الحكومة المغربية تتفاعل مع حراك الحسيمة... وترسل وفداً للاستماع للسكان

أعلنت عن إطلاق مشاريع تنموية فيها بكلفة 990 مليون دولار

وزير الفلاحة والصيد البحري في حوار مع أحد المواطنين خلال الزيارة التي قام بها الوفد الحكومي إلى الحسيمة (تصوير: مصطفى حبيس)
وزير الفلاحة والصيد البحري في حوار مع أحد المواطنين خلال الزيارة التي قام بها الوفد الحكومي إلى الحسيمة (تصوير: مصطفى حبيس)
TT

الحكومة المغربية تتفاعل مع حراك الحسيمة... وترسل وفداً للاستماع للسكان

وزير الفلاحة والصيد البحري في حوار مع أحد المواطنين خلال الزيارة التي قام بها الوفد الحكومي إلى الحسيمة (تصوير: مصطفى حبيس)
وزير الفلاحة والصيد البحري في حوار مع أحد المواطنين خلال الزيارة التي قام بها الوفد الحكومي إلى الحسيمة (تصوير: مصطفى حبيس)

استمع وفد حكومي مغربي رفيع المستوى، ترأسه وزير الداخلية عبد الوافي لفتيت، مساء أول من أمس بمدينة الحسيمة (شمال البلاد)، مطولا إلى منتخبي الإقليم وعدد كبير من أبناء المنطقة وممثلي المجتمع المدني فيها.
وطرح عدد كبير من مؤيدي الحراك الشعبي في المدينة أسئلة حرجة على الوفد الحكومي، ووجهوا للوزراء انتقادات لاذعة، مشيرين إلى الأوليات التي يرغب فيها سكان المنطقة، والمتمثلة أساسا في ضمان التعليم والتشغيل والصحة. وقد عد المراقبون اللقاء متنفسا لسكان المدينة، الذين أفرغوا أمام الوزراء ما يؤجج غيظهم من أوضاع اجتماعية واقتصادية متردية.
وتأتي زيارة الوفد الوزاري إلى الحسيمة أيضا في إطار التفاعل مع مسيرة يوم الخميس الماضي، التي نظمها الحراك الشعبي الذي رفع مطالب اجتماعية تهم تنمية المنطقة.
وأكد وزير الداخلية المغربي حرص الدولة على تأكيد التزاماتها التي أخذتها على عاتقها لصالح سكان المنطقة، وذلك من خلال الشروع في تنفيذ عدد كبير من المشاريع التنموية المدرجة في إطار برنامج «الحسيمة منارة المتوسط»، والبالغ عددها 533 مشروعا ترتبط بالكثير من القطاعات الحيوية، وذلك وفق رؤية شمولية متعددة الأبعاد، وبموازنة قدرها 6.5 مليار درهم (650 مليون دولار). إلى جانب برامج أخرى توجد قيد الإنجاز، ضمنها البرنامج المتعلق بتقليص الفوارق الترابية، الذي رصدت له موازنة قدرها 3.4 مليار درهم (340 مليون دولار)، وهو ما جعل الموازنة الكلية لهذه المشاريع تبلغ 9.9 مليار درهم (990 مليون دولار).
وأطلق مشروع «الحسيمة منارة المتوسط» عام 2015 من طرف العاهل المغربي الملك محمد السادس على أن يكون جاهزا كليا في 2019.
ووصف وزير الداخلية المغربي مطالب سكان الحسيمة بـ«الواقعية والمشروعة»، وقال إن الحكومة ستتفاعل معها بشكل إيجابي، موضحا أن عجلة أشغال مشروع «الحسيمة منارة المتوسط» ستتحرك في الفترة المقبلة بوتيرة أسرع.
وأعلن الفتيت أن الوزراء جاؤوا للحسيمة بتعليمات من الملك محمد السادس، مواصلة للتفاعل الإيجابي للحكومة مع حاجيات سكان الإقليم، وتنفيذا لالتزاماتها بالتسريع من وتيرة إنجاز مختلف المشاريع التنموية المندرجة في إطار مخطط «الحسيمة منارة المتوسط»، وأيضا لإيجاد أنجع الطرق لخلق بنية اقتصادية دائمة قابلة لاستيعاب الطاقات الشبابية، بهدف آفاق واعدة في حياتهم العملية عبر إدماجهم في سوق الشغل. بدوره قال محمد اليعقوبي، والي جهة طنجة - تطوان - الحسيمة، إن المشروع يروم إنجاز مراكز استشفائية مختصة، وتهيئة منطقة صناعية، وإنجاز عدد من المشاريع الاجتماعية الموجهة بالأساس للشباب والفئات الهشة.
وبخصوص الشق المتعلق بالتأهيل الترابي، أوضح اليعقوبي أن البرنامج يستهدف المناطق القروية من خلال فك العزلة عن العالم القروي، وغرس 8700 هكتار بالأشجار المثمرة، وتثمين المنتوجات المحلية. كما يستهدف الحسيمة الكبرى من خلال تهيئة مداخل المدينة والمحاور الطرقية الرئيسة بها، والفضاءات العمومية والفضاءات الخضراء والساحل من خلال بنّاء مارينا وتهيئة فضاءات ومناظر جميلة. وحول الشق المتعلق بالنهوض بالمجال الاجتماعي، أضاف اليعقوبي أن برنامج التنمية المجالية لإقليم الحسيمة يهم بناء مستشفى إقليمي ومركز لتصفية الدم وتجهيز المركز الجهوي للأنكولوجيا، وبناء وتجهيز خمسة مراكز صحية للقرب، وتأهيل وتجهيز البنيات الاستشفائية الموجودة، كما يهم بناء مؤسسات تعليمية وبناء ملعب كبير لكرة القدم وإحداث مسبح أولمبي، وقاعة مغطاة بمعايير دولية، إضافة إلى تشييد قاعتين مغطاتين ببلديتي أجدير وإساكن، وتهيئة ملاعب رياضية لفرق الهواة إلى جانب بناء مسرح ومعهد موسيقي ودار للثقافة.
أما بخصوص محور تعزيز البنيات التحتية فإن البرنامج يتضمن توسيع وتهيئة الطرق المصنفة، وإحداث محطة لتحلية مياه البحر وتزويد البلديات والقرى التابعة للإقليم بالماء انطلاقا من سدود أسفلو وبوهودة وبوعاصم، وتحديث وتوسيع شبكة الماء الشروب والكهرباء على مستوى مدن الحسيمة وأجدير، وإمزورن وبني بوعياش وتارجيست.
وضم الوفد الوزاري وزراء الداخلية، والفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، والتربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، والثقافة والاتصال، والتجهيز والنقل واللوجيستيك والماء، والصحة. كما ضم الوفد كاتبة الدولة (وزيرة دولة) المكلفة الماء، والكاتب العام (وكيل) لوزارة التعمير، والكاتب العام لوزارة الشباب والرياضة، والمدير العام للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب، والوالي المدير العام للجماعات المحلية (البلديات).
وأعرب محمد حصاد، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، عن ارتياحه للمؤشرات المشجعة لإقليم الحسيمة، الذي حقق نسبة نجاح عالية في الباكالوريا (الثانوية العامة) (77 في المائة مقابل 55 في المائة كمعدل وطني)، وأقل نسبة اكتظاظ، مضيفا أنه ابتداء من السنة المقبلة سيتم حل هذا المشكل في مختلف جهات المملكة.
ولتحقيق ذلك، يقول الوزير حصاد، سيتم بذل جهد كبير في مجال التوظيف على المستوى الوطني، بما في ذلك تخصيص 500 أستاذ لإقليم الحسيمة وحده، معلنا من جهة أخرى أن نواة جامعية سيتم إحداثها قريبا بمجرد توفر الوعاء العقاري، وستكون تابعة لجامعة عبد المالك السعدي.
من جانبه عزيز أخنوش، سجل وزير الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، أنه تم حتى الآن غرس 16 ألف هكتار من الأشجار المثمرة، منها أشجار الزيتون واللوز والتين في إطار مخطط «المغرب الأخضر»، فضلا عن غرس 12 ألف هكتار في إطار البرنامج ذاته، مشيرا إلى إطلاق أربع وحدات تحويلية خاصة بهذه المنتوجات، وإنجاز وتجهيز مصنع للحليب في الأشهر المقبلة.
من جهة أخرى، قال أخنوش إنه جرى حل مشكل الدلفين الأسود (نيغرو) الذي يعاني منه الصيادون، وأنه سيتم تعويض الأشخاص المتضررين، مضيفا أن مشاريع طموحة لتربية الأحياء المائية سيتم إنجازها، وستساهم في تنمية التشغيل.
واعتبر وزير التجهيز والنقل واللوجستيك والماء، عبد القادر عمارة أن التأخر المسجل في إنجاز بعض المشاريع المهيكلة، لا سيما الطريق السريع تازة - الحسيمة، المشروع الذي سيربط الإقليم بالطريق السيار، مرتبط على الخصوص بمسطرة نزع الملكية، مشيرا إلى أن 70 في المائة من الأشغال تم إنجازها. وأبرز أن ما لا يقل عن ملياري درهم (200 مليون دولار) تمت تعبئتها أيضا من أجل تعزيز البنيات التحتية الطرقية في إطار مختلف البرامج الحالي تنفيذها بالإقليم.
وفي القطاع الصحي، تحدث وزير الصحة الحسين الوردي عن تعبئة نحو 520 مليون درهم (52 مليون دولار) خلال السنوات الخمس الأخيرة، تم تخصيصها بالأساس لتوسيع مستشفى محمد الخامس (42 مليون درهم (4.2 مليون دولار)، الذي ستنتهي به الأشغال قريبا، وإنجاز مستشفى إمزورن (63 مليون درهم(6.3 مليون دولار)، والذي سيدخل حيز الخدمة نهاية السنة.
وأشار الوردي إلى إعادة تأهيل وتجهيز مركز الأنكولوجيا، وبناء ستة مراكز استشفائية جديدة، وإعادة تأهيل 29 مركزا آخر، فضلا عن أن الحسيمة ستتوفر قريبا على مركز استشفائي إقليمي كبير. كما أوضح الوردي أن هذا المركز الاستشفائي، الذي تبلغ طاقته الاستيعابية 250 سريرا، والذي سينجز بكلفة 374 مليون درهم(37. 4 مليون دولار)، يوجد حاليا في طور الإنجاز.
وتحدث وزير الثقافة والاتصال، محمد الأعرج عن المشاريع المبرمجة، أو التي هي قيد الإنجاز، مثل المسرح الكبير، ومعهد للموسيقى بمعايير دولية بالحسيمة، ومركز ثقافي بإمزورن، وقال أن وزارته تعتمد سياسة للقرب من خلال إرساء شراكات لتعميم المراكز الثقافية على مجموع الجماعات وتثمين التراث.
من جهتها أبرزت شرفات أفيلال، كاتبة الدولة المكلفة الماء، أهمية الجهود المبذولة لمواجهة النقص الذي يعاني منه إقليم الحسيمة في مجال الموارد المائية، مشيرة إلى الأهمية التي يكتسيها بناء سد غيس، الذي رصدت له موازنة بقيمة 3.‏1 مليار درهم (130 مليون دولار). وأوضحت أفيلال أن هذا السد، الذي تصل حقينته إلى 93 مليون متر مكعب، سيستغل في تعميم الولوج إلى الماء الصالح للشرب وفي الري، مضيفة أن مبلغا آخر بقيمة 170 مليون درهم (17 مليون دولار)، خصص لمشاريع حماية بعض المناطق من الفيضانات، والتي أنجزت نسبة كبيرة منها.
أما المدير العام للمكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب علي الفاسي الفهري، فأكد على أهمية المشاريع المنجزة بالإقليم منذ سنة 2004، ومنها تعميم الولوج إلى الماء الشروب والكهرباء في العالم القروي، مضيفا أن مجهودا استثماريا جبارا بذل لتحقيق الأهداف المحددة.
وقال الفاسي الفهري إن الحسيمة أضحت نموذجا على الصعيد الوطني في مجال التطهير السائل، مضيفا أن نسبة الولوج إلى الماء الشروب ارتفعت من 43 في المائة سنة 2004 إلى 83 في المائة حاليا، وستصل إلى 90 في المائة في إطار برنامج «الحسيمة.. منارة المتوسط».
وأشار إلى أن هذه المنجزات ستتعزز بإحداث محطة لتحلية مياه البحر وسد غيس مستقبلا.
وتفقد الوفد الحكومي في الحسيمة، التي تشهد مظاهرات شعبية منذ ستة أشهر، مشاريع تنموية في المنطقة، بهدف «تسريعها»، وهو مطلب رئيسي للمحتجين. ويشهد إقليم الحسيمة مظاهرات منذ مصرع بائع السمك محسن فكري نهاية أكتوبر (تشرين الأول) الماضي طحنا داخل شاحنة نفايات. واتخذت هذه المظاهرات مع الوقت طابعا اجتماعيا وسياسيا للمطالبة بالتنمية في المنطقة التي يعتبر سكانها أنها مهمشة.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.