أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) العربية - الكردية بالتعاون مع «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» بقيادة أميركا معركة استعادة مدينة الرقة، من «داعش» شمال شرقي سوريا، ذلك بعد نحو 8 أشهر على انطلاق حملة «غضب الفرات» التي تهدف لطرد التنظيم من كامل المحافظة التي سيطر على القسم الأكبر منها في عام 2014.
ولا تقتصر الهجمات التي يشنها مقاتلون أكراد وعرب على جبهة واحدة، بل تطال 3 جبهات شرق وغرب وشمال المدينة. وأفادت مصادر متقاطعة بأن «قسد» توغلت في الساعات الماضية في حي مشلب شرق الرقة وسيطرت على عدد من المباني داخله. وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إن التقدم في الجهة الشرقية مصحوب بعمليات قتال وانسحابات لعناصر «داعش» من بعض المواقع، لافتا إلى أنه وبالتزامن تتواصل الاشتباكات العنيفة بين «قوات سوريا الديمقراطية» وعناصر التنظيم المتطرف في محيط «الفرقة 17» وداخل حرمها، وعلى محاور في غرب المدينة. وقالت القيادية في «قسد» روجدا فلات لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «دخلت قواتنا مدينة الرقة من الجهة الشرقية في حي المشلب، وهي تخوض حرب شوارع في الداخل»، وأكدت أن قواتها «لديها تجربة وخبرة في حرب الشوارع».
واعتبر التحالف الدولي بقيادة واشنطن أن السيطرة على الرقة ستشكل «ضربة حاسمة» لعناصر «داعش»، معتبرا أن السيطرة النهائية على المدينة ستستغرق وقتا وستكون صعبة. وقال الفريق ستيف تاونسند، القائد العام لقوة المهام المشتركة، إن القتال لتحرير الرقة «سيكون طويلاً وصعباً، ولكن الهجوم سيوجه ضربة قاسية لفكرة داعش»، قائلاً: «من الصعب إقناع المجندين الجدد بأن تنظيم داعش هو قضية رابحة عندما كان قد خسر للتو (عاصمتيه) في كل من العراق وسوريا».
وتابع تاونسند: «لقد شاهدنا جميعا الهجوم البشع في مانشستر. إن تنظيم داعش يهدد جميع دولنا، وليس العراق وسوريا فحسب، بل في وطننا أيضاً، وهذا لا يمكن أن يستمر. وستستمر قوات التحالف في دعم التحالف العربي السوري وقوات سوريا الديمقراطية خلال هجومهما على الرقة كجزء من مهمتها لتقديم المشورة والمساعدة، إذ ستقوم بتزويد المعدات والتدريب والدعم الاستخباراتي واللوجيستي وتوجيه الضربات الدقيقة والمشورة في ميدان القتال».
من جهته، قال العميد طلال سلو المتحدث باسم «قسد» لـ«رويترز» إن عملية اقتحام الرقة بدأت الاثنين وإن المعركة «ستكون قوية لأن داعش) سيستميت للدفاع عن عاصمته المزعومة». وأوضح سلو في تصريح عبر الهاتف من منطقة مزرعة الحكومية، التي تبعد عشرة كيلومترات شمال الرقة: «التحالف له دور كبير جدا لنجاح العمليات، إضافة للطيران هناك قوات تابعة للتحالف تعمل جنبا إلى جنب مع قوات سوريا الديمقراطية».
وكان سلو أعلن الثلاثاء بدء معركة طرد المتطرفين من مدينة الرقة، في مؤتمر صحافي عقده في قرية الحزيمة على بعد 17 كيلومترا شمال المدينة. وقال: «نعلن اليوم بدء المعركة الكبرى لتحرير مدينة الرقة، العاصمة المزعومة للإرهاب والإرهابيين».
وانتزع التنظيم المتطرف السيطرة على المدينة التي تبعد نحو 90 كيلومترا من الحدود مع تركيا، من فصائل المعارضة في العام 2014 وأعلنها عاصمة لدولته المزعومة واستخدمها قاعدة للتخطيط لعمليات إرهابية في الغرب.
ونقل «داعش» في الأسابيع والأشهر الماضية أمراءه الأجانب وعائلاتهم كما قياداته البارزة من الرقة إلى محافظة دير الزور التي يسيطر على القسم الأكبر منها، ولم يبق في المدينة التي يتم اقتحامها حاليا إلا عدد محدود من العناصر والمناصرين. ويُقدّر التحالف الدولي عدد مقاتلي «داعش» داخل الرقة حاليا بنحو 3 أو 4 آلاف يتحصنون وأقاموا دفاعات لمواجهة القوى المهاجمة.
وشجعت «قوات سوريا الديمقراطية» المدنيين على مغادرة الرقة لكي لا يصبحوا محاصرين أو يستخدموا كدروع بشرية أو يتحولوا إلى أهداف لقناصة «داعش». بعد تحرير الرقة، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» أنها ستسلمها إلى هيئة تمثيلية من المدنيين المحليين الذين سيوفرون الأمن والحكم.
* قصف جنوني... ودروع
وبثت قناة «بي بي سي» البريطانية أمس فيديو قالت إن ناشطين سربوه من داخل الرقة أظهر عددا من عناصر «داعش» ينتشرون داخل المدينة وزحمة مواطنين في الأسواق. كما ظهرت في الفيديو متاريس وأكياس رمل انتشرت أمام المحلات التجارية إضافة إلى مظلات ضخمة علقها التنظيم لحجب الرؤية عن طائرات التحالف. وقال ناشطون خرجوا من المدينة إلى تركيا إن الجو المسيطر في الداخل «جو حرب، وكأنّها مقبلة على حرب شوارع». وأضافوا: «المدينة باتت بامتياز مدينة موت، فأي شخص قد يموت فيها وبأي لحظة».
ويرجح أبو محمد الرقاوي، الناشط في حملة «الرقة تذبح بصمت» وجود ما بين 100 و150 ألف مدني عالق داخل المدينة، واصفا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» وضعهم بـ«سيئ جدا». وأضاف: «هم لا يعرفون ليلهم من نهارهم نتيجة القصف الجنوني الجوي والمدفعي الذي تعرض له المدينة على مدار الساعات الـ24، أما مستقبل هؤلاء فمجهول تماما فإما يموتون جراء القصف أو على يد (داعش) أو ينجحون بالهرب». وكان الكولونيل راين ديلون الناطق باسم التحالف الدولي قال الأسبوع الماضي إن عدد النازحين من الرقة بلغ نحو مائتي ألف شخص، فيما أفادت منظمة «أطباء بلا حدود» بأن «800 شخص يصلون يوميا إلى مخيم» عين عيسى للنازحين الذي يبعد 30 كلم شمال الرقة.
ومع تقدم «قسد» إلى مدينة الرقة وتصاعد حدة المعارك، سُجل وقوع ضحايا مدنيين جراء غارات التحالف الدولي. وقُتل الاثنين، وفق «المرصد السوري»، «21 مدنيا في قصف جوي للتحالف الدولي» خلال استعدادهم للفرار عبر عبور نهر الفرات إلى ريف الرقة الجنوبي، الذي لا يزال تحت سيطرة «داعش» وفي غالبيته منطقة صحراوية. وناشدت «قوات سوريا الديمقراطية» في بيانها يوم أمس والذي أعلنت فيه انطلاق معركة المدينة «أهالينا في مدينة الرقة الابتعاد عن مراكز العدو ومحاور الاشتباكات»، ودعتهم إلى «مساندة قواتنا والتعاون معها لتنفيذ مهامها على أكمل وجه».
* حرق براميل
واستبعد الرقاوي أن تكون معركة الرقة طويلة فلا تستمر أكثر من أسبوعين، مرجحا أن يكون السيناريو فيها مماثلا لسيناريو الطبقة والمنصورة فيتم عقد اتفاق بين «قسد» و«داعش» يفضي إلى انسحاب التنظيم من المدينة. وأوضح أنه في اليوم الأول من المعارك أقدم عناصر «داعش» على إحراق البراميل والدواليب لحجب الرؤية عن طائرات التحالف التي تقصف المدينة بالإضافة إلى مدفعية «قوات سوريا الديمقراطية» بشكل جنوني، نافيا أن تكون الساعات الماضية شهدت مواجهات واشتباكات مباشرة بين قوات الطرفين. وقال: «تم رصد وجود مقاتلين أجانب وجنود أميركيين يشرفون على سير المعارك على الأرض». وكما الرقاوي، يرجح أحمد الرمضان، الناشط في حملة «فرات بوست» والمتخصص بشؤون «داعش» ألا تكون معركة استعادة مدينة الرقة عنيفة، لافتا إلى أن التنظيم يتجه لتسليمها للقوات المهاجمة في مرحلة لاحقة على أن يخرج منها كليا كحد أقصى خلال 20 يوما. وأوضح الرمضان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التنظيم لا يمتلك داخل الرقة عتادا ثقيلا كما هو الحال في الموصل، مشيرا إلى أنه يعتمد وبشكل رئيسي على المفخخات وأشبال الخلافة.
أما ناصر الحاج منصور، مستشار القيادة العامة لقوات «قسد»، فيستبعد أن يلجأ التنظيم المتطرف للانسحاب من كل نقاطه ومواقعه بسهولة، لافتا إلى أنه «من الطبيعي أن يكون هناك انسحابات في اليوم الأول وأن تسقط الأحياء الموجودة عند المداخل بسرعة، لكنّنا نرجح تمسكه واستماتته في الدفاع عن نقاط محددة في مراحل لاحقة». وقال منصور لـ«الشرق الأوسط»: «الأرجح أنّهم سيحاولون في الأيام المقبلة امتصاص الصدمة والهجمة وسيقاومون وبالتالي لن تكون المعركة بمجملها سهلة، لكن ما يمكن أن نجزم به هو أن الانتصار قادم لا محال».
ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن سكان محليين في مدينة الرقة أن «داعش» أقدم أمس على حرق عشرات براميل النفط في المدينة لحجب الرؤية عن طائرات التحالف، وأشاروا إلى أنهم وضعوا مئات براميل النفط الخام في شارع تل أبيض وسط المدينة ومحاور مداخل المدينة الغربي وقرب باب بغداد شرق المدينة وفي منطقة شارع القطار شمالها وأن سماء المدينة تغطيها سحب الدخان الأسود.
يُذكر أن مجموعات متعددة تشارك في معركة الرقة وجميعها منضوية بإطار حملة «غضب الفرات» وعلى رأسها «قوات سوريا الديمقراطية»، بما في ذلك «وحدات حماية الشعب»، و«وحدات حماية المرأة»، و«جيش الثوار»، و«جبهة الأكراد»، و«لواء الشمال الديمقراطي»، و«قوات العشائر»، و«لواء مغاوير حمص»، و«صقور الرقة»، و«لواء التحرير»، و«لواء السلاجقة»، وقوات الصناديد»، والمجلس العسكري السرياني»، و«مجلس منبج العسكري»، و«مجلس دير الزور العسكري»، بالإضافة إلى «قوات النخبة»، و«قوات الحماية الذاتية»، وبمساندة قوية من «مجلس الرقة المدني»، و«مجلس سوريا الديمقراطية»، ووجهاء ورؤساء عشائر المنطقة.
انطلاق معركة الرقة... و«داعش» يستخدم المدنيين دروعاً
التحالف الدولي يقدم الغطاء الجوي والدعم الاستخباراتي
مؤتمر صحفي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»
انطلاق معركة الرقة... و«داعش» يستخدم المدنيين دروعاً
مؤتمر صحفي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



