جيامبيرو بودينو: أدين بنجاحي للحظ وحرية الإبداع

فنان يصوغ جواهره لتكون زينة وخزينة

جيامبيرو بودينو في مكتبه - ساعة «روزا دي فانتي» السرية - عقد «بريمافيرا جيولييتا» - ساعة «موزاييكو»
جيامبيرو بودينو في مكتبه - ساعة «روزا دي فانتي» السرية - عقد «بريمافيرا جيولييتا» - ساعة «موزاييكو»
TT

جيامبيرو بودينو: أدين بنجاحي للحظ وحرية الإبداع

جيامبيرو بودينو في مكتبه - ساعة «روزا دي فانتي» السرية - عقد «بريمافيرا جيولييتا» - ساعة «موزاييكو»
جيامبيرو بودينو في مكتبه - ساعة «روزا دي فانتي» السرية - عقد «بريمافيرا جيولييتا» - ساعة «موزاييكو»

خلال أسبوع باريس للموضة الأخير، وفي فندق الريتز، كان اللقاء مع جيامبيرو بودينو. كانت المناسبة كشف الستار عن 3 ساعات سرية تُجسد شغفه بالأشكال الهندسية وفن العمارة، كما تُعبر عن رومانسية عميقة تجسدها الورود المتفتحة بشتى ألوان الأحجار الكريمة.
ساعة «بريمافيرا» مثلاً تُجسد بساطة الورد في تصميم ثلاثي الأبعاد، تُعززه أشكال بتلات من الماس والسافير الوردي، إضافة إلى أحجار ماسية رمادية، بينما تأتي ساعة «روزا دي فانتي» على شكل زنبقة ماء ناعمة، تتوسطها زمردة غير مصقولة من عيار 11.49 قيراط، من زامبيا. وأخيراً وليس آخراً، ساعة «موزاييكو» بشكلها الهندسي الذي تغطيه فسيفساء من الدوائر المتشابكة المصنوعة من أحجار الألماس المرصعة على حجر السبينل الأبيض والذهبي والأسود. هذه الساعات الثلاث طال انتظارها من المصمم، فرغم تعاوناته لسنوات وراء الكواليس مع شركات ساعات مهمة ضمن مجموعة ريشمون، مثل «بانيراي» و«بولغاري» وغيرهما، ارتأى أن ينصب تركيزه على الجواهر الرفيعة أولاً عندما أطلق داره، في عام 2013.
عندما يدخل جيامبيرو بودينو القاعة التي تستعرض فيها الساعات الثلاث، يشدك بطوله الفارع، ومظهره الذي يحاكي أسلوب نجوم الروك أند رول. كان يلبس جاكيتاً جلدياً، وبنطلوناً من الجينز باللون الأسود، وحذاءً عالي الرقبة يُربط بأحزمة، فضلاً عن خواتم ضخمة تزين أصابعه.
ليس هذا هو المظهر الذي ترسمه في خيالك لمصمم جواهر، لكن هذا لا يمنع من القول إن قوة تأثيره لا يضاهيها سوى درامية الأحجار الكبيرة التي يصوغ بها تصاميمه. عندما أشير له بانطباعي الأولى، يرد مبتسماً وهو يطمئنني بأن مظهره يخفي في جوهره طفلاً مسكوناً بالرومانسية، وبأنه مزيج بين القوة والنعومة، العقل والعاطفة: «وأعتقد أن هذا مهم جداً في عملي، وتعكسه تصاميمي. فهي كلاسيكية في شكلها، لكنها تتضمن دائماً عنصراً جديداً ومبتكراً (...) وهذا هو ما اعتبره عصرياً».
ثم يتابع بصوت تعمد أن يكون هامساً: «لا تستغربي أني أبكي ولا أتمالك دموعي عندما أشاهد فيلماً حزيناً، أو رومانسياً... أنا لا أمزح».
ورغم كل ما حققه من نجاحات، واكتسبه من سُمعة طيبة في مجاله، يتميز بودينو بتواضع فطري، يصل أحياناً إلى درجة التقليل من قدراته. فطوال الحديث معه، كرر عشرات المرات أنه لولا الحظ لما وصل إلى ما وصل إليه: «قد أكون موهوباً، وقد تخرجت من الجامعة بدرجات عالية، لكن الحظ لعب دوراً مهماً في حياتي. فهناك أشخاص موهوبون ومتفوقون في مجالاتهم، ولم تُتح لهم فرصة ليفجروا ما بداخلهم من طاقة. وبالتالي، لم ينالوا ما يستحقونه (...) مشكلتهم لم يوجدوا في المكان المناسب والوقت المناسب (...) من هذا المنظور، اعتبر نفسي محظوظاً».
وُلد جيامبيرو بودينو ودرس في تورينو، عاصمة صناعة السيارات الإيطالية، وكان من الممكن أن يبقى فيها طوال حياته، مثل كثير من أبناء جيله ممن تخرجوا معه لولا الصدفة أو الحظ، كما يسميها. وبما أنه كان من المتخرجين المتفوقين، لم يجد صعوبة في أن يجد وظيفة في مجال تصميم السيارات مباشرة بعد تخرجه، وكان من الممكن أن يبقى مكتفياً بها طوال حياته، لكن الأقدار كانت في صالحه. ففي يوم من الأيام، تلقى رسالة من مدير مدرسته القديمة، يطلب فيها مقابلته، ليخبره بأن واحداً من أفراد عائلة بولغاري، المالكة لدار الجواهر الشهيرة بروما، أعجب في زيارة له للمدرسة برسم كان قد قدمه وهو طالب فيها، ويرغب في مقابلته. وبالفعل، حصل اللقاء، وأعرب السيد بولغاري لبودينو الشاب عن أنه ينوي إعادة هيكلة الشركة، وتغيير مصمميها بروما. ويتذكر بودينو أن السيد بولغاري أخبره - حينذاك - بأنه لم يكن يريد مصمماً له خبرة طويلة في تصميم الجواهر، بل يبحث عن شاب من مجال آخر، له قدرة على تقديم رؤية مختلفة عما هو سائد في الساحة. «كان من الممكن أن أرفض، وأبقى في تورينو، لكني كنت شجاعاً وقبلت التحدي، وهو ما اعتبره أيضاً حظاً لأنه فتح آفاقي على أشياء كثيرة»، حسب قوله.
لا يختلف كل من يعرف بودينو شخصياً، أو من خلال تصاميمه، على أنه فنان مُبدع عاشق للجمال. فقد ساعدته دراسته للهندسة المعمارية، وعمله في تصميم السيارات، ثم عمله لفترة طويلة وراء الكواليس، على اكتساب خبرة عميقة. فمجموعة ريشمون التي يعمل معها منذ عدة عقود تضم بيوت جواهر وساعات من عيار كارتييه، فان كليف أند آربلز، بياجيه، جيجير لوكولتر، أوفيشيني بانيراي، فاشرون كونستانتين، بوم أن ميرسييه، مونبلان، وغيرهم.
ورغم أنه كان بإمكان «ريشمون» أن تشتري أي دار جواهر قديمة وتُنعشها، مثل ما حصل مع كثير من بيوت الأزياء والجواهر في العقد الأخير، فإن جوهان روبرت، الرئيس التنفيذي للمجموعة، رأى أن تأسيس دار جديدة من الصفر أسهل، وأرخص بكثير، لأنها لا تحتاج إلى تسويق وعلاقات عامة وما شابه من أمور. الأهم من هذا أنه كان مؤمناً ببودينو، ويثق بأنه أفضل من يمكن أن يقوم بالمهمة، عدا أنه شعر بأن الوقت قد حان لكي يأخذ حقه، ويُوقع تصاميمه باسمه الخاص.
مرة أخرى قبل المصمم التحدي، وإن بعد تردد هذه المرة لأن فورة الشباب التي كانت تتملكه منذ قرابة 20 عاماً تقريباً خففت منها تجارب الحياة.
ومع ذلك، شعر بأن «الوقت كان مواتياً»، حسب رأيه، ليقبل عرضاً ربما كان سيرفضه من قبل. صحيح أن العمل مع الآخرين وسع نظرته الفنية، ومنحه خبرة لا تقدر بثمن، لكن تبقى بداخل كل فنان طاقة هائلة تحتاج للتنفيس عنها بأسلوبه الخاص، ومن دون قيود أو تقيد برموز متوارثة.
من هذا المنظور، كانت المسألة بالنسبة له بمثابة هدية، بمعنى أنها كانت «كنفس» أبيض يمكنه أن يرسم عليه تصوره الشخصي للجمال والأناقة بحرية تامة. هنا أيضاً، يعود إلى تذكيري بالحظ ودوره في حياته، بدءاً من تفكير جوهان روبرت به في المقام الأول، إلى ثقته به ومنحه كل الصلاحيات، بوضع كل الإمكانيات التي تتمتع بها المجموعة تحت تصرفه، موضحاً: «أنا لم أبدأ من الصفر مثل غيري، والحرية التي مُنحت لي ترف لا يمكن وصفه».
عندما يعود الحديث إلى الجواهر، يشرح أنها مثل الناس تماماً: «أحياناً نرى شخصاً يعجبنا عن بُعد، وعندما نجلس معه، ونتعرف عليه أكثر، يختفي جماله، وتحل محله حالة من الملل، أو نشعر بأنه عادي جداً، وهو ما ينطبق على الجواهر أيضاً». كان هنا يُلمح إلى أن التصاميم المطروحة في الأسواق حالياً بأسعار خيالية أصبحت متشابهة في تسابقها على جذب الانتباه، وتحقيق الربح بالترويج لها على أنها استثمار. صحيح أنه لا غبار عليها، ولا تفتقد إلى الدقة والجودة، حسب رأيه، لكنها تفتقد إلى العاطفة «وهذا ما أحرص على أن أضيفه في كل قطعة أصوغها (...) ذلك الإحساس بالحب والتفرد والخصوصية، فأنا لست تاجر جواهر مهمته بيع الأحجار الكريمة بأي شكل». هذا لا يعني أنه لا يولي الأحجار الكريمة والكبيرة الحجم أهمية، فهو يختارها بدقة، كما يستعملها بسخاء لتكون استثماراً بعيد المدى، لكنه يرفض أن يأتي على حساب الإبداع في التصميم، «فأنا لو ركزت على الأحجار وحدها، سأتجاهل عنصر الإبداع والابتكار، وأسقط في مطب التكرار. ثم إن هذه الأحجار تتنفس وتتحدث لغة راقية، مهمتي أن أفهمها لكي أوظفها في أشكال تُبرز جمالها وطاقتها، لا سيما أن الوقت قد تغير».
التغيير الذي يقصده يطال أيضاً مفهوم الترف، وطرق التسوق حالياً «فمنذ 20 أو 30 سنة تقريباً، كان اسم الدار هو الذي يُحدد قيمة وأهمية قطعة الجواهر. ورغم أن الأمر لا يزال كذلك إلى حد ما لأن الناس تثق في دار معروفة لسمعتها، أو لتعاملهم معها لعقود، أو فقط بدافع الرغبة في استعراض قدراتهم الشرائية، فإني ألاحظ تغيراً ملموساً يظهر جلياً في تقنينهم لما يشترونه. فهم يكتفون الآن بقطعة واحدة مميزة فريدة، عوض شراء عدة قطع، خصوصاً أنهم يدفعون مبالغ طائلة يريدون أن يكون لها ما يبررها».
هذه الثقافة لا تزال برأيه في أولها، ولم تنضج تماماً، إلا أنها تتضح بالتدريج. فزبون اليوم يريد التصميم المبتكر الأنيق، وفي الوقت ذاته الاستثمار فيها، فيما يخص المواد المترفة والأحجار عالية الجودة المستعملة فيها. فالجواهر كانت دائماً زينة وخزينة، وهذه هي المعادلة التي عمل جيامبيرو بودينو على تحقيقها، ونجح.



الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
TT

الملك تشارلز في أسبوع الموضة بلندن: حضور متوقع ومخطط له مسبقاً

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)
هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

حضر الملك تشارلز الثالث أسبوع لندن الأخير لخريف وشتاء 2026، مثيراً ضجة عالمية، كان لها مفعول السحر على أسبوع عانى من التهميش طويلاً. سبب الضجة لا يعود إلى حضوره بقدر ما يعود إلى التوقيت. فقد كان بعد ساعات من توقيف شقيقه أندرو لدى الشرطة البريطانية بشبهة ارتكاب مخالفات، فيما يمكن اعتباره أول انتكاسة من نوعها للعائلة الملكية.

الملك تشارلز الثالث خلال زيارته للمعرض يستمع لمجموعة من المصممين الصاعدين (رويترز)

الأمر الذي جعل البعض يُفسر هذا الحضور بأنه رسالة رمزية عن الاستقرار واستمرار الحياة، بينما الحقيقة أبسط من ذلك. فالزيارة كان مخططاً لها مسبقاً كجزء من جدول ارتباطاته الرسمية، وليس «ظهوراً مفاجئاً» كما نشرت مجلة «فوغ». ربما يكون المفاجئ في الأمر جلوسه في الصف الأمامي لمتابعة عرض المصممة تولو كوكر، لا سيما وأن هذه الأخيرة، وهي واحدة من الذين تلقوا دعماً من مؤسسة تشارلز الثالث The Prince’s Trust التي أسسها عندما كان ولياً للعهد، لم يكن لديها أدنى علم أنه سيحضر عرضها. صرّحت لمجلة «فوغ» بأنها «سمعت شائعة» في وقت سابق من الأسبوع تفيد بأنه «قد يُشرّف عرضها بحضوره» لكن لا أحد أخبرها رسمياً.

الملك مع المصممة ستيلا ماكارتني خلال زيارته للمعرض (رويترز)

من جهة أخرى، لا بأس من التنويه بأن الملك تشارلز ليس غريباً على الموضة. فقد صنَّفته عدة مجلات رجالية ضمن أكثر رجال العالم أناقة عدة مرات نظراً لاهتمامه بأدق التفاصيل وإطلالاته الكلاسيكية الراقية. كما أنه من أكثر الداعمين للبيئة والتدوير واستعمال مواد عضوية وما شابه من أمور تصب في مجال «الموضة المستدامة» قبل أن تُصبح وسماً رائجاً على وسائل التواصل الاجتماعي. معروف عنه أيضاً رعايته لعدة مبادرات تدعم الحرف اليدوية المحلية.

تجدر الإشارة إلى أن هذه ثاني مرة يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً ومباشراً. سبقته إلى ذلك والدته الراحلة إليزابيث الثانية في عام 2018، عندما حضرت عرض ريتشارد كوين بعد فوزه بجائزة تحمل اسمها، تم إطلاقها لأول مرة في ذلك التاريخ.

هذه هي المرة الثانية التي يحضر فيها ملك بريطاني عرض أزياء حياً بعد الملكة الراحلة إليزابيث الثانية (رويترز)

ومع ذلك لا يختلف اثنان على أن هذا الحضور لم يكن عبثياً. فالموضة صناعة تتقاطع فيها السياسة مع الثقافة والاقتصاد إلى جانب الاستدامة والهوية، ووراء التصفيق والابتسامات المتبادلة تكمن طبقات من الرمزية الهادئة بأن الحياة العامة مستمرة بسلاسة.


في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.