أولى الفضائح تلحق بعهد الرئيس الفرنسي الجديد

أولى الفضائح تلحق بعهد الرئيس الفرنسي الجديد

ملصق لريشار فران وزير التخطيط المحلي الحالي مع الرئيس ماكرون للترويج لحملة الانتخابات التشريعية المقبلة (أ.ف.ب)
ملصق لريشار فران وزير التخطيط المحلي الحالي مع الرئيس ماكرون للترويج لحملة الانتخابات التشريعية المقبلة (أ.ف.ب)
TT

أولى الفضائح تلحق بعهد الرئيس الفرنسي الجديد

ملصق لريشار فران وزير التخطيط المحلي الحالي مع الرئيس ماكرون للترويج لحملة الانتخابات التشريعية المقبلة (أ.ف.ب)
ملصق لريشار فران وزير التخطيط المحلي الحالي مع الرئيس ماكرون للترويج لحملة الانتخابات التشريعية المقبلة (أ.ف.ب)

بعد مرور أقل من ثلاثة أسابيع على انطلاقة العهد الجديد مع انتخاب إيمانويل ماكرون رئيساً للجمهورية، بدأت الغيوم تتجمع فوق قصر الإليزيه، وتكسف إلى حد ما انطلاقته الدبلوماسية الناجحة، كما برزت في قمتين أساسيتين مع الرئيسين الأميركي دونالد ترمب في بروكسل، والروسي فلاديمير بوتين في فرساي، فضلاً عن مشاركته في قمة الحلف الأطلسي في العاصمة البلجيكية وقمة الدول السبع في صقلية الإيطالية. وخلال الأيام القليلة التي انقضت على تسلمه للسلطة، حصد ماكرون ثناء سياسياً وإعلامياً بسبب قدرته على تلبس رداء الرئاسة، وبسبب أدائه في الداخل والخارج. وجاءت استطلاعات الرأي لتبين أن الحزب الذي يدعمه «الجمهورية إلى الأمام» يحتل المرتبة الأولى في توقعات نتائج الانتخابات التشريعية التي ستجري على مرحلتين يومي 11 و18 يونيو (حزيران) الحالي، لا بل إنه سيكون قادرا على الفوز بالأكثرية النيابية التي ستمكنه من تنفيذ برنامجه ووعوده الانتخابية.
بيد أن هذه الصورة المثالية لم تدم طويلا. ومرة أخرى، كانت صحيفة «لو كنار أنشينيه» الأسبوعية الساخرة الجهة التي فجرت قنبلة سياسية لا أحد يعرف بعد كيف ستنتهي أو كيف ستكون آثارها على عهد ماكرون الذي جاء إلى السلطة وهو عازم على ضخ دماء جديدة شابة إلى الطاقم السياسي المهلهل، وخصوصا ممارسة مختلفة لها تكون بعيدة كل البعد عن الفساد والمحسوبية. والأسوأ من ذلك أن «الفضيحة» الجديدة جاءت تضرب أقرب المقربين للرئيس الجديد وذلك بشخص ريشار فران، وزير التخطيط المحلي الحالي. وأهم من صفته الوزارية أن ريشار فران يعد أحد أقرب المقربين من ماكرون. فقد تقرب منه في عام 2014، وكان أول نائب اشتراكي يلتحق به عندما أعلن إطلاق حركته السياسية «إلى الأمام» ربيع العام الماضي. ماكرون وفران هما عرابا العملية السياسية الاستثنائية التي قادت في زمن قياسي الوزير السابق ابن الـ39 عاماً الذي استقال من الحكومة وأعلن ترشيحه من غير أن تكون وراءه ماكينة سياسية حقيقية تدعمه إلى القصر الرئاسي. كذلك، فإن الخط السياسي الذي انتهجاه «لا يمين ولا يسار بل تخطى الانقسامات التقليدية في المجتمع الفرنسي» نتج عنه «تفجير» الحزبين الكبيرين اللذين كانا يتناوبان على السلطة في فرنسا منذ تأسيس الجمهورية الخامسة، وهما اليمين التقليدي ممثلا حاليا بحزب «الجمهوريون»، واليسار المعتدل ممثلا بالحزب الاشتراكي.
ما الخطيئة الفضيحة التي ارتكبها ريشار فران والتي اجتذبت كل الوسائل الإعلامية والسياسيين والمعلقين وأثارت أكثر من تساؤل حول مستقبله السياسي وخصوصا تأثير ذلك على مسار العهد الجديد؟
يوم الأربعاء ما قبل الماضي، كشفت «لو كنار أنشينيه» أن فران استخدم في عام 2011 أي قبل أن يصبح نائباً، وكان عندها مديراً لمجموعة من شركات التأمين غرب فرنسا نفوذه لإتمام صفقة عقارية استفادت منها رفيقة حياته. وبينت تحقيقات صحافية لاحقة كيف أن فران أسهم في إثراء رفيقة حياته من خلال تأجير عقار مبني لمجموعة التأمينات التي كان يديرها وزير التخطيط المحلي. عمدت لاحقا إلى شرائه بفضل قرض من مصرف محلي حصلت عليه بعد توقيع العقد. ولا تنتهي متاعب فران عند هذا الحد إذ إنه عمد إلى توظيف ابنه مساعدا برلمانيا له عقب وصوله إلى الندوة النيابية وتخليه عن إدارة مجموعة شركات التأمين لكنه نصب نفسه مستشاراً للمديرة الجديدة مع راتب. ومن جانب آخر، استفادت زوجته السابقة من ثلاثة عقود مع مجموعة التأمين. استنادا إلى هذه المعلومات، قرر المدعي العام لمدينة بريست (غرب فرنسا) صباح أمس، وبعد تردد لمدة أسبوع فتح تحقيق أولي بحق ريشار فران بسبب شبهات استغلال النفوذ وسوء استخدام الصلاحيات. وتزامن ذلك مع عرض وزير العدل فرنسوا بايرو الخطوط العريضة لمشروع قانون لفرض مبادئ أخلاقية في ممارسة العمل السياسي، وهو المشروع الذي جعله ماركون في مقدمة ما يريد تنفيذه حال وصوله إلى الرئاسة. ومن جملة ما ينص عليه المشروع حرمان لنواب من توظيف أقاربهم مساعدين لهم.
كان من الطبيعي أن تستغل كل الأحزاب «قضية» فران. وذهبت زعيمة اليمين المتطرف مارين لوبن إلى المطالبة باستقالته، وكذلك فعل جان لوك ميلونشون، المرشح الرئاسي السابق وزعيم اليسار المتشدد. وانضم الحزب الاشتراكي إلى المطالبة بالاستقالة فيما عمد حزب «الجمهوريون» إلى توجيه انتقادات لاذعة لحزب «الجمهورية إلى الأمام» وإلى وزير العدل والحكومة بسبب «ازدواجية المعايير» بين التعاطي مع فيون ومع فران. وحتى الآن، ما زال الأخير يصر على أنه لم يرتكب أي جرم أو أية مخالفة قانونية رافضاً الاستقالة. وقال الناطق باسم الحكومة إن الوزير فران لن يستقيل إلا إذا تم توجيه اتهامات رسمية له عندها سيكون ملزما بالاستقالة.
حقيقة الأمر أن هذه القصة تحرج ماكرون وتضعه في موقع صعب. فهو من جهة، إذا أبقى الوزير إلى جانبه، فإن الانتقادات ستطاله وستلوث عهده وسيعمد خصومه إلى استغلال الفضيحة لإضعافه من جهة ولمنعه من الحصول على الأكثرية النيابية التي يحتاج إليها في البرلمان الجديد. وليس فران وحده في مرمى النيران بل هناك وزيرة الشؤون الأوروبية مارييل دو سارننيز المتهمة، كنائبة في البرلمان الأوروبي، بتوظيف «وهمي» لمساعد لها كنائبة بينما هو يعمل لصالح حزب «الديمقراطيون» الوسطي الذي تنتمي إليه والذي يرأسه الوزير بايرو. ومن جهة أخرى، إذا تخلى ماكرون عن وزيره، فإنه يكون كمن قص ذراعه بسبب الدور الكبير الذي لعبه لإيصاله إلى الرئاسة ولأن تصرفا كهذا سيضعفه سياسيا. والخلاصة أن ماكرون واقع بين المطرقة والسندان. وحتى الآن، أرسل إشارات تفسر على أنها دعم لفران، والتقاه، وفق الصحافة الفرنسية، ثلاث مرات هذا الأسبوع. ولكن، مهما يكن قرار النيابة العامة، فإن الأيام الأخيرة شوهت إلى حد ما صورة الانتصار الجميل لماكرون، خصوصاً أداءه المميز كرئيس على المسرح العالمي.



فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تستدعي سفير أميركا بسبب تصريحات بشأن وفاة ناشط يميني متطرف

السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)
السفير الأميركي لدى فرنسا تشارلز كوشنر (أ.ف.ب)

قال وزير الخارجية الفرنسي جان نويل بارو، اليوم (الأحد)، إنه سيستدعي السفير الأميركي لدى فرنسا، تشارلز كوشنر، بسبب تصريحاته حول مقتل ناشط فرنسي من اليمين المتطرف، الأسبوع الماضي.

وتعرض الناشط اليميني المتطرف الفرنسي كونتان دورانك لضرب أفضى إلى الموت، في شجار مع ناشطين يُشتبه في أنهم من اليسار المتطرف، في واقعة هزت البلاد، وفق ما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وقالت السفارة الأميركية في فرنسا ومكتب مكافحة الإرهاب التابع لوزارة الخارجية الأميركية إنهما يراقبان القضية، محذرين في بيان على منصة «إكس» من أن «العنف الراديكالي آخذ في الازدياد بين المنتمين لتيار اليسار»، ويجب التعامل معه على أنه تهديد للأمن العام.


أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
TT

أستراليا تنفي اعتزامها إعادة عائلات «داعش» من مخيم سوري

أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)
أفراد من عائلات أسترالية يُعتقد ارتباطها بمسلحي تنظيم «داعش» يغادرون مخيم روج قرب ديريك بسوريا في 16 فبراير2026 (رويترز)

نفت حكومة أستراليا، المنتمية ليسار الوسط، اليوم (الأحد)، تقريراً إعلامياً محلياً أفاد بأنها تعمل على إعادة أستراليين من مخيم سوري، يضم عائلات أشخاص يُشتبه بانتمائهم لتنظيم «داعش».

وأُطلق سراح 34 امرأة وطفلاً، يوم الاثنين، من المخيم الواقع في شمال سوريا، لكنهم عادوا إلى مركز الاحتجاز لأسباب فنية. ومن المتوقع أن تسافر هذه المجموعة إلى دمشق قبل أن تعود في النهاية إلى أستراليا، على الرغم من اعتراضات نواب من الحزب الحاكم والمعارضة.

ونفى وزير الشؤون الداخلية، توني بيرك، ما ورد في تقرير نشرته صحيفة «صنداي تلغراف»، والذي يؤكد أن الاستعدادات الرسمية جارية لإعادة هذه المجموعة.

وقال بيرك لشبكة التلفزيون الأسترالية: «يدعي ذلك التقرير أننا نقوم بعملية ترحيل (إعادة إلى الوطن). ونحن لا نفعل ذلك».

وأضاف: «يزعم التقرير أيضاً أننا نعقد اجتماعات مع الولايات (الأسترالية) لغرض الترتيب لإعادة هذه المجموعة. وهذا لم يحدث».

وفي وقت سابق، قال رئيس الوزراء أنتوني ألبانيزي، زعيم حزب «العمال» الأسترالي، إن حكومته لن تساعد هذه المجموعة على العودة إلى أستراليا.

تعدُّ عودة أقارب المشتبه بانتمائهم إلى تنظيم «داعش» قضيةً سياسيةً في أستراليا، التي شهدت ارتفاعاً في شعبية حزب «أمة واحدة» اليميني المناهض للهجرة بقيادة النائبة بولين هانسون.

يُصنَّف تنظيم «داعش»، «منظمةً إرهابيةً» في أستراليا، ويُعاقَب على الانتماء إليه بالسجن لمدة تصل إلى 25 عاماً. وتملك أستراليا صلاحية سحب الجنسية من المواطنين مزدوجي الجنسية إذا كانوا أعضاء في تنظيم «داعش».


أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
TT

أميركا وأوروبا... التعايش القسري بديل الزواج الصعب والطلاق المرّ

مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)
مجسّم خلال مهرجان في مدينة دوسلدورف الألمانية يُظهر الرئيسين الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين يلتهمان بقرة تجلس عليها رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون در لاين (أ.ف.ب)

في مؤتمر ميونيخ للأمن العام الماضي، تحوّل خطابٌ ألقاه نائب الرئيس الأميركي جي. دي. فانس إلى جرس إنذار لأوروبا يصمّ الآذان. وكان الخطاب، بنبرته التوبيخية الاتهامية، أوضح إشارة إلى أن الولاية الثانية للرئيس الأميركي دونالد ترمب ستكون مختلفة عن ولايته الأولى، من حيث تشديد النبرة التي سيعتمدها البيت الأبيض في تعامله مع حلف شمال الأطلسي (ناتو) وأوروبا.

هذه السنة أرست كلمة وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو، في ميونيخ نوعاً من التوازن بين ولائه لرئيسه وعمق العلاقة مع أوروبا، حتى إنه ذهب إلى حد وصف بلاده بأنها ابنة أوروبا أو ابنها. وأكد لقادة «القارة القديمة» أن بلاده عازمة على بناء نظام عالمي جديد بالاشتراك مع «حلفائنا الأعزاء وأصدقائنا الأقدمين». وقالت رئيسة المفوضية الأوروبية، السيدة الألمانية أورسولا فون دير لاين، إنها «مطمئنة جداً» إلى هذه التصريحات.

ولم ينسَ الرجل، المولود في ميامي لأبوين كوبيّين، الإشادة بالعلاقات الثقافية المشتركة مسمّياً بيتهوفن وموتسارت وفرقتي «البيتلز» و«الرولينغ ستونز». ومما قاله: «نحن نهتم بعمق بمستقبلكم ومستقبلنا. وإذا اختلفنا أحياناً، فإن اختلافاتنا تنبع من إحساسنا العميق بالقلق على أوروبا التي نرتبط بها».

وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو يتحدث في مؤتمر ميونيخ للأمن يوم 14 فبراير 2026 (أ.ف.ب)

إلا أن موقع مجلة «فورين بوليسي» الأميركية كتب بعد المؤتمر: «أعرب كثير من القادة الأوروبيين في جلسات خاصة عن قلقهم، لافتين إلى أن تهديدات ترمب الأخيرة بالاستحواذ على غرينلاند تمثل تجاوزاً لخط أحمر، كما أن تكرار روبيو الإشارة إلى المسيحية والحضارة الغربية بدا للبعض مشوباً بإيحاءات عرقية».

ورأى أشخاص من خارج دول الغرب حضروا المؤتمر، في دعوة روبيو لأوروبا إلى «الانضمام» إلى الولايات المتحدة في مسارٍ يوسّع الغرب عبر «مبشّريه، وحجّاجه، وجنوده، ومستكشفيه الذين انطلقوا من شواطئه لعبور المحيطات، والاستقرار في قارات جديدة، وبناء إمبراطوريات مترامية عبر العالم»... إعلاناً لتجديد الاستعمار.

ولم ينسَ روبيو أن يكرّر عدداً من انتقادات ترمب لنهج أوروبا في ملفي الهجرة والتغير المناخي، مؤكداً أن الولايات المتحدة مستعدة لشقّ مسارها الجديد منفردةً. ورغم تأكيده أن بلاده ترغب في إعادة تنشيط التحالف عبر الأطلسي، فقد شكّك في إرادة أوروبا وقدرتها على تحقيق ذلك.

عكس الخطاب التوازن الدقيق الذي يتعيّن على روبيو مراعاته بين الانخراط في الأولويات السياسية لدونالد ترمب وطمأنة الشركاء الأوروبيين. فعلى خلاف كثيرين في الإدارة الجمهورية، يدرك وزير الخارجية أن الولايات المتحدة تحتاج إلى قسط أكبر من الدبلوماسية في تعاملها مع أوروبا إذا ما أرادت تحقيق أهدافها في السياسة الخارجية.

والمؤكد أن الاعتدال النسبي في لهجة روبيو يعود إلى منصبه وكونه رأس الدبلوماسية، علماً أنه لطالما أيّد وجود المؤسسات الأمنية والعسكرية المشتركة، وفي طليعتها حلف شمال الأطلسي. ففي عام 2019، على سبيل المثال، كان جزءاً من مسعى مشترك بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي لمنع أي رئيس أميركي من الانسحاب من الناتو. وقال حينذاك: «من الحيوي لأمننا القومي ولأمن حلفائنا في أوروبا أن تبقى الولايات المتحدة منخرطة وأن تؤدي دوراً فاعلاً داخل الناتو».

جندي أوكراني يطلق قذيفة من مدفع ميدان على أحد محاور جبهة دونيتسك شرق أوكرانيا (أ.ف.ب)

في مثال آخر، يقال إن روبيو قدّم تطميناتٍ معيّنة إلى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن التزام الولايات المتحدة. ورغم تحذيره في الوقت نفسه من أنّ أوكرانيا ستضطر إلى قبول تنازلاتٍ صعبة لإنهاء الحرب، فإن ذلك يختلف عن تشكيك فانس سابقاً في أسباب إنفاق الولايات المتحدة عشرات الملايين من الدولارات للدفاع عن «بضعة أميال من الأراضي».

لكن في حين أن خطاب روبيو في ميونيخ كان أقلّ إثارةً للانقسام من خطاب فانس قبل عام، فإنه لا يعكس أي تغييرٍ جوهري في السياسة الخارجية الأميركية في عهد ترمب. ويمكن القول إن المعادلة الجديدة صارت: الولايات المتحدة تتقاسم مع أوروبا بعض المصالح، لكنها لا تتشارك معها القيم ذاتها.

مسافات أطلسية كبيرة

ليست المسألة مسألة خطابات وسرديات وأساليب لغوية، فالعالم بدأ يعيش واقعاً جديداً تتغير فيه التحالفات والخصومات وحتى العداوات.

وفي أوروبا تحديداً، القارة التي عرفت أقسى الحروب على مرّ قرون، يشعر كثر بأنهم مكشوفون ومعرّضون للأخطار، كونهم عالقين بين روسيا ذات النزعة التوسّعية والصين ذات السلوك الاقتصادي الهجومي من الشرق، والولايات المتحدة الحليف السابق الأقرب الذي يتغيّر بسرعة، من الغرب.

ووفقاً لاستطلاع حديث لـ«يورو باروميتر» (أجريَ كالعادة لمصلحة المفوضية الأوروبية)، يشعر 68 في المائة من الأوروبيين بأن بلادهم تواجه تهديداً.

الحقيقة أنه عند النظر إلى العلاقات عبر الأطلسي اليوم، يتبيّن أن المشهد الحقيقي لمؤتمر ميونيخ للأمن هذا العام عكسَ حالة من «التنافر المعرفي» الاستراتيجي. ففي علم النفس، يشير التنافر المعرفي إلى التوتر الذهني الذي ينشأ عندما لا تنسجم المعتقدات مع السلوكيات. وفي ميونيخ كان هذا التناقض ملموساً: إعلانات صداقة ترافقها إشارات إلى انعدام ثقة عميق، وتطمينات استراتيجية تتناقض بوضوح مع قرارات سياسية. والنتيجة تحالف أوروبي - أميركي موحَّد في الشكل ومضطرب في الجوهر إلى حد التباعد الذي إذا لم يستجدّ ما يعالجه أو على الأقل يوقفه، فقد يولّد خصومة صريحة.

في السياق، أقرّ وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، بأن الولايات المتحدة لن تكون قادرة على حماية أوروبا إلى الأبد، لكنه رفض بحزم الضغوط ذات الطابع الإقليمي (في إشارة إلى جزيرة غرينلاند)، مطالباً بالاحتكام إلى المنظمات الدولية لضمان «السلام والأمن»، ومشدداً على أن الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة «لا يمكنهما تحقيق ذلك إلا معاً». ويبدو هذا الموقف مناقضاً للمقاربة الأميركية التي يمكن تلخيصها في المطالبة بالتعاون والانضباط الجماعي وفق قواعد جديدة للعبة تخالف ما كان سارياً منذ نهاية الحرب العالمية الثانية حتى أمس قريب.

جنود يشاركون بتدريب أجرته القيادة القطبية للقوات الدنماركية في غرينلاند (رويترز)

الجزيرة والجليد

من أسباب الخلاف الأكثر زعزعةً للاستقرار: غرينلاند. فقد أكدت رئيسة الوزراء الدنماركية ميته فريدريكسن، أن المسألة لا تزال جرحاً مفتوحاً. ويبدو أن دونالد ترمب لم يأبه لرد الفعل الدنماركي والأوروبي عندما أطلق موقفه الجريء بشأن الجزيرة الكبيرة التي تتبع للسيادة الدنماركية.

ويستنتج بعض المراقبين والمحللين أن ما رُصد في ميونيخ ومحطات ومواقف أخرى، يثبت أن الأزمة الراهنة لا تقتصر على سوء تواصل بين النخب السياسية، بل ثمة تنافر واسع، إلى درجة أن نسبة معتبَرة من الأوروبيين تعتقد أن أميركا لن تنبري للدفاع عنهم في حال تعرضهم لعدوان عسكري...

من هنا يُفهم لماذا أعاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أخيراً فتح النقاش حول توسيع المظلّة الردعية الفرنسية لتشمل بقية أوروبا، إلا أن عرض القوة هذا لا يستند إلى أسس صلبة، فنحو 300 رأس نووي فرنسي لن تردع ترسانة نووية روسية تضم 4309 رؤوس نووية. ومن دون نظام متكامل للقيادة والسيطرة والاتصالات مع الشركاء الأوروبيين لا قيمة لأي منظومة دفاعية.

وفي حين أن كير ستارمر، رئيس وزراء بريطانيا، أبدى استعداداً للتعاون مع فرنسا، تجدر الإشارة إلى أن سلاح الأخيرة بما فيه النووي مصنوع محلياً، فيما الردع النووي البريطاني يعتمد على صواريخ «ترايدنت 2 دي5» الأميركية، التي تحمل رؤوساً حربية بريطانية الصنع وتُنشر على متن غواصات البحرية الملكية. وبناءً عليه، فإن الردع البريطاني ليس مستقلاً، وهي حقيقة ذات أهمية استراتيجية بالغة.

يدرك الزعماء الأوروبيون الذين تواجه بلدانهم مشكلات مالية واجتماعية ومعيشية أن «الطلاق الأطلسي» غير ممكن على الرغم من تضارب المصالح الاقتصادية وتباين الخطابات، فتكلفة الزواج الصعب أقل وقعاً من تكلفة الطلاق المرّ. وبالتالي على الطرف الأضعف أن يبقى مع الطرف الأقوى وإن شاب العلاقة توتر دائم.

صورة مركَّبة للرئيسين الأميركي دونالد ترمب والصيني شي جينبينغ... مسار تصادمي حتمي؟ (رويترز)

ويدرك هؤلاء الزعماء أيضاً أن خطاب دونالد ترمب وفريقه لن يتغيّر، وسيبقى مؤدّاه أن الاتحاد الأوروبي ضعيف ومخطئ في توجهاته. إنما عليهم أن يقتنعوا بأن نموذج اقتصاد السوق الاجتماعي في أوروبا، والتزامها بالانفتاح، لا يزالان يحققان مردوداً ملموساً. وبدلاً من التردد والشكّ، ينبغي للاتحاد الأوروبي أن يضاعف استثماره في نقاط قوته، وأن يروّج لتجربته كنموذج للتعاون والتكامل يُحتذى به، خصوصاً في ظل احتدام التنافس الجيوسياسي بين الولايات المتحدة والصين. وإذا نجحت أوروبا فسيكون في ذلك مصلحة لعالم يفقد توازنه باطّراد، أما إذا فشلت فقد تكون مسرحاً لصدام لا يُبقي ولا يذر...

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended