بادية الشام... مسرح مواجهة واشنطن وطهران

في ضوء القرار المشترك بالتصدي لتوسع إيران في المنطقة

بادية الشام... مسرح مواجهة واشنطن وطهران
TT

بادية الشام... مسرح مواجهة واشنطن وطهران

بادية الشام... مسرح مواجهة واشنطن وطهران

لم تسرق حتى الساعة أي جبهة الضوء من جبهة البادية السورية التي شهدت قبل أكثر من أسبوع حركة أميركية لافتة بإطار التصدي لدفع إيران بمجموعة من الميليشيات للسيطرة على معبر التنف والوصول إلى الحدود العراقية وبالتالي تأمين ممر بغداد - دمشق ومن خلفه بيروت - طهران. ولعل ما نتج عن القمة العربية - الإسلامية - الأميركية التي شهدتها الرياض نهاية الأسبوع الماضي، لجهة القرار المشترك بالتصدي لتوسع إيران في المنطقة، جعل الأنظار تتركز أكثر على البادية السورية التي قد تتحول مسرحا لمواجهة أميركية - إيرانية مفتوحة، خاصة في ظل المعلومات عن تعزيزات وصلت إلى قاعدة التنف العسكرية بالتزامن مع استكمال الميليشيات التابعة لطهران تقدمها باتجاه «الخطوط الحمراء» التي رسمتها واشنطن وأبلغت بها موسكو.
في جنوب شرقي سوريا، استنفار متواصل منذ أكثر من 10 أيام. الفصائل المدعومة أميركيا تتحضر لمعركة «بركان البادية» لطرد الميليشيات الموالية لطهران من المناطق التي تقدمت إليها مؤخرا في بادية الشام، في حين تواصل عناصر هذه الميليشيات محاولات التقدم، ولقد باتت بالفعل على مشارف «الخط الأحمر» الذي رسمته واشنطن، وهو يبعد 40 كلم عن القاعدة العسكرية في التنف؛ حيث تتحصن قوات أميركية وبريطانية ونرويجية تدرّب مقاتلين معارضين ينضوون بشكل رئيسي ضمن إطار «جيش مغاوير الثورة».
ويبدو أن هذه الميليشيات ستكون وفق خبراء، في حال قررت خرق «الخطوط الأميركية الحمراء»، على موعد مع ضربات جوية جديدة تنفذها واشنطن، على غرار الضربة التي استهدفت قبل 10 أيام قافلة لمقاتلين تقودهم طهران، كانوا في طريقهم إلى قاعدة التنف العسكرية في جنوب سوريا قرب الحدود مع العراق والأردن.
ومن جانب آخر، وعلى الرغم من إعلان نظام دمشق في حينه أن القصف الجوي الذي نفذته طائرات التحالف الدولي قرب الحدود الأردنية استهدف «إحدى النقاط العسكرية للجيش (النظامي) السوري» في شرق البلاد، أكّد «المرصد السوري لحقوق الإنسان» مقتل ثمانية أشخاص «معظمهم غير سوريين». كذلك نقلت شبكة «سي إن إن» عن مسؤول في وزارة الدفاع الأميركية قوله إن واشنطن أرسلت طائرتين «استعراضا للقوة» لإرغام المركبات السورية على العودة، وأضاف: «لكن المركبات لم تتوقف، ما أدى إلى التصعيد من استعراض للقوة إلى غارة جوية». ووفقاً للمسؤول الأميركي، اخترقت ثلاث عشرة مركبة «منطقة نزع السلاح» حول قاعدة التنف، وهي المنطقة التي أبلغ التحالف الروس بضرورة الابتعاد عنها. وقال المسؤول إن 5 من المركبات كانت على بعد 29 كيلومتراً من القاعدة عند منتصف ليلة الخميس عندما تم إرسال الطائرات الأميركية.
في هذه الأثناء، يترقّب خبراء بالملف السوري وبسياسة واشنطن الخطوة الأميركية. ويتوقع هؤلاء أن تنخرط الولايات المتحدة أكثر في ميدان العمليات السوري من خلال تأمين الدعم الجوي للمجموعات السورية البرّية التي تدعمها، وكذلك زيادة أعداد عناصرها من خبراء ومستشارين وقوات خاصة، المنشورين في المنطقة. وفي هذا السياق، يقول رياض قهوجي، رئيس مركز «الشرق الأوسط والخليج للتحليل العسكري» (إنيغما): «تشهد سياسة واشنطن تجاه الشرق الأوسط تغييرات كبيرة على عدة صعد، على أن تبقى سرعة هذه التغييرات ومدى دراماتيكيتها رهن حنكة الإدارة ونجاحها في تسويقها وتنفيذها داخلياً وخارجياً».
ويؤكد قهوجي، في مقال بموقع «منتدى الأمن والدفاع العربي» أن هذا ما خلصت إليه اجتماعات وحلقات حوار مع مسؤولين في الخارجية الأميركية ووزارة الدفاع (البنتاغون) ومراكز الأبحاث في واشنطن. وهو ينقل عن مسؤول رفيع في الخارجية الأميركية أن «سياسة أميركا نحو إيران ودول الخليج ستشهد تحولاً بنسبة 180 درجة». ويلفت الخبير الاستراتيجي اللبناني - الذي يتخذ مركزه من دبي مقراً له - إلى أن «أهم هدفين للإدارة الأميركية الجديدة فيما يخص طهران هما إيقاف أو الحدّ من تطور برنامج الصواريخ الباليستية، وحصر الانفلاش الإيراني في المنطقة، وتحديداً عبر منعها من فتح ممر برّي يصل حدود إيران الغربية بالبحر المتوسط عبر العراق وسوريا، وهذا مع التركيز على إنهاء وجود إيران وحلفائها من المناطق المحاذية للجولان».
* القضاء على «داعش»
من جهة ثانية، حسب مسؤولين عسكريين أميركيين سيبقى موضوع القضاء على تنظيم داعش الإرهابي المتطرف على قمة أولويات الإدارة الأميركية الجديدة، ولكن من منطلق آخر وغايات مختلفة عن تلك التي كانت تبنّتها إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما. وفي هذا الإطار، يوضح قهوجي: «هدف محاربة (داعش) والمجموعات المرتبطة بتنظيم القاعدة سيكون ضمن سياسة الحد من نفوذ إيران والنظام السوري اللذين يستغلان الحرب ضد هذه الجماعات لتوسيع مناطق نفوذهما في سوريا والعراق». وعليه، فهدف الحرب على «داعش» وأتباعه، حسب الإدارة الجديدة في واشنطن، لن يكون للقضاء عليه فحسب، إنما السيطرة على أراضيه ومنع إيران وحلفائها من احتلالها واستخدامها في بناء الممر البري نحو الساحل السوري.
ويرجّح قهوجي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تكون المعركة الكبيرة والرئيسية في محيط مدينة البوكمال ثاني كبرى مدن محافظة دير الزور، المتاخمة للحدود العراقية، «حيث سيسعى الإيرانيون لتلاقي القوات التابعة لهم والآتية من الحدود العراقية مع تلك المقاتلة داخل الحدود السورية»، ويضيف أنه «إذا نجحت القوات المدعومة أميركياً بالوصول إلى هذه المنطقة وقطع الطريق على تلاقي الميليشيات الإيرانية، فستكون قد أفسدت الخطة والطموحات الإيرانية، وسنشهد عندها فرض واقع جديد وتدخل أكبر من الجانب الأميركي». ويتابع قهوجي: «الأمور ستتبلور وتتحرك في بداية الشهر المقبل، بعيد انتهاء جولة الرئيس الأميركي في منطقة الشرق الأوسط واجتماعات حلف شمال الأطلسي (ناتو) وقمة مجموعة الدول السبع (G7)».
* «جيش مغاوير الثورة»
على صعيد آخر، برز في الآونة الأخيرة دور «جيش مغاوير الثورة» بقيادة العقيد مهند الطلاع كذراع أساسية لواشنطن في المنطقة الشرقية من سوريا، على غرار اتخاذها في الشمال السوري ميليشيا «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) - ذات الغالبية الكردية - حليفا أساسيا لها، على الرغم من كون الأول لا يزال متواضعاً من حيث العدد والإعداد والقدرات إذا ما قورن بـ«قسد». وأظهرت دراسة حديثة أعدها مركز «جسور» للدراسات أن «جيش مغاوير الثورة»، الذي من المتوقع أن يخوض معركة دير الزور هو الفصيل المعارض الذي يسيطر على أكبر مساحة جغرافية، تتمثل بشكل رئيسي في منطقة البادية (بادية الشام)، وهو ما اعترض عليه مسؤولون في فصيل «أسود الشرقية» الذي يقاتل في المنطقة أيضاً ويعمل ضمن مشروع غرفة «الموك» (مقرها الأردن).
حالياً، تتركز وجهة «مغاوير الثورة» على مدينة دير الزور على طول الحدود الشرقية الممتدة من التنف على مثلث الحدود السورية - الأردنية - العراقية، وشمالاً باتجاه دير الزور. وقد تطوّرت من ميليشيا «جيش سوريا الجديد» التي أُعلن عنها في الصيف الماضي وتعرّضت لانتكاسة إثر ضربة جوية يُعتقد أنها روسية استهدفت معسكراً لهم في المنطقة، إلى «جيش مغاوير الثورة»، ولم يسجل لها أي احتكاك مع قوات النظام. أما ميليشيا «أسود الشرقية» المدعومة من غرفة «الموك»، فيقتصر دعم الغرفة لها على الدعم اللوجيستي والتسليحي، من غير مشاركة في القتال إلى جانبها. وتنتشر هذه القوة في بادية جنوب شرقي السويداء وتمتد شمالاً حتى القلمون الشرقي، ولقد استطاعت أن تحرز تقدماً كبيراً منذ مارس (آذار) الماضي على حساب «داعش».
ووفق الباحث الاستراتيجي والخبير العسكري الأردني الدكتور فايز الدويري، فإن ما تشهده منطقة البادية ليس مواجهة إيرانية - أميركية مباشرة بل أشبه بـ«حرب بالوكالة» تخوضها ميليشيات محسوبة على طهران وفصائل مدعومة أميركياً.
* «حرب بالوكالة»
ويؤكد الدويري في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن الميليشيات التي تتقدم باتجاه التنف محصورة بـ«كتائب الإمام» و«سيد الشهداء» وهي ميليشيات عراقية، نافياً انضمام ميليشيا «حزب الله» أو ميليشيات فلسطينية للقتال على هذه الجبهة. ويضيف: «في المقابل يقاتل (مغاوير الثورة) و(أسود الشرقية) و(أحرار العشائر) وقوات (أحمد العبدو) بطرف الفصائل المحلية المدعومة أميركياً». ويشير الدويري إلى أن واشنطن «تتدخل بشكل مباشر عند الضرورة وهو ما شهدناه قبل 10 أيام حين استهدفت قافلة لكتائب (سيد الشهداء) كانت تقترب من معبر التنف»، مستبعداً أن «تلعب إيران أي دور مباشر في المعركة هناك، فتكتفي بإرسال الميليشيات العراقية التي تقحمها في سياسة حافة الهاوية».
وفي السياق ذاته، تردد في الأيام القليلة الماضية، أن مجموعات من «لواء القدس الفلسطيني»، التي كانت موجودة في حلب، انتقلت للمشاركة في معارك بادية تدمر وفي العملية العسكرية التي تهدف قوات النظام السوري من خلالها إلى التقدم نحو الحدود الإدارية لمحافظة دير الزور. ويُعتبر «لواء القدس الفلسطيني» الذي أسس عام 2013 من أبرز المجموعات الفلسطينية التي ساندت نظام الأسد في مدينة حلب وريف محافظتها، ومعظم مقاتليه من مخيمي النيرب وحندرات. وكانت ميليشيات شيعية عراقية جديدة يطلق عليها اسم «الأبدال» قد نشرت صوراً لعناصرها الأسبوع الماضي على الطريق المؤدية إلى معبر التنف، وقالت إنها سيطرت على نقطة مهمة في المنطقة. أما وكالة «فارس» الإيرانية التابعة لـ«الحرس الثوري»، فقد أعلنت أن طهران سترسل 3000 مقاتل من «حزب الله» إلى معبر التنف «لإحباط» ما سمتها «المؤامرة الأميركية»، وذلك بعد الضربة العسكرية التي استهدفت رتلا لقوات النظام في المنطقة، الأسبوع الماضي.
يذكر أن النظام السوري وحلفاءه أعلنوا في الثامن من مايو (أيار) الحالي فتح معركة الوصول إلى الحدود العراقية، وبالتالي تأمين ممرّ بغداد - دمشق، ثم ممر بيروت - طهران، وذلك بالتزامن مع ما سبق تداوله عن حشود عسكرية على الحدود الأردنية مع سوريا تمهيدا لعملية تدعمها واشنطن في الجنوب.
وتجنّدت وسائل الإعلام التابعة للنظام و«حزب الله»، في حينه، للتحذير من «تحركات لقوات أميركية وبريطانية وأردنية باتجاه الأراضي السورية». بل إن «الإعلام الحربي» التابع لـ«حزب الله» وجه يومذاك على لسان مصدر فيه «تهديداً مباشراً» لواشنطن قائلا: «ليعلم الأميركيون وحلفاؤهم أنهم سيدفعون الثمن غالياً، وسيكونون أهدافاً جراء استباحتهم الأرض السورية».
أما قناة «الميادين» اللبنانية، المقربة من النظام السوري و«حزب الله»، فتحدثت بدورها عن «رصد تحرّكات عسكرية ضخمة تشير إلى اقتراب ساعة الصفر على الحدود السورية مع الأردن». ولفتت إلى «تجمّع حشود عسكرية أميركية وبريطانية وأردنية على الحدود الجنوبية لمحافظتي السويداء ودرعا من تل شهاب إلى معبر نصيب، وإلى منطقة الرمثا وانتهاءً في خربة عواد (بأقصى جنوب محافظة السويداء) ووجود كتائب دبابات بريطانية ثقيلة من نوع (تشالنجر) مع 2300 مسلح وعدد من طائرات الهليكوبتر العسكرية من طرازي (كوبرا) و(بلاك هوك)». ووفق ادعاءات القناة فإن «قرابة 4000 مسلح ممن دُرِّبوا في الأردن موجودون في منطقة التنف داخل الحدود السورية». ولكن في مقابل ذلك، لم يصدر أي تعليق رسمي أردني أو أميركي بخصوص أي تحضيرات لعملية عسكرية مرتقبة في الجنوب السوري. والأرجح أن التعزيزات اقتصرت على المشاركة في مناورات «الأسد المتأهب» لعام 2017 التي شاركت فيها 23 دولة خلال الفترة الواقعة من 7 حتى 18 مايو. وهو ما أكّده الدويري، مشددا على أن كل ما تم تداوله عن حشود على الحدود الأردنية - السورية للمشاركة في معركة كبيرة في الداخل السوري، تبين أنّه لا يعدو «زوبعة في فنجان»، باعتبار الأردن لا يجد نفسه معنياً أبدا بفتح جبهة مع سوريا وإن كان لن يتردد في دعم فصائل معارضة في معركتها لتأمين حماية حدوده.
* إيران... وأميركا
وفق المعطيات الراهنة، لا يبدو أن الطرف الإيراني بصدد الاستسلام قريباً للإرادة الأميركية بما يتعلق بممر التنف الذي يُعتبر غاية في الأهمية لطهران. وهذا ما يشدد عليه الباحث المتخصص بشؤون الجماعات المتشددة عبد الرحمن الحاج، الذي يشير إلى أن «الإيرانيين لن يتوقفوا عن المحاولة للسيطرة عليه، لكن هل سيسمح لهم الأميركيون بذلك؟ ليس هناك ما يؤشر إلى أي تهاون مع تقدم قوات موالية للإيرانيين».
ويرى الحاج في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن «هذا سيكون في الواقع أول امتحان لصدق النيّات الأميركية بخصوص ما أعلنه ترمب في قمة الرياض، علما بأن للمسؤولين الرئيسيين في إدارة الرئيس دونالد ترمب تجربة سيئة في العراق مع إيران، كما أن وزير الدفاع الجنرال جيمس ماتيس يحمل تصورا متشددا تجاه طهران... وإذ كان قد استقال في عهد أوباما على خلفية الاختلاف معه في هذا الموضوع تحديدا».
ويعتبر الحاج أنه «ليس من مصلحة أي دولة في المنطقة وجود ممرات عسكرية لإيران نحو البحر المتوسط عبر سوريا، كما يمكن الحديث عن مصلحة مشتركة إقليمية - دولية في إغلاق ممرات الإرهاب من إيران والعراق مصلحة إقليمية ودولية». ويستبعد الحاج أن تقرر إيران الدخول في مواجهة مباشرة مع الأميركيين لتأمين هذا الممر، من منطلق ألا قدرة لها أساسا على ذلك، وإن كانت ستستمر بالمحاولة ما لم تظهر الولايات المتحدة ردا حاسما.
كذلك يستبعد الحاج أن تلجأ الولايات المتحدة للاعتماد على قوات أميركية برّية للقتال في الشرق السوري، لافتا إلى أنها «مضطرة للاعتماد على مقاتلين محليين حيث يصعب أن يكون لدى الأكراد إمكانية بشرية للقتال هناك». ويتابع: «لهذا تقوم الولايات المتحدة بدعم وتجهيز قوات محلية بالتعاون مع الأردن وبريطانيا ليقوموا بهذا الدور فيطردوا (داعش)... بدءا من الحدود الجنوبية لسوريا ووصولا لدير الزور والرقة وشرقا نحو الحدود العراقية».
* أين الدور الروسي؟
هنا، اللافت أن الدور الروسي يبدو شبه منعدم في معركة التنف، إذ اقتصر رد فعل موسكو على الضربة الجوية التي نفذها التحالف الدولي في المنطقة بوقت سابق على الاستنكار. فلقد حذّر غينادي غاتيلوف، نائب وزير الخارجية الروسي، من أن أي عمليات عسكرية تؤدي إلى تصعيد الوضع في سوريا، تؤثر حتما على سير العملية السياسية في آستانة وجنيف. وأردف: «لا سيما مثل هذه الخطوة التي استهدفت القوات المسلحة السورية».
إلا أن الدور الروسي يتفعل في المعركة المتوازية التي يخوضها النظام عبر خط تدمر - السخنة - دير الزور، على الرغم من تأكيد خبراء أن موسكو ليست بصدد الدخول في مواجهة مع واشنطن «في الوقت الحالي»، وإن كانت لن تتردد في مسابقتها إلى دير الزور.
ومن جهتها، تتابع المعارضة السياسية عن كثب التطورات في المنطقتين الجنوبية والشرقية، وتعوّل على «متغيّرات كبيرة» بعد القمة الإسلامية - العربية - الأميركية التي عقدت في الرياض، لجهة تعاظم الدور الأميركي في التصدي للتمدد الإيراني. وفي هذا الإطار، يتحدث أحمد رمضان، رئيس الدائرة الإعلامية وعضو الهيئة السياسية في «الائتلاف الوطني لقوى الثورة والمعارضة السورية» عن «محاولة إيرانية مستمرة للتمدد نحو الحدود السورية مع العراق، وإبقاء خط الإمداد من بغداد مفتوحاً لحساب نقل الأسلحة والذخائر والإمداد لنظام الأسد»، ويقول في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إنه بات «من المعروف أن نظام بغداد وقّع في زمن نوري المالكي عام 2012 اتفاقاً مع النظام الإيراني يقضي بعبور الشاحنات من إيران إلى سوريا مروراً بأرض العراق من دون تفتيش، وهذه كانت مخصّصة لنقل الإمدادات العسكرية والمرتزقة، أما الآن فهناك قرار من التحالف الدولي بقطع هذا الطريق، وفرض رقابة على عمليات النقل الجوي، ما يعني محاصرة الميليشيات الإيرانية في سوريا والتضييق عليها». ويرجّح رمضان أن «يواصل الحرس الثوري الإيراني محاولة فتح طرف الإمداد الخاص به عبر أكثر من وسيلة»، مستدركاً «لكنني أعتقد أن تلك المحاولات لن تنجح، لأن ميليشيات إيران في سوريا ستكون هدفاً في المرحلة المقبلة».



واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
TT

واشنطن وطهران... حين يتحوّل رهان إيران على الوقت إلى عبء عليها

قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)
قطع بحرية أميركية تفرض الحصار في مضيق هرمز (غيتي)

مع تراجع فرص التوصل إلى اتفاق يعيد إطلاق المفاوضات الأميركية - الإيرانية لوقف الحرب، عاد الكلام في واشنطن وطهران عن احتمال تصاعد الخيار العسكري، ولو تحت عناوين مختلفة عن الحملة السابقة التي بدأت يوم 28 فبراير (شباط) الماضي. لم يعد النقاش محصوراً في مصير البرنامج النووي أو حجم الأضرار التي لحقت بالقدرات العسكرية الإيرانية، بل انتقل إلى سؤال أوسع: من يملك الوقت فعلاً، ومن يستطيع تحويله إلى ورقة ضغط؟ وهنا يقول محللون إن إيران تراهن على أن إطالة الأزمة، وتعطيل مضيق هرمز، وتوسيع الألم الاقتصادي العالمي، والتعويل على الصين وروسيا و«بريكس»، عوامل قد تدفع الرئيس دونالد ترمب إلى تليين شروطه. غير أن هذا الرهان يصطدم بوقائع قوة وجغرافيا وعلاقات دولية لا تبدو في مصلحة طهران. فإيران التي تتكلّم عن «مكسب استراتيجي» في هرمز، وعن إدارة جديدة للممر البحري، تعاني عزلة إقليمية ودولية عميقة. وظهر هذا لا في تعاملها العدواني مع دول الخليج فحسب، بل أيضاً في «الصمت الدولي» الذي لم يتحوّل إلى موجة غضب واسعة ضد الولايات المتحدة، في حربها على ما يعدّه كثيرون في الغرب والمنطقة «نظاماً مارقاً» وداعماً للإرهاب والتطرّف والقلاقل.

لدى التمعّن في الوضع الراهن في الشرق الأوسط، ينبغي القول إنه لا يكفي أن تمتلك طهران أدوات تعطيل مؤلمة كي تصبح صاحبة اليد العليا. فالقوة لا تُقاس فقط بالقدرة على الإرباك، بل أيضاً بالقدرة على بناء تحالفات، وتحمّل الكلفة، ومنع الضغوط الخارجية من التحوّل إلى انفجار داخلي.

في المقابل، يدخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب هذه المرحلة مستنداً إلى رصيد أوسع من عناصر القوة التي راكمتها إدارته منذ عودته إلى البيت الأبيض يوم 20 يناير (كانون الثاني) 2025: من الحرب التجارية والجمركية وإعادة رسم خريطة التوازن الدولي، إلى العملية العسكرية في فنزويلا، مروراً برعاية «وقف النار» في غزة، ووصولاً إلى قراره الاستراتيجي بإنهاء الدور الإقليمي الذي لعبته إيران لعقود. ولذا، قد لا تكون «لعبة الوقت» في يد طهران بالقدر الذي تفترضه.

«هرمز»: ورقة قوة أم فخ استراتيجي؟

يعلن الإيرانيون أنهم يتعاملون مع مضيق هرمز بعَدِّه الورقة الأكثر إيلاماً في يدهم. فالمضيق، الذي كان يمر عبره نحو خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية، تحوّل بعد الحرب، إلى بؤرة صراع سياسي واقتصادي وعسكري.

ولم تكتفِ طهران بتعطيل جزء كبير من حركة الملاحة، بل ذهبت إلى أبعد من ذلك عبر كلامها عن «إدارة استراتيجية» للمضيق، وفرض رسوم على السفن العابرة، وربط إعادة فتحه بإنهاء الحصار الأميركي، ورفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، والاعتراف بما تعدّه حقوقاً سيادية جديدة.

لكن البعض يرى أن قوة هذه الورقة تحمل خطراً على إيران نفسها؛ إذ كلما حاولت طهران تحويل هرمز إلى أداة ابتزاز عالمي، زادت قناعة خصومها بأن النظام الإيراني لم يعد مشكلة نووية أو صاروخية فحسب، بل غدا مصدر تهديد مباشر لأمن الطاقة والتجارة الدولية. وهذا يفسر، جزئياً، غياب التعاطف الدولي الواسع مع إيران، رغم الكلفة الاقتصادية للحرب. فالعالم قد يتضرّر من إغلاق هرمز، لكنه لا يرى بالضرورة في طهران ضحية، بل طرفاً يستخدم الجغرافيا لابتزاز الاقتصاد العالمي.

من جهة أخرى، الرهان على الصين لا يبدو مضموناً؛ فصحيح أن بكين هي المستورد الأكبر للنفط الإيراني، وأن زيارة ترمب إلى الصين جعلت ملف إيران حاضراً في مباحثاته مع شي جينبينغ، لكن بكين ليست حليفاً عقائدياً لطهران، بل قوة كبرى تقيس مصالحها بميزان التجارة والطاقة والاستقرار. بالتالي إذا كان تعطيل هرمز يهدّد النمو الصيني وسلاسل الإمداد، فإن بكين قد تمارس ضغطاً على إيران، لا دعماً مفتوحاً لها. أما عبور ناقلة صينية للمضيق بالتزامن مع زيارة ترمب، فيوضح أن طهران قد تمنح استثناءات، لكنه يوضح أيضاً أنها تحتاج للصين أكثر مما تحتاج الصين إليها.

إقليمياً، تبدو عزلة إيران أشد وضوحاً؛ فدول الخليج، التي دفعت أثماناً متكرّرة من سياسات إيران ووكلائها، لا تنظر إلى تشديد قبضتها على هرمز بوصفه دفاعاً مشروعاً، بل تهديداً مباشراً لأمنها الاقتصادي والسيادي. ولئن كانت بعض العواصم تتحفظ عن حرب مفتوحة أو طويلة، فهذا لا يعني أنها مستعدة لمنح طهران «شرعية» لإدارة المضيق أو مكافأتها على تعطيله.

الصواريخ الباقية لا تصنع نصراً

في المقابل، التقديرات الاستخباراتية الأميركية التي كشفت عنها الـ«نيويورك تايمز» عن بقاء نحو 70 في المائة من المخزون الصاروخي الإيراني، واستعادة طهران الوصول إلى معظم مواقعها عند مضيق هرمز، شكّلت ضربة للرواية الأميركية الرسمية التي تكلمت عن «تدمير» الجيش الإيراني، لكنها مع هذا لا تمنح طهران، تلقائياً، موقع المنتصر. فالاحتفاظ بقدرات عسكرية مهمة شيء، وتحويلها إلى استراتيجية رابحة شيء آخر.

تلك التقديرات كشفت عن أن الحملة الأميركية - الإسرائيلية لم تحقق كل أهدافها العسكرية، وأن الضربات على المنشآت المدفونة لم تكن حاسمة. لكنها كشفت أيضاً عن أن إيران خرجت من الحرب وهي مضطرة لاستخدام ما تبقى لديها من أوراق في ظروف أكثر صعوبة كاقتصاد منهك، وبنية تحتية متضررة، وقيادات مقتولة، وصادرات نفطية مضغوطة، وشارع داخلي مرشح للانفجار. وهكذا، فقدرة إيران على إطلاق الصواريخ، أو تهديد السفن، لا تعني أنها تستطيع تحمل حرب استنزاف مفتوحة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، ولا تعني أن «الصمود» سيتحول إلى نصر سياسي.

في أي حال، طهران ستحاول استثمار هذه التسريبات نفسياً وسياسياً. فهي تريد إقناع الداخل بأنها لم تُهزم، وإقناع الخارج بأن أي ضربة جديدة ستكون مُكلفة، وإقناع واشنطن بأن الحصار لا يكفي لإخضاعها. لكن السؤال الذي يتجنّبه الخطاب الإيراني هو: ماذا بعد؟ هل تستطيع إيران أن تعيش طويلاً في حالة «لا حرب ولا سلم»؟ وهل تستطيع إدارة مضيق هرمز كأداة ضغط من دون أن تدفع القوى الكبرى إلى التوافق ضدها؟ وهل تملك القدرة على منع الأزمة الاقتصادية من التحوّل إلى أزمة شرعية داخلية؟

من هنا، لا يبدو الكلام عن تدريبات «الحرس الثوري» و«الباسيج» في طهران مجرد رسالة ردع خارجية؛ فمشاركة «الباسيج»، بوصفه ذراعاً أمنية داخلية، توحي بأن النظام يستعد أيضاً لاحتمالات اضطراب داخلي أشدّ من الاحتجاجات التي شهدتها إيران في يناير الماضي. وهذا البُعد مُهم؛ لأن أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة، بل تزامن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي نابع من الفقر والتضخم والقمع وفقدان الأفق.

أخطر ما تواجهه طهران قد لا يكون ضربة أميركية جديدة

بل تزامُن الضغط الخارجي مع انفجار اجتماعي داخلي



ضغوط الداخل لا تكفي لإرباك ترمب

اليوم تراهن إيران، كما فعلت قوى أخرى في مواجهات سابقة مع واشنطن، على أن الضغوط الداخلية الأميركية على ترمب، وبالذات ارتفاع أسعار الطاقة، واستنزاف الاحتياطي الاستراتيجي، وكلفة الحرب التي وصلت إلى عشرات المليارات، وتراجع شعبية الحرب في استطلاعات الرأي. هذه ضغوط حقيقية... لكن تحويلها إلى رهان على تراجع أميركي سريع قد يكون قراءة مبالغاً فيها.

فالانتخابات النصفية لا تشكل، حتى الآن، عاملاً حاسماً يُجبر ترمب على الانكفاء. وصحيح أن التقديرات قبل الحرب كانت تشير إلى «صعوبات» جمهورية، لكنها لم تكن حاسمة في القول إن الحزب سيخسر الكونغرس. ثم إن معركة إعادة رسم الخرائط الانتخابية الجارية في ولايات عدة - التي يخوضها الجمهوريون لتعزيز قدرتهم على الاحتفاظ بسيطرة مريحة أو منع تراجع موقعهم - تمنح الحزب هامشاً سياسياً إضافياً. وفوق ذلك، لا تزال سطوة ترمب على الجمهوريين قويّة بما يكفي لمنع تمرد واسع ضده في لحظة مواجهة كبرى مع إيران.

لقد ظهر هذا في فشل مجلس الشيوخ، للمرة السابعة، في تمرير إجراء يقيّد صلاحيات الرئيس العسكرية تجاه إيران، رغم انضمام بعض الجمهوريين إلى الديمقراطيين في التصويت. هذا لا يعني غياب القلق داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً لدى التيار الانعزالي أو الأكثر تشدداً في مسائل صلاحيات الحرب. لكنه يعني أن المؤسسات السياسية لم تنتج بعد كتلة قادرة على إجبار ترمب على التراجع.

بل حتى في أسوأ السيناريوهات الانتخابية، يستطيع ترمب التعايش مع كونغرس معارض، كما فعل في ولايته الأولى. والأهم أنه يرى نفسه قد أنجز معظم وعوده الكبرى منذ عودته إلى البيت الأبيض: كتشديد الحدود، وإعادة هندسة التجارة، وفرض الرسوم، واستعادة صورة الردع، والتحرّك عسكرياً خارج النمط التقليدي. بالتالي، قد يكون مستعداً لتحمل بعض الكلفة السياسية، كما صرح أخيراً، إذا كان البديل هو الظهور بمظهر مَن تراجع أمام إيران، خصوصاً أن خطابه يختزل المسألة في هدف واحد: منع طهران من امتلاك سلاح نووي.

الوقت يميل لصالح واشنطن لا طهران

جوهر المأزق أن كل طرف يعتقد أن الوقت يعمل لمصلحته. إيران ترى أن إطالة الأزمة سترفع أسعار الطاقة، وتزيد تململ الناخب الأميركي، وتدفع قوى دولية إلى توفير مظلة سياسية، وتثبت أن الحرب لم تكسر النظام. بينما ترى واشنطن أن الوقت يكشف عن العكس: إيران لا تزداد قوة، بل عزلة؛ اقتصادها لا يتعافى، بل يضيق؛ وأدواتها الإقليمية لا تمنحها شبكة حماية، بل ترسخ صورتها كقوة فوضى.

في هذا المعنى، قد تكون «لعبة الوقت» في يد ترمب - كما كرّر مراراً - أكثر مما هي في يد «المرشد» والمؤسسة الحاكمة في طهران. فواشنطن تستطيع إدامة الحصار البحري، وتشديد العقوبات، ومنع تعافي الصادرات النفطية، واستخدام الوجود العسكري في الخليج لرفع كلفة أي تحرك إيراني. كما تستطيع، عند الحاجة، تنفيذ ضربات محددة تحت عنوان عملية جديدة، سواء سُميت «التحرير بلَس» أو غير ذلك، لتأكيد أن مهلة «الغضب الملحمي» السياسية والقانونية انتهت، وأن واشنطن دخلت مرحلة أخرى، لتحقيق شرط مركزي: أن تقبل طهران بتقليص دورها النووي والإقليمي، أو تواجه جولة ضغط أشد.مع هذا لا يبدو أن خيارات ترمب خالية من الأخطار. فالذخائر الأميركية تعرّضت لاستنزاف كبير، وأي ضربة واسعة جديدة ستطرح أسئلة عن الجاهزية لمسرح آسيا وعن القدرة الصناعية على التعويض. ثم إن انفجاراً كبيراً في الخليج قد يدفع أسعار الطاقة إلى مستويات يصعب سياسياً تجاهلها. لكن الفارق بين الطرفين أن واشنطن تدير «أزمة مُكلفة»، بينما تدير طهران «أزمة وجودية»؛ الأولى تخشى الاستنزاف وفوضى الأسواق، والثانية تخشى أن يؤدي الضغط الخارجي إلى تفكّك داخلي يهدد النظام، وربما وحدة الكيان نفسه إذا اتسعت التصدّعات القومية والاجتماعية والاقتصادية معاً.


باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
TT

باكستان بين الوساطة والشكوك

وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)
وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي التقى رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف في إسلام آباد (رويترز)

*تقاطعت آخر أوراق التفاوض التي تبادلتها طهران وواشنطن عبر الوسيط الباكستاني حول فجوة أساسية: فواشنطن تريد اتفاقاً يثبت نتائج الحرب ويحوّلها إلى قيود طويلة الأمد على البرنامج النووي الإيراني، بينما تريد طهران اتفاقاً يبدأ بوقف الحرب والحصار، ثم تُترك القضايا النووية الأكثر حساسية لمسار تفاوضي لاحق. هنا دور إسلام آباد نفسه لم يبقَ خارج الجدل. إذ أثارت تسريبات عن إقدام طهران على نقل عدد من طائراتها إلى باكستان، تلافياً لتدميرها في الضربات الأميركية - الإسرائيلية، عدة أسئلة داخل واشنطن حول ما إذا كان الوسيط الباكستاني قادراً فعلاً على لعب دور محايد، أم إنه بات أقرب إلى قناة اضطرارية بين طرفين لا يثقان أحدهما بالآخر.

وفق ما تسرّب عن الورقة الأميركية، حملت واشنطن تصوّراً من 14 بنداً يطلب وقفاً طويلاً لتخصيب اليورانيوم قد يمتد إلى 20 سنة، وإخراج أو تفكيك مخزون اليورانيوم العالي التخصيب، وتفكيك منشآت نووية رئيسية، إلى جانب إعادة فتح مضيق هرمز ووقف استخدامه ورقة ضغط.

أما الرد الإيراني، الذي سُلّم عبر باكستان، فركّز على إنهاء الحرب أولاً، ورفع الحصار البحري والعقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، وضمان وقف الهجمات، مع استعداد محدود لبحث ترتيبات تتعلق باليورانيوم خلال نافذة تفاوضية قصيرة، من دون قبول تفكيك المنشآت أو التخلي الدائم عن حق التخصيب.

هذا التباعد دفع ترمب إلى اتهام طهران بالمماطلة وتضييع الوقت. فالإدارة الأميركية رأت في الرد الإيراني محاولة لقلب ترتيب الأولويات: وقف إطلاق النار والحصار أولاً، ثم التفاوض لاحقاً على جوهر الملف النووي. وبالنسبة إلى ترمب، يعني ذلك أن إيران تريد شراء الوقت، وترميم قدراتها، وتثبيت مكسبها في «هرمز»، لا تقديم تنازل استراتيجي.

مع ذلك يمكن توقع تجدد الاتصالات عبر الوسيط الباكستاني، لكن على الأرجح بصيغة «إدارة أزمة» لا مفاوضات حاسمة. فواشنطن لا تزال تحتاج إلى قناة مع طهران تمنع انهيار وقف النار كلياً، وتختبر إمكان انتزاع تنازلات نووية وأمنية، في حين تحتاج إيران إلى إبقاء المسار مفتوحاً لتخفيف تكلفة الحصار وتجنب ضربة جديدة. وبالفعل، أشار نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس إلى وجود «تقدّم» في الاتصالات، رغم رفض ترمب الرد الإيراني الأخير بوصفه غير مقبول، ما يعني أن الباب لم يُغلق تماماً أمام القناة التفاوضية.


سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
TT

سيمون كرم... رجل المرحلة بين الحرب والسلام؟

كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»
كرم من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان»

تحوّل السفير اللبناني السابق في واشنطن سيمون كرم خلال الأشهر الأخيرة من شخصية سياسية - دبلوماسية تنتمي إلى «الخط السيادي»، إلى رجل يقف في قلب واحدة من أكثر اللحظات مفصلية في تاريخ لبنان الحديث. ذلك أن الرجل الذي عُيّن أولاً رئيساً للوفد اللبناني في لجنة مراقبة وقف الأعمال العدائية «الميكانيزم» بعد حرب «إسناد غزة» عام 2024، عاد رئيس الجمهورية جوزيف عون وكلّفه لاحقاً برئاسة الوفد اللبناني في المفاوضات المباشرة مع إسرائيل. جاءت هذه الخطوة لدى انتقال لبنان من مرحلة تثبيت وقف إطلاق النار في حرب «إسناد إيران» التي فتح جبهتها «حزب الله» إلى مرحلة التفاوض السياسي المباشر تحت ضغط التهديدات الإسرائيلية والضغوط الأميركية.

في بلد لطالما كان ملف العلاقة مع إسرائيل أحد أكثر الملفات حساسيةً وانقساماً، يبدو السفير السابق سيمون كرم اليوم بالنسبة إلى كثيرين «رجل المرحلة»، ليس فقط لأنه يقود أول «مفاوضات مباشرة» مع إسرائيل يرأسها مدني لبناني منذ عام 1983، بل لأن مهمته قد تقود إلى إعادة رسم موقع لبنان السياسي بالكامل، وربما إلى اتفاق سلام أو ترتيبات طويلة الأمد تنهي عقوداً من الصراع المفتوح على الحدود الجنوبية.

من بلدة جزّين إلى مفاوضات واشنطن

وُلد سيمون كرم عام 1950 في بلدة جزّين بأقصى شمال جنوب لبنان، ودرس الحقوق في جامعة القديس يوسف (اليسوعية) قبل أن يمارس المحاماة. أما على صعيد الوظيفة العامة، فقد تولّى منصبَي محافظ البقاع ومحافظ بيروت مطلع عقد التسعينات، ثم عُيّن سفيراً للبنان لدى الولايات المتحدة عام 1992، حيث قدّم أوراق اعتماده للرئيس الأميركي جورج بوش «الأب»، قبل أن يستقيل بعد أقل من سنتين اعتراضاً على التدخلات السورية في القرار اللبناني.

وخلال عقد التسعينات أيضاً شارك السفير سيمون كرم مع الوزير السابق إدمون رزق - ونائب جزّين السابق - في تأسيس «لقاء جزّين أولاً»، الذي دعا إلى انسحاب إسرائيل من جنوب لبنان، في وقت كانت القوات الإسرائيلية تسيطر على الشريط الحدودي وصولاً إلى مداخل جزّين، قبل انسحابها عام 2000.

اليوم، يجد سيمون كرم - وهو مسيحي ماروني طائفياً وجنوبي جغرافياً - نفسه في قلب واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ لبنان الحديث، حاملاً مهمة التفاوض مع إسرائيل وسط نار الحرب والانقسام الداخلي والضغوط الدولية. وللعلم، فإن كرم اليوم، في نظر لبنانيين كثر، «رجل سيادة» من منطلق اعتباره عنواناً لتحوّل سياسي كبير في لبنان. غير أن مهمته الجديدة تبدو أبعد بكثير وأهم بكثير من مجرّد رئاسة وفد تفاوضي.

وحقاً، في حال نجحت المفاوضات الحالية بالوصول إلى تفاهمات طويلة الأمد، قد يصبح كرم أحد أبرز الوجوه المرتبطة بتحول تاريخي في لبنان، وذلك عبر نقله البلاد من مرحلة الحروب المفتوحة إلى مرحلة التسويات وربما السلام. أما إذا فشلت، فقد يجد لبنان نفسه أمام جولة بل جولات جديدة من الصراع المفتوح، في منطقة تبدو على أبواب إعادة رسم كاملة لتوازناتها السياسية والأمنية.

من «الميكانيزم» إلى مفاوضات السلام

عندما عُيّن السفير سيمون كرم رئيساً للوفد اللبناني في لجنة «الميكانيزم» في ديسمبر (كانون الأول) من عام 2025، كان الهدف المعلن متابعة تنفيذ اتفاق وقف الأعمال العدائية، لا سيما ما يتعلق بحصرية السلاح جنوب الليطاني. وجاء اختياره يومذاك بناءً على رغبة أميركية بإدخال شخصية مدنية إلى رئاسة الوفد اللبناني، في خطوة عكست اقتناعاً أميركياً بأن المرحلة المقبلة تحتاج إلى مقاربة «سياسية - دبلوماسية» تتجاوز الإطار العسكري التقليدي.

إلا أن حرب «إسناد إيران» دفعت الأمور إلى مسار مختلف تماماً، بحيث لم يعُد أمام لبنان - حسب كثيرين - إلا خيار التفاوض المباشر الذي طرحه الرئيس جوزيف عون، ولاقى تجاوباً في وقت لاحق من واشنطن وتل أبيب.

بالفعل، بدأت المفاوضات باجتماعات لسفراء لبنان وأميركا وإسرائيل، وحضر الجلسة الثانية منها الرئيس الأميركي دونالد ترمب قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية بمشاركة رئيس الوفد السفير كرم، وسط كلام مزداد عن «ترتيبات» قد تتجاوز الجانب الأمني إلى تفاهمات سياسية أوسع، وربما إلى اتفاق سلام أو التهدئة طويلة الأمد التي تغيّر شكل العلاقة بين البلدين.

من هنا، لم يعُد كرم مجرّد رئيس لجنة تقنية لمراقبة وقف إطلاق النار، بل صار عنواناً لمرحلة سياسية كاملة، وإن كان وسط انقسامات داخلية في مقاربة المفاوضات المباشرة. فقد أعلن رئيس مجلس النواب نبيه برّي معارضته لها، على الرغم من تأكيد رئيس الجمهورية أن قراره اتُّخذ بعد التشاور معه ومع رئيس الحكومة نواف سلام، في حين لا يزال «حزب الله» يهاجم المفاوضات ويهدّد بأنه لن يكون معنياً بأي نتائج تصدر عنها.

هجوم «حزب الله»

بالفعل، منذ اللحظة الأولى لتعيين كرم رئيساً لوفد لبنان في «الميكانيزم»، شنّ «حزب الله» هجوماً شديداً عليه، معتبراً أن تعيين دبلوماسي مدني لرئاسة الوفد «خطيئة ثانية»... بعد قرار «حصرية السلاح».

ولكن بالنسبة إلى خصوم الحزب، فإن اختيار كرم لم يأت تفصيلاً إدارياً، بل جاء إشارةً واضحةً إلى طبيعة المرحلة الجديدة التي دخلها لبنان، ومحاولة لإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية بعد سنوات طويلة من ربط «حزب الله» قرار الحرب بـ«المحور الإيراني».

«سيادي» من زمن «الوصاية السورية»

في واقع الأمر، لا يمكن فصل الدور الذي يلعبه سيمون كرم اليوم من دون العودة إلى خلفيته السياسية. فهو من الشخصيات التي واجهت حقبة «الوصاية السورية» منذ عقد التسعينات، وشارك في إطلاق وثيقة «من أجل تحديد معنى لبنان» عام 1999، إلى جانب شخصيات مثل النائبين السابقين فارس سُعَيد وسمير فرنجية والشيخ هاني فحص، قبل أن يصبح أحد مؤسسي «قرنة شهوان» عام 2000، ثم ينخرط لاحقاً في «حركة 14 آذار» التي رفعت شعار «لبنان السيّد الحرّ المستقل».

ويقول فارس سُعيد إن تعيين كرم الذي بدأ في لجنة «الميكانيزم»، «يمثّل محطة سياسية غير عادية»، ثم يشير إلى أن «الخلفية السياسية المتراكمة للرجل جعلت اختياره للمفاوضات يلامس أكثر من مجرد دور تقني... وهو الذي ينتمي إلى بيت ماروني تاريخي خرّج شخصيات وطنية، وغلب فيه الخيار اللبناني على أي عصبية طائفية، وتميّز بالاستقامة الأخلاقية والصلابة الوطنية».

ويلفت سُعيد إلى «تميّز كرم خلال مسيرته الإدارية والدبلوماسية بمواقف حازمة»، مستذكراً عدة مواقف له، منها أنه «بعدما عين عام 1991 محافظاً للبقاع، اصطدم بسطوة غازي كنعان (رئيس فرع الأمن والاستطلاع في القوات السورية، آنذاك) ورفض لقاءه في عزّ أيام الوصاية السورية». ثم بعدما تولّى لاحقاً منصب سفير لبنان في واشنطن، اصطدم أيضاً في العاصمة الأميركية بمحاولات السفير السوري - حينذاك - وليد المعلّم (الذي أصبح وزير الخارجية لاحقاً) التأثير على قرار السفارة اللبنانية هناك، فما كان لكرم إلا أن اختار العودة إلى بيروت والاستقالة من مهامه والعودة إلى ممارسة مهنة المحاماة».

موقفه من إيران و«وحدة الساحات»

من ناحية أخرى، تكاد تكون تصريحات كرم وإطلالاته الإعلامية محدودة في الفترة الأخيرة باستثناء الصورة الانطباعية التي يوزّعها مكتب الإعلام في رئاسة الجمهورية بعد كل لقاء مع الرئيس عون منذ تعيينه رئيساً للوفد. وهي تظهر خلفية كرم السياسية بوضوح في مقاربته للحرب الأخيرة ولدور إيران في لبنان عبر مواقف سابقة له.

وفي مقال نشره كرم، بعد اندلاع حرب «إسناد غزة»، في صحيفة «نداء الوطن»، كتب متوجهاً إلى رئيسي الحكومة والنواب في ظل الفراغ الرئاسي آنذاك: «ماضياً تذرّعتم بوحدة المسار والمصير لتفويض سوريا، واليوم تتذرّعون بوقف العدوان على غزّة لتفويض إيران، تقرير مصير البلاد والعباد».

وأردف: «سياسة محور الممانعة منذ الانسحاب الإسرائيلي في ربيع 2000، ثمّ بعد حرب 2006، هي أنّ دور الدولة يجب أن يبقى شكليّاً في معادلة الحدود، وأن لا يقترب ولو قليلاً من الصلاحيات التي تتيح لهذه الدولة الالتزام بالمعاهدات الدولية». وواصل متابعاً: «ثمّ دار الزمن دورة، فثقلت وطأة وأثمان وحدة الساحات، وبانت استحالة أن تصل بالمنادين والعاملين بها سوى إلى ما وصلت إليه في غزة ولبنان وسوريا والعراق واليمن، فيما إيران مردوعة، تتفرّج على هذا الخراب العميم، فإذا بهم يدفعون ما تبقى من الدولة اللبنانية إلى المطالبة بالعودة إلى (اتفاقية الهدنة)، غير الممكنة التطبيق، إلا بامتلاك الجمهورية اللبنانية السلطة الكاملة والحصرية على كامل أرضها وعلى كل حدودها».

هذا، وسبق لكرم عن أعرب عن موقف مشابه في رفضه «زجّ لبنان في الحرب»، عندما ألقى كلمة خلال يوليو (تموز) 2025 خلال احتفال تكريم النائب الراحل حبيب صادق في إحدى قاعات جامعة القديس يوسف ببيروت. ولقد أزعجت الكلمة عدداً من الحاضرين المؤيدين لـ«حزب الله» ما أدى إلى انسحابهم من القاعة.

كرم قال في حينه: «إن شروط إنهاء الحرب (إسناد غزة) جاءت أفدح من الحرب، وما يزيد الأمور بشاعة أن الذين أذعنوا لوقف إطلاق نار من طرف واحد مع إسرائيل، يطلقون ناراً سياسية وأمنية كثيفة على الداخل».

ثم أضاف: «يهاجمون الدولة لاعتمادها الخيار الدبلوماسي، وهو الوحيد المتاح بعد النكبة، ويهاجمون الجيش بحجة أنه عاجز عن حماية البلاد والناس، والقوات الدولية لسعيها تنفيذ القرارات الدولية، وسائر اللبنانيين إذا قالوا لهم: كفى!».

وطني رافض لأي احتلال أو وصاية

وفيما تكشف هذه المواقف طبيعة المقاربة التي يحملها كرم في مهمته التفاوضية اليوم، والتي يرى البعض أنه سيتعامل معها كجزء من معركة أوسع تتعلق بإعادة الاعتبار للدولة اللبنانية ومؤسساتها، يؤكد الوزير السابق بطرس حرب، الذي كان أحد أعضاء «قرنة شهوان» إلى جانب سيمون كرم، أن خلفية كرم السيادية ومعارضته لـ«حزب الله» قد تشكل عنصر قوة في المفاوضات الحالية، لا نقطة ضعف.

ويوضح حرب لـ«الشرق الأوسط» في لقاء معه: «يتمتع كرم بثقافة عالية جداً، ويفهم جيداً عقلية الإدارة الأميركية نتيجة تجربته السابقة كسفير للبنان في واشنطن، وهذا قد يساعده كثيراً في مفاوضات تحصل برعاية أميركية». ويتابع حرب: «وفي الوقت نفسه لا يوجد أي شك بوطنيته وتمسكه برؤية لبنان الرافضة لأي احتلال أو وصاية».

وعن تأثير مواقف كرم المعارضة لـ«حزب الله» على المفاوضات، يرر حرب بأن «هذا الأمر سيلعب دوراً إيجابياً في مهمة إعادة لبنان إلى مرحلة السلم وإنهاء الصراعات التي دفع لبنان ثمنها غالياً»، معتبراً أن «المشكلة ليست مع (حزب الله) بحد ذاته، بل مع خروجه عن الشرعية وجرّه لبنان إلى حروب لا قرار للبنانيين فيها ولا مصلحة لهم بها».