اتفاقية باريس... الولايات المتحدة في طرف و195 دولة في طرف آخر

خيبة أمل عالمية حيال انسحاب واشنطن ورفض لإعادة التفاوض حول الاتفاقية

بلدية باريس تكتسي باللون الأخضر احتجاجاً على انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ (إ.ب.أ)
بلدية باريس تكتسي باللون الأخضر احتجاجاً على انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ (إ.ب.أ)
TT

اتفاقية باريس... الولايات المتحدة في طرف و195 دولة في طرف آخر

بلدية باريس تكتسي باللون الأخضر احتجاجاً على انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ (إ.ب.أ)
بلدية باريس تكتسي باللون الأخضر احتجاجاً على انسحاب واشنطن من اتفاقية باريس للمناخ (إ.ب.أ)

قطع الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشك باليقين ونفذ وعده الانتخابي بالانسحاب من اتفاقية باريس للمناخ. إلا أن هذه الخطوة، برأي معظم المعلقين السياسيين ورؤساء الدول، وضعت الولايات المتحدة في جهة وباقي دول العالم بجهة أخرى، مشددين على أن واشنطن لم تتراجع فقط عن الوعود التي قطعتها على نفسها الإدارة السابقة للرئيس براك أوباما بخصوص اتفاقية باريس، وإنما تخلت بهذه الخطوة عن موقعها القيادي العالمي.
الخبير الألماني في الشؤون الأميركية ديتلف يونكر، حذر قبل أيام من النهج الجديد للسياسة الخارجية للرئيس الأميركي دونالد ترمب. وكتب مدير مركز هايدلبرغ للدراسات الأميركية في مقال بصحيفة «مانهايمر مورجن» الألمانية يقول: «ترمب سيقودنا إلى أزمة مزدوجة: إلى تفتيت داخلي وفقدان الولايات المتحدة ثقلها في السياسة الخارجية، وإلى ضعف وتفتيت للغرب عبر الأطلسي... ترمب سيفضح أيضا دون هوادة نقاط الضعف الموجودة بالفعل في الاتحاد الأوروبي». وذكر يونكر في مقاله، أن ملامح فقدان أهمية الولايات المتحدة في السياسة الخارجية يمكن التحقق منها حاليا، موضحا أن السياسة الحمائية لترمب ستضعف مصالح السياسة الأمنية والاقتصادية سواء للولايات المتحدة أو لأوروبا. وهذا ما عبر عنه قبل أيام وزير الخارجية الألماني زيغمار غابريل قائلا: إن «الولايات المتحدة أوروبا قويتان معا وليس بمفردهما».
وأجمعت ردود الفعل الدولية على التعبير عن خيبة أمل إزاء إعلان انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس. ورفضت ألمانيا وفرنسا وإيطاليا بعد دقائق من إعلان الانسحاب اقتراح ترمب لإعادة التفاوض حول الاتفاقية. وذكرت الدول الأوروبية الثلاث في بيان مشترك: «نعتبر الزخم الذي تولّد في باريس في ديسمبر (كانون الأول) 2015 أمرا لا رجعة فيه، ونحن نعتقد اعتقادا راسخا بأن اتفاق باريس لا يمكن إعادة التفاوض عليه». ومن المقرر أن يبدأ ترمب في عملية الانسحاب من الاتفاق، في خطوة لن تكتمل قبل عام 2020، حيث يتوقع أن يكون منهمكا في حملة إعادة انتخابه. وانتقد ترمب اتفاق باريس للمناخ، مشيرا إلى أنه يحرم بلاده من مميزات مالية تحصل عليها دول أخرى.
كما رفض الاتحاد الأوروبي الفكرة. وقال المفوض الأوروبي لشؤون المناخ ميجيل أرياس كانيتي أمس (الجمعة): إنه لا يمكن إعادة التفاوض على اتفاقية باريس للمناخ مثلما قال الرئيس الأميركي. وأضاف للصحافيين عقب اجتماعه مع مسؤول صيني «الاتفاق يفي بغرضه. اتفاقية باريس ستبقى ولن يعاد التفاوض على بنود اتفاقية باريس البالغ عددها 29».
اعتبر رئيس المفوضية الأوروبية جان - كلود يونكر قرار الرئيس الأميركي «خطيرا للغاية»، وأن «لا رجوع إلى الوراء في العملية الانتقالية لمصادر الطاقة، ولا رجوع إلى الوراء حول اتفاق باريس».
أعلنت رئيسة الحكومة البريطانية تيريزا ماي في اتصال هاتفي مع ترمب، أن اتفاق باريس يحمي «ازدهار الأجيال المستقبلية وأمنها»، بحسب الحكومة. وتابعت ماي أن «اتفاق باريس يشكل إطارا شاملا مواتيا لحماية ازدهار الأجيال المستقبلية وأمنها، وضمان وصول مواطنينا وشركاتنا إلى وسائل الطاقة».
وكان الرئيس الأميركي قال: إن بلاده ستبدأ مفاوضات إما للعودة للاتفاقية أو للدخول في اتفاق جديد «بشروط عادلة للولايات المتحدة وشركاتها وعمالها وشعبها ودافعي الضرائب».
وذكر كانيتي، أن الاتحاد الأوروبي سيسعى لشراكة مع شركات أو ولايات أميركية تؤيد اتفاقية باريس.
الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما قال: إن الدول التي ستبقى ضمن اتفاق باريس للمناخ هي التي ستجني المنافع فيما يتعلق بفرص العمل، والصناعات التي تم إنشاؤها. وأضاف أوباما، أن الدول التي التزمت بمستقبل ينعم بانخفاض نسبة الكربون، عبر اتفاق المناخ «فتحت الباب للشركات والعلماء والمهندسين لإطلاق الاستثمارات والابتكارات ذات التقنية العالية والمنخفضة الكربون على نطاق غير مسبوق». وأردف أوباما يقول إن «القيادة الأميركية المسؤولة» جعلت مثل هذا الإنجاز ممكنا، مضيفا إنه حتى في غياب ذلك فإنه واثق من أن الدول والمدن والشركات «سوف تتقدم للأمام وتفعل المزيد لتمضي قدما، وتساعد في حماية الكوكب الوحيد الذي نملكه من أجل الأجيال المقبلة».
وجاءت ردة الفعل الفرنسية الأقوى، وأعلن الرئيس إيمانويل ماكرون أن نظيره الأميركي ارتكب خطأ تاريخيا بالانسحاب من اتفاق باريس، ودعا علماء المناخ الأميركيين ورجال الأعمال للمجيء إلى فرنسا والعمل فيها. وقال ماكرون في خطاب تلفزيوني ألقاه باللغة الإنجليزية: إن ترمب «ارتكب خطأ بحق مصالح بلاده وبحق مستقبل كوكبنا»، مضيفا أن «الولايات المتحدة أدارت ظهرها للعالم». ودعا ماكرون أيضا الأميركيين «من العلماء والمهندسين ورجال الأعمال والمواطنين الملتزمين» إلى «المجيء والعمل في فرنسا على إيجاد حلول ملموسة للمناخ». وتعهد «إلى هؤلاء الذين خاب أملهم من قرار رئيس الولايات المتحدة، سوف تجدون موطنا ثانيا في فرنسا». وقال: «فرنسا لن تدير ظهرها للأميركيين، فرنسا لن تستسلم». وأضاف ماكرون: «إننا سننجح لأننا ملتزمون التزاما تاما، ولأننا حيثما نعيش وأيا كنا نتقاسم جميعا المسؤولية نفسها... لنجعل كوكبنا عظيما مرة أخرى»، في إسقاط على شعار ترمب «لنجعل أميركا عظيمة مرة أخرى».
أما بيل بيدوتو، عمدة بيتسبرغ، المدينة التي قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إنه يمثلها عندما أعلن انسحاب الولايات المتحدة من اتفاق باريس بشأن المناخ، فقال: إن «جمهور الناخبين في تلك المدينة لا يؤيدون تلك الخطوة». وأضاف بيدوتو: «بيتسبرغ تقف مع العالم وسوف نتبع اتفاق باريس». وتابع: «بصفتي عمدة لبيتسبرغ، أؤكد لكم أننا سنتبع الخطوط العريضة لاتفاق باريس من أجل شعبنا واقتصادنا ومستقبلنا».
وقالت اليابان إن قرار الرئيس الأميركي «مؤسف». وذكر وزير الخارجية فوميو كيشيدا للصحافيين: أن بلاده «ستعمل مع الأطراف الأخرى في اتفاق باريس لتطبيقه المطرد والكامل».
في إعلانه عن الانسحاب من الاتفاقية استخدم ترمب رسالة «أميركا أولا» التي رددها عندما فاز بالرئاسة العام الماضي، وقال: إن اتفاقية باريس ستقوض الاقتصاد الأميركي،
وستكلف الولايات المتحدة وظائف، وستضعف السيادة الوطنية الأميركية، وستضع البلاد في موقف سيئ دائم مقارنة بباقي دول العالم. وقال ترمب «لا نريد أن يهزأ بنا الزعماء الآخرون والدول الأخرى بعد اليوم. ولن يحدث هذا». وأضاف ترمب « الدول نفسها التي تطلب منا البقاء في الاتفاقية هي الدول التي تكلف أميركا إجمالا تريليونات الدولارات من خلال ممارسات تجارية قاسية، وفي كثير من الحالات إسهامات ضعيفة في تحالفنا العسكري المهم».
وقال ترمب إن الولايات المتحدة ستكف عن دفع أموال لصندوق المناخ الأخضر الذي تدفع له الدول الغنية مليارات الدولارات لمساعدة الدول النامية على التعامل مع الفيضانات والجفاف والآثار الأخرى لتغير المناخ. وقال البيت الأبيض إنه سيتمسك بقواعد الأمم المتحدة للانسحاب من الاتفاقية. وتقضي القواعد بأن تنتظر أي دولة ثلاث سنوات من تاريخ اكتساب الاتفاقية الصفة القانونية، وهو الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2016، قبل السعي رسميا للخروج. ومن ثم يكون على تلك الدولة الانتظار لعام آخر.
ووصف داعمون للاتفاقية خطوة ترمب بأنها ضربة للجهود الدولية للحد من الاحتباس الحراري لكوكب الأرض الذي ينذر بآثار بعيدة المدى خلال القرن الحالي وما بعده.
وكان عدد من زعماء العالم وبينهم البابا قد ضغطوا على ترمب لئلا ينسحب من الاتفاق.
وقال رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو «رغم أن قرار الولايات المتحدة محبط سنظل متأثرين بالزخم المتزايد حول العالم لمكافحة تغير المناخ والتحول لاقتصادات ذات نمو نظيف».
ونشرت وكالة أنباء الصين الجديدة (شينخوا) تعليقا على قرار ترمب ووصفته بأنه «انتكاسة عالمية». تعهدت بكين بالاستمرار في تنفيذ اتفاق باريس وأكدت المتحدثة باسم وزارة الخارجية هوا شونيينغ للصحافيين أن الاتفاق «يعكس أوسع توافق في الأسرة الدولية بشأن التغير المناخي، وعلى الأطراف أن تتمسك بهذه النتيجة التي توصلت إليها بجهد كبير».
ووصف المتحدث باسم الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، الخطوة بأنها «خيبة أمل كبرى». وقالت الهيئة التابعة للأمم المتحدة التي تقود مفاوضات المناخ إنه لا يمكن إعادة التفاوض بشأن الاتفاقية بناء على طلب دولة منفردة.
وفي رسالة إلكترونية لموظفي «آبل»، عبر الرئيس التنفيذي للشركة تيم كوك عن خيبة الأمل وقال: إنه تحدث مع ترمب يوم الثلاثاء لمحاولة إقناعه بالبقاء في اتفاقية باريس. وقال: «لم يكن ذلك كافيا».
ودعم قادة جمهوريون بالكونغرس الأميركي ترمب. وأشاد ميتش مكونيل زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ بترمب «لتوجيهه ضربة كبيرة جديدة لاعتداء إدارة أوباما على الإنتاج المحلي للطاقة والوظائف». وانتقد الديمقراطيون الخطوة. ووصف زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر القرار بأنه «أحد أسوأ التحركات السياسية التي اتخذت في القرن الحادي والعشرين بسبب الضرر الهائل لاقتصادنا وبيئتنا».
وقال السيناتور الأميركي بيرني ساندرز الذي سعى لنيل بطاقة ترشيح الحزب الديمقراطي لانتخابات الرئاسة العام الماضي «في هذه اللحظة، التي يسبب فيها تغير المناخ بالفعل ضررا مدمرا حول العالم، ليس لنا الحق أخلاقيا في أن ندير ظهورنا لجهود ترمي للحفاظ على هذا الكوكب للأجيال القادمة».
* الموقّعون على الاتفاقية
الولايات المتحدة واحدة من 195 دولة وافقت على الاتفاقية في باريس في ديسمبر (كانون الأول) 2015، وسوريا ونيكاراجوا هما الدولتان الوحيدتان غير المشاركتين في الاتفاقية. ووفقا للاتفاقية، التي استغرق إعدادها سنوات، تلتزم الدول سواء كانت فقيرة أم غنية بتقليل انبعاثات ما يطلق عليها الغازات المسببة للاحتباس الحراري الناتج من احتراق الوقود الأحفوري الذي ينحي عليه العلماء باللائمة في ارتفاع درجة حرارة الكوكب.
* أميركا في المرتبة الثانية بعد الصين في مستويات التلوث
تعهدت الولايات المتحدة تحت إدارة أوباما بخفض انبعاثاتها ما بين 26 و28 في المائة عن مستويات 2005 وذلك بحلول سنة 2025. والولايات المتحدة مسؤولة عن أكثر من 15 في المائة من إجمالي انبعاثات الغازات المسببة للاحتباس الحراري حول العالم، وهي في المرتبة الثانية بعد الصين بالنسبة للتلوث. ويقول علماء كبار في مجال المناخ إن «الغازات المسببة للاحتباس الحراري تحبس الحرارة في الغلاف الجوي وتسبب ارتفاعا في حرارة الأرض، وارتفاع منسوب البحار والجفاف، وبشكل أكثر شيوعا العواصف الشديدة». وقال علماء إن «انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق قد يسرع آثار تغير المناخ العالمي ويجعل موجات الحرارة والفيضانات والجفاف والعواصف أكثر سوءا». وكان العام الماضي الأكثر حرارة منذ بدء التسجيل في القرن التاسع عشر، حيث واصلت معدلات درجات الحرارة على مستوى العالم ارتفاعا يرجع تاريخه لعقود فيما يعزوه علماء لغازات الاحتباس الحراري.



الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».


مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

مفوض أممي يدعو واشنطن لإنهاء التحقيق في قصف مدرسة إيرانية

نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)
نُصب تذكاري من أحذية وحقائب ترمز إلى ضحايا تفجير مدرسة ميناب الابتدائية في إيران... أمام مبنى الكابيتول الأميركي في العاصمة واشنطن في 18 مارس 2026 (أ.ف.ب)

دعا فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، الجمعة، الولايات المتحدة إلى إنهاء التحقيق الذي تجريه بشأن الضربة الجوية المميتة التي استهدفت مدرسة ابتدائية في إيران في بداية الهجمات الأميركية الإسرائيلية على الجمهورية الإيرانية الشهر الماضي، ونشر نتائج التحقيق.

وقال تورك أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة في جنيف خلال جلسة طارئة دعت إليها إيران: «أكد مسؤولون أميركيون رفيعو المستوى أن الضربة قيد التحقيق. أدعو إلى إنهاء هذا التحقيق في أسرع وقت ممكن، ونشر نتائجه».

وأضاف: «لا بد من تحقيق العدالة بشأن هذا الأمر المروع».

من جهته، اعتبر وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، أن الضربة الدامية التي تعرّضت لها مدرسة في جنوب البلاد في اليوم الأول من الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل، كانت «هجوماً مدروساً» من واشنطن.

وندد في كلمة عبر الفيديو أمام مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة بـ«الهجوم المدروس والمُنفَّذ على مراحل» على مدرسة ابتدائية في مدينة ميناب «حيث قُتل أكثر من 175 من التلامذة والمعلمين بدم بارد». وأضاف: «التصريحات المتناقضة للولايات المتحدة التي تهدف إلى تبرير جريمتها، لا يمكنها بأي حال من الأحوال أن تجعلها تتنصل من مسؤوليتها»، واصفاً الهجوم بـ«جريمة حرب وجريمة ضد الإنسانية»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».