عبيدي عاد من ليبيا «قبل أيام» من تنفيذ العملية الانتحارية

مستشار مركز «كويليام» لمكافحة التطرف لـ «الشرق الأوسط»: المشتبه به كان كثير التردد على بلده الأم

عوائل الضحايا يضعون أكاليل الورد في ميدان سانت آن بوسط مانشستر على أرواح الضحايا ... وفي الإطار الانتحاري سلمان عبيدي (أ.ب.أ)
عوائل الضحايا يضعون أكاليل الورد في ميدان سانت آن بوسط مانشستر على أرواح الضحايا ... وفي الإطار الانتحاري سلمان عبيدي (أ.ب.أ)
TT

عبيدي عاد من ليبيا «قبل أيام» من تنفيذ العملية الانتحارية

عوائل الضحايا يضعون أكاليل الورد في ميدان سانت آن بوسط مانشستر على أرواح الضحايا ... وفي الإطار الانتحاري سلمان عبيدي (أ.ب.أ)
عوائل الضحايا يضعون أكاليل الورد في ميدان سانت آن بوسط مانشستر على أرواح الضحايا ... وفي الإطار الانتحاري سلمان عبيدي (أ.ب.أ)

في حين كشفت مصادر وزارة الداخلية الفرنسية ونظيرتها البريطانية، أمس، عن أن المشتبه فيه في اعتداء مانشستر الدامي سلمان عبيدي (22 عاما) كان قد تنقل بين دولتين عربيتين قبل العودة إلى المملكة المتحدة. وقالت الداخلية الفرنسية إن منفذ اعتداء مانشستر سافر «على الأرجح» إلى سوريا التي تشهد نزاعا داميا، وكانت لديه صلات «مثبتة» بتنظيم داعش الإرهابي.
إلا أن مصادر الأصوليين في مانشستر أكدت لـ«الشرق الأوسط»، أن الانتحاري سلمان عبيدي سافر إلى ليبيا لمدة ثلاثة أسابيع، وعاد قبل أيام من تنفيذه العملية الانتحارية، وأن والده رمضان، بوالقاسم العبيدي، على الأرجح موجود خارج بريطانيا في ليبيا، في حين أن الشرطة البريطانية اعتقلت شقيقه أول من أمس. وقالت مصادر الأصوليين إن مانشستر تستضيف منذ سنوات جالية كبيرة من الإسلاميين الليبيين، من أبرزهم أبو أنس الليبي، أحد أبرز المطلوبين في العالم بشبهة الإرهاب والانتماء إلى تنظيم القاعدة. وكان أبو أنس، واسمه الحقيقي نزيه عبد الحميد الرقيعي، منح حق اللجوء إلى بريطانيا في عام 2005، رغم الشبهات في ضلوعه بتفجيري سفارتي الولايات المتحدة في نيروبي ودار السلام عام 1998، اللذين قتل فيهما 224 شخصا. وتوفي أبو أنس الليبي العام الماضي في مستشفى في نيويورك الجمعة قبل أيام من بدء محاكمته بتهم الإرهاب.
وأبو أنس الليبي، وهو مهندس كومبيوتر، تدهورت صحته قبل وفاته بسبب إصابته بسرطان في الكبد إلى حد كبير العام الماضي.
وبحسب أحد ضباط مكتب التحقيقات الاتحادي الأميركي، تم استجواب هذا الشخص من قبل الشرطة في مدينة مانشستر البريطانية.
من جهته، قال الشيخ صلاح الأنصاري، مستشار مؤسسة كويليام لمكافحة التطرف في بريطانيا لـ«الشرق الأوسط»، أن رمضان والد المشتبه فيه في اعتداء مانشستر كان قد سافر إلى ليبيا للقتال في صفوف الإسلاميين ضد قوات القذافي. وأوضح أن «المنفذ سلمان كان كثير التردد على ليبيا». وعن سبب تطرف سلمان عبيدي، الذي درس من قبل في جامعة سالفورد، ولجوئه للعمل الانتحاري، أعرب الشيخ صلاح عن اعتقاده أن المشتبه فيه سافر إلى مناطق النزاع. ويعيش في مانشستر أكبر عدد من الليبيين، ويبلغ عددهم نحو 16 ألفا.
وقال ايان هوبكينز، رئيس شرطة مانشستر: «نعرف أن الجرح لا يزال مؤلما في الوقت الحالي والناس يبحثون عن أجوبة». وأضاف: «من المهم الآن أكثر من أي وقت مضى أن تتوحد مختلف المجتمعات في مانشستر، وألا تتسامح مع الكراهية». واجتمع الكثير من سكان مانشستر من مختلف الأديان والأصول، مساء أمس، ووقفوا دقيقة صمت أحياء لذكرى القتلى. يذكر، أن الشرطة البريطانية أعلنت أن منفذ الهجوم الذي تعرضت له مدينة مانشستر هو سلمان عبيدي، الذي يعيش في بريطانيا لأب وأم من ليبيا.
وأعلن «داعش» مسؤوليته عن الهجوم الذي استهدف قاعة أرينا للحفلات في مانشستر، بينما كان الحضور وغالبيته من المراهقين يغادرون القاعة؛ مما أسفر عن مقتل 22 شخصا، بينهم أطفال.
وزيرة الداخلية البريطانية، أمبر راد، قالت إنها تعتقد أن منفذ الهجوم عاد مؤخرا من ليبيا، وقالت ردا على سؤال «نعم، أعتقد أن ذلك تأكد. عندما تنتهي هذه العملية نريد أن نبحث خلفيته، وكيف أصبح متطرفا وما هو الدعم الذي ربما حصل عليه».
وكانت الشرطة البريطانية أعلنت تحديد هوية الانتحاري الذي قتل في الهجوم، وقالت مصادر أمنية إنه يدعى سلمان عبيدي، وولد في مانشستر عام 1994 لأبوين مولودين في ليبيا.
ولد عبيدي في مانشستر ليلة رأس السنة عام 1994 لأبوين ليبيين، كان قد فرا من ليبيا بسبب معارضتهما نظام العقيد معمر القذافي. وقضت الأسرة سنوات قليلة في لندن، ثم انتقلت إلى مانشستر، حيث كان الأب يعمل مؤذنا في مسجد في ديدسبري، وتلقى عبيدي تعليمه في مدرسة في مانشستر، ثم التحق بجامعة سالفورد قبل أن ينقطع عن الدراسة، ويعمل في مخبز. ويتذكر أصدقاؤه أنه كان لاعب كرة قدم جيدا، ومشجعا شغوفا بنادي مانشستر يوناتيد.
وعاشت أسرة عبيدي في مناطق مختلفة في مدينة مانشستر، منها منزل في شارع «إلسمور روود» في منطقة فالوفيلد». التي دهمتها الشرطة، وفتشت الشرطة أيضا منزلا في منطقة والي رينج، وقبض على شخص في الثالثة والعشرين يعتقد أن له صلة بالتحقيق. ويوجد في مانشستر أكبر جالية ليبية في بريطانيا، وقال جيران أسرة عبيدي إنها كانت ترفع العلم الليبي على المنزل في بعض أوقات السنة. وأعلن تنظيم داعش تبنيه الاعتداء، وقال في بيان: «تمكن أحد جنود الخلافة من وضع عبوات ناسفة وسط تجمعات للصليبيين في مدينة مانشستر البريطانية، حيث تم تفجير العبوات في مبنى للحفلات الماجنة». وقال مفوض الشرطة، إيان هوبكينز، للصحافيين «أولويتنا تبقى معرفة ما إذا كان تصرف منفردا أم ضمن شبكة».
وصرح أحد الليبيين الذين يعيشون في مانشستر، بأن سلمان كان «صبيا هادئا، وكان دائما محترما جدا». وأضاف، أن «شقيقه إسماعيل كان منطلقاً، لكن سلمان كان هادئا جدا. ولم يكن يبدو عليه أنه يمكن أن يقوم بمثل هذا الأمر».
وذكرت الصحيفة، أن شقيق عبيدي معروف في أوساط الليبيين، ولم تكن له مهنة معينة، ولكن يعتقد أنه يعيش حاليا في طرابلس.
واجتمع الكثير من سكان مانشستر من مختلف الأديان والأصول مساء الثلاثاء، ووقفوا دقيقة صمت أحياء لذكرى القتلى.
ولكن مع العمليات الواسعة لمحاربة «داعش» وطردهم من مناطق عدة سيطروا عليها، فإن الكثير من المتطرفين ذوي الجنسية البريطانية عادوا إلى المملكة المتحدة، حيث تخشى السلطات أن يشاركوا في موجة جديدة من الهجمات الإرهابية. وعلى الرغم من أن أكثر من 100 من المتشددين البريطانيين قتلوا في صفوف «داعش»، فإن نحو نصف من انضموا إلى التنظيمات الإرهابية عادوا إلى بريطانيا مع خبرة في القتال وقدرة على استخدام المتفجرات والأسلحة النارية.
وتمكنت الأجهزة الأمنية البريطانية من إفشال 13 مخططا إرهابيا كبيرا في السنوات الأربع الماضية، حسبما نقلت صحيفة «ديلي ميل» عن مارك رولي، أكبر ضابط بريطاني في وحدة مكافحة الإرهاب. ويسلط هذا الرقم الضوء على حجم التهديد الإرهابي التي يحيط ببريطانيا جراء هؤلاء المتطرفين. وعلاوة على الهجمات الإرهابية المعقدة التي تستهدف المواصلات العامة والمراكز التجارية، يتم إعداد متطرفين في بريطانيا، عبر الإنترنت خصوصا، لتنفيذ هجمات «الذئاب المنفردة» باستخدام السكاكين أو عمليات الدهس.



هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
TT

هل تنجح «القوى المتوسطة» في التحوّل إلى «عملاق ثالث» ينقذ العالم؟

جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)
جلسة لمجلس الأمن الدولي في 12 مارس 2026 (رويترز)

للمرة الأولى منذ عام 1945، تتقارب الولايات المتحدة والصين وروسيا حول مفهوم سلطوي للسيادة يعتمد على القوة المجردة أكثر مما يعتمد على القانون الدولي. غير أن التاريخ يثبت أن تقسيم العالم إلى كتل متنافسة يقود إلى الصراع أكثر مما يقود إلى الاستقرار.

وفي خضم ما يحصل في الكرة الأرضية من حروب وأزمات، تتلبَّد غيوم التخوُّف من الأسوأ، خصوصاً أنه لا ضوابط حقيقية على السلاح النووي، ولا عقلانية ظاهرة تطمئن الناس إلى أن الكارثة لن تقع.

مع التسليم بأن النظام العالمي يشهد تغيّراً جذرياً إلى درجة الزوال وولادة نظام آخر لا نعرف الآن شكله ومضمونه، ومع الإقرار بأن الأمم المتحدة فشلت في إدارة النظام المتداعي وحمايته ومعالجة سقمه، بالإضافة إلى تضاؤل احتمال وصول القوتين العظميين - الولايات المتحدة والصين - إلى تفاهم بسبب اختلاف الثقافة والنهج والمصالح، يجدر السؤال عن الجهة التي يمكن أن ترسي نوعاً من الاستقرار والعودة إلى عالم متعدد الأطراف يكون التفاهم والتعاون قاعدته الصلبة التي تمنع نشوب النزاعات واندلاع الحروب، أو على الأقل تجترح آليات لحصرها وإنهائها.

في هذه اللحظة الحرجة من الاضطراب العالمي، نتذكر أن هناك دولاً متوسطة ووسطية في مختلف القارات، تملك الخبرة والرؤية لإعادة القطار إلى السكة السليمة. ويقول المنطق والواجب إن هذه القوى مرشحة لأن يكون لها تأثير في فرض الاستقرار العالمي وإدارة التحديات العابرة للحدود.

جنود من البحرية الصينية يلوحون بالأعلام وتبدو مجسَّمات لصواريخ مضادة للسفن خلال الاحتفال بذكرى تأسيس البحرية الصينية في تشينغداو بمقاطعة شاندونغ (أرشيفية - رويترز)

لا شك في أن المهمة كبيرة والصعاب التي تنطوي عليها كثيرة، فعالم متعدد الأطراف عماده التعاون يحتاج تطوره إلى وقت، وإلى تجاوز عقبات سيزرعها حتماً عملاقا الاقتصاد العالمي. يضاف إلى ذلك أن على القوى المتوسطة أن تتجاوز واقع عدم التجانس الذي يصل في مراحل ومواضع كثيرة إلى التنافر، كما حصل على سبيل المثال عندما خرجت بريطانيا من الاتحاد الأوروبي بعد مسلسل «درامي» حمل عنوان «بريكست».

التعريف والتصنيف وجوفاني بوتيرو

في التعريف، القوى المتوسطة هي دول تمارس نفوذاً وتضطلع بدور مهم في العلاقات الدولية، لكنها ليست قوى عظمى. وهي تمتلك قدرات معينة، مثل اقتصادات قوية، وتقنيات متقدمة، ونفوذ دبلوماسي، مما يسمح لها بالتأثير في الشؤون العالمية لتكون جسور تواصل بين القوى الكبرى وتتوسط في النزاعات وتعزّز التعاون في شؤون ملحّة، مثل الجوائح والتغيّر المناخي والأزمات الاقتصادية.

والواقع أن هذا التصنيف للدول غير حديث، بل كان المفكر الإيطالي جوفاني بوتيرو (1544 - 1617) أول من صنف الدول صغيرة ومتوسطة وكبيرة. ومعلوم أن الدول كيانات متحركة، فالدولة الصغيرة قد تتوسع وتنمو وتصير متوسطة أو كبيرة، كما أن العكس صحيح. وقد اكتسب المصطلح رواجاً بعد الحرب العالمية الثانية بفضل دبلوماسيين وأكاديميين من أستراليا وكندا كانوا يسعون إلى تحديد دور لبلديهما داخل الأمم المتحدة الناشئة حديثاً وغيرها من الهيئات المتعددة الأطراف. وفي الواقع، استحضر وزير الخارجية الأسترالي هربرت إيفات المصطلح عند تأسيس الأمم المتحدة في سان فرانسيسكو، للإشارة إلى الدول «التي، بحكم مواردها وموقعها الجغرافي، ستكون ذات أهمية رئيسية في الحفاظ على الأمن في مناطق مختلفة من العالم».

تجربة إطلاق صاروخ «ترايدنت» من غواصة أميركية قبالة سواحل كاليفورنيا (أرشيفية - رويترز)

ويقول غاريث إيفانز، وهو أيضاً وزير خارجية أسترالي سابق (1988 - 1996)، إن تصنيف القوى المتوسطة أسهل من خلال «صيغة النفي»، فهي ليست قوى عالمية قادرة على فرض إرادتها دولياً، أو حتى إقليمياً. لكنها، بخلاف القوى الصغيرة، تمتلك قدرات دبلوماسية وغيرها من الإمكانات الكافية لترك بصمتها في مجالات محددة، إضافة إلى سجل موثوق من القيادة الإبداعية والمثابرة في دفع الابتكار في السياسات العالمية. وإذا لم تكن هي التي تضع القواعد الأساسية للنظام الدولي، فهي أيضاً ليست مجرد دول تكتفي بتلقي هذه القواعد وتطبيقها بلا نقاش.

في عالم اليوم، الذي تهيمن عليه الولايات المتحدة والصين، يمكن لهذا التصنيف من حيث المبدأ أن يشمل معظم الأعضاء الآخرين في مجموعة العشرين، على الرغم من تفاوت القدرات والإمكانات، وهو أمر جيد إذا دفع هذه القوى إلى التعاون من أجل التكامل وزيادة منسوب التأثير الإيجابي. أما الدول الأخرى في مجموعة العشرين فهي: روسيا، الأرجنتين، إندونيسيا، تركيا، المملكة العربية السعودية، بريطانيا، أستراليا، فرنسا، إيطاليا، البرازيل، ألمانيا، اليابان، جنوب أفريقيا، كندا، الهند، المكسيك، كوريا الجنوبية. ونلاحظ أن عدد هذه الدول 17 لأن العضو الثامن عشر هو الاتحاد الأوروبي. وفي عام 2023 انضم أيضاً الاتحاد الأفريقي كعضو دائم، مما جعل عدد الأعضاء فعلياً 21 عضواً، لكن الاسم بقي «مجموعة العشرين».

بالطبع هناك دول ضمن هذه المجموعة كانت عظمى ولا تزال تملك حق النقض (فيتو) في مجلس الأمن الدولي (روسيا، بريطانيا، فرنسا)، وأخرى تتطلع إلى صعود السلّم درجات في مقدمها الهند. غير أن هذا لا يلغي الواقع الحالي الذي يضع الولايات المتحدة والصين في خانة خاصة بالنظر إلى حجمَي اقتصاديهما (30.6 تريليون دولار و20 تريليون دولار على التوالي).

رئيس الوزراء الكندي مارك كارني يتحدث خلال زيارة للنرويج (أ.ف.ب)

البراغماتية لا تلغي الواجب

يجب التسليم بأن القوى المتوسطة تملك مصالحها وطموحاتها وتحالفاتها واصطفافاتها. وهذا من حقها. وهي في المقابل تدرك أن الواقع مرير ويجب القيام باللازم والواجب لتغييره خوفاً من أن تقتلع العواصف التي تتجمَّع نُذُرها في أفق قريب كل شيء. لذا من البراغماتية أن تعمل هذه القوى على حل المشكلات والأزمات وإعادة العالم إلى خط التعقُّل والتعاون، بدل ما نراه من سعي محموم لزعزعة الاستقرار في كل بقعة من بقاع العالم.

والأفضل حتماً أن تعمل هذه القوى بشكل جماعي بحيث يكون تأثيرها أكبر. وقد حصل تحرك في هذا الاتجاه عام 2008 عندما رُفع التمثيل في مجموعة العشرين إلى مستوى قادة الدول. غير أن الانقسام العمودي والأفقي في الكرة الأرضية بين شمال وجنوب وشرق وغرب أحبط الآمال في قيام عالم مستقرّ.

اليوم هناك فرصة جديدة لتآزر القوى المتوسطة لأن حلفاء الولايات المتحدة لم يعودوا ينظرون إليها بوصفها المدافع الأول عن الأمن الجماعي والتجارة الحرة وسيادة القانون. وفي المقابل، يثير صعود الصين الاقتصادي والسياسي قلق كثير من الدول التي صار ازدهارها يعتمد على «العملاق الأصفر».

وقد عبَّر رئيس الوزراء الكندي مارك كارني عن إدراك عميق للواقع عندما قال إن «القوى المتوسطة يجب أن تعمل معاً». ولا شك في أن هذا الرجل الضليع في عالم الاقتصاد والمال هو من الأقدر على التعامل مع الواقع العالمي، خصوصاً أنه اضطلع بمسؤوليات كبيرة على جانبي المحيط الأطلسي لأنه كان أول مواطن من دول الكومنولث من خارج بريطانيا يُعيَّن حاكماً لبنك إنجلترا (2013 - 2018) منذ إنشاء هذه المؤسسة في عام 1694.

جلسة عامة للقادة في قمة مجموعة العشرين بجوهانسبرغ في 23 نوفمبر 2025 (رويترز)

الدور الأوروبي

يمكن تصنيف كل الدول الأوروبية قوى متوسطة قادرة عل القيام بدور فاعل في ترتيب شؤون «البيت العالمي». غير أن اعتماد غالبية هذه الدول على الولايات المتحدة للدفاع عن أمنها وعلى الصين لإبقاء محركاتها الاقتصادية عاملة، يمنعها من أن تبادر للسير في الاتجاه المطلوب. والأمر نفسه ينطبق على كندا وأستراليا واليابان وكوريا الجنوبية. غير أن بقاء هذه القوى في زنزانة الخوف الأمني والقلق الاقتصادي سيضعفها أكثر ويعمّق حالة انعدام الوزن والاضطراب التي يعيشها العالم، وهو ما يُنبئ بالأسوأ في ظل سير «القطارين» الأميركي والصيني على خطّين متعارضين بما يحتّم حصول التصادم.

لذا يؤمَل أن يتحلى القادة بالشجاعة اللازمة لإحداث صدمة إيجابية تحيي الأمل بتجنُّب حرب عالمية ثالثة ستكون مدمِّرة بمختلف المقاييس، وتحدد الهدف الجماعي للأمم لئلا ينزلق النظام الدولي إلى حقبة من الفوضى والعنف والدمار. ولن يكون ذلك إلا بـ«تمرّد» القوى المتوسطة على القطبين الكبيرين، وإنشاء تحالفات جديدة وآليات تعاون قادرة على إحداث التغيير. أي يجب بمعنى آخر إيجاد «عملاق ثالث» يضم دولاً متآزرة ومتضامنة لئلا يقع المحذور.

لخَّص مارك كارني التخوف والقلق والمطلوب بقوله: «إذا لم نكن على الطاولة، سنكون على قائمة الطعام».


أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
TT

أكثر من 6 ملايين مسافر جواً تضرروا من الحرب ضد إيران

طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الإمارات» متوقفة في مطار بكوريا الجنوبية بعد إلغاء الرحلة نتيجة الحرب (رويترز)

قدَّرت شركة متخصصة، الجمعة، أن أكثر من ستة ملايين مسافر جواً من الشرق الأوسط وإليه، أُلغيت رحلاتهم منذ بدء الحرب ضد إيران قبل أسبوعين.

وأفادت شركة «سيريوم»، التي تُصدر بيانات عن حركة النقل الجوي، بأن أكثر من 52 ألف رحلة جوية أُلغيت منذ بدء الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران في 28 فبراير (شباط) الماضي، واليوم الجمعة، من أصل أكثر من 98 ألف رحلة مُجدْوَلة.

وأضافت أنه استناداً إلى معدل إشغال الطائرات البالغ 80 في المائة ووجود 242 مقعداً في المتوسط على متن كل طائرة، «نُقدّر أن أكثر من ستة ملايين مسافر تأثروا، حتى الآن، بإلغاء رحلات»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وتردّ إيران على الهجوم بإطلاق صواريخ ومُسيّرات نحو بلدان عدة في المنطقة، خصوصاً في الخليج، ما أجبر هذه الدول على إغلاق مجالها الجوي. وبينما أعاد بعضها فتحه، لكن مطارات رئيسية في مدن مثل دبي والدوحة، لا تزال تعمل بقدرة منخفضة.

وأدى الشلل شِبه التام بهذه المرافق إلى فوضى عارمة في النقل الجوي العالمي، حيث وجد مسافرون أنفسهم عالقين، ولا سيما في آسيا.

وأعلنت شركات طيران أوروبية وآسيوية، تمتلك طائرات تُجري رحلات طويلة، زيادة رحلاتها المباشرة بين القارتين.

وتُعد الخطوط الجوية القَطرية الأكثر تضرراً من حيث جداول رحلاتها من الشرق الأوسط، حيث اضطرت لإلغاء نحو 93 في المائة منها، وفق «سيريوم».

أما «الاتحاد للطيران»، ومقرها في أبوظبي، فألغت 81.7 في المائة من رحلاتها، بينما ألغت شركة طيران الإمارات في دبي 56.5 في المائة فقط من رحلاتها المنطلقة من الإمارة.

وتنقل شركة «طيران الإمارات» عدد ركاب يفوق بكثيرٍ المعدل الإقليمي في كل رحلة. ويبلغ معدل عدد المسافرين على متن رحلاتها 407 مسافرين، مقابل 299 مسافراً للخطوط الجوية القطرية، و261 مسافراً لـ«الاتحاد للطيران»، وفقاً لـ«سيريوم».

وانخفض معدل إلغاء الرحلات في المنطقة، بعدما تجاوز 65 في المائة، خلال الفترة من 1 إلى 3 مارس (آذار)، إلى أقل من 50 في المائة هذا الأسبوع، ليصل إلى 46.5 في المائة، الخميس، وفق «سيريوم».


أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
TT

أميركا ستدافع أمام محكمة العدل الدولية عن إسرائيل المتهمة بالإبادة في غزة

قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)
قصر السلام مقر محكمة العدل الدولية في لاهاي (أ.ب)

أعلنت محكمة العدل الدولية، الجمعة، أن الولايات المتحدة ستدافع أمامها عن حليفتها إسرائيل المتهمة بانتهاك اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية خلال حربها على قطاع غزة.

وقدّمت واشنطن ما يُعرف بـ«إعلان التوسط» إلى محكمة العدل الدولية، التي تنظر في القضية المرفوعة من جنوب أفريقيا ضد إسرائيل.

وأكدت واشنطن في الملف المقدم للمحكمة «بأشد العبارات الممكنة أن مزاعم (الإبادة الجماعية) الموجهة ضد إسرائيل باطلة».

وقالت الولايات المتحدة إن قضية جنوب أفريقيا هي الأحدث في سلسلة من «اتهامات باطلة بـ(الإبادة الجماعية) موجهة ضد إسرائيل» قالت إنها مستمرة منذ عقود.

وأضافت أن هذه الاتهامات تهدف إلى «نزع الشرعية عن دولة إسرائيل والشعب اليهودي، وتبرير أو تشجيع الإرهاب ضدهما»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ورفعت جنوب أفريقيا دعواها أمام محكمة العدل الدولية في ديسمبر (كانون الأول) 2023، معتبرة أن حرب غزة انتهكت اتفاقية الأمم المتحدة لمنع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها لعام 1948، وهو ما نفته إسرائيل بشدة.

وتقدمت أكثر من 12 دولة بطلبات للانضمام إلى القضية، ما يعني أنها ستعرض وجهات نظرها أمام المحكمة عند انعقادها، وهي عملية قد تستغرق سنوات.

وأبدت دول عدة نيتها الدفاع عن موقف جنوب أفريقيا ما يؤذن بمواجهة حاسمة في قصر السلام مقر المحكمة.

وأصدر قضاة محكمة العدل الدولية أحكاماً عاجلة في القضية من بينها أمر إسرائيل ببذل كل ما في وسعها لمنع الإبادة الجماعية في غزة والسماح بدخول المساعدات.

وفي حكم منفصل أكدت المحكمة أيضاً وجوب أن توفر إسرائيل «الاحتياجات الأساسية» للفلسطينيين للصمود.

وقرارات محكمة العدل الدولية، ومقرها لاهاي، ملزمة قانوناً لكن المحكمة لا تملك آلية لتنفيذها.

وتراجعت حدة القتال في غزة منذ اتفاق وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة في أكتوبر (تشرين الأول) بين إسرائيل وحركة «حماس»، رغم وقوع أعمال عنف متفرقة.