جمال عبد الناصر بعيني زوجته

حياتها الأسرية معه وذكرياتها عنه خارج عالم السياسة

جمال عبد الناصر بعيني زوجته
TT

جمال عبد الناصر بعيني زوجته

جمال عبد الناصر بعيني زوجته

عبد الناصر زوجي
تأليف: تحية جمال عبد الناصر
الناشر: مطبعة الجامعة الأميركية في القاهرة
122 صفحة

لم يكن عبد الناصر أول من يقوم بانقلاب عسكري، ذلك التقليد العربي الشائن، فقد بدأها العسكر في سوريا قبله. كما لم تكن «العروبة» من بنات أفكاره فقد نشأ هذا المفهوم في مصر وسوريا في القرن التاسع عشر. وكان سجل عبد الناصر في كل المجالات السياسة الداخلية والخارجية دون المتوسط على أدنى تقدير.
وقد حظي عبد الناصر خلال حكمه بشعبية جارفة في مصر وبعض دول العالم العربي، فشهدت جنازته عام 1970 في القاهرة أضخم حشد رأيته في أي مكان خلال عقود من العمل الصحافي. وكان حزن قطاع كبير من المصريين لوفاته كبيرا. لكن هدف السيدة تحية عبد الناصر من كتابة كتابها «عبد الناصر زوجي» لم يكن تقييم سجل عبد الناصر. بل يهدف هذا الكتاب الرائع تصوير الديكتاتور زوجا وأبا وإنسانا.
شرعت السيدة تحية في كتابة هذا الكتاب عام 1973، بعد ثلاث سنوات من رحيل عبد الناصر. ولو كان تأليف كتاب رحلة، لصح هذا على كتابها، فقد بدأت من دون خارطة طريق واضحة، فقد أرادت فقط أن ترى إلى أين تأخذها ذكرياتها.
كانت هناك ثلاثة أسباب وراء عدم تحول الكتاب إلى دفاع عن مناقب عبد الناصر. أولها أن السيدة تحية تحدثت عن عبد الناصر بصفته زوجا، وهو ما يعني التركيز على السنوات التي سبقت سيطرته على مقاليد الحكم. في تلك السنوات الثماني، 1944 - 1952، كان لدى ناصر الوقت ليكون الزوج والأب، لكنه بعد ذلك انهمك في دوامة ابتعد بها عن تحية.
وثانيا لأن تحية كانت بعيدة تماما على المشهد السياسي لحياة زوجها ومن ثم فهي لا تمتلك ما يكفي من المعلومات لتقديم رأي معتبر.
وأخيرا، كان ناصر داهية سياسية، يغير السياسات وحتى الآيديولوجيات ليتناسب مع المناسبة، وبالتالي كان من الصعب سبر أغواره وتحليله. اعتنق العلمانية ولكن نظم أيضا منظمة المؤتمر الإسلامي وسافر إلى مكة للحج في أول فرصة. تخبرنا تحية بأن ناصر طوال حياته كان يحمل نسخة مصغرة أو اثنتين من القرآن الكريم في جيبه. بدأ عبد الناصر سياسيا مواليا للولايات المتحدة لكن تحول بعد ذلك إلى السوفيات في الوقت الذي ادعى أنه مؤيد لعدم الانحياز. فكان مؤيدا للقومية العربية في يوم، وفي يوم آخر كان حاملا للواء الاشتراكية.
تقدم قصة عبد الناصر نظرة ثاقبة على قدرة المجتمع المصري في ظل النظام الملكي على توفير فرص الترقي الاجتماعي عبر الجيش والنظام الإداري للدولة. وعلى الرغم من ثراء أسرة تحية ذات الأصول الإيرانية، كان ناصر من خلفية متواضعة. وتمكن جمال أن يتزوج تحية، لأن الجيش وفر له السبيل للصعود إلى الطبقة الوسطى. وقام الزوجان بكل ما كانت تفعله الطبقات الوسطى التي نشأت في مصر في ذلك الوقت، من شراء المنزل، وبناء أسرة والتمتع بقدر من المجتمع الاستهلاكي الوليد الذي تصوره هوليوود والأفلام المصرية التي حاولت السير على خطاها. كان الاثنان من هواة السينما، وقضوا كثيرا من الأمسيات في دور السينما. وبعد أن أصبح رئيسا، بنى ناصر قاعة سينما خاصة في قصر الرئاسة. وأعطى الألمان الشرقيون ناصر كاميرا تصوير استخدمها لصنع سلسلة من الأفلام المنزلية.
وبدأ عبد الناصر وأسرته في اختبار عادات المستهلكين الجدد، فكانوا يقضون إجازاتهم على شاطئ البحر ويحضرون عروض الأوبرا، كما حاولوا تعلم اللغة الإنجليزية وحلموا بالسفر إلى أوروبا. وقد كان امتلاك مركبة خاصة من أبرز الطموحات التي سعت عائلة عبد الناصر لتحقيقها، وهذا ما تحقق لهم عندما اشتروا سيارة من طراز أوستن سوداء اللون بريطانية الصنع (وقد بقيت هذه السيارة في حوزتهم لفترة طويلة بعد تولي عبد الناصر لمنصب رئيس الجمهورية!)
ويعج كتاب تحية عبد الناصر بكثير من القصص المدهشة، التي عند ربطها ببعضها تعكس لنا صورة عن مصر ما قبل الانقلاب العسكري كمجتمع ليبرالي إلى حد كبير، إذ تذكر تحية على سبيل المثال أن منزلها تحول إلى مخزن لإخفاء كميات كبيرة من الأسلحة والذخائر التي كان عبد الناصر ورفاقه من الضباط، مثل عبد الحكيم عامر وصلاح سالم، يستولون عليها من الجيش خلال أنشطتهم السرية، وهذا ما يثير الدهشة، إذ كيف بقيت الحكومة المصرية على مدى سنوات لا تعرف شيئا عما سيحدث ولا متى سيحدث، تاركة العنان بكل بساطة لعبد الناصر ومكتفية بالتوبيخ الشفهي الذي تلقاه من رئيس الوزراء في ذلك الوقت إبراهيم عبد الهادي.
لقد بنيت أسطورة عبد الناصر جزئيا على الزعم القائل بأنه كان هناك تنظيم يعرف بـ«الضباط الأحرار» الذي أنشاه وتولى زعامته عبد الناصر، تلك الأسطورة التي روجها، حسب ما أوردته تحية في كتابها، قادة الانقلاب بعد استيلائهم على السلطة. وتصور تحية «عامر» في كتابها على أنه الصديق الصدوق، بل وكأنه أخ لعبد الناصر، لكنها توضح أن الضابط، الذي تقلد فيما بعد منصب المشير، لعب دورا صغيرا في الانقلاب ويدين بالمكانة التي وصل إليها لعبد الناصر. وتضيف أن عامر حاول القيام بانقلاب ضد عبد الناصر بعد هزيمة 1967، لكن الانقلاب فشل، فانتحر المشير.
وتبدو تحية في كتابها أقل ثناء على الجنرال محمد نجيب، الضابط الكبير الذي استغله عبد الناصر كواجهة في المراحل المبكرة من العملية العسكرية للاستيلاء على السلطة، فقد كانت نظرة عائلة عبد الناصر لنجيب على أنه فلاح «ذو بشرة داكنة اللون». وإذا جاز لنا أن نصدق كل ما أوردته تحية في كتابها، فينبغي أن نضع في الاعتبار ما ذكرته من أن محمد نجيب حاول القيام بانقلاب داخل الانقلاب لاغتيال عبد الناصر. كما تسرد تحية في كتابها حادثة تقول فيها بشكل ضمني إن محمد نجيب حاول قتل خالد، ابن عبد الناصر، بعد ولادته مباشرة عندما أرسل صندوقا من الشوكولاته إلى عنبر الولادة. وحتى عندما أصبح رئيسا لمصر، لم يكن لنجيب كيان يذكر، حتى أن عبد الناصر كان يكتب المراسيم (القرارات) الرسمية ويرسلها له ليوقعها من دون مناقشة، وبالتالي كان محتما أن تنتهي حياة نجيب في الإقامة الجبرية.
أما أنور السادات، خليفة عبد الناصر في منصب الرئاسة، فلم يحتل مكانا ذا بال في كتاب تحية التي وصفته بأنه كان «ذا بشرة داكنة جدا». وتزعم تحية أن السادات لم يكن له دور في خطة الانقلاب الرئيسية، كما أنه لم يعلم شيئا عن تلك الخطوة التي أقدم عليها عبد الناصر. لكن عبد الناصر اتصل بالسادات، في اللحظات الأخيرة، وطلب منه التوجه إلى مبنى الإذاعة المصرية لقراءة البيان لقائد الانقلاب. وفي إحدى المرات أبدت تحية لعبد الناصر ملاحظتها أن السادات «ذا بشرة داكنة جدا» فرد عبد الناصر: «لكنه زوجته جميلة جدا».
وحسب تحية، كان عبد الناصر يكتب المقالات الافتتاحية في جريدة الجمهورية اليومية لكنه يوقعها باسم أنور السادات، كما أنه كان يكتب المقال الافتتاحي الأسبوعي لجريدة الأهرام، كان يوقعها باسم محمد حسنين هيكل.
وتزعم الأسطورة الناصرية أن الكولونيل عبد الناصر حارب الإسرائيليين وجرح أثناء القتال فبقي يكرههم طيلة حياته. وتعرض تحية في كتابها صورة مختلفة عن حادثة الفالوجة، فتقول إن الإسرائيليين حاصروا عبد الناصر ومجموعته في الفالوجة فتدخلت منظمة الصليب الأحمر وأطلقت سراحهم، بيد أن عبد الناصر كان قد تعرض لإصابة طفيفة بسبب شظية أثناء محاولته الهروب في سيارته الـ«جيب». وخلال فترة الحصار نشأت علاقة صداقة بين عبد النصر وضابط إسرائيلي يدعى كوهين الذي سأل عبد الناصر عن طفله الجديد عندما تقابلا بعد الهزيمة التي تعرض لها العرب في 1967.
وعلى الرغم من أنه كان قارئا نهما للصحف والجرائد، لم يكن ناصر يهتم بقراءة الكتب. وتقول تحية إن الكتاب الوحيد الذي رأت زوجها يمسكه بيده كان كتيبا صغيرا عن «أبي ذر الغفاري»، أحد المسلمين الأوائل الذي يصفه عبد الناصر بأنه «مؤسس الاشتراكية الإسلامية».
وتذكر تحية في كتابها مشاهد تستدعي إلى الذاكرة سلسلة شرطة كيستون (أو كيستون كوبس) وهي مجموعة من الأفلام الكوميدية الصامتة من إنتاج شركة «كيستون» في بداية القرن العشرين. تروي تحية أحد تلك المشاهد فتقول إنه في أثناء زيارة دولة لعبد الناصر والأسرة والوفد المرافق له إلى يوغوسلافيا، عندما استولى الجيش العراقي على السلطة في بغداد عام 1958، أكد هيكل، الذي كان ضمن الوفد، أن أسطول الولايات المتحدة السادس كان يعد لاختطاف عبد الناصر أثناء عودته عن طريق البحر إلى الإسكندرية، وإزاء تلك الأنباء فقد تم وضع تحية وباقي الوفد تحت حماية الجيش اليوغوسلافي في أحد القصور في جزيرة بريوني، بينما اختفى عبد الناصر تماما. وبعد ذلك علموا أن مدمرة بحرية روسية قد نقلت عبد الناصر على وجه السرعة إلى الاتحاد السوفياتي، ثم عاد عبد الناصر عن طريق الجو من موسكو على متن طائرة حربية إلى القاهرة.
وبوصف أخاذ، تشير تحية في أحد أجزاء الكتاب إلى أن زوجها قد أصيب بمرض السكري بعد انهيار الوحدة بين مصر وسوريا على إثر الانقلاب الذي قاده البعثيون في دمشق. وتحتوي المواقف التي سردتها تحية في الكتاب على كثير من المشاهد المؤثرة، من بينها مشهد عودة عبد الناصر إلى المنزل بعد تقديم استقالته في أعقاب هزيمة يونيو (حزيران) 1967 على يد إسرائيل، حين ابتلع الديكتاتور المنكسر حبوبا منومة ثم لبس بيجامته وخلد إلى النوم. بالمناسبة كانت البيجامة من قماش ناعم مقلم، كما تخبرنا تحية.
بيد أن طريقة تحية عبد الناصر في سرد الأحداث مشوقة.



فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي
TT

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

فكري الجزار يتقصى جذور الصمت في الشعر العربي

ينطلق كتاب «سيمياء الصمت في الشعر العربي: من القصيدة التقليدية إلى التفاعلية»، للناقد المصري الدكتور محمد فكري الجزار، من عدة مرتكزات: أولها أن الصمت ليس فراغاً ولا مجرد مساحات فارغة من الصوت، والثاني أن الشعر وحده من بين الفنون هو الذي لا يفقد نعمة الصمت، بل إنه «يتكلم الصمت؛ إذ يوسع من مساحة الاختلاف بين الوجود الذي يقدمه بصمته، والوجود الذي ابتذله صخب الأصوات الذي لا يكاد يتوقف». أما المرتكز الثالث فهو أن التأليف في الصمت منزع جديد على الثقافة العربية المعاصرة، وإن لم يكن جديداً على تراثنا الذي تناوله - غالباً - من منظور اجتماعي أخلاقي وديني وصوفي.

الكتاب، الصادر في القاهرة عن «دار بيت الحكمة»، يتكون من ثلاثة أبواب رئيسة، أولها: «الصمت سيميائياً». وفي هذا الباب بفصوله الأربعة، يسعى المؤلف إلى التأصيل للصمت، فلسفياً ولغوياً وبلاغياً واجتماعياً وفقهياً، محاولاً تقصّي جذوره في الثقافة العربية، فضلاً عن العودة إلى أطروحات الفرنسي فرديناند دي سوسير في محاضراته الشهيرة حول ثنائية اللغة والكلام، فيتقاطع التأصيل التراثي مع الحداثي، والعربي مع الغربي، والفلسفي مع الصوفي، معتمداً على ذخيرة معرفية وثقافية ممتدة زمانياً ومكانياً، من ابن جني والجاحظ، إلى الفرنسي رولان بارت، والأميركي تشارلز ساندرس بيرس، ومن أبي حامد الغزالي إلى الفيلسوف الفرنسي جاك دريدا والألماني مارتن هايدغر، محاولاً خلق قاعدة تنظيرية جديدة ومبتكرة لقراءة الصمت وسبر أغواره، ثم الانتقال من التنظير إلى الممارسة النقدية تطبيقياً.

ويذهب المؤلف في هذا الباب إلى أن الصمت يعيد الإنسان إلى وجوده الحق، النقي، المتخلص من صخب العالم؛ فيعود الإنسان في حالة صمته إلى ذاته مجرَّدة من كل ما يحيط بها من أصوات صاخبة تفصل بينها وبين وجودها الأول الخالص؛ فالكلام والصوت مرادفان للعالم، بكل اشتراطاته ومواضعاته وطبيعته الاجتماعية المحكومة بقوانين الجماعة، في حين أن الصمت مرادف للذات ووجودها الأولي المحض، المنفلت من كل القيود الاجتماعية المسبقة، مشيراً إلى أننا «حين نصمت، فإننا نعود إلى تجربتنا في الوجود التي قطعنا عنها الكلام، صامتين مثل صمته، منصتين إلى أصوات صمته، لنكتشف، من دون خوف من رقيب أو مراعاة لشرط للوجود»، موضحاً أن «الانسحاب من صخب كلام العالم إلى تجربة الصمت عودة من العالم إلى الوجود؛ حيث مبتدأ كل شيء، وحيث العلامات خالصة، والذات في أصفى حالات ذاتيتها، وظاهرة الوجود تكاد تشف عن ماهيتها».

الباب الثاني: «الصمت وأنماط الخطاب»، ينطلق من أن تجليات ظاهرة مرتهنة إلى نمط خطابه، وأن هناك ثلاثة أنماط لكل خطاب، منها الخطاب الشعري موضع الدراسة، وهذه الأنماط الثلاثة هي: النمط الشفاهي، والنمط الكتابي، والنمط التفاعلي. وعلى هذا ينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول تحمل عناوين: «الشعرية الشفاهية» و«الشعرية الكتابية» و«الشعرية التفاعلية». ويعالج كل فصل - نظرياً - نمطاً من هذه الأنماط، بما يجعل منها تمهيداً للباب الثالث الخاص بالتطبيقات. هذا الباب محاولة للوقوف على المحطات الثلاث المفصلية في تاريخ الثقافة الإنسانية، بدءاً من الصيغة الشفاهية، مروراً بابتكار الكتابة وتغلغل الصيغة الكتابية في الوعي الإنساني، وصولاً إلى الحقبة الأحدث؛ حقبة عصر الصور وما بعد الحداثة، بصيغتها التفاعلية المعتمدة على التقنية والانتقال إلى شاشات الكومبيوتر بروابطها وتفاعليتها، والمساحات التي يشتغل فيها الصمت داخل صيغة منها، وكيفية اشتغاله داخلها سيمائياً، بوصف الصمت علامة مشحونة بالدلالة، سواء أكان صمتاً صوتياً في الشفاهية، أو كتابياً في مساحات الصفحة المكتوبة، أو في النص الرقمي التفاعلي.

الباب الثالث «تطبيقات»، بمثابة التحقق الواقعي للأفكار النظرية والفلسفية الماثلة في البابين الأولين؛ فهو الممارسة التطبيقية لكل الجدال والتقعيد النظري السابق عليه، وينقسم هذا الباب إلى ثلاثة فصول، يتوقف المؤلف في كل منها عند تحليل نموذج شعري ينتمي إلى نمط من الأنماط الثلاثة، حتى يبدو جامعاً لتحولات الشعر العربي على مدار تاريخه، عبر هذه النماذج الثلاثة؛ فقد جاء الفصل الأول من هذا الباب بعنوان «الصمت في الشعر الشفاهي»، ويتوقف فيه عند نماذج من الشعر الجاهلي، خصوصاً في معلقتي امرئ القيس وطرفة ابن العبد، موضحاً كيفية اشتغال الصمت في المعلقتين من خلال جملة من التقنيات الشعرية، منها: «جماليات الصمت الإنشادي، والصمت التركيبي، والبناء للمجهول بوصفه صمتاً عن الفاعل، وحذف السؤال والبناء عليه، وحذف جواب السؤال، وحذف الفضلة، والحذف الدلالي».

ويركز الفصل التطبيقي الثاني: «الصمت في الشعر الكتابي»، على أعمال الشاعر المصري الراحل رفعت سلام، بوصفها نموذجاً شعرياً على شعرية الصمت في الكتابة الشعرية، متوقفاً عند استثمار الشاعر في دواوينه المختلفة لمساحات البياض، وتقسيم الصفحة إلى نصفين غير متعادلين، وقسمتها إلى متن وحاشية، وتصرفه في حجم الخط ونوعه، ودخول الصورة إلى متن الصفحة، معتبراً أن الصمت يندس بين هذه التفاصيل، خصوصاً في مساحات البياض والفراغ، موضحاً أن كلمات اللغة تتحول إلى «أشياء تأخذ مكانها في الصفحة، كما تتخذ الأشياء موقعها في الوجود، ومن ثم فهي صامتة بحرفها، دالة بهيئتها، كما هي أشياء الوجود»، في إشارة إلى صمت الصورة الحي للنطق، وتحول الكلمة من صوت إلى رسم طباعي في فضاء الصفحة.

أما الفصل الثالث؛ فعنوانه «الصمت في الشعر التفاعلي»، ويذهب إلى أن صفحة الشعر التفاعلي تتكون من مجموعة نصوص متنوعة في أنظمة علاماتها، وتظهر محايثة بوصفها فضاءات متجاورة، ولا يمثل النص اللغوي أكثر من فضاء ضمن هذه الفضاءات. ويتخذ هذا الفصل من شعر الشاعر العراقي مشتاق معن عباس نموذجاً رئيساً له، خصوصاً في ديوانه: «ما نريد وما لا نريد»، موضحاً أن اللغة (الصوت) لا تنفرد بإنتاج دلالة النص؛ حيث ترتهن دلالتها إلى دوال الصمت في النص من خلفية وأيقونة وألوان، وهو ما يؤكد (حسب الجزار) فاعلية «المالتيميديا» في تحرير الشعرية التفاعلية من أَسْر أصوات اللغة، وأن الأيقونية في النص التفاعلي مبدأ بنيوي تندمج فيه مختلف أنظمة العلامات، فحتى الصوت اللغوي قائم في المكان ومتخذاً شكلاً بصرياً، ليس بحكم كتابته، وإنما بحكم المرآة التي يظهر على سطحها. كما يتوقف هذا الفصل عند نموذج شعري آخر في ديوان «شجر البوغاز» للشاعر المغربي منعم الأزرق.

ويختتم الجزار كتابه بفصل عن «الصمت في القرآن الكريم»، تعقبه خاتمة جامعة لما توصل إليه في كتابه، يؤكد فيها أن الصمت حالة أنطولوجية، وأنه كلام غير منطوق، كما أن الكلام صمت منطوق، ويعرج على جدلية العلاقة بين الصوت والصمت، وأن اختراق الأخير للأول يجعل كل ما ينتمي للكلام ممكناً في الصمت، ما دام هذا الأخير له إنتاجيته الدلالية مثل الأول.


«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة
TT

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

«غرق السلمون»... السرد من قلب السلطة

تُمثّل رواية «غرق السلمون» نقطة مفصلية في المسار الروائي لواحة الراهب، التي ارتبط اسمها في المجال العام بوصفها ممثلة ومخرجة وفنانة بصرية، بينما ظل إنتاجها السردي مخفياً خلف حضورها كممثلة وكمخرجة في الوجدان الثقافي العربي. غير أنّ هذا المسار الروائي، الممتد عبر أربع روايات متتابعة صدرت بين مصر ولبنان، دون سوريا بالطبع بسبب موقفها الصارم من النظام الشمولي، يكشف عن مشروع أدبي متماسك لا يمكن فصله عن تصور الكاتبة للكتابة بوصفها ممارسة معرفية ذات رهانات سياسية وأخلاقية. فالرواية هنا ليست انعكاساً فنياً لموقف من السلطة فحسب، بل محاولة لصياغة نموذج سردي قادر على الإمساك بالعلاقة المعقدة بين القمع وتحوّلات الذات، وبين البنية السياسية والعلاقات اليومية في العائلة والمجتمع.

تغطي الرواية زمناً تاريخياً يوازي تحولات السلطة في سوريا منذ مرحلة الأسد الأب، مروراً بانتقال الحكم إلى الأسد الابن، وصولاً إلى انفجار 2011 وما تلاه وما رافقه من عنف سياسي واسع ونتائج إنسانية كارثية شملت الاعتقال والتصفية والتهجير. لكن اللافت أن النص لا يتعامل مع هذه المرحلة كأحداث سياسية خارجية تصلح للتوثيق، بل ينقلها إلى الداخل: إلى لغة النفس، وإلى هندسة البيت، وإلى علاقات القرابة، بوصفها الموضع الحقيقي الذي تُختبر فيه السلطة. بهذا المعنى، فإن الرواية تتخلى عن وهم الفصل بين المجالين العام والخاص، وتعرض كيف يتحول الخاص ذاته إلى ساحة تمارس فيها الدولة منطقها بوسائل مختلفة.

تعتمد الرواية مدخلاً افتتاحياً صادماً يقوم على مأساة رحلة الهجرة البحرية، حيث تُقدَّم البطلة أمل داخل سياق موت جماعي لا ينجو منه إلا هي ورضيعة تنتشلها في لحظة قصوى. هذه البداية لا يمكن فهمها باعتبارها مقدمة درامية فحسب، بل باعتبارها استراتيجية زمنية؛ إذ يعلن النص منذ الأسطر الأولى أنّ الحكاية لن تُروى بمنطق التطور التقليدي، بل بمنطق الانهيار. إن الحاضر هنا ليس نقطة نجاة أو تجلٍّ لكينونة تماهي البطلة مع السلمون المهاجر الذي يسير عكس التيار العام، بل هو لحظة قصوى تفرض على السرد آليته: الاسترجاع بوصفه محاولة لفهم الطريق الذي أوصل إلى الهاوية. وهو بشكل من الأشكال قواعد لفهم النص قبل الغوص فيه.

من خلال هذه العتبة، يُعاد تعريف مفهوم النجاة؛ فالنجاة لا تُقدَّم كتجاوز ناجح للكارثة، بل كحالة معلقة بين الحياة والموت، تفرض على الشخصية أن تعيد تركيب ذاتها من شظايا ذاكرة لا تهدأ.

إذا كانت الرواية تنطلق من مشهد البحر، فإن بنيتها الداخلية تعود لتشتغل على منبع أبكر للعنف: العائلة. فالأب، القادم من مؤسسة أمنية نافذة، لا يُقدَّم كشخصية نفسية منفصلة، بل كجهاز سلطة مكتمل ينتقل بمنطقه إلى داخل الحياة الأسرية. إن هيمنته لا تقتصر على القرار السياسي أو النفوذ الاجتماعي، بل تتسلل إلى تفاصيل تشكيل المصائر: علاقات الحب، خيارات الزواج، صورة الشرف، ونمط العقاب والمكافأة.

تتحول القرية والبيت إلى فضاءين متداخلين: قصر واسع يُبنى كعلامة على النفوذ، وفرع أمني يُبنى كأداة للردع، ثم بيت يصبح امتداداً للفرع. هنا تفكك الرواية فكرة السلطة باعتبارها شيئاً خارجياً بعيداً. إنها تبرهن سردياً على أن الاستبداد يتجسد أولاً في شروط التربية والتطبيع، حيث يصبح العنف حالة طبيعية، لا استثناءً.

في البناء السردي، تتبنى واحة الراهب تعدد الرواة، بحيث يُمنح أكثر من صوت مساحة للقول من موقعه الخاص: البطلة، والأب، والإخوة، والحبيب. وهذه التقنية تمنح الرواية طابعاً شبه حواري؛ إذ لا تُبنى الشخصيات عبر وصف خارجي، بل عبر أنماط من السرد الذاتي تكشف منظوراتها عن نفسها وعن العالم.

تكتسب هذه التقنية أهمية مزدوجة؛ فمن جهة، هي تفكك الهيمنة التقليدية للراوي العليم، وتمنع فرض تفسير واحد للأحداث. ومن جهة أخرى، تتيح الاقتراب من عالم أتباع السلطة من الداخل: كيف يفكرون؟ كيف يخافون؟ كيف يتصرفون حين لا يكونون في المكاتب العسكرية؟

غير أنّ هذا الاقتراب لا يعمل بوصفه مشروع تلطيف أو تعاطف، بل بوصفه أداة تشريح: كشف البنية الإنسانية للجلاد من دون تحويل هذه الإنسانية إلى مبرّر أو عذر. وبذلك تنجح الرواية في بناء مسافة نقدية تسمح للقارئ بأن يصدر حكمه الخاص، لا أن يتلقى حكماً جاهزاً من الكاتبة.

تعرض الرواية ثلاثة إخوة بوصفهم ثلاثة أنماط للذات التي تُنتجها البيئة الأمنية - الأبوية - البطريركية، أخ يرث النموذج الأبوي ويعيد إنتاجه داخل الأجهزة حتى يصير فاعلاً أساسياً في القمع. أخ آخر يذهب باتجاه الاعتراض والتفكير النقدي، ثم يُسحق أو يُدفَع إلى مصير غامض خارج سردية النجاة الواضحة. أخ ثالث يُستبعد ويُخفى ويتحول وجوده إلى عبء على صورة العائلة، ما يكشف نمطاً آخر من الاستبداد: استبداد إدارة الفضيحة، لا استبداد السلاح وحده. ويظهر كيف يرسم الطاغية المستبد صورته بأدق تفاصيلها البعيدة عن إنسانية الحياة، حيث لا ضعف، لا أفراد ضعفاء، لا نساء تتخذ قرارات عاطفية تقرر مصيرها.

تعمل هذه النماذج بوصفها مفاتيح لفهم استمرارية النظام: لا يستمر بالعسكر فقط، بل بتدوير الأبناء داخل ممراته، وتوزيع الأدوار عليهم، بحيث يصبح كل فرد مشروع وظيفة داخل ماكينة أكبر منه.

تُحمّل الرواية مفهوم التحرر أكثر من مستوى؛ إذ لا يتعلق الأمر فقط بالخلاص من السلطة السياسية، بل من سلطات متعددة متراكبة: سلطة الأب، سلطة الأخ، سلطة الزوج، سلطة المجتمع تجاه المرأة، وأخيراً السلطة التي تمارسها الذات على نفسها عبر الخوف والتردد وتطبيع الألم. تتقاطع هذه المستويات لتؤكد أن القمع حين يستقر في الأعصاب، يصبح جزءاً من الشخصية، لا مجرد قوة خارجية.

هنا يكتسب مسار البطلة معنى وجودياً؛ الهرب ليس انتقالاً جغرافياً فحسب، بل صراع مع داخليتها التي تشكلت داخل منظومة القهر. وإعادة اكتشاف لذاتها المتألمة المتأملة.

على الرغم من قوة الموضوع وبراعة البنية العامة، تفتح الرواية على إشكال نقدي يتعلق بالأسلوب؛ إذ في المقاطع ذات الطابع التأملي، حيث تتقاطع الذات مع صورة السمكة بوصفها تمثيلاً للوجود، ينزاح السرد أحياناً نحو كثافة لغوية مشدودة إلى قاموس يضم لغة عليمة لا تتناسب مع مفردات شخصيات العمل، أو لنقل لغة أعلى من وعي هذه الشخصيات، بما يخلق مسافة بين القارئ والنص في لحظات كان يفترض أن تبلغ أعلى درجات القرب. هنا تتداخل الرغبة في رفع اللغة إلى مستوى مجازي رفيع مع خطر إنتاج غموض غير منتج، غموض لا يفتح التأويل بل يعيق ربما الاستقبال.

ومن منظور سرديات الصدمة تحديداً، فإن اللغة حين تصبح أثقل من التجربة نفسها قد تفقد وظيفتها الوسيطة؛ إذ لا تعود جسراً بين النص والقارئ، بل تتحول إلى حجاب. وهذه نقطة بالغة الحساسية؛ لأن الرواية تتعامل مع مادة إنسانية تقتضي أعلى درجات التوازن بين البلاغة والوضوح، وبين الشعرية والشفافية. وهو ما يجعل القارئ ينزاح نحو الواقع الذي يعرفه ويماثله أو يطابقه في ذهنه على حساب اللغة الأدبية الشفيفة الموجودة في النص.

تقدم «غرق السلمون» سرداً شديد الطموح لتجربة سوريا تحت الاستبداد؛ لا بوصفها قصة سياسية فحسب، بل بوصفها نظاماً يعيد تشكيل البشر من داخل بيوتهم. تفكك الرواية العلاقة بين الأب والسلطة، بين الجهاز والعائلة، بين الحب والتعذيب، وتطرح سؤال النجاة باعتباره سؤالاً أخلاقياً ووجودياً لا ينتهي بالوصول إلى مكان آمن. إن النص يظل عملاً ذا قيمة عالية في مقاربته لآليات القمع، وفي جرأته على بناء عالم السلطة من الداخل، لا الاكتفاء بإدانته من الخارج. عدا عن كونها تجربة غاية في الجرأة الذاتية لروائية سورية تقدم حفراً عميقاً في بيئة القمع التي عايشها السوريون جميعاً ولعقود طويلة.

* كاتب سوري


متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي
TT

متاهة الاكتئاب الرقمي

متاهة الاكتئاب الرقمي

ضمن سلسلة «روايات مصرية للجيب» التي تصدرها دار «المؤسسة العربية الحديثة» بالقاهرة، صدرت رواية «الأيام الأخيرة في حياة فرويد» للكاتب السيد شحتة، التي تنطلق من مشهد صادم يحاول فيه الشاب مازن الغمراوي بعد ساعات من تخرجه في قسم علوم الحيوان بكلية العلوم التخلص من حياته عبر إلقاء نفسه في النيل، ومع فشل المحاولة تتوالى مفارقات شتى.

يتحول القط الصغير الذي تقوده المصادفة لمنع الشاب المحبط من الانتحار إلى سبب في إعادة اكتشاف الغمراوي لنفسه، وفي محاولة فهمه للتغيرات الحادة في سلوكيات البشر من حوله، والتي يجد على إثرها نفسه وحيداً في مواجهة عالم لا يرحم بعد رحيل أبيه واستيلاء عمه على ميراثه لا يلتقي مخلصاً أو داعماً سوى هذا المخلوق الصغير.

رغم طابع التشويق والإثارة الذي يميز لغة السرد في الرواية، فإن البعد النفسي حاضر فيها بقوة منذ العنوان الذي يشير إلى عالم النفس الشهير سيغموند فرويد ومروراً بالعديد من الإشارات الدالة إليه وإلى مقولاته، فضلاً عن حاجة شخصيات النص الماسة إلى الخضوع إلى منهجه الشهير في التحليل النفسي بعد كل هذه الاضطرابات التي يعانون منها، فالقلق مهيمن عليها في ظل مستقبل محفوف بالمخاطر وضبابية لا تغيب.

ورغم أن الرواية لا تدور بالأساس حول فرويد، فإنها تحاول استحضار روحه، وكأنها تريد أن توصل رسالة بأن هذا العالم الذي يقف على شفى الجنون في حاجة إلى مخلّص نفسي، وأن مشاكلنا نفسية قبل أي شيء آخر.

تجعل الرواية من ثنائية مازن والقط مدخلاً لإعادة فهم العالم وتفسير الكثير من المعادلات المختلة التي فُرضت بقوة الأمر الواقع، عبر علاقة شديدة الخصوصية بين بشر وحيوان أليف، بينما تبقى الشخصيات الحائرة والمضطربة في الرواية في دائرة المعاناة منذ الصفحات الأولى وحتى النهاية تعاني من الوحدة والقلق والاكتئاب الرقمي والتوحش الإنساني.

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات من قبل: «ميتافيرس»، و«شفرة المخ»، و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«عندما خلعت عني رداء الطفولة وأفكارها الحالمة قررت أن استمتع بكسر القيود الشكلية التي وضعها أبي من أجل الحفاظ على صورة ابنة الأكابر البراقة في عيون المجتمع، من خلف ظهر الرقباء الذين يرفعون له تقارير سرية عني مثل أي موظف في شركاته. انتزعت حريتي كاملة.

كرهت كل الرجال لأنهم يشبهون أبي أو يخافون منه وبعضهم طامعون في ثروته، لكن متعتي الخاصة لا تدوم طويلاً، حاولتُ الانتحار أكثر من مرة وللأسف فشلت فشلاً ذريعاً، لم أجد أمامي مفراً من الانتقام من الشخص الوحيد الذي دمر حياتي وهو كامل السبع، أرسلت له العشرات من نداءات الاستغاثة المتوالية، أخبرته بكل اللغات أنني لا أريد شيئاً أكثر من أن يشعرني بأي طريقة أنني أعني له شيئاً ولكن بلا جدوى.

أبي وأمي يطفئان نار حروبهما الباردة في جسدي. الابنة الصغرى، التي وقفت حجر عثرة في طريق تحول الانفصال غير المعلن بينهما إلى طلاق رسمي، يجب أن تتحمل ثمن أخطاء الآخرين. كل منهما يؤذي الآخر ويظن أننا لا نعرف رغم أن أدق التفاصيل تتردد في الفيلا على ألسنة الخادمات والعمال».

والسيد شحتة روائي وناقد مصري صدرت له ثلاث روايات سابقة هي «ميتافيرس» و«شفرة المخ» و«سرايا عمر أفندي»، ويبدو عالمه الإبداعي مشغولاً بقضايا التحولات الرقمية وأثرها على الإنسان.