انطلاق معركة الرقة... و«داعش» يستخدم المدنيين دروعاً

التحالف الدولي يقدم الغطاء الجوي والدعم الاستخباراتي

مؤتمر صحفي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»
مؤتمر صحفي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»
TT

انطلاق معركة الرقة... و«داعش» يستخدم المدنيين دروعاً

مؤتمر صحفي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»
مؤتمر صحفي لـ«قوات سوريا الديمقراطية»

أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) العربية - الكردية بالتعاون مع «التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب» بقيادة أميركا معركة استعادة مدينة الرقة، من «داعش» شمال شرقي سوريا، ذلك بعد نحو 8 أشهر على انطلاق حملة «غضب الفرات» التي تهدف لطرد التنظيم من كامل المحافظة التي سيطر على القسم الأكبر منها في عام 2014.
ولا تقتصر الهجمات التي يشنها مقاتلون أكراد وعرب على جبهة واحدة، بل تطال 3 جبهات شرق وغرب وشمال المدينة. وأفادت مصادر متقاطعة بأن «قسد» توغلت في الساعات الماضية في حي مشلب شرق الرقة وسيطرت على عدد من المباني داخله. وقال «المرصد السوري لحقوق الإنسان» إن التقدم في الجهة الشرقية مصحوب بعمليات قتال وانسحابات لعناصر «داعش» من بعض المواقع، لافتا إلى أنه وبالتزامن تتواصل الاشتباكات العنيفة بين «قوات سوريا الديمقراطية» وعناصر التنظيم المتطرف في محيط «الفرقة 17» وداخل حرمها، وعلى محاور في غرب المدينة. وقالت القيادية في «قسد» روجدا فلات لوكالة «الصحافة الفرنسية»: «دخلت قواتنا مدينة الرقة من الجهة الشرقية في حي المشلب، وهي تخوض حرب شوارع في الداخل»، وأكدت أن قواتها «لديها تجربة وخبرة في حرب الشوارع».
واعتبر التحالف الدولي بقيادة واشنطن أن السيطرة على الرقة ستشكل «ضربة حاسمة» لعناصر «داعش»، معتبرا أن السيطرة النهائية على المدينة ستستغرق وقتا وستكون صعبة. وقال الفريق ستيف تاونسند، القائد العام لقوة المهام المشتركة، إن القتال لتحرير الرقة «سيكون طويلاً وصعباً، ولكن الهجوم سيوجه ضربة قاسية لفكرة داعش»، قائلاً: «من الصعب إقناع المجندين الجدد بأن تنظيم داعش هو قضية رابحة عندما كان قد خسر للتو (عاصمتيه) في كل من العراق وسوريا».
وتابع تاونسند: «لقد شاهدنا جميعا الهجوم البشع في مانشستر. إن تنظيم داعش يهدد جميع دولنا، وليس العراق وسوريا فحسب، بل في وطننا أيضاً، وهذا لا يمكن أن يستمر. وستستمر قوات التحالف في دعم التحالف العربي السوري وقوات سوريا الديمقراطية خلال هجومهما على الرقة كجزء من مهمتها لتقديم المشورة والمساعدة، إذ ستقوم بتزويد المعدات والتدريب والدعم الاستخباراتي واللوجيستي وتوجيه الضربات الدقيقة والمشورة في ميدان القتال».
من جهته، قال العميد طلال سلو المتحدث باسم «قسد» لـ«رويترز» إن عملية اقتحام الرقة بدأت الاثنين وإن المعركة «ستكون قوية لأن داعش) سيستميت للدفاع عن عاصمته المزعومة». وأوضح سلو في تصريح عبر الهاتف من منطقة مزرعة الحكومية، التي تبعد عشرة كيلومترات شمال الرقة: «التحالف له دور كبير جدا لنجاح العمليات، إضافة للطيران هناك قوات تابعة للتحالف تعمل جنبا إلى جنب مع قوات سوريا الديمقراطية».
وكان سلو أعلن الثلاثاء بدء معركة طرد المتطرفين من مدينة الرقة، في مؤتمر صحافي عقده في قرية الحزيمة على بعد 17 كيلومترا شمال المدينة. وقال: «نعلن اليوم بدء المعركة الكبرى لتحرير مدينة الرقة، العاصمة المزعومة للإرهاب والإرهابيين».
وانتزع التنظيم المتطرف السيطرة على المدينة التي تبعد نحو 90 كيلومترا من الحدود مع تركيا، من فصائل المعارضة في العام 2014 وأعلنها عاصمة لدولته المزعومة واستخدمها قاعدة للتخطيط لعمليات إرهابية في الغرب.
ونقل «داعش» في الأسابيع والأشهر الماضية أمراءه الأجانب وعائلاتهم كما قياداته البارزة من الرقة إلى محافظة دير الزور التي يسيطر على القسم الأكبر منها، ولم يبق في المدينة التي يتم اقتحامها حاليا إلا عدد محدود من العناصر والمناصرين. ويُقدّر التحالف الدولي عدد مقاتلي «داعش» داخل الرقة حاليا بنحو 3 أو 4 آلاف يتحصنون وأقاموا دفاعات لمواجهة القوى المهاجمة.
وشجعت «قوات سوريا الديمقراطية» المدنيين على مغادرة الرقة لكي لا يصبحوا محاصرين أو يستخدموا كدروع بشرية أو يتحولوا إلى أهداف لقناصة «داعش». بعد تحرير الرقة، أعلنت «قوات سوريا الديمقراطية» أنها ستسلمها إلى هيئة تمثيلية من المدنيين المحليين الذين سيوفرون الأمن والحكم.
* قصف جنوني... ودروع
وبثت قناة «بي بي سي» البريطانية أمس فيديو قالت إن ناشطين سربوه من داخل الرقة أظهر عددا من عناصر «داعش» ينتشرون داخل المدينة وزحمة مواطنين في الأسواق. كما ظهرت في الفيديو متاريس وأكياس رمل انتشرت أمام المحلات التجارية إضافة إلى مظلات ضخمة علقها التنظيم لحجب الرؤية عن طائرات التحالف. وقال ناشطون خرجوا من المدينة إلى تركيا إن الجو المسيطر في الداخل «جو حرب، وكأنّها مقبلة على حرب شوارع». وأضافوا: «المدينة باتت بامتياز مدينة موت، فأي شخص قد يموت فيها وبأي لحظة».
ويرجح أبو محمد الرقاوي، الناشط في حملة «الرقة تذبح بصمت» وجود ما بين 100 و150 ألف مدني عالق داخل المدينة، واصفا في تصريح لـ«الشرق الأوسط» وضعهم بـ«سيئ جدا». وأضاف: «هم لا يعرفون ليلهم من نهارهم نتيجة القصف الجنوني الجوي والمدفعي الذي تعرض له المدينة على مدار الساعات الـ24، أما مستقبل هؤلاء فمجهول تماما فإما يموتون جراء القصف أو على يد (داعش) أو ينجحون بالهرب». وكان الكولونيل راين ديلون الناطق باسم التحالف الدولي قال الأسبوع الماضي إن عدد النازحين من الرقة بلغ نحو مائتي ألف شخص، فيما أفادت منظمة «أطباء بلا حدود» بأن «800 شخص يصلون يوميا إلى مخيم» عين عيسى للنازحين الذي يبعد 30 كلم شمال الرقة.
ومع تقدم «قسد» إلى مدينة الرقة وتصاعد حدة المعارك، سُجل وقوع ضحايا مدنيين جراء غارات التحالف الدولي. وقُتل الاثنين، وفق «المرصد السوري»، «21 مدنيا في قصف جوي للتحالف الدولي» خلال استعدادهم للفرار عبر عبور نهر الفرات إلى ريف الرقة الجنوبي، الذي لا يزال تحت سيطرة «داعش» وفي غالبيته منطقة صحراوية. وناشدت «قوات سوريا الديمقراطية» في بيانها يوم أمس والذي أعلنت فيه انطلاق معركة المدينة «أهالينا في مدينة الرقة الابتعاد عن مراكز العدو ومحاور الاشتباكات»، ودعتهم إلى «مساندة قواتنا والتعاون معها لتنفيذ مهامها على أكمل وجه».
* حرق براميل
واستبعد الرقاوي أن تكون معركة الرقة طويلة فلا تستمر أكثر من أسبوعين، مرجحا أن يكون السيناريو فيها مماثلا لسيناريو الطبقة والمنصورة فيتم عقد اتفاق بين «قسد» و«داعش» يفضي إلى انسحاب التنظيم من المدينة. وأوضح أنه في اليوم الأول من المعارك أقدم عناصر «داعش» على إحراق البراميل والدواليب لحجب الرؤية عن طائرات التحالف التي تقصف المدينة بالإضافة إلى مدفعية «قوات سوريا الديمقراطية» بشكل جنوني، نافيا أن تكون الساعات الماضية شهدت مواجهات واشتباكات مباشرة بين قوات الطرفين. وقال: «تم رصد وجود مقاتلين أجانب وجنود أميركيين يشرفون على سير المعارك على الأرض». وكما الرقاوي، يرجح أحمد الرمضان، الناشط في حملة «فرات بوست» والمتخصص بشؤون «داعش» ألا تكون معركة استعادة مدينة الرقة عنيفة، لافتا إلى أن التنظيم يتجه لتسليمها للقوات المهاجمة في مرحلة لاحقة على أن يخرج منها كليا كحد أقصى خلال 20 يوما. وأوضح الرمضان في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التنظيم لا يمتلك داخل الرقة عتادا ثقيلا كما هو الحال في الموصل، مشيرا إلى أنه يعتمد وبشكل رئيسي على المفخخات وأشبال الخلافة.
أما ناصر الحاج منصور، مستشار القيادة العامة لقوات «قسد»، فيستبعد أن يلجأ التنظيم المتطرف للانسحاب من كل نقاطه ومواقعه بسهولة، لافتا إلى أنه «من الطبيعي أن يكون هناك انسحابات في اليوم الأول وأن تسقط الأحياء الموجودة عند المداخل بسرعة، لكنّنا نرجح تمسكه واستماتته في الدفاع عن نقاط محددة في مراحل لاحقة». وقال منصور لـ«الشرق الأوسط»: «الأرجح أنّهم سيحاولون في الأيام المقبلة امتصاص الصدمة والهجمة وسيقاومون وبالتالي لن تكون المعركة بمجملها سهلة، لكن ما يمكن أن نجزم به هو أن الانتصار قادم لا محال».
ونقلت وكالة الأنباء الألمانية عن سكان محليين في مدينة الرقة أن «داعش» أقدم أمس على حرق عشرات براميل النفط في المدينة لحجب الرؤية عن طائرات التحالف، وأشاروا إلى أنهم وضعوا مئات براميل النفط الخام في شارع تل أبيض وسط المدينة ومحاور مداخل المدينة الغربي وقرب باب بغداد شرق المدينة وفي منطقة شارع القطار شمالها وأن سماء المدينة تغطيها سحب الدخان الأسود.
يُذكر أن مجموعات متعددة تشارك في معركة الرقة وجميعها منضوية بإطار حملة «غضب الفرات» وعلى رأسها «قوات سوريا الديمقراطية»، بما في ذلك «وحدات حماية الشعب»، و«وحدات حماية المرأة»، و«جيش الثوار»، و«جبهة الأكراد»، و«لواء الشمال الديمقراطي»، و«قوات العشائر»، و«لواء مغاوير حمص»، و«صقور الرقة»، و«لواء التحرير»، و«لواء السلاجقة»، وقوات الصناديد»، والمجلس العسكري السرياني»، و«مجلس منبج العسكري»، و«مجلس دير الزور العسكري»، بالإضافة إلى «قوات النخبة»، و«قوات الحماية الذاتية»، وبمساندة قوية من «مجلس الرقة المدني»، و«مجلس سوريا الديمقراطية»، ووجهاء ورؤساء عشائر المنطقة.



مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُنسِّق مع اليونان لاستعادة جثامين ضحايا غرق مركب هجرة غير شرعية

سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)
سفير مصر لدى اليونان يستقبل أقارب ضحايا مركب هجرة غير شرعية (الخارجية المصرية)

تُنسِّق السلطات المصرية مع نظيرتها في اليونان، سعياً للحصول على جميع البيانات الخاصة بغرق 21 مهاجراً مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان، قبل نحو أسبوع، بما يشمل حصر عدد الضحايا وإعادة جثامينهم إلى مصر، وكذلك معرفة مصير من تم إنقاذهم.

ووفق بيان نشرته وزارة الخارجية المصرية، الاثنين، التقى سفير مصر لدى اليونان، عمر عامر، بمقر السفارة، أقارب ضحايا الحادث الذي وقع أمام جزيرة كريت، معرباً عن خالص التعازي والمواساة لأسر الضحايا.

وكانت «الخارجية» المصرية قد أعلنت في 25 فبراير (شباط) الماضي غرق 21 مصرياً كانوا على متن قارب متجه إلى اليونان انطلاقاً من إحدى الدول المجاورة، وعلى متنه 50 من المهاجرين غير الشرعيين. وذكرت أن 18 مصرياً من الغرقى ما زالوا مفقودين، بينما تأكد مصرع ثلاثة.

وفي لقائهم مع السفير، استفسر أقارب الضحايا عما خلصت إليه جهود السفارة لمتابعة تداعيات الحادث، والإجراءات المتخذة لإعادة الجثامين إلى مصر، ومتابعة أحوال المواطنين الذين أمكن إنقاذهم.

وأكد السفير عامر أن السفارة تواصل تكثيف اتصالاتها مع السلطات اليونانية منذ وقوع الحادث، سعياً للحصول على كافة البيانات الخاصة بالناجين، وأيضاً بيانات المتوفين حتى يتسنى إبلاغ ذويهم، مناشداً أبناء الجالية عدم الاستماع ولا التعامل مع أي جهة غير رسمية تدعي تسهيل السفر أو توفير فرص عمل في الخارج.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية- أ.ب)

وجدد السفير التحذير من الهجرة غير الشرعية، وما تنطوي عليه من مخاطر جسيمة، وقال: «الوقت حان للتوقف تماماً عن محاولات الهجرة غير الشرعية، لما تسببت فيه من فقدان العديد من خيرة شباب مصر»، راجياً أن تكون هذه الحادثة «هي الأخيرة، حفاظاً على أرواح المواطنين المصريين». وأكد أنه «لا بديل عن الالتزام بالمسارات القانونية والآمنة للهجرة».

وأضاف: «اتفاق العمالة الموسمية يعد الوسيلة الأمثل للحصول على فرصة عمل آمنة وقانونية، وهو ما تقوم السفارة بتنفيذه حالياً مع الجانب اليوناني الذي يرحب بالعمالة المصرية، لما تتمتع به من سمعة طيبة».

وأعرب عامر عن ترحيب السفارة دائماً باستقبال أبناء الجالية للاستماع إلى ما لديهم من شواغل ومطالب، داعياً إلى اجتماعات دورية معهم لمتابعة مشكلاتهم، حتى تتسنى إثارتها مع الجانب اليوناني لمعالجتها.

وسبق أن أعلنت وزارة الخارجية المصرية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي وفاة 14 مواطناً في حادث غرق مركب بالقرب من ميناء جزيرة كريت اليونانية، كان على متنه 34 من المهاجرين غير الشرعيين من جنسيات مختلفة.


إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
TT

إسقاط مُسيرات فوق مطار أربيل بشمال العراق

تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)
تصاعد الدخان واللهب قرب مطار أربيل الدولي بكردستان العراق عقب انفجارات نفّذتها أنظمة الدفاع الجوي في عمليات اعتراض مكثفة أمس (د.ب.أ)

اعترضت الدفاعات الجوية طائرتين مُسيّرتين، على الأقل، باكراً، صباح اليوم الاثنين، قرب مطار أربيل، عاصمة إقليم كردستان في شمال العراق الذي يضم قواعد أميركية، وفق ما أفاد مصوِّر «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويجري اعتراض مسيّرات باستمرار فوق أربيل منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران، حيث تتعرض أربيل، التي يقع بها أيضاً مجمع ضخم للقنصلية الأميركية، لهجمات بمُسيرات تُسقطها الدفاعات الجوية.

يأتي ذلك فى الوقت الذي أعلن فيه فصيل عراقي يُعرف بـ«سرايا أولياء الدم»، فجر اليوم، أنه شن هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة «فكتوريا» العسكرية في مطار بغداد الدولي.

وقال الفصيل المسلَّح، في بيان: «التزاماً منا بتكليفنا الشرعي وقصاصاً للقائد علي الخامنئي ودعماً للجمهورية الإسلامية الإيرانية، نفّذ مجاهدونا، اليوم الاثنين، هجوماً بسِرب من الطائرات المُسيرة استهدف قاعدة فكتوريا العسكرية في مطار بغداد».


حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
TT

حكومة الزنداني أمام اختبار صعب لمواجهة منظومة الفساد

الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة تبدأ مهام المرحلة المقبلة باستحقاقات وتحديات مواجهة الفساد (سبأ)

تسعى الحكومة اليمنية الجديدة بقيادة شائع الزنداني، لتنفيذ التزامها بالإصلاحات المالية والإدارية، بهدف استعادة الثقة المحلية والدولية في مواجهة تغول الفساد، الذي أظهر تقرير دولي وقوع البلاد ضمن أسوأ 5 بلدان حول العالم في مكافحته، في حين يرى خبراء أن التحدي يتجاوز الإرادة السياسية المعلنة، ليمسّ بنية النظام الاقتصادي والسياسي نفسه.

ووقع اليمن ضمن أسوأ الدول أداءً عالمياً في مكافحة الفساد بالقطاع العام، بعد أن احتلّ المرتبة 177 من أصل 182 دولة في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025 الصادر عن منظمة الشفافية الدولية، في تصنيف يعكس انهيار منظومة الحوكمة والمساءلة في الدولة المنقسمة بفعل الحرب، إلى جانب تفشي الرشوة والجبايات غير القانونية.

وتواجه الحكومة اليمنية ضغوطاً داخلية وخارجية لإظهار تقدم ملموس في مكافحة الفساد، خصوصاً مع ارتباط الدعم الدولي بإصلاحات مالية ومؤسسية، وتتعامل حالياً مع البيئة السياسية والأمنية المنقسمة التي تجعل أي إصلاح عميق محفوفاً بتوازنات قوى معقدة.

وتعهد رئيس الحكومة اليمنية الجديدة، شائع الزنداني، مطلع هذا الشهر، بمنح الأولوية لمكافحة الفساد وتعزيز الأداء المؤسسي وتحسين ظروف المعيشة والخدمة للمواطنين، وتسريع الإجراءات ورفع مستويات الأداء.

بعد تشكيل الحكومة الجديدة ينتظر اليمنيون إصلاحات جادة تنهي معاناتهم وتردي المعيشة (رويترز)

ويؤكد فارس النجار، مستشار مكتب الرئاسة اليمنية للشؤون الاقتصادية، أنه لم يعدْ ممكناً اختصار معركة الفساد في إجراءات جزئية أو حملات إعلامية؛ بل بإعادة بناء منظومة الحوكمة المالية وفي بنية مؤسسية واضحة تربط بين السياسة المالية والسياسية النقدية، وتعزز الشفافية والمساءلة في إدارة المال العام.

ويوضح النجار لـ«الشرق الأوسط»، أن الحكومة عملت على مسارات متكاملة مع الشركاء الدوليين؛ مثل صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، وركزت الأولويات على إصلاح الإدارات المالية العامة وضبط الإنفاق، وتطوير بعض آليات التحصيل، وهو ما انعكس في كثير من المشاريع الداعمة للتوجه نحو الحوكمة المالية والنقدية.

ولا تزال مؤسسات الرقابة القضائية والإدارية في اليمن ضعيفة ومن دون استقلالية تامة، مما يجعل تنفيذ مكافحة الفساد وتطبيق القوانين بشكل موحد وفعّال، أمراً صعباً في بيئة سيادية ضعيفة.

إعادة تعريف الفساد

يبدو تراجع اليمن في مؤشر الفساد أكثر من مجرد نتيجة ظرفية للحرب الممتدة لأكثر من عقد؛ بل هو انعكاس لتحول الفساد من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب، ومع استمرار هذا الواقع، يبقى أي معالجات نقدية أو مالية محدود الأثر، ما لم يمسّ جوهر العلاقة بين السلطة والموارد والسلاح.

وقفة احتجاجية في مدينة تعز (قبل سنوات) احتجاجاً على استمرار تردي المعيشة بسبب الفساد (أ.ف.ب)

ويقدّم الأكاديمي اليمني المتخصص في الاقتصاد السياسي للحرب، يوسف شمسان، قراءة بنيوية لأسباب تراجع اليمن في المؤشر، ويؤكد أن الفساد في مرحلة ما قبل الحرب لم يكن انحرافاً عن النظام؛ بل كان جزءاً من آليته التشغيلية.

ووفقاً للتحليل الذي طرحه شمسان لـ«الشرق الأوسط»، مثّل الفساد أداة لضمان استمرار الاختلالات الهيكلية، من خلال تعطيل القوانين وتحويل المؤسسات إلى أدوات لحماية النخبة السياسية والاقتصادية، وبهذا المعنى، لم تكن مكافحة الفساد خياراً واقعياً داخل النظام، لأن محاربته كانت ستعني المساس بأسسه.

وبحسب شمسان، فإن التحول الأخطر حدث بعد اندلاع الحرب، عندما انتقل الفساد من الحماية بالقانون والمؤسسة إلى الحماية بالقوة والسلاح، وأصبح جزءاً من اقتصاد الحرب، ومصدراً رئيسياً للريع والتمويل، ليتمركز في قطاعات سيادية حاسمة، مثل الجيش والأمن والنفط والغاز والمالية العامة والبنك المركزي والكهرباء والمساعدات الإنسانية.

لم تنجُ المساعدات الإنسانية في اليمن من الفساد الذي حولها إلى مورد ريعي وسوق سوداء (رويترز)

وشهدت البلاد خلال سنوات الحرب، إنشاء قوات عسكرية وأمنية وهمية، وازدواجية في مرتبات المنتمين إلى هذين القطاعين، إضافة إلى فساد في عقود الإمداد، وتهريب الوقود والسلاح، بينما أبرمت عقود غير شفافة في قطاع الطاقة إلى جانب إيرادات خارج الموازنة، وتحويل الموارد إلى شبكات نفوذ مسلحة.

اختبار الإرادة

في ظل هذه التعقيدات، تراجع سعر العملة اليمنية بشكل كبير، متسبباً في انهيار القدرة الشرائية وتردي المعيشة بفعل سوء إدارة سعر الصرف، ونهب الإيرادات، وشبكات التحويل غير القانونية، فيما استشرى الفساد بعقود قطاع الكهرباء، وتحولت المساعدات الإنسانية إلى مورد ريعي وسوق سوداء.

من جهته، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي، أن ترتيب اليمن المتأخر في مؤشر الشفافية الدولية ليس مفاجئاً؛ بل يمثل «تأكيداً رقمياً» على انهيار مؤسسات الدولة.

يمني رفقة أطفاله قرب مخيم للنزوح في مأرب حيث يعاني النازحون من سوء إدارة المساعدات الإنسانية (رويترز)

ويلفت، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن المؤشر يقيس الرشوة، ويعكس ضعف الحوكمة، وتسييس الموارد العامة، وتآكل منظومة الرقابة والمساءلة.

ويعدد المساجدي أبرز مظاهر الفساد خلال السنوات الأخيرة، كازدواجية المؤسسات المالية والنقدية التي أنتجت تضارباً في القرارات وإضعافاً لاستقلال السياسة النقدية، والتوسع في الإنفاق غير المنتج، وغياب الانضباط في إدارة الإيرادات، خصوصاً في القطاعات السيادية واقتصاد الامتيازات والاحتكارات المرتبط بشبكات النفوذ، ما شوّه بيئة المنافسة وأقصى القطاع الخاص الحقيقي.

ويبين أن هذه الممارسات لم تبقَ في إطار الانحراف الأخلاقي؛ بل تحولت إلى عامل اقتصادي مباشر لتآكل العملة، وارتفاع تكلفة الاستيراد، وتراجع الاستثمار المحلي والأجنبي، وزيادة المخاطر السيادية وتكلفة التمويل.

الفساد في اليمن تحول من ظاهرة إدارية إلى مكوّن بنيوي في اقتصاد الحرب (رويترز)

وبينما ينبه النجار إلى أن برامج التعاون مع البرنامج السعودي لإعادة إعمار اليمن، لم تقتصر على تقديم الدعم المالي؛ بل تضمنت شروطاً لمعايير الحوكمة وآليات الإنفاق وتحسين الخدمات، يتوقع أن تشهد الفترة المقبلة تركيزاً أكبر على عدد من الإجراءات العملية؛ كتفعيل الحساب الحكومي الموحد وإقرار الموازنة العامة، وتوسيع نطاق الرقمنة.

ويشدد شمسان على أن الدولة التي لا تحتكر العنف والإيراد والقرار لا تستطيع فعلياً محاربة الفساد. وضمن اقتصاد الحرب، وفق قوله، يصبح الفساد عقلانياً ومربحاً ومحمياً بالقوة، ما يجعل الخطاب الإصلاحي غير كافٍ ما لم يُكسر هذا المنطق البنيوي، حيث تكمن نقطة الانطلاق الحقيقية في كسر الحلقة التي جعلت الفساد جزءاً من اقتصاد الحرب.

ولا يستبعد المساجدي إمكانية التحسن؛ لكنه يربطه بشروط واضحة مثل توحيد المؤسسات المالية، وتعزيز استقلال البنك المركزي، وتفعيل أجهزة الرقابة، ورقمنة الإيرادات والجمارك والضرائب، وشفافية كاملة على الموارد السيادية، وربط أي دعم خارجي بإصلاحات قابلة للقياس.