يمتلك غالباً قدرة أكبر على الانتشار من المادة الهادئة والمتأنية. وهكذا قد لا تنتصر الرواية الأكثر دقة، بل الرواية الأكثر قدرة على إثارة الانفعال.

ويضيف التطور التكنولوجي طبقة جديدة إلى المشكلة؛ فالذكاء الاصطناعي التوليدي جعل إنتاج الصور ومقاطع الفيديو المزيفة أكثر سهولة، وزاد صعوبة التمييز بين الحقيقي والمصطنع. وإذا كان الجمهور قد اعتاد على سيل متواصل من المعلومات المتضاربة، فإن ظهور «التزييف العميق» يجعل السؤال أكثر تعقيداً: ما الذي يمكن تصديقه عندما تصبح الصورة نفسها قابلة للتزوير، أو حتى للاختلاق من لا شيء؟

مسيّرة تابعة لقوات حلف شمال الأطلسي في سماء لاتفيا... الذكاء الاصطناعي في صلب أدوات الحرب الحديثة مع كل الإمكانات التي يوفرها لـ«ابتكار» المعلومات ونشرها (أ.ف.ب)

وهنا قد لا يكون الخطر في أن يصدق الناس كل شيء، بل في أن يصلوا إلى مرحلة لا يصدقون فيها شيئاً؛ فالتعرض المستمر للمعلومات المتناقضة والمفبركة يمكن أن يضعف الثقة بالإعلام والمؤسسات، ويزيد الاستقطاب، ويجعل الأفراد أكثر تشكيكاً في الحقائق المشتركة التي يحتاج إليها أي مجتمع لاتخاذ قراراته. وفي زمن الحرب، يمكن أن يكون لذلك ثمن إضافي: يصبح الضحايا أرقاماً، وتتحول المآسي إلى محتوى، ويتعامل الجمهور مع أخبار القتل والدمار كما يتعامل مع أي خبر آخر يمر على الشاشة ثم يختفي قبل أن يطويه النسيان.

 

* إرهاق جماعي

لكن الاعتياد لا يعني بالضرورة غياب التعاطف. وقد يكون ما يحدث أقرب إلى إرهاق جماعي من الأخبار؛ فحين تتراكم الأزمات والحروب والكوارث، قد يعجز الإنسان عن الاحتفاظ بالمستوى نفسه من الانفعال تجاه كل حدث؛ فالحرب التي كانت قادرة على إيقاف العالم للحظة قد تصبح، بعد أشهر أو سنوات، خبراً آخر بين أخبار الاقتصاد والرياضة والطقس...

(اللبنانيون - على سبيل المثال - عاشوا ذلك في فترة 2019 - 2020، بدءاً من اندلاع حرائق هائلة مجهولة الأسباب، مروراً بالانهيار المالي وامتلاء شوارع وساحات بناس منتفضين، وكذلك بـ«كوفيد»، وانتهاء بكارثة انفجار مرفأ بيروت).

وهنا تكمن المفارقة: كلما ازدادت قدرتنا على رؤية الحروب لحظة بلحظة، تقل قدرتنا على الاستمرار في الإحساس بوقعها.

ولا بدّ من القول إن المواجهة لا تبدأ فقط بالتحقق من الأخبار الكاذبة، بل أيضاً بتعليم الناس كيف يسألون: من نشر هذه المعلومة؟ وما مصدرها؟ وهل ثمة مصادر مستقلة تؤكدها؟ وهل الصورة حديثة فعلاً أم أُخرجت من سياق آخر وأعيد استخدامها؟

فالمعركة على الحقيقة ليست منفصلة عن المعركة على الحرب. وفي عالم يمكن فيه لصورة واحدة مفبركة أن تصل إلى ملايين الأشخاص، تصير القدرة على الشك والتحقق نوعاً من الدفاع المدني الرقمي.

الحرب السيبرانية جزء من الواقع الجديد (رويترز)

ربما لم يعتد العالم على العنف تماماً. لكنه ألِف، إلى حد ما، مشاهدة العنف.

والفارق بين الاثنين مهم. لأن الخطر الحقيقي لا يبدأ عندما نتوقف عن رؤية الحرب، بل عندما نتوقف عن طرح الأسئلة عنها... عندما تصير الجثث صوراً، والدمار خلفية، والضحايا مجرد أرقام، والحرب خبراً عادياً يمر أمام أعيننا قبل أن ننصرف إلى مشاغلنا اليومية.

 

* قالوا في التضليل

- توماس جيفرسون، الرئيس الثالث للولايات المتحدة، (1743 - 1826): «لم يعد بالإمكان تصديق أي شيء يُنشر في صحيفة؛ فالحقيقة نفسها تصبح موضع شك لمجرد وضعها في تلك الوسيلة الملوّثة».

- وينستون تشرشل، رئيس الوزراء البريطاني (1874 - 1965): «في زمن الحرب، تكون الحقيقة ثمينة إلى حدّ أنها ينبغي أن تحاط دائماً بحرس شخصي من الأكاذيب».

وسائل التواصل الاجتماعي... ملعب الروايات المتضاربة والشائعات (رويترز)

- باراك أوباما، الرئيس الأميركي بين 2009 و2017: «هناك مقدار هائل من المعلومات المضللة النشطة، وهي تُقدَّم بطريقة جيدة جداً... فإذا بدا كل شيء متشابهاً ولم نعد نميّز بين الأشياء، فلن نعرف ما الذي ينبغي لنا أن نحميه».

- الكاتب الآيرلندي جوناثان سويفت (1667 - 1745): «الباطل يطير، بينما تأتي الحقيقة وهي تجرّ أذيالها».

- الكاتب الآيرلندي جورج برنارد شو (1856 - 1950): «احذروا المعرفة الزائفة؛ فهي أخطر من الجهل».

- الصحافي الأميركي كارل بيرنستين (82 عاماً): «أدنى أشكال الثقافة الشعبية - انعدام المعلومات، والمعلومات المضللة، والمعلومات الكاذبة المتعمدة، وازدراء الحقيقة أو واقع حياة معظم الناس - قد اجتاح الصحافة الحقيقية».