تركيا: اعتقالات جديدة لمشتبه بانتمائهم إلى حركة غولن بينهم عسكريون

القائد المفترض للانقلاب الفاشل أمام المحكمة: تم التلاعب بي

أعضاء من المعارضة التركية خلال احتجاجات تضامنية مع المضربين عن الطعام الذين طردوا من عملهم بعد المحاولة الانقلابية (أ.ف.ب)
أعضاء من المعارضة التركية خلال احتجاجات تضامنية مع المضربين عن الطعام الذين طردوا من عملهم بعد المحاولة الانقلابية (أ.ف.ب)
TT

تركيا: اعتقالات جديدة لمشتبه بانتمائهم إلى حركة غولن بينهم عسكريون

أعضاء من المعارضة التركية خلال احتجاجات تضامنية مع المضربين عن الطعام الذين طردوا من عملهم بعد المحاولة الانقلابية (أ.ف.ب)
أعضاء من المعارضة التركية خلال احتجاجات تضامنية مع المضربين عن الطعام الذين طردوا من عملهم بعد المحاولة الانقلابية (أ.ف.ب)

بينما تتواصل جلسات الاستماع في محاكمة المتهمين الرئيسيين بالتورط في محاولة الانقلاب الفاشلة التي شهتها تركيا في منتصف يوليو (تموز) 2016، أطلقت السلطات حملة اعتقالات جديدة تشمل عسكريين بتهمة الانتماء إلى حركة الداعية فتح الله غولن المتهم بتدبير محاولة الانقلاب. وأصدرت النيابة العامة في كل من العاصمة أنقرة ومدينة إسطنبول أمس الثلاثاء 268 مذكرة توقيف بحق أشخاص تتهمهم بمناصرة غولن المقيم في بنسلفانيا الأميركية منذ عام 1999 كمنفى اختياري.
وطلبت النيابة العامة في إسطنبول توقيف 144 من العسكريين المتهمين بالانتماء إلى حركة الخدمة التي يتزعمها غولن والتي أعلنتها السلطات تنظيما إرهابيا. وانطلقت على الفور حملة أمنية للقبض على المطلوبين. وقالت مديرية أمن إسطنبول، في بيان، إنه تم القبض على 35 شخصا من بين 144 مطلوبا خلال مداهمات في 42 مدينة.
كما أصدرت نيابة أنقرة مذكرات توقيف ضد 124 شخصا تشتبه في استخدامهم تطبيق «بايلوك» المشفر للرسائل القصيرة الذي كان وسيلة تواصل الانقلابيين من أتباع غولن، بحسب ما تقول السلطات التركية.
وبحسب مصادر أمنية فإن 33 من هؤلاء المطلوبين بينهم أعضاء في هيئة تكنولوجيا الاتصالات والمعلومات التركية، و36 في هيئة أسواق رأس المال، و55 عملوا في مدارس خاصة تابعة لحركة الخدمة أغلقتها السلطات التركية عقب محاولة الانقلاب الفاشلة حيث كانت الحركة تدير أكثر من ألف مدرسة في أنحاء تركيا، إضافة إلى جامعات وجمعيات خيرية ومساكن طلابية وصحف وقنوات تلفزيونية تم إغلاقها جميعا. كما اعتقلت السلطات التركية أكثر من 50 ألف شخص وفصلت أو أوقفت عن العمل أكثر من 150 ألفا آخرين في نطاق حملة تطهير واسعة في أجهزة الدولة المختلفة لا تزال مستمرة حتى الآن وتواجه بانتقادات حادة من جانب كثير من المنظمات الدولية والحقوقية إلى جانب الاتحاد الأوروبي وحلفاء تركيا الغربيين. وبدأ مكتب المدعي العام في إسطنبول تحقيقا أمس مع من تم ضبطهم من المطلوبين الذين من بينهم أيضا أكاديميون ومحامون ورجال شرطة.
في غضون ذلك، واصلت محكمة عليا في أنقرة لليوم الثاني على التوالي الاستماع إلى أقوال 221 من المتهمين في محاولة الانقلاب الفاشلة بينهم مائتان من الجنرالات والعسكريين من رتب مختلفة في مبنى كبير أقيم في ضاحية سنجان بالعاصمة التركية ليستوعب أعدادا كبيرة من المتهمين.
وكانت المحكمة بدأت الاستماع إلى المتهمين أول من أمس الاثنين، ونفى الجنرال أكين أوزتورك قائد القوات الجوية السابق، الذي يشار إليه على أنه القائد الميداني المفترض لمحاولة الانقلاب الفاشلة، أي علاقة له بهذه المحاولة، معتبرا أن العقاب الأكبر بالنسبة له هو محاكمته على مثل هذا الخيانة. متسائلا: «ما هو العقاب الأكبر لعسكري أمضى 46 عاما في زيه الرسمي؟» ووجه خطابه إلى الشعب التركي وإلى قادته الذين علموه في القوات المسلحة قائلا: «يجب على الجميع أن يعرفوا أنني لم أساهم ولا أعرف عن هذه المحاولة الانقلابية الغادرة أي شيء».
وأضاف أوزتورك، الذي ظهر في قفص الاتهام جنبا إلى جنب مع الجنرالات محمد ترزي ومحمد بارتي جوك و34 آخرين، وهم المتهمون بأنهم أعضاء مجموعة قيادة ما عرف بـ«مجلس السلام والصلح في الوطن»، الذي قاد محاولة الانقلاب في القضية التي يحاكم فيها غيابيا فتح الله غولن كمتهم أول، أنه كان ضحية خطة للتلاعب به. وأشار إلى أن حملة التعبئة والتشويه التي بدأت في الصحافة ضده انطلقت من ادعاء كاذب بأنه اعترف بدوره في محاولة الانقلاب حتى قبل أن يدلي بجملة واحدة أمام النيابة، لافتا إلى أن ما نشر بالصحف كذلك من أقوال لشهود مجهولين يقولون فيها إنه شارك في اللقاءات مع الانقلابيين قبل المحاولة الانقلابية جميعها كاذبة. كما نفى أوزتورك ما قيل عن أنه كان عضوا في المجموعة التي أنشئت لجعل رئيس هيئة الأركان العامة للجيش التركي خلوصي آكار قائدا لمحاولة الانقلاب قائلا: «لم أشارك في المجموعة التي تم إنشاؤها لجلب آكار لقيادة الانقلاب، ولم أشارك في أي عمل للقيام بذلك. ويمكن أن يسأل رئيس الأركان نفسه عن ذلك».
وردا على سؤال للمحكمة حول ما أدلى به في أقواله من أن رئيس الأركان خلوصي آكار كان يبدو مرتاحا وفي حالة استرخاء خلال أحداث المحاولة الانقلابية، قال أوزتورك: «إن رئيس الأركان العامة كان هادئا، ولكنه يشعر بشيء من القلق».
وأضاف أن آكار لم يبد عليه أنه كان بإمكانه وقف محاولة الانقلاب، وكان يقول إننا كقوات مسلحة نشعر بالخزي، وكان مستاء جدا، ولم يصدر أوامر بالقبض على الانقلابيين.
وعن سبب وجوده في مقر رئاسة أركان الجيش أثناء محاولة الانقلاب، قال أوزتورك إن السبب كان تلقيه مكالمة هاتفية من نائب رئيس الأركان عابدين أونال (كان يحضر حفل زفاف في أنقرة ليلة محاولة الانقلاب) الذي قال إنه «صديق منذ 45 عاما» الذي أبلغه أن هناك طائرات تحلق في سماء أنقرة وسأل ماذا يحدث، وطلب مني إعطاءه ملخصا لما يحدث، فذهبت إلى قاعدة أكينجي وعندما وصلت، كان الجنرال محمد ديشلي، وهاكان إفريم وعمر فاروق هارمانجيك هناك. اقتربت من رئيس الأركان خلوصي آكار وسألته: «ماذا يحدث يا قائدي؟» ذهبت إلى قيادة الفوج «143» بعدما قال لي «هم من فعلوا ذلك اذهب وتحدث إليهم»، وقال الزملاء في الأسطول لي «إنهم عازمون على القيام بذلك. وحاولت إقناعهم بعدم القيام بما يريدون ثلاث أو أربع مرات حتى الصباح».
وأضاف أن الانقلابيين في الفوج «143» اقتنعوا بالعدول عما عقدوا العزم عليه بعد بضع جولات من الحديث معهم، ثم قررنا معا التوجه إلى رئيس الوزراء مع رئيس الأركان، وتحدثنا عبر الهاتف ثم غير آكار رأيه. وقال لي: «أكين ابق أنت هنا لتتأكد من أنهم لن يفعلوا أي حماقة أخرى. وسآخذك من هناك ثم غادر مع محمد ديشلي».
في سياق مواز، واصلت أنقرة تحركاتها لحصار مؤسسات غولن في الخارج وقال رئيس الوزراء التركي بن علي يلدريم إن حكومته تنسق مع نظيرتها الجورجية للحد من نشاطات حركة غولن في جورجيا. جاءت تصريحات يلدريم، خلال لقائه عددا من رجال الأعمال الأتراك في العاصمة الجورجية تبليسي التي يزورها؛ للمشاركة في الاجتماع الثاني لمجلس التعاون الاستراتيجي التركي - الجورجي رفيع المستوى. ونجحت جهود أنقرة من قبل في إغلاق مدارس ومؤسسات غولن في كل من باكستان والأردن والسودان والمغرب والصومال وماليزيا وتسليم إدارتها إلى الحكومة التركية أو إلى الدول الموجودة فيها. وتوجد لحركة الخدمة التي يتزعمها غولن مدارس ومؤسسات في 170 دولة حول العالم.



تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
TT

تقرير: العملات المشفرة تموّل شراء الطائرات المسيّرة في روسيا وإيران

عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)
عملات مشفرة (رويترز - أرشيفية)

ذكر تقرير جديد صادر عن شركة «تشيناليزيس» المتخصصة في تحليلات سلاسل الكتل (بلوكتشين) أن جماعات مرتبطة بروسيا وإيران تستخدم بشكل متزايد العملات المشفرة لتمويل شراء الطائرات المسيّرة والمكونات العسكرية منخفضة التكلفة، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وصارت الطائرات المسيّرة المتاحة تجارياً عنصراً أساسياً في الصراعَين الدائرَين في أوكرانيا والشرق الأوسط، ولكن نظراً إلى توافر المسيّرات منخفضة التكلفة على نطاق واسع على منصات التجارة الإلكترونية العالمية، يواجه المسؤولون غالباً صعوبة في تتبع من يقف وراء عمليات الشراء وما قد تكون نواياه من وراء شراء هذه المنتجات.

وخلّصت «تشيناليزيس» إلى أنه في حين أن معظم مشتريات المسيّرات تتم باستخدام القنوات المالية التقليدية، فإن شبكات الشراء تتقاطع بشكل متزايد مع «بلوكتشين» العملات المشفرة، وهو السجل الرقمي العام الذي ترتكز عليه هذه العملات. ويتيح هذا السجل للمحققين تتبع مسار المعاملة من منشأها إلى وجهتها.

وتمكّن باحثون معنيون بـ«البلوكتشين» في شركة «تشيناليزيس» من تتبع تدفق العملات المشفرة من محافظ فردية مرتبطة بمطوري مسيّرات أو جماعات شبه عسكرية لشراء طائرات مسيّرة منخفضة التكلفة ومكوناتها من البائعين على مواقع التجارة الإلكترونية.

وذكر التقرير أنه منذ الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا في عام 2022، حصلت جماعات موالية لروسيا على أكثر من 8.3 مليون دولار من التبرعات بالعملات المشفرة، وكانت الطائرات المسيّرة من بين المشتريات المحددة بالتفصيل التي تمت باستخدام تلك التبرعات.

قال رئيس قسم استخبارات الأمن القومي في «تشيناليزيس»، آندرو فيرمان: «توجد فرصة مذهلة على (البلوكتشين)، بمجرد تحديد البائع لرؤية نشاط الطرف المقابل وإجراء تقييمات تساعد في توضيح الاستخدام والنية الكامنة وراء الشراء».

كما وجد التقرير أن جماعات مرتبطة بإيران تستخدم العملات المشفرة لشراء قطع غيار الطائرات المسيّرة وبيع المعدات العسكرية. وسلّط الضوء بشكل خاص على محفظة عملات مشفرة لها صلات بـ«الحرس الثوري» الإيراني تشتري قطع غيار مسيرات من مورد مقره هونغ كونغ.

وبالتأكيد لا يزال الحجم الإجمالي لمشتريات المسيّرات بالعملات المشفرة صغيراً مقارنة بالإنفاق العسكري الإجمالي، لكن التقرير أشار إلى أن تقنية سلاسل الكتل (بلوكتشين) يمكن أن تساعد السلطات على تتبع المشتريات بشكل أفضل التي ربما كانت ستظل غامضة لولا ذلك.

وقال فيرمان: «يمكن أن توفر تقنية (البلوكتشين) الكثير من المعلومات التي لا تتوافر بالضرورة بالطرق التقليدية».


الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
TT

الجامعة الأميركية في أرمينيا تنتقل للتعليم عن بُعد عقب تهديدات إيرانية

الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)
الجامعة الأميركية في أرمينيا (صفحة الجامعة على «فيسبوك»)

أعلنت الجامعة الأميركية في أرمينيا، الاثنين، الانتقال إلى التعليم عن بُعد على خلفية التهديدات الإيرانية باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا.

وقالت الجامعة في بيان، إنه «نتيجة التهديد الإيراني باستهداف الجامعات الأميركية في غرب آسيا والشرق الأوسط، ستنتقل جميع صفوف الجامعة الأميركية في أرمينيا يوم الاثنين 30 مارس (آذار)، لتصبح عبر الإنترنت بالكامل»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

وهددت إيران باستهداف الجامعات الأميركية في الشرق الأوسط، بعدما أفادت بأن ضربات أميركية - إسرائيلية دمّرت جامعتين إيرانيتين.

وقالت الجامعة الأميركية في أرمينيا إنها لم تتلقَّ أي تهديدات مباشرة، وشددت على أنه لا يوجد أي داعٍ للهلع، واصفة الخطوة بأنها «احترازية».

أشخاص يمرّون أمام البوابة الرئيسية لحرم «الجامعة الأميركية في بيروت» (AUB) في وسط بيروت - 13 يناير 2022 (أ.ف.ب)

وأصدر «الحرس الثوري الإيراني» بياناً أورده الإعلام الإيراني الأحد، جاء فيه أنه «إذا أرادت الحكومة الأميركية بألا تتعرض الجامعات الأميركية في المنطقة لردود انتقامية... فعليها إدانة قصف الجامعات» في بيان رسمي قبل ظهر الاثنين 30 مارس بتوقيت طهران.

ونصح «الحرس الثوري» موظفي وأساتذة وطلاب الجامعات الأميركية في المنطقة، «بالبقاء على بُعد كيلومتر واحد» على الأقل من الجامعات التي قد تُستهدف.

وأعلنت «الجامعة الأميركية في بيروت» في اليوم ذاته، العمل بنظام التعليم عن بُعد بشكل كامل يومي الاثنين والثلاثاء.

وفي الأردن، قالت الجامعة الأميركية في مادبا التي تبعد نحو 35 كيلومتراً من العاصمة عمّان، إن الصفوف الدراسية لطلابها البالغ عددهم 3 آلاف ستقام عبر الإنترنت حتى الخميس.


الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
TT

الحرب الإقليمية وأخطار الترابط والعولمة

ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)
ناقلة غاز ترفع علم جزر مارشال تبحر في المياه الهولندية (إ.ب.أ)

في عالمٍ مترابط إلى هذا الحد، لم تعد الحروب تُخاض على الجبهات فقط، بل داخل كل اقتصاد، وكل ميناء، وكل سلسلة إمداد...

لطالما سمعنا في «عصرنا الحديث» أن الترابط والعولمة هما محركان للسلام والازدهار، لكن الحقيقة أنهما يتحولان إلى مشكلتين كبيرتين في أوقات الحرب. فبدلاً من تعزيز الاستقرار، قد تحوّل مستويات التكامل العالية الاقتصادات إلى أسلحة فتّاكة أو تجعلها ضحايا، ويصبح الشركاء التجاريون خصوماً، وتحدث اضطرابات في كل أنحاء العالم.

بمعنى آخر، يؤدي الترابط والعولمة إلى انعكاس مباشر للأزمات الجيوسياسية على شبكات التجارة، والإنتاج، والتمويل التي بُنيت أساساً لتحقيق الكفاءة من دون أن تتمتع بالمرونة الكافية لامتصاص الصدمات. ومع تضرر سلاسل التوريد الحيوية بسبب الاضطرابات المختلفة من حروب، وجوائح، وكوارث طبيعية، قد تتحول الارتفاعات المؤقتة في الأسعار إلى ضغوط تضخمية مستدامة، مما يرفع منسوب خطر حصول الركود التضخمي.

قبل ست سنوات، كانت للكارثة الصحية التي سبّبها كائن مجهري صغير هو فيروس «كوفيد-19» تداعيات اقتصادية ضخمة: ضَمُر الطلب ليلامس الاضمحلال، اضطربت سلاسل التوريد، استفحلت الضائقة في كل مكان، وانكمشت الاقتصادات في طول الكرة الأرضية وعرضها، وتراجعت أسعار النفط بشكل مذهل في ظل توقف حركة الإنتاج، وملازمة مليارات البشر منازلهم.

مضيق هرمز (رويترز)

أخطار الصراع الإقليمي

في هذا السياق، تُبرز حرب إيران الآثار السلبية الخطيرة للترابط الاقتصادي والعولمة، إذ حوّلت سلاسل التوريد المشتركة إلى نقاط ضعف. وقد أدى الصراع إلى أزمة عالمية كبرى في مجالي الطاقة، والأمن الغذائي، مما يُظهر مدى سرعة تسبب عدم الاستقرار الإقليمي في أضرار اقتصادية عالمية.

ومع استمرار الحرب الإقليمية التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الفائت، بدأت الأسواق المالية أخيراً تعي احتمال تحول الصراع سريعاً إلى أزمة عالمية للاقتصاد الكلي. فالعوامل الجيوسياسية المتفجّرة تؤثر عادةً على جوانب عديدة من الاقتصاد العالمي، ليس أقلها التضخم، وسلاسل التوريد. وستتأثر الصين والهند وأوروبا بشكل أكبر على المدى القريب بسبب حاجتها الكبيرة إلى مصادر توليد الطاقة.

وكلما طالت الأزمة، ازداد تأثيرها على العديد من الاقتصادات العالمية الكبرى. والسبب واضح، فالشرق الأوسط ليس مجرد مصدر غنيّ للطاقة، والفرص الاستثمارية الهائلة، بل يضم أيضاً بعضاً من أهم سلاسل التوريد، والمواني العالمية.

ومعلوم أن المواني والممرات البحرية تضطلع بدور حيوي في الحفاظ على سلاسل الإمداد العالمية، واستمرار عجلة الاقتصاد العالمي في الدوران. ومعلوم أيضاً أن مضيق هرمز هو من أهم الممرات في الشرق الأوسط، ويمر عبره نحو خمس نفط العالم، وغازه. لذا لا يؤثر الإغلاق أو حتى «تضييق» المرور في المضيق على المنطقة فحسب، بل يمتدّ التأثير ليشمل كل دول العالم.

وإذا أُغلق باب المندب مجدداً، تزامناً مع إغلاق مضيق هرمز، فسيحصل شلل شبه تام في حركة التجارة العالمية بين الشرق والغرب، الأمر الذي سيدفع حتماً بالاقتصاد العالمي نحو ركود تضخمي حاد، مع ارتفاع جنوني في أسعار الشحن، والتأمين، وتحويل مسار السفن إلى طريق رأس الرجاء الصالح (جنوب أفريقيا) الأطول.

في نظرة استعادية، سبق أن حدثت حالات نقص حاد في إمدادات النفط نتيجة أحداث جسام، أهمها حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام 1973، والثورة الإيرانية عام 1979، واندلاع الحرب العراقية-الإيرانية عام 1980، وحرب الخليج عام 1990. ويكمن الاختلاف الرئيس بين إغلاق مضيق هرمز وهذه الحالات السابقة في حجمه الهائل. فعلى سبيل المثال، لم تتجاوز نسبة النفط المسحوب من السوق في 1973 و1990 إلا نحو 6 في المائة من إمدادات النفط العالمية، وفي 1979 و1980 لم تتجاوز 4 في المائة. أما اليوم، فيواجه العالم -حتى الآن- نقصاً يقارب 20 في المائة، مما يجعل هذا الحدث الجيوسياسي أكبر بثلاث إلى خمس مرات.

هذا الوضع الراهن حتماً هو الأخطر، فخنق الممرات المائية الضيقة يوسّع مسارات الأزمة بكل ارتداداتها العالمية، وبالتالي يُخرج الصراع عن حدوده الإقليمية ليتحوّل إلى مشكلة عالمية. ولعلّ باب المندب أهم من مضيق هرمز، لأنه يربط عبر قناة السويس بين أوروبا وآسيا وأفريقيا، لذا من الطبيعي أن يكون أحد أكثر الممرات الملاحية ازدحاماً في العالم، إذ تعبره ناقلات النفط، وسفن الشحن الآتية من المحيط الهندي للوصول إلى البحر الأحمر، ثم إلى قناة السويس، ومنها إلى البحر الأبيض المتوسط، وكذلك في الاتجاه المعاكس.

من أبرز مستفيد؟

وسط هذه الأزمة المتشعبة، يرجَّح أن تصير موسكو أبرز المستفيدين من إعادة صياغة تدفقات التجارة وروابطها. فالتحولات في أسواق الطاقة العالمية ذات أهمية بالغة لنظام فلاديمير بوتين الذي سيجني ثماراً قصيرة الأجل، مع احتمال أن تزداد المكاسب غير المتوقعة، وتصبح أكثر استدامة.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين (أ.ف.ب)

فمع ارتفاع أسعار النفط عموماً ستتدفق إيرادات إلى موازنة الدولة الروسية المتعثرة الخاضعة لعقوبات متنوعة بسبب حرب أوكرانيا. وتأمل موسكو أن تجد أوروبا نفسها أخيراً في أزمة نفط وغاز حادّة، الأمر الذي قد يُخفف حدّة موقفها تجاه المحروقات الروسية، ليس فقط بالسماح لروسيا بالتصدير إلى الاتحاد الأوروبي مجدداً، بل التوسل إليها عملياً للقيام بذلك. ويستند هذا الأمل أيضاً إلى كون الولايات المتحدة المورد الوحيد القادر على مساعدة أوروبا في مجال الغاز، وإلى تكهنات بأن أوروبا، في ظل تدهور العلاقات عبر الأطلسي، قد تُعيد النظر ملياً قبل الاعتماد المفرط على الإمدادات الأميركية المكلفة، ذلك أن سعر الغاز الأميركي المنقول إلى أوروبا أعلى أربع مرات عن سعر الغاز الروسي.

وبالتالي، إذا «عادت» أوروبا إلى الجار الروسي، فستتوتر العلاقة أكبر بين القارة القديمة وشريكتها الأطلسية التي صارت تعتبر أوروبا عبئاً أكثر من كونها حليفاً، وسنداً.

إلى أين سيذهب التدهور بالعالم؟

بعد فتح هذا «الهامش» للتحدث عن الجزئية الروسية، يبقى القول إن الوضع خطير، بل الأخطر منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. وثمة مؤشرات عديدة تنبئ بتدهور لا أحد يعرف مداه...

يقول فولكر تورك، المفوض السامي لحقوق الإنسان، إن «النزاع يثير مخاوف جدية بموجب القانون الدولي الذي يحظر الهجمات التي تستهدف المدنيين وبنيتهم ​​التحتية، والهجمات على الأهداف العسكرية حيث يكون الضرر الذي يلحق بالمدنيين غير متناسب».

يضيف المسؤول الأممي: «يتطلب عالمنا المترابط بشدة من جميع الدول إعادة الالتزام الكامل باحترام القانون الدولي وميثاق الأمم المتحدة. لا يمكننا العودة إلى الحرب كأداة للعلاقات الدولية».