غندور لـ «الشرق الأوسط»: لن نسمح لأي دولة بدفعنا للإضرار بمصر

وزير الخارجية السوداني أعلن استحداث آلية تشاور دوري بين الأجهزة العسكرية والأمنية... وتوقع رفع العقوبات الأميركية قريباً

وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور (رويترز)
وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور (رويترز)
TT

غندور لـ «الشرق الأوسط»: لن نسمح لأي دولة بدفعنا للإضرار بمصر

وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور (رويترز)
وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور (رويترز)

شدد وزير الخارجية السوداني إبراهيم غندور على أهمية «العلاقات الاستراتيجية الخاصة جداً» مع مصر التي شابها بعض التوترات مؤخراً. وقال في حوار مع «الشرق الأوسط» في القاهرة، أمس، إن البلدين اتفقا على «حل كل ما يعكر صفو العلاقات، مع الاهتمام بالتنسيق والتشاور الدائم بين كل أجهزة ومؤسسات الدولتين». وأكد أنه «لا يمكن لأي دولة أن تستخدم الأراضي السودانية في الإساءة إلى مصر أو حتى ليبيا».
وتحدث عن تفاصيل الهجوم على دارفور الذي وقع مؤخراً، متهماً متمردين تابعين لليبيا ولدولة جنوب السودان، بالمسؤولية عنه. وقال إن السلام في دولتي السودان «يخدم أمن واستقرار البلدين»، وأن «الخرطوم ملتزمة بهذا الشأن». وتوقع رفع العقوبات الأميركية المفروضة على بلاده، مشيراً إلى «الاقتراب من هذه الخطوة بعد تنفيذ السودان للمسارات الخمس». وفيما يلي نص الحوار:
* ما هي النتائج التي تم التوصل إليها خلال مباحثاتكم المهمة في القاهرة مع السلطات المصرية؟
- ما توصلنا إليه خلال اللقاء مع وزير الخارجية سامح شكري، ثم اللقاء مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، هو أهمية التواصل بين المؤسسات والأجهزة المختلفة في البلدين، لأن ذلك سيساعد على إزالة أي اتهامات أو شكوك أو سوء فهم لبعض المواقف. وبالتالي نحن في وزارتي الخارجية المصرية والسودانية اتفقنا منذ لقاء الخرطوم الشهر الماضي على أن نلتقي شهرياً في شكل لجنة تشاور سياسي، ووجه الرئيس السيسي بأن يمتد ذلك إلى الأجهزة العسكرية والأمنية، وهذا لم يكن موجوداً من قبل، وكان متباعداً ووفق الحاجة. لكن اليوم ستلتقي بانتظام. والأمر الثاني الذي اتفقنا عليه هو أن هذه العلاقات ذات خصوصية، والمحافظة عليها واجب من الطرفين، والابتعاد عن كل ما يحاول تعكير صفوها، وعدم السماح لأي جهة باستهداف طبيعة هذه العلاقة، وبالتالي إذا اعتمدنا هذه الطريق سنصل إلى علاقات قوية غير قابلة للتوتر أو الهزات التي تحدث بين وقت وآخر.
* هل تعتقد أن هناك طرفاً ثالثاً يتدخل للوقيعة بين البلدين مصر والسودان؟
- في كل العالم توجد أطراف خفية لا ترغب في استقرار العلاقات بين الدول، سواء أكانت هذه الأطراف أفراداً أو مؤسسات أو دولاً أو خلافه، وحتى الآن لا نستطيع القول إن هناك طرفاً يمكن أن نمسك به، لكن بكل تأكيد هناك من يعمل على صب الزيت على النار ويؤجج المشاكل، وبالتالي هذا ما أردت توضيحه اليوم في رسالتي للإعلام بأن العلاقة بين البلدين مقدسة، ويجب الابتعاد عن إفسادها.
* ربما خصوصية العلاقة بين قطر والسودان تكون بين الهواجس التي تتحدث عن استغلال قطر للسودان في الإساءة لمصر؟
- أقرأ ذلك في الإعلام المصري، لكن على أرض الواقع لا وجود له، ولم يتحدث عنه معنا أي مسؤول مصري. وحقيقة فإن علاقة السودان بمصر لا تسمح لأي جهة بالتدخل فيها، ونحترم علاقات مصر الخارجية مع دول كثيرة، وكذلك مصر تحترم علاقاتنا مع دول أخرى. وبالتالي لا نربط هذه العلاقة بتلك، ولا يمكن أن نسمح لأي جهة بأن تدفعنا باتجاه أي شيء يضر بمصر وأمنها واستقرارها.
* ذكرت أن هناك رسائل نقلتها من الرئيس عمر البشير إلى الرئيس السيسي... ما هي؟
- ركزنا على قضية التعاون الأمني، بالإشارة إلى ما حدث في دارفور قبل أيام، سواء من جهة ليبيا وكذلك جنوب السودان، وأهمية التنسيق، وحملت من الرئيس البشير إلى الرئيس السيسي كل تفاصيل ذلك الهجوم وما يتعلق به.
* تحدثت عن الرغبة في تشكيل قوات مشتركة لحماية الحدود بين مصر والسودان وليبيا. ما هي تفاصيل الفكرة وكيف يمكن تنفيذها؟
- تحدثت عن تجربة السودان مع دولة تشاد باعتبارها تجربة ناجحة لأكثر من ست سنوات، كما سبق تنفيذها مع ليبيا قبل الأحداث الأخيرة، واليوم في طريقنا لتنفيذها مع إثيوبيا. وهي عبارة عن تشكيل قوات مشتركة لحماية الحدود وبقيادة واحدة تبادلية وتعمل على حفظ أمن البلدين ومنع الحركات الإرهابية من التسلل، كما تضمن لكل جانب التأكد من أن حدوده محمية تحت رقابة ثنائية، لكنها ذات قيادة واحدة بالتبادل كما أسلفت. وأعتقد أنه إذا لم يُتفق على تشكيل القوات المشتركة، فمن المهم أن يكون هناك تنسيق لحماية حدود البلدين.
* هل يمكن إلغاء التأشيرة بين البلدين كما في السابق؟
- اتفقنا على ضوابط تتعلق بالتأشيرة، بينها إعفاء الأطفال والنساء والرجال فوق الخمسين عاماً، وبالتالي التأشيرة تكون فقط للرجال من 18 إلى 49 عاماً وللمقيمين في دول عربية وأوروبية ولديهم إقامات سارية، وكنا نتطلع إلى تنفيذ الحريات الأربع، ولكن «لم نتمكن»، نظراً إلى أمور تتعلق بمكافحة الإرهاب، ولإحكام السيطرة على حركة العناصر التي يمكن أن تتسلل لتعكير صفو العلاقات.
* هل ستُعقد اللجنة العليا على المستوى الرئاسي قريباً؟
- حالياً نحرص على انتظام اللقاءات الشهرية على مستوى وزيري الخارجية، وجزء منها لمتابعة مخرجات اللجنة الرئاسية المشتركة. واليوم كما ذكرت أن عدد لقاءات الرئيسين السيسي والبشير وصل إلى 18 مرة، وهو رقم غير مسبوق ومتى ما يحين اللقاء سيتم.
* بالنسبة إلى القضايا العربية، هل اتفقتم على شيء محدد بشأنها؟
- في الشأن الليبي ليس خافياً أن مصر تدعم المشير خليفة حفتر، وقد سبق للسودان وأن تعامل مع حكومة طبرق عندما كان يعترف بها المجتمع الدولي، واليوم نتعاون وندعم حكومة الوفاق الوطني باعتبارها الحكومة المعترف بها دولياً وفق اتفاق الصخيرات، وبالتالي نتفق مع الأشقاء في مصر على أن قضايا ليبيا يجب أن تحل بواسطة الليبيين، والأمر الثاني أنه لا بديل عن الحوار الليبي - الليبي لحل المشاكل القائمة، ونتفق أيضاً على أن اتفاق الصخيرات هو المرجعية الأساسية مع التأكيد على رفض أي تدخلات خارجية في الشأن الليبي، وهذا متفق عليه عن طريق لجنة دول الجوار، وكذلك من خلال آلية الاتحاد الأفريقي.
* كيف ترى ما يتردد حول دخول معدات وعناصر معادية داخل الأراضي الليبية؟
- نحن على استعداد للرد على هذا الأمر، ولم نسمع به من قبل. وإذا كان المعني بهذا الأمر حكومة الوفاق الوطني في طرابلس، فنحن نتعاون معها بشكل كامل. وإذا كان هناك طرف آخر غيرها، فنحن على استعداد للرد على هذا الاتهام، لأن السودان يقوم بحماية حدوده كاملة بقوات مجهزة لمنع أي تسلل للحركات الإرهابية أو لتهريب البشر، خاصة أن هناك عصابات بدأت تنشط في الجنوب الليبي ومن دول الجوار، وبالتالي قمنا بإنقاذ حياة كثيرين من البشر. لذلك أقول جازماً إننا لم نتدخل في الشأن الليبي.
* هل العلاقة بينكم وبين دولة جنوب السودان تسمح بالتفاهم حول هذه الملابسات، وكذلك موضوع الهجوم على دارفور؟
- نحن نلتقي مع الإخوة في الجنوب بصورة منتظمة بدعوة من آلية الاتحاد الأفريقي رفيعة المستوى التي ترعى هذه العلاقة، وبالتالي نلتقي في لجان مختلفة على رأسها اللجنة السياسية - الأمنية والتي تتكون من وزراء الدفاع والداخلية والخارجية وجهاز الأمن والمخابرات والشرطة وكل المعنيين، وآخر لقاء تم في إثيوبيا قبل أسابيع قليلة، ووقعنا اتفاقاً مهماً، وكل ما تم التوقيع عليه يستهدف تنفيذ قرارات 2012، أي الاتفاقيات التسع التي وقع عليها الرئيسان وتتعلق بالخط الصفري والحدود بين البلدين والمنطقة منزوعة السلاح وعدم دعم الحركات المتمردة، ونحن لا نحتاج إلى دليل في دعم الجنوب للحركات المتمردة في السودان، باعتبار أولاً أنهم يمثلون الفرقة التاسعة والعاشرة في «الجيش الشعبي لتحرير السودان»، والأمر الثاني أن قياداتهم وجنودهم موجودون في ملفات رواتب «الجيش الشعبي» في الجنوب، والأمر الثالث أنهم يتحركون من دولة الجنوب بصفة دائمة وكل الأسلحة الموجودة لديهم مصدرها حكومة الجنوب وجاءت عبر الحكومة، وبالتالي هم لا ينكرون ذلك. وحتى في اليوم الأخير لم ينكروا، وقالوا: طلب منا أن يخرجوا فأخرجناهم وقياداتهم موجودة في جوبا.
* هل من حل في الأفق؟
- الحل أن تعرف حكومة الجنوب أن السلام في السودان يعني السلام في دولة جنوب السودان، والعكس صحيح. وهذه هي الاستراتيجية التي ننطلق منها، وبالتالي نأمل في أن يصلوا إلى هذه الحقيقة، وأن يلتفتوا إلى بناء دولة الجنوب وإيقاف الحرب، ونحن على استعداد للتعاون في كل ذلك.
* شارك السودان في القمة «العربية - الإسلامية - الأميركية»، ووافق على ضوابط وأسس مكافحة الإرهاب. ماذا أنتم فاعلون في هذا السياق؟
- السودان جزء أصيل من مكافحة الإرهاب، وجهاز الأمن المخابراتي الوطني السوداني له علاقات مع غالبية دول العالم، سواء مع الولايات المتحدة نفسها، خصوصاً مع «سي آي إيه»، وأجهزة المخابرات في الدول الأوروبية، ناهيك عن العلاقة مع أجهزة الأمن والمخابرات الأفريقية، إذ يترأس السودان مجموعة أجهزة الأمن والمخابرات الأفريقية. وقطعاً هناك تعاون سوداني مع غالبية أجهزة المخابرات العربية والآسيوية، وبالتالي التعاون في مجال مكافحة الإرهاب موجود وملتزمون به لأن الجميع قطعاً متضرر من جرائمه.
* من المفترض أن ينتهي الشهر المقبل أجل العقوبات الأميركية المفروضة على السودان. هل تتوقع رفعها أم تجديدها؟
- حوارنا مع الولايات المتحدة مبني على 5 مسارات، وهي معنية بمكافحة الإرهاب والسلام في السودان ودولة جنوب السودان وفي المنطقة ودعم العمل الإنساني. وتم التنفيذ وفق هذه المسارات، وبالتالي فإن المعطيات الموجودة تؤكد أنه لا يوجد سبب أو مبرر لإبقاء العقوبات على السودان، ومع ذلك سننتظر إلى الشهر المقبل وفقاً للاتفاق المبرم بيننا.
* ماذا تتوقع في هذا الشأن؟
- أستطيع القول إننا نقترب من رفع العقوبات.
* هل بينكم وبين الإدارة الأميركية اتصالات حول ذلك؟
- بيننا تواصل. وقبل أسبوع جاء إلى الخرطوم وفد من وزارة الخارجية الأميركية لتقويم هذه المسارات ولدينا لقاءات شهرية.
* كيف ترون سياسة الإدارة الأميركية الجديدة. وهل تتوقع صداماً مع إيران؟
- أعتقد أن الرئيس دونالد ترمب يعطي أولوية لقضايا الولايات المتحدة الداخلية، وعلى رأسها الاقتصادية، ويبدو أنها ستبني علاقات مع كثير من الدول، ولا أتصور أن يكون هناك صدام مع إيران. وحتى عندما اشتد الأمر وتأزم مع كوريا الشمالية، اختفت الأزمة من خلال تسويات سياسية. وهذا أعتبره انطلاقاً من سياسة أهمية توازن القوى والحفاظ على مكانة الولايات المتحدة في المجتمع الدولي.
* متى يزور العاهل المغربي محمد السادس السودان، وكيف تنظرون إلى هذه الزيارة؟
- زيارة ملك المغرب للسودان مهمة للغاية؛ لأنه قام بنشاط كبير وقوى في أفريقيا، وقام بجولة في بعض العواصم الأفريقية، وجاء الوقت لزيارة السودان خلال شهر سبتمبر (أيلول) المقبل.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.